سورة الأنعام الآية ١٥١
سورة الأنعام الآية ١٥١
۞ قُلۡ تَعَالَوۡا۟ أَتۡلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمۡ عَلَیۡكُمۡۖ أَلَّا تُشۡرِكُوا۟ بِهِۦ شَیۡـࣰٔاۖ وَبِٱلۡوَ ٰلِدَیۡنِ إِحۡسَـٰنࣰاۖ وَلَا تَقۡتُلُوۤا۟ أَوۡلَـٰدَكُم مِّنۡ إِمۡلَـٰقࣲ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكُمۡ وَإِیَّاهُمۡۖ وَلَا تَقۡرَبُوا۟ ٱلۡفَوَ ٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَۖ وَلَا تَقۡتُلُوا۟ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِی حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ ذَ ٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ﴿١٥١﴾
تفسير السعدي
يقول تعالى, لنبيه صلى الله عليه وسلم: " قُلْ " لهؤلاء الذين حرموا ما أحل الله. " تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ " تحريما عاما, شاملا لكل أحد, محتويا على سائر المحرمات, من المآكل, والمشارب, والأقوال, والأفعال. " أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا " أي: لا قليلا ولا كثيرا. وحقيقة الشرك بالله: أن يعبد المخلوق, كما يعبد الله, أو يعظم كما يعظم الله, أو يصرف له نوع من خصائص الربوبية والإلهية. وإذا ترك العبد الشرك كله, صار موحدا, مخلصا لله في جميع أحواله. فهذا حق الله على عباده, أن يعبدوه, ولا يشركوا به شيئا. ثم بدأ بآكد الحقوق بعد حقه فقال: " وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا " من الأقوال الكريمة الحسنة, والأفعال الجميلة المستحسنة. فكل قول وفعل, يحصل به منفعة للوالدين, أو سرور لهما, فإن ذلك, من الإحسان, وإذا وجد الإحسان, انتفى العقوق. " وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ " من ذكور وإناث " مِنْ إِمْلَاقٍ " أي: بسبب الفقر وضيقتكم من رزقهم, كما كان ذلك موجودا في الجاهلية القاسية الظالمة. وإذا كانوا منهيين عن قتلهم في هذه الحال, وهم أولادهم, فنهيهم عن قتلهم, لغير موجب, أو قتل أولاد غيرهم, من باب أولى, وأحرى. " نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ " أي: قد تكفلنا برزق الجميع, فلستم الذين ترزقون أولادكم, بل ولا أنفسكم, فليس عليكم منهم ضيق. " وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ " وهي الذنوب العظام المستفحشة. " مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ " أي: لا تقربوا الظاهر منها, والخفي, أو المتعلق منها بالظاهر, والمتعلق بالقلب والباطن. والنهي عن قربان الفواحش, أبلغ من ن النهي عن مجرد فعلها, فإنه يتناول النهي عن مقدماتها, ووسائلها الموصلة إليها. " وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ " وهي: النفس المسلمة, من ذكر, وأنثى, صغير, وكبير, بر, وفاجر, والكافرة التي قد عصمت, بالعهد والميثاق. " إِلَّا بِالْحَقِّ " كالزاني المحصن, والنفس بالنفس, والتارك لدينه, المفارق للجماعة. " ذَلِكُمْ " المذكور " وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ " عن الله وصيته, ثم تحفظونها, ثم تراعونها, وتقومون بها. ودلت الآية, على أنه بحسب عقل العبد, يكون قيامه بما أمر الله به.
التفسير الميسر
قل -أيها الرسول- لهم: تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم: أن لا تشركوا معه شيئًا من مخلوقاته في عبادته، بل اصرفوا جميع أنواع العبادة له وحده، كالخوف والرجاء والدعاء، وغير ذلك، وأن تحسنوا إلى الوالدين بالبر والدعاء ونحو ذلك من الإحسان، ولا تقتلوا أولادكم مِن أجل فقر نزل بكم؛ فإن الله يرزقكم وإياهم، ولا تقربوا ما كان ظاهرًا من كبير الآثام، وما كان خفيًّا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، وذلك في حال القصاص من القاتل أو الزنى بعد الإحصان أو الردة عن الإسلام، ذلكم المذكور مما نهاكم الله عنه، وعهد إليكم باجتنابه، ومما أمركم به، وصَّاكم به ربكم؛ لعلكم تعقلون أوامره ونواهيه.
