صفحات الموقع

سورة الأنعام الآية ١٥٣

سورة الأنعام الآية ١٥٣

وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَ ٰ⁠طِی مُسۡتَقِیمࣰا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِیلِهِۦۚ ذَ ٰ⁠لِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ﴿١٥٣﴾

التفسير

تفسير السعدي

ولما بين كثيرا من الأوامر الكبار, والشرائع المهمة, أشار إليها, وإلى ما هو أعم منها فقال: " وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا " أي: هذه الأحكام وما أشبهها, مما بينه الله في كتابه, ووضحه لعباده, صراط الله الموصل إليه, وإلى دار كرامته, المعتدل السهل المختصر. " فَاتَّبِعُوهُ " لتنالوا الفوز والفلاح, وتدركوا الآمال والأفراح. " وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ " أي: الطرق المخالفة لهذا الطريق. " فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ " أي: تضلكم عنه وتفرقكم, يمينا وشمالا. فإذا ضللتم عن الصراط المستقيم, فليس ثم إلا طرق توصل إلى الجحيم. " ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " , فإنكم إذا قمتم بما بينه الله لكم, علما وعملا, صرتم من المتقين, وعباد الله المفلحين. ووحد الصراط, وأضاف إليه, لأنه سبيل واحد موصل إليه. والله هو المعين للسالكين, على سلوكه.

التفسير الميسر

ومما وصاكم الله به أن هذا الإسلام هو طريق الله تعالى المستقيم فاسلكوه، ولا تسلكوا سبل الضلال، فتفرقكم، وتبعدكم عن سبيل الله المستقيم. ذلكم التوجه نحو الطريق المستقيم هو الذي وصَّاكم الله به؛ لتتقوا عذابه بفعل أوامره، واجتناب نواهيه.

تفسير الجلالين

"وَأَنَّ" بِالْفَتْحِ عَلَى تَقْدِير اللَّام وَالْكَسْر اسْتِئْنَافًا "هَذَا" الَّذِي وَصَّيْتُكُمْ بِهِ "صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا" حَال "فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُل" الطُّرُق الْمُخَالِفَة لَهُ "فَتَفَرَّقَ" فِيهِ حَذْف إحْدَى التَّاءَيْنِ تَمِيل "بِكُمْ عَنْ سَبِيله" دِينه