تفسير الجلالين
"قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ" أَقْرَأ "مَا حَرَّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ أَ" نْ مُفَسِّرَة "لَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَ" أَحْسِنُوا "بِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادكُمْ" بِالْوَأْدِ "مِنْ" أَجْل "إمْلَاق" فَقْر تَخَافُونَهُ "نَحْنُ نَرْزُقكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِش" الْكَبَائِر كَالزِّنَا "مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ" أَيْ عَلَانِيَتهَا وَسِرّهَا "وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْس الَّتِي حَرَّمَ اللَّه إلَّا بِالْحَقِّ" كَالْقَوَدِ وَحَدّ الرِّدَّة وَرَجْم الْمُحْصَن "ذَلِكُمْ" الْمَذْكُور "وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" تَتَدَبَّرُونَ
تفسير ابن كثير
قَالَ دَاوُد الْأَوْدِيّ عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ عَلْقَمَة عَنْ اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُر إِلَى وَصِيَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي عَلَيْهَا خَاتَمه فَلْيَقْرَأْ هَؤُلَاءِ الْآيَات " قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا - إِلَى قَوْله - لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " وَقَالَ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْرَكه : حَدَّثَنَا بَكْر بْن مُحَمَّد الصَّيْرَفِيّ عَنْ عُرْوَة حَدَّثَنَا عَبْد الصَّمَد بْن الْفَضْل حَدَّثَنَا مَالِك بْن إِسْمَاعِيل الْمَهْدِيّ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيل عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ عَبْد اللَّه بْن خَلِيفَة قَالَ : سَمِعْت اِبْن عَبَّاس يَقُول فِي الْأَنْعَام آيَات مُحْكَمَات هُنَّ أُمّ الْكِتَاب ثُمَّ قَرَأَ " قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ " الْآيَات ثُمَّ قَالَ الْحَاكِم : صَحِيح الْإِسْنَاد وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ قُلْت وَرَوَاهُ زُهَيْر وَقَيْس بْن الرَّبِيع كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ عَبْد اللَّه بْن قَيْس عَنْ اِبْن عَبَّاس بِهِ وَاَللَّه أَعْلَم . وَرَوَى الْحَاكِم أَيْضًا فِي مُسْنَده مِنْ حَدِيث يَزِيد بْن هَارُون عَنْ سُفْيَان بْن حُسَيْن عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي إِدْرِيس عَنْ عُبَادَة بْن الصَّامِت قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيّكُمْ يُبَايِعنِي عَلَى ثَلَاث ثُمَّ تَلَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ " حَتَّى فَرَغَ مِنْ الْآيَات فَمَنْ وَفَى فَأَجْره عَلَى اللَّه وَمَنْ اِنْتَقَضَ مِنْهُنَّ شَيْئًا فَأَدْرَكَهُ اللَّه بِهِ فِي الدُّنْيَا كَانَتْ عُقُوبَته وَمَنْ أَخَّرَ إِلَى الْآخِرَة فَأَمْره إِلَى اللَّه إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ ثُمَّ قَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ وَإِنَّمَا اِتَّفَقَا عَلَى حَدِيث الزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي إِدْرِيس عَنْ أَبِي عُبَادَة بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاَللَّهِ شَيْئًا الْحَدِيث وَقَدْ رَوَى سُفْيَان بْن حُسَيْن كِلَا الْحَدِيثَيْنِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْسَب إِلَى الْوَهْم فِي أَحَد الْحَدِيثَيْنِ إِذَا جَمَعَ بَيْنهمَا وَاَللَّه أَعْلَم. وَأَمَّا تَفْسِيرهَا فَيَقُول تَعَالَى لِنَبِيِّهِ وَرَسُوله مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا غَيْر اللَّه وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمْ اللَّه وَقَتَلُوا أَوْلَادهمْ وَكُلّ ذَلِكَ فَعَلُوهُ بِآرَائِهِمْ وَتَسْوِيل الشَّيَاطِين لَهُمْ " قُلْ " لَهُمْ " تَعَالَوْا " أَيْ هَلُمُّوا وَأَقْبِلُوا " أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ " أَيْ أَقُصّ عَلَيْكُمْ وَأُخْبِركُمْ بِمَا حَرَّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا لَا تَخَرُّصًا وَلَا ظَنًّا بَلْ وَحْيًا مِنْهُ وَأَمْرًا مِنْ عِنْده" أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا " وَكَأَنَّ فِي الْكَلَام مَحْذُوفًا دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاق وَتَقْدِيره وَأَوْصَاكُمْ " أَلَّا تُشْرِكُوا شَيْئًا " وَلِهَذَا قَالَ فِي آخِر الْآيَة " ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ " وَكَمَا قَالَ الشَّاعِر : حَجَّ وَأَوْصَى بِسُلَيْمَى الْأَعْبُدَا أَنْ لَا تُرَى وَلَا تُكَلِّم أَحَدَا وَلَا يَزَلْ شَرَابُهَا مُبَرَّدًا وَتَقُول الْعَرَب أَمَرْتُك أَنْ لَا تَقُوم وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث أَبِي ذَرّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَانِي جِبْرِيل فَبَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا مِنْ أُمَّتك دَخَلَ الْجَنَّة قُلْت وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قُلْت وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قُلْت وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ شَرِبَ الْخَمْر وَفِي بَعْض الرِّوَايَات أَنَّ قَائِل ذَلِكَ هُوَ أَبُو ذَرّ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ فِي الثَّالِثَة وَإِنْ رَغِمَ أَنْف أَبِي ذَرّ فَكَانَ أَبُو ذَرّ يَقُول بَعْد تَمَام الْحَدِيث وَإِنْ رَغِمَ أَنْف أَبِي ذَرّ وَفِي بَعْض الْمَسَانِيد وَالسُّنَن عَنْ أَبِي ذَرّ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول اللَّه تَعَالَى" يَا اِبْن آدَم إِنَّك مَا دَعَوْتنِي وَرَجَوْتنِي فَإِنِّي أَغْفِر لَك عَلَى مَا كَانَ مِنْك وَلَا أُبَالِي وَلَوْ أَتَيْتنِي بِقُرَابِ الْأَرْض خَطِيئَة أَتَيْتُك بِقُرَابِهَا مَغْفِرَة مَا لَمْ تُشْرِك بِي شَيْئًا وَإِنْ أَخْطَأْت حَتَّى تَبْلُغ خَطَايَاك عَنَان السَّمَاء ثُمَّ اِسْتَغْفَرْتنِي غَفَرْت لَك " وَلِهَذَا شَاهِد فِي الْقُرْآن قَالَ اللَّه تَعَالَى " إِنَّ اللَّه لَا يَغْفِر أَنْ يُشْرَك بِهِ وَيَغْفِر مَا دُون ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء " وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ اِبْن مَسْعُود مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّة وَالْآيَات وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا كَثِيرَة جِدًّا وَرَوَى اِبْن مَرْدُوَيْهِ مِنْ حَدِيث عُبَادَة وَأَبِي الدَّرْدَاء لَا تُشْرِكُوا بِاَللَّهِ شَيْئًا وَإِنْ قُطِعْتُمْ أَوْ صُلِبْتُمْ أَوْ حُرِقْتُمْ وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَوْف الْحِمْصِيّ حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي مَرْيَم حَدَّثَنَا نَافِع بْن يَزِيد حَدَّثَنِي سَيَّار بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ يَزِيد بْن قوذر عَنْ سَلَمَة بْن شُرَيْح عَنْ عُبَادَة بْن الصَّامِت قَالَ : أَوْصَانَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعِ خِصَال أَلَّا تُشْرِكُوا بِاَللَّهِ شَيْئًا وَإِنْ حُرِقْتُمْ وَقُطِعْتُمْ وَصُلِبْتُمْ رَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم وَقَوْله تَعَالَى " وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا" أَيْ وَأَوْصَاكُمْ وَأَمَرَكُمْ بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا أَيْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى " وَقَضَى رَبّك أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا " وَقَرَأَ بَعْضهمْ وَوَصَّى رَبّك أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا أَيْ أَحْسِنُوا إِلَيْهِمْ وَاَللَّه تَعَالَى كَثِيرًا مَا يَقْرِن بَيْن طَاعَته وَبِرّ الْوَالِدَيْنِ كَمَا قَالَ " أَنْ اُشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْك إِلَيَّ الْمَصِير وَإِنْ جَاهَدَاك عَلَى أَنْ تُشْرِك بِي مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْم فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبهمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيل مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعكُمْ فَأُنَبِّئكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ " فَأَمَرَ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا وَإِنْ كَانَا مُشْرِكَيْنِ بِحَسْبِهِمَا وَقَالَ تَعَالَى " وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاق بَنِي إِسْرَائِيل لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّه وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا " الْآيَة وَالْآيَات فِي هَذَا كَثِيرَة وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : سَأَلْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيّ الْعَمَل أَفْضَل ؟ قَالَ الصَّلَاة عَلَى وَقْتهَا قُلْت ثُمَّ أَيّ ؟ قُلْ بِرّ الْوَالِدَيْنِ قُلْت ثُمَّ أَيّ ؟ قَالَ الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه قَالَ اِبْن مَسْعُود : حَدَّثَنِي بِهِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ اِسْتَزَدْته لَزَادَنِي وَرَوَى الْحَافِظ أَبُو بَكْر بْن مَرْدُوَيْهِ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء وَعَنْ عُبَادَة بْن الصَّامِت كُلّ مِنْهُمَا يَقُول أَوْصَانِي خَلِيلِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَطِعْ وَالِدَيْك وَإِنْ أَمَرَاك أَنْ تَخْرُج لَهُمَا مِنْ الدُّنْيَا فَافْعَلْ وَلَكِنْ فِي إِسْنَادَيْهِمَا ضَعْف وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَوْله تَعَالَى " وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادكُمْ مِنْ إِمْلَاق نَحْنُ نَرْزُقكُمْ وَإِيَّاهُمْ " لَمَّا أَوْصَى تَعَالَى بِالْوَالِدَيْنِ وَالْأَجْدَاد عَطَفَ عَلَى ذَلِكَ الْإِحْسَان إِلَى الْأَبْنَاء وَالْأَحْفَاد فَقَالَ تَعَالَى " وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادكُمْ مِنْ إِمْلَاق " وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْتُلُونَ أَوْلَادهمْ كَمَا سَوَّلَتْ لَهُمْ الشَّيَاطِين ذَلِكَ فَكَانُوا يَئِدُونَ الْبَنَات خَشْيَة الْعَار وَرُبَّمَا قَتَلُوا بَعْض الذُّكُور خَشْيَة الِافْتِقَار وَلِهَذَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ أَيّ الذَّنْب أَعْظَم ؟ قَالَ أَنْ تَجْعَل لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَك قُلْت ثُمَّ أَيّ ؟ قَالَ أَنْ تَقْتُل وَلَدَك خَشْيَة أَنْ يُطْعَم مَعَك قُلْت ثُمَّ أَيّ ؟ قَالَ أَنْ تُزَانِي حَلِيلَة جَارك ثُمَّ تَلَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَاَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّه إِلَهًا آخَر وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْس الَّتِي حَرَّمَ اللَّه إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ " الْآيَة وَقَوْله تَعَالَى" مِنْ إِمْلَاق " قَالَ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة وَالسُّدِّيّ وَغَيْره : هُوَ الْفَقْر أَيْ وَلَا تَقْتُلُوهُمْ مِنْ فَقْركُمْ الْحَاصِل. وَقَالَ فِي سُورَة الْإِسْرَاء " وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادكُمْ خَشْيَة إِمْلَاق " أَيْ لَا تَقْتُلُوهُمْ خَوْفًا مِنْ الْفَقْر فِي الْآجِل وَلِهَذَا قَالَ هُنَاكَ " نَحْنُ نَرْزُقهُمْ وَإِيَّاكُمْ " فَبَدَأَ بِرِزْقِهِمْ لِلِاهْتِمَامِ بِهِمْ أَيْ لَا تَخَافُوا مِنْ فَقْركُمْ بِسَبَبِ رِزْقهمْ فَهُوَ عَلَى اللَّه وَأَمَّا هُنَا فَلَمَّا كَانَ الْفَقْر حَاصِلًا قَالَ " نَحْنُ نَرْزُقكُمْ وَإِيَّاهُمْ " لِأَنَّهُ الْأَهَمّ هَهُنَا وَاَللَّه أَعْلَم وَقَوْله تَعَالَى " وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ " كَقَوْلِهِ تَعَالَى" قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْم وَالْبَغْي بِغَيْرِ الْحَقّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاَللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّل بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّه مَا لَا تَعْلَمُونَ " وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرهَا فِي قَوْله تَعَالَى" وَذَرُوا ظَاهِر الْإِثْم وَبَاطِنه " وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا أَحَد أَغْيَر مِنْ اللَّه مِنْ أَجْل ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَقَالَ عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر عَنْ وَرَّاد عَنْ مَوْلَاهُ الْمُغِيرَة قَالَ : قَالَ سَعْد بْن عُبَادَة لَوْ رَأَيْت مَعَ اِمْرَأَتِي رَجُلًا لَضَرَبْته بِالسَّيْفِ غَيْر مُصَفَّح فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَة سَعْد ؟ فَوَاَللَّهِ لَأَنَا أَغْيَر مِنْ سَعْد وَاَللَّه أَغْيَر مِنِّي مِنْ أَجْل ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ أَخْرَجَاهُ وَقَالَ كَامِل أَبُو الْعَلَاء عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قِيلَ يَا رَسُول اللَّه إِنَّا نَغَار قَالَ وَاَللَّه إِنِّي لَأَغَار وَاَللَّه أَغْيَر مِنِّي وَمِنْ غَيْرَته نَهَى عَنْ الْفَوَاحِش رَوَاهُ اِبْن مَرْدُوَيْهِ وَلَمْ يُخْرِجهُ أَحَد مِنْ أَصْحَاب الْكُتُب السِّتَّة وَمَرَّ عَلَى شَرْط التِّرْمِذِيّ فَقَدْ رُوِيَ بِهَذَا السَّنَد أَعْمَار أُمَّتِي مَا بَيْن السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ وَقَوْله تَعَالَى" وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْس الَّتِي حَرَّمَ اللَّه إِلَّا بِالْحَقِّ" وَهَذَا مِمَّا نَصَّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْ النَّهْي عَنْهُ تَأْكِيدًا وَإِلَّا فَهُوَ دَاخِل فِي النَّهْي عَنْ الْفَوَاحِش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ فَقَدْ جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَحِلّ دَم اِمْرِئٍ مُسْلِم يَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنِّي رَسُول اللَّه إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث الثَّيِّب الزَّانِي وَالنَّفْس بِالنَّفْسِ وَالتَّارِك لِدِينِهِ الْمُفَارِق لِلْجَمَاعَةِ وَفِي لَفْظ لِمُسْلِمٍ وَاَلَّذِي لَا إِلَه غَيْره لَا يَحِلّ دَم رَجُل مُسْلِم وَذَكَرَهُ قَالَ الْأَعْمَش فَحَدَّثْت بِهِ إِبْرَاهِيم فَحَدَّثَنِي عَنْ الْأَسْوَد عَنْ عَائِشَة بِمِثْلِهِ وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يَحِلّ دَم اِمْرِئٍ مُسْلِم إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث خِصَال زَانٍ مُحْصَن يُرْجَم وَرَجُل قَتَلَ مُتَعَمِّدًا فَيُقْتَل وَرَجُل يَخْرُج مِنْ الْإِسْلَام وَحَارَبَ اللَّه وَرَسُوله فَيُقْتَل أَوْ يُصْلَب أَوْ يُنْفَى مِنْ الْأَرْض وَهَذَا لَفْظ النَّسَائِيّ . وَعَنْ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَان بْن عَفَّان أَنَّهُ قَالَ وَهُوَ مَحْصُور : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول لَا يَحِلّ دَم اِمْرِئٍ مُسْلِم إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث : رَجُل كَفَرَ بَعْد إِسْلَامه أَوْ زَنَى بَعْد إِحْصَانه أَوْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْس فَوَاَللَّهِ مَا زَنَيْت فِي جَاهِلِيَّة وَلَا إِسْلَام وَلَا تَمَنَّيْت أَنَّ لِي بِدِينِي بَدَلًا مِنْهُ بَعْد إِذْ هَدَانِي اللَّه وَلَا قَتَلْت نَفْسًا فَبِمَ تَقْتُلُونِي ؟ . رَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيث حَسَن وَقَدْ جَاءَ النَّهْي وَالزَّجْر وَالْوَعِيد فِي قَتْل الْمُعَاهَد وَهُوَ الْمُسْتَأْمَن مِنْ أَهْل الْحَرْب فَرَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرْفُوعًا مَنْ قَتْل مُعَاهَدًا لَمْ يُرَحْ رَائِحَة الْجَنَّة وَإِنَّ رِيحهَا لَيُوجَد مِنْ مَسِيرَة أَرْبَعِينَ عَامًا وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَهُ ذِمَّة اللَّه وَذِمَّة رَسُوله فَقَدْ أَخْفَرَ بِذِمَّةِ اللَّه فَلَا يُرَحْ رَائِحَة الْجَنَّة وَإِنَّ رِيحهَا لَيُوجَد مِنْ مَسِيرَة سَبْعِينَ خَرِيفًا رَوَاهُ اِبْن مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَسَن صَحِيح وَقَوْله " ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ " أَيْ هَذَا مِمَّا وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ عَنْ اللَّه أَمْره وَنَهْيه .
تفسير القرطبي