تفسير ابن كثير

قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله " وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيله " وَفِي قَوْله " أَنْ أَقِيمُوا الدِّين وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ " وَنَحْو هَذَا فِي الْقُرْآن قَالَ أَمَرَ اللَّه الْمُؤْمِنِينَ بِالْجَمَاعَةِ وَنَهَاهُمْ عَنْ الِاخْتِلَاف وَالتَّفْرِقَة وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلهمْ بِالْمِرَاءِ وَالْخُصُومَات فِي دِين اللَّه وَنَحْو هَذَا قَالَهُ مُجَاهِد وَغَيْر وَاحِد وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد بْن حَنْبَل : حَدَّثَنَا الْأَسْوَد بْن عَامِر شَاذَان حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر هُوَ اِبْن عَيَّاش عَنْ عَاصِم هُوَ اِبْن أَبِي النَّجُود عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ عَبْد اللَّه هُوَ اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : خَطَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ هَذَا سَبِيل اللَّه مُسْتَقِيمًا وَخَطَّ عَنْ يَمِينه وَشِمَاله ثُمَّ قَالَ هَذِهِ السُّبُل لَيْسَ مِنْهَا سَبِيل إِلَّا عَلَيْهِ شَيْطَان يَدْعُو إِلَيْهِ ثُمَّ قَرَأَ" وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيله " وَكَذَا رَوَاهُ الْحَاكِم عَنْ الْأَصَمّ عَنْ أَحْمَد بْن عَبْد الْجَبَّار عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش بِهِ وَقَالَ صَحِيح وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو جَعْفَر الرَّازِيّ وَوَرْقَاء وَعَمْرو بْن أَبِي قَيْس عَنْ عَاصِم عَنْ أَبِي وَائِل شَقِيق بْن سَلَمَة عَنْ اِبْن مَسْعُود مَرْفُوعًا بِهِ نَحْوه وَكَذَا رَوَاهُ يَزِيد بْن هَارُون وَمُسَدِّد وَالنَّسَائِيّ عَنْ يَحْيَى بْن حَبِيب بْن عَرَبِيّ وَابْن حِبَّان مِنْ حَدِيث اِبْن وَهْب أَرْبَعَتهمْ عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ عَاصِم عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ اِبْن مَسْعُود بِهِ وَكَذَا رَوَاهُ اِبْن جَرِير عَنْ الْمُثَنَّى عَنْ الْحِمَّانِيّ عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد بِهِ وَرَوَاهُ الْحَاكِم عَنْ أَبِي بَكْر بْن إِسْحَاق عَنْ إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق الْقَاضِي عَنْ سُلَيْمَان بْن حَرْب عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد بِهِ كَذَلِكَ وَقَالَ صَحِيح وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيث النَّسَائِيّ وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه بْن يُونُس عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش عَنْ عَاصِم عَنْ زِرّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود بِهِ مَرْفُوعًا وَكَذَا رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو بَكْر بْن مَرْدُوَيْهِ مِنْ حَدِيث يَحْيَى الْحِمَّانِيّ عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش عَنْ عَاصِم عَنْ زِرّ بِهِ فَقَدْ صَحَّحَهُ الْحَاكِم كَمَا رَأَيْت فِي الطَّرِيقَيْنِ وَلَعَلَّ هَذَا الْحَدِيث عَنْ عَاصِم بْن أَبِي النَّجُود عَنْ زِرّ وَعَنْ أَبِي وَائِل شَقِيق بْن سَلَمَة كِلَاهُمَا عَنْ اِبْن مَسْعُود بِهِ وَاَللَّه أَعْلَم وَقَالَ الْحَاكِم : وَشَاهِد هَذَا الْحَدِيث حَدِيث الشَّعْبِيّ عَنْ جَابِر مِنْ غَيْر وَجْه مُعْتَمَد. يُشِير إِلَى الْحَدِيث الَّذِي قَالَ الْإِمَام أَحْمَد وَعَبْد بْن حُمَيْد جَمِيعًا وَاللَّفْظ لِأَحْمَد حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد وَهُوَ أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة أَنْبَأَنَا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر عَنْ مُجَاهِد عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ جَابِر قَالَ : كُنَّا جُلُوسًا عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَطَّ خَطًّا هَكَذَا أَمَامه فَقَالَ هَذَا سَبِيل اللَّه وَخَطَّيْنِ عَنْ يَمِينه وَخَطَّيْنِ عَنْ شِمَاله وَقَالَ هَذِهِ سُبُل الشَّيْطَان ثُمَّ وَضَعَ يَده فِي الْخَطّ الْأَوْسَط ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَة" وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيله ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " وَرَوَاهُ أَحْمَد وَابْن مَاجَهْ فِي كِتَاب السُّنَّة مِنْ سُنَنه وَالْبَزَّار عَنْ أَبِي سَعِيد عَبْد اللَّه بْن سَعِيد عَنْ أَبِي خَالِد الْأَحْمَر بِهِ قُلْت وَرَوَاهُ الْحَافِظ اِبْن مَرْدُوَيْهِ مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيد الْكِنْدِيّ حَدَّثَنَا أَبُو خَالِد عَنْ مُجَاهِد عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ جَابِر قَالَ : خَطَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا وَخَطَّ عَنْ يَمِينه خَطًّا وَخَطَّ عَنْ يَسَاره خَطًّا وَوَضَعَ يَده عَلَى الْخَطّ الْأَوْسَط وَتَلَا هَذِهِ الْآيَة " وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ " وَلَكِنَّ الْعُمْدَة عَلَى حَدِيث اِبْن مَسْعُود مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الِاخْتِلَاف إِنْ كَانَ مُؤَثِّرًا وَقَدْ رُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ قَالَ اِبْن جَرِير : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر عَنْ مَعْمَر عَنْ أَبَان بْن عُثْمَان أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِابْنِ مَسْعُود مَا الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم ؟ قَالَ : تَرَكْنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَدْنَاهُ وَطَرَفه فِي الْجَنَّة وَعَنْ يَمِينه جَوَاد وَعَنْ يَسَاره جَوَاد ثُمَّ رِجَال يَدْعُونَ مَنْ مَرَّ بِهِمْ فَمَنْ أَخَذَ فِي تِلْكَ الْجَوَاد اِنْتَهَتْ بِهِ إِلَى النَّار وَمَنْ أَخَذَ عَلَى الصِّرَاط اِنْتَهَى بِهِ إِلَى الْجَنَّة . ثُمَّ قَرَأَ اِبْن مَسْعُود " وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيله " الْآيَة وَقَالَ اِبْن مَرْدُوَيْهِ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْوَهَّاب حَدَّثَنَا آدَم حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن عَيَّاش حَدَّثَنَا أَبَان بْن عَيَّاش عَنْ مُسْلِم بْن أَبِي عِمْرَان عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر سَأَلَ عَبْد اللَّه عَنْ الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم فَقَالَ اِبْن مَسْعُود تَرَكْنَا مُحَمَّد فِي أَدْنَاهُ وَطَرَفه فِي الْجَنَّة وَذَكَرَ تَمَام الْحَدِيث كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيث النَّوَّاس بْن سَمْعَان نَحْوه قَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنِي الْحَسَن بْن سَوَّار أَبُو الْعَلَاء حَدَّثَنَا لَيْث يَعْنِي اِبْن سَعْد عَنْ مُعَاوِيَة بْن صَالِح أَنَّ عَبْد الرَّحْمَن بْن جُبَيْر بْن نُفَيْر حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّوَّاس بْن سَمْعَان عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ضَرَبَ اللَّه مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وَعَنْ جَنْبَيْ الصِّرَاط سُورَانِ فِيهِمَا أَبْوَاب مُفَتَّحَة وَعَلَى الْأَبْوَاب سُتُور مُرْخَاة وَعَلَى بَاب الصِّرَاط دَاعٍ يَقُول يَا أَيّهَا النَّاس اُدْخُلُوا الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَدَاع يَدْعُو مِنْ فَوْق الصِّرَاط فَإِذَا أَرَادَ الْإِنْسَان أَنْ يَفْتَح شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَاب قَالَ وَيْحك لَا تَفْتَحهُ فَإِنَّك إِنْ تَفْتَحهُ تَلِجهُ فَالصِّرَاط الْإِسْلَام وَالسُّورَانِ حُدُود اللَّه وَالْأَبْوَاب الْمُفَتَّحَة مَحَارِم اللَّه وَذَلِكَ الدَّاعِي عَلَى رَأْس الصِّرَاط كِتَاب اللَّه وَالدَّاعِي مِنْ فَوْق الصِّرَاط وَاعِظ اللَّه فِي قَلْب كُلّ مُسْلِم وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ عَنْ عَلِيّ بْن حُجْر زَادَ النَّسَائِيّ وَعَمْرو بْن عُثْمَان كِلَاهُمَا عَنْ بَقِيَّة بْن الْوَلِيد عَنْ يَحْيَى بْن سَعْد عَنْ خَالِد بْن مَعْدَان عَنْ جُبَيْر بْن نُفَيْر عَنْ النَّوَّاس بْن سَمْعَان بِهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَسَن غَرِيب وَقَوْله تَعَالَى " فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُل " إِنَّمَا وَحَّدَ سَبِيله لِأَنَّ الْحَقّ وَاحِد وَلِهَذَا جَمَعَ السُّبُل لِتَفَرُّقهَا وَتَشَعُّبهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى " اللَّه وَلِيّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجهُمْ مِنْ الظُّلُمَات إِلَى النُّور وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوت يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّور إِلَى الظُّلُمَات أُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ " وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن سِنَان الْوَاسِطِيّ حَدَّثَنَا يَزِيد بْن هَارُون حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن حُسَيْن عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي إِدْرِيس الْخَوْلَانِيّ عَنْ عُبَادَة بْن الصَّامِت قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيّكُمْ يُبَايِعنِي عَلَى هَؤُلَاءِ الْآيَات الثَّلَاث ثُمَّ تَلَا " قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ " حَتَّى فَرَغَ مِنْ ثَلَاث آيَات ثُمَّ قَالَ وَمَنْ وَفَى بِهِنَّ فَأَجْره عَلَى اللَّه وَمَنْ اِنْتَقَصَ مِنْهُنَّ شَيْئًا فَأَدْرَكَهُ اللَّه فِي الدُّنْيَا كَانَتْ عُقُوبَته وَمَنْ أَخَّرَهُ إِلَى الْآخِرَة كَانَ أَمْره إِلَى اللَّه إِنْ شَاءَ أَخَذَهُ وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيله ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَهَذَا الَّذِي وَصَّاكُمْ بِهِ رَبّكُمْ أَيّهَا النَّاس فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ مِنْ قَوْله : { قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ } وَأَمَرَكُمْ بِالْوَفَاءِ بِهِ , هُوَ صِرَاطه , يَعْنِي طَرِيقه وَدِينه الَّذِي اِرْتَضَاهُ لِعِبَادِهِ . { مُسْتَقِيمًا } يَعْنِي : قَوِيمًا لَا اِعْوِجَاج بِهِ عَنْ الْحَقّ . { فَاتَّبِعُوهُ } يَقُول : فَاعْمَلُوا بِهِ , وَاجْعَلُوهُ لِأَنْفُسِكُمْ مِنْهَاجًا تَسْلُكُونَهُ فَاتَّبِعُوهُ . { وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُل } يَقُول : وَلَا تَسْلُكُوا طَرِيقًا سِوَاهُ , وَلَا تَرْكَبُوا مَنْهَجًا غَيْره , وَلَا تَبْغُوا دِينًا خِلَافه مِنْ الْيَهُودِيَّة وَالنَّصْرَانِيَّة وَالْمَجُوسِيَّة وَعِبَادَة الْأَوْثَان وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْمِلَل , فَإِنَّهَا بِدَع وَضَلَالَات . { فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيله } يَقُول : فَيُشَتِّت بِكُمْ إِنْ اِتَّبَعْتُمْ السُّبُل الْمُحْدَثَة الَّتِي لَيْسَتْ لِلَّهِ بِسُبُلٍ وَلَا طَلَاق وَلَا أَدْيَان , اِتِّبَاعكُمْ عَنْ سَبِيله , يَعْنِي : عَنْ طَرِيقه وَدِينه الَّذِي شَرَعَهُ لَكُمْ وَارْتَضَاهُ , وَهُوَ الْإِسْلَام الَّذِي وَصَّى بِهِ الْأَنْبِيَاء وَأَمَرَ بِهِ الْأُمَم قَبْلكُمْ . { ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : هَذَا الَّذِي وَصَّاكُمْ بِهِ رَبّكُمْ مِنْ قَوْله لَكُمْ : إِنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُل ; وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ , يَقُول : لِتَتَّقُوا اللَّه فِي أَنْفُسكُمْ فَلَا تُهْلِكُوهَا , وَتَحْذَرُوا رَبّكُمْ فِيهَا فَلَا تَسْخَطُوهُ عَلَيْهَا فَيَحِلّ بِكُمْ نِقْمَته وَعَذَابه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11023 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيله } قَالَ : الْبِدَع وَالشُّبُهَات . * حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبُو أُسَامَة , عَنْ شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُل } : الْبِدَع وَالشُّبُهَات . 11024 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنَا مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيله } , وَقَوْله : { وَأَقِيمُوا الدِّين وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ } وَنَحْو هَذَا فِي الْقُرْآن , قَالَ : أَمَرَ اللَّه الْمُؤْمِنِينَ بِالْجَمَاعَةِ وَنَهَاهُمْ عَنْ الِاخْتِلَاف وَالْفُرْقَة , وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلهمْ بِالْمِرَاءِ وَالْخُصُومَات فِي دِين اللَّه . 11025 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيله } يَقُول : لَا تَتَّبِعُوا الضَّلَالَات . 11026 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا الْحِمَّانِيّ , قَالَ : ثَنَا حَمَّاد , عَنْ عَاصِم , عَنْ أَبِي وَائِل , عَنْ عَبْد اللَّه , قَالَ : خَطَّ لَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا خَطًّا , فَقَالَ : " هَذَا سَبِيل اللَّه " ثُمَّ خَطَّ عَنْ يَمِين ذَلِكَ الْخَطّ وَعَنْ شِمَاله خُطُوطًا , فَقَالَ : " هَذِهِ سُبُل عَلَى كُلّ سَبِيل مِنْهَا شَيْطَان يَدْعُو إِلَيْهَا " . ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَة : { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيله } . 11027 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيله } قَالَ : سَبِيله الْإِسْلَام , وَصِرَاطه : الْإِسْلَام . نَهَاهُمْ أَنْ يَتَّبِعُوا السُّبُل سِوَاهُ , { فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيله } : عَنْ الْإِسْلَام . 11028 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ أَبَان : أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِابْنِ مَسْعُود : مَا الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم ؟ قَالَ : تَرَكَنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَدْنَاهُ , وَطَرَفه فِي الْجَنَّة , وَعَنْ يَمِينه جَوَاد , وَعَنْ يَسَاره جَوَاد , وَثَمَّ رِجَال يَدْعُونَ مَنْ مَرَّ بِهِمْ , فَمَنْ أَخَذَ فِي تِلْكَ الْجَوَاد اِنْتَهَتْ بِهِ إِلَى النَّار , وَمَنْ أَخَذَ عَلَى الصِّرَاط اِنْتَهَى بِهِ إِلَى الْجَنَّة . ثُمَّ قَرَأَ اِبْن مَسْعُود : { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا } . .. الْآيَة . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا } فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة وَبَعْض الْكُوفِيِّينَ : { وَأَنَّ } بِفَتْحِ الْأَلِف مِنْ " أَنَّ " , وَتَشْدِيد النُّون , رَدَّا عَلَى قَوْله : { أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا } بِمَعْنَى : قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا , وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفِيِّينَ : " وَإِنَّ " بِكَسْرِ الْأَلِف