أَيْ تَقَدَّمُوا وَاقْرَءُوا حَقًّا يَقِينًا كَمَا أَوْحَى إِلَيَّ رَبِّي , لَا ظَنًّا وَلَا كَذِبًا كَمَا زَعَمْتُمْ . ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَقَالَ " أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا " يُقَال لِلرَّجُلِ : تَعَالَ , أَيْ تَقَدَّمْ , وَلِلْمَرْأَةِ تَعَالَيْ , وَلِلِاثْنَيْنِ وَالِاثْنَتَيْنِ تَعَالَيَا , وَلِجَمَاعَةِ الرِّجَال تَعَالَوْا , وَلِجَمَاعَةِ النِّسَاء تَعَالَيْنَ ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعكُنَّ " [ الْأَحْزَاب : 28 ] . وَجَعَلُوا التَّقَدُّم ضَرْبًا مِنْ التَّعَالِي وَالِارْتِفَاع ; لِأَنَّ الْمَأْمُور بِالتَّقَدُّمِ فِي أَصْل وَضْع هَذَا الْفِعْل كَأَنَّهُ كَانَ قَاعِدًا فَقِيلَ لَهُ تَعَالَ , أَيْ اِرْفَعْ شَخْصك بِالْقِيَامِ وَتَقَدَّمْ ; وَاتْسَعُوا فِيهِ حَتَّى جَعَلُوهُ لِلْوَاقِفِ وَالْمَاشِي ; قَالَهُ اِبْن الشَّجَرِيّ . الْوَجْه فِي " مَا " أَنْ تَكُون خَبَرِيَّة فِي مَوْضِع نَصْب ب " أَتْلُ " وَالْمَعْنَى : تَعَالَوْا أَتْلُ الَّذِي حَرَّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ ; فَإِنْ عَلَّقْت " عَلَيْكُمْ " ب " حَرَّمَ " فَهُوَ الْوَجْه ; لِأَنَّهُ الْأَقْرَب وَهُوَ اِخْتِيَار الْبَصْرِيِّينَ . وَإِنْ عَلَّقْته ب " أَتْلُ " فَجَيِّد لِأَنَّهُ الْأَسْبَق ; وَهُوَ اِخْتِيَار الْكُوفِيِّينَ ; فَالتَّقْدِير فِي هَذَا الْقَوْل أَتْلُ عَلَيْكُمْ الَّذِي حَرَّمَ رَبّكُمْ . فِي مَوْضِع نَصْب بِتَقْدِيرِ فَعَلَ مِنْ لَفْظ الْأَوَّل , أَيْ أَتْلُ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا ; أَيْ أَتْلُ عَلَيْكُمْ تَحْرِيم الْإِشْرَاك , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَنْصُوبًا بِمَا فِي " عَلَيْكُمْ " مِنْ الْإِغْرَاء , وَتَكُون " عَلَيْكُمْ " مُنْقَطِعَة مِمَّا قَبْلهَا ; أَيْ عَلَيْكُمْ تَرْك الْإِشْرَاك , وَعَلَيْكُمْ إِحْسَانًا بِالْوَالِدَيْنِ , وَأَلَّا تَقْتُلُوا أَوْلَادكُمْ وَأَلَّا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِش . كَمَا تَقُول : عَلَيْك شَأْنك ; أَيْ اِلْزَمْ شَأْنك . وَكَمَا قَالَ : " عَلَيْكُمْ أَنْفُسكُمْ " [ الْمَائِدَة : 105 ] قَالَ جَمِيعه اِبْن الشَّجَرِيّ . وَقَالَ النَّحَّاس : يَجُوز أَنْ تَكُون " أَنْ " فِي مَوْضِع نَصْب بَدَلًا مِنْ " مَا " ; أَيْ أَتْلُ عَلَيْكُمْ تَحْرِيم الْإِشْرَاك . وَاخْتَارَ الْفَرَّاء أَنْ تَكُون " لَا " لِلنَّهْيِ ; لِأَنَّ بَعْده " وَلَا " . هَذِهِ الْآيَة أَمْر مِنْ اللَّه تَعَالَى لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَام بِأَنْ يَدْعُو جَمِيع الْخَلْق إِلَى سَمَاع تِلَاوَة مَا حَرَّمَ اللَّه . وَهَكَذَا يَجِب عَلَى مَنْ بَعْده مِنْ الْعُلَمَاء أَنْ يُبَلِّغُوا النَّاس وَيُبَيِّنُوا لَهُمْ مَا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِمَّا حَلَّ . قَالَ اللَّه تَعَالَى : " لِتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ " [ آل عِمْرَان : 187 ] . وَذَكَرَ اِبْن الْمُبَارَك : أَخْبَرَنَا عِيسَى بْن عُمَر عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ قَالَ : قَالَ رَبِيع بْن خَيْثَم لِجَلِيسٍ لَهُ : أَيَسُرُّك أَنْ تُؤْتَى بِصَحِيفَةٍ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُفَكّ خَاتَمهَا ؟ قَالَ نَعَمْ . قَالَ فَاقْرَأْ " قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ " فَقَرَأَ إِلَى آخِر الثَّلَاث الْآيَات . وَقَالَ كَعْب الْأَحْبَار : هَذِهِ الْآيَة مُفْتَتَح التَّوْرَاة : ( بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ ) الْآيَة . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : هَذِهِ الْآيَات الْمُحْكَمَات الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّه فِي سُورَة " آل عِمْرَان " أَجْمَعَتْ عَلَيْهَا شَرَائِع الْخَلْق , وَلَمْ تُنْسَخ قَطُّ فِي مِلَّة . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهَا الْعَشْر كَلِمَات الْمُنَزَّلَة عَلَى مُوسَى . الْإِحْسَان إِلَى الْوَالِدَيْنِ بِرّهمَا وَحِفْظهمَا وَصِيَانَتهمَا وَامْتِثَال أَمْرهمَا وَإِزَالَة الرِّقّ عَنْهُمَا وَتَرْك السَّلْطَنَة عَلَيْهِمَا . و " إِحْسَانًا " نَصْب عَلَى الْمَصْدَر , وَنَاصِبه فِعْل مُضْمَر مِنْ لَفْظه ; تَقْدِيره وَأَحْسِنُوا بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا . الْإِمْلَاق الْفَقْر : أَيْ لَا تَئِدُوا - مِنْ الْمَوْءُودَة - بَنَاتكُمْ خَشْيَة الْعَيْلَة , فَإِنِّي رَازِقكُمْ وَإِيَّاهُمْ . وَقَدْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ يَفْعَل ذَلِكَ بِالْإِنَاثِ وَالذُّكُور خَشْيَة الْفَقْر , كَمَا هُوَ ظَاهِر الْآيَة . أَمْلَقَ أَيْ اِفْتَقَرَ . وَأَمْلَقَهُ أَيْ أَفْقَرَهُ ; فَهُوَ لَازِم وَمُتَعَدٍّ . وَحَكَى النَّقَّاش عَنْ مُؤَرِّج أَنَّهُ قَالَ : الْإِمْلَاق الْجُوع بِلُغَةِ لَخْم . وَذَكَرَ مُنْذِر بْن سَعِيد أَنَّ الْإِمْلَاق الْإِنْفَاق ; يُقَال : أَمْلَقَ مَاله بِمَعْنَى أَنْفَقَهُ . وَذُكِرَ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَمْلِقِي مِنْ مَالِك مَا شِئْت . وَرَجُل مَلِق يُعْطِي بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبه . فَالْمَلَق لَفْظ مُشْتَرَك يَأْتِي بَيَانه فِي مَوْضِعه . وَقَدْ يَسْتَدِلّ بِهَذَا مَنْ يَمْنَع الْعَزْل ; لِأَنَّ الْوَأْد يَرْفَع الْمَوْجُود وَالنَّسْل ; وَالْعَزْل مَنْع أَصْل النَّسْل فَتَشَابَهَا ; إِلَّا أَنَّ قَتْل النَّفْس أَعْظَم وِزْرًا وَأَقْبَح فِعْلًا ; وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْض عُلَمَائِنَا : إِنَّهُ يُفْهَم مِنْ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام فِي الْعَزْل : ( ذَلِكَ الْوَأْد الْخَفِيّ ) الْكَرَاهَة لَا التَّحْرِيم وَقَالَ بِهِ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة وَغَيْرهمْ . وَقَالَ بِإِبَاحَتِهِ أَيْضًا جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاء ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَا عَلَيْكُمْ أَلَّا تَفْعَلُوا فَإِنَّمَا هُوَ الْقَدَر ) أَيْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاح فِي أَلَّا تَفْعَلُوا . وَقَدْ فَهِمَ مِنْهُ الْحَسَن وَمُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى النَّهْي وَالزَّجْر عَنْ الْعَزْل . وَالتَّأْوِيل الْأَوَّل أَوْلَى ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( وَإِذَا أَرَادَ اللَّه خَلْق شَيْء لَمْ يَمْنَعهُ شَيْء ) . قَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ : لَا يَجُوز الْعَزْل عَنْ الْحُرَّة إِلَّا بِإِذْنِهَا . وَكَأَنَّهُمْ رَأَوْا الْإِنْزَال مِنْ تَمَام لَذَّاتهَا , وَمِنْ حَقّهَا فِي الْوَلَد , وَلَمْ يَرَوْا ذَلِكَ فِي الْمَوْطُوءَة بِمِلْكِ الْيَمِين , إِذْ لَهُ أَنْ يَعْزِل عَنْهَا بِغَيْرِ إِذْنهَا , إِذْ لَا حَقّ لَهَا فِي شَيْء مِمَّا ذُكِرَ . نَظِيره " وَذَرُوا ظَاهِر الْإِثْم وَبَاطِنه " [ الْأَنْعَام : 120 ] . فَقَوْله : " مَا ظَهَرَ " نَهْي عَنْ جَمِيع أَنْوَاع الْفَوَاحِش وَهِيَ الْمَعَاصِي . " وَمَا بَطَنَ " مَا عَقَدَ عَلَيْهِ الْقَلْب مِنْ الْمُخَالَفَة . وَظَهَرَ وَبَطَنَ حَالَتَانِ تَسْتَوْفِيَانِ أَقْسَام مَا جُعِلَتْ لَهُ مِنْ الْأَشْيَاء . و " مَا ظَهَرَ " نَصْب عَلَى الْبَدَل مِنْ " الْفَوَاحِش " . " وَمَا بَطَنَ " عَطْف عَلَيْهِ . الْأَلِف وَاللَّام فِي " النَّفْس " لِتَعْرِيفِ الْجِنْس ; كَقَوْلِهِمْ : أَهْلَكَ النَّاس حُبّ الدِّرْهَم وَالدِّينَار . وَمِثْله " إِنَّ الْإِنْسَان خُلِقَ هَلُوعًا " [ الْمَعَارِج : 19 ] أَلَا تَرَى قَوْله سُبْحَانه : " إِلَّا الْمُصَلِّينَ " ؟ وَكَذَلِكَ قَوْله : " وَالْعَصْر . إِنَّ الْإِنْسَان لَفِي خُسْر " [ الْعَصْر : 1 , 2 ] لِأَنَّهُ قَالَ : " إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا " وَهَذِهِ الْآيَة نَهْي عَنْ قَتْل النَّفْس الْمُحَرَّمَة , مُؤْمِنَة كَانَتْ أَوْ مُعَاهَدَة إِلَّا بِالْحَقِّ الَّذِي يُوجِب قَتْلهَا . قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أُمِرْت أَنْ أُقَاتِل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا اللَّه فَمَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه فَقَدْ عَصَمَ مَاله وَنَفْسه إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابهمْ عَلَى اللَّه ) . وَهَذَا الْحَقّ أُمُور : مِنْهَا مَنْع الزَّكَاة وَتَرْك الصَّلَاة ; وَقَدْ قَاتَلَ الصِّدِّيق مَانِعِي الزَّكَاة . وَفِي التَّنْزِيل " فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاة وَآتَوْا الزَّكَاة فَخَلُّوا سَبِيلهمْ " [ التَّوْبَة : 5 ] وَهَذَا بَيِّن . وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَحِلّ دَم اِمْرِئٍ مُسْلِم إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث الثَّيِّب الزَّانِي وَالنَّفْس بِالنَّفْسِ وَالتَّارِك لِدِينِهِ الْمُفَارِق لِلْجَمَاعَةِ ) . وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الْآخِر مِنْهُمَا ) . أَخْرَجَهُ مُسْلِم . وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَل عَمَل قَوْم لُوط فَاقْتُلُوا الْفَاعِل وَالْمَفْعُول بِهِ ) . وَسَيَأْتِي بَيَان هَذَا فِي " الْأَعْرَاف " . وَفِي التَّنْزِيل : " إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْض فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا " [ الْمَائِدَة : 33 ] الْآيَة . وَقَالَ : " وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا " [ الْحُجُرَات : 9 ] الْآيَة . وَكَذَلِكَ مَنْ شَقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ وَخَالَفَ إِمَام جَمَاعَتهمْ وَفَرَّقَ كَلِمَتهمْ وَسَعَى فِي الْأَرْض فَسَادًا بِانْتِهَابِ الْأَهْل وَالْمَال وَالْبَغْي عَلَى السُّلْطَان وَالِامْتِنَاع مِنْ حُكْمه يُقْتَل . فَهَذَا مَعْنَى قَوْله : " إِلَّا بِالْحَقِّ " . وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ لَا يُقْتَل مُسْلِم بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْد فِي عَهْده وَلَا يَتَوَارَث أَهْل مِلَّتَيْنِ ) . وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ عَنْ أَبِي بَكْرَة قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا فِي غَيْر كُنْهه حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِ الْجَنَّة ) . وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لِأَبِي دَاوُد قَالَ : ( مَنْ قَتَلَ رَجُل مِنْ أَهْل الذِّمَّة لَمْ يَجِد رِيح الْجَنَّة وَإِنَّ رِيحهَا لَيُوجَد مِنْ مَسِيرَة سَبْعِينَ عَامًا ) . فِي الْبُخَارِيّ فِي هَذَا الْحَدِيث ( وَإِنَّ رِيحهَا لَيُوجَد مِنْ مَسِيرَة أَرْبَعِينَ عَامًا ) . خَرَّجَهُ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ . إِشَارَة إِلَى هَذِهِ الْمُحَرَّمَات . وَالْكَاف وَالْمِيم لَلْخِطَاب , وَلَا حَظّ لَهُمَا مِنْ الْإِعْرَاب . الْوَصِيَّة الْأَمْر الْمُؤَكَّد الْمَقْدُور . وَالْكَاف وَالْمِيم مَحِلّه النَّصْب ; لِأَنَّهُ ضَمِير مَوْضُوع لِلْمُخَاطَبَةِ . وَفِي وَصَّى ضَمِير فَاعِل يَعُود عَلَى اللَّه . وَرَوَى مَطَر الْوَرَّاق عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّ عُثْمَان بْن عَفَّان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَشْرَفَ عَلَى أَصْحَابه فَقَالَ : عَلَامَ تَقْتُلُونِي ! فَإِنِّي سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( لَا يَحِلّ دَم اِمْرِئٍ مُسْلِم إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث رَجُل زَنَى بَعْد حَصَانَة فَعَلَيْهِ الرَّجْم أَوْ قَتَلَ عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْقَوَد أَوْ اِرْتَدَّ بَعْد إِسْلَامه فَعَلَيْهِ الْقَتْل ) فَوَاَللَّهِ مَا زَنَيْت فِي جَاهِلِيَّة وَلَا إِسْلَام , وَلَا قَتَلْت أَحَدًا فَأُقَيِّد نَفْسِي بِهِ , وَلَا اِرْتَدَدْت مُنْذُ أَسْلَمْت , إِنِّي أَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْده وَرَسُوله , ذَلِكُمْ الَّذِي ذَكَرْت لَكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ !
| بِهِ | بذلك المأخوذِ منكم. |
|---|---|
| بِهِۦ | بالقرآنِ، أو العذابِ. |
| إِمۡلَـٰقࣲ | فَقْرٍ. |
| مَا ظَهَرَ | ما أُعْلِنَ منها. |
| وَمَا بَطَنَ | ما خَفِيَ منها. |
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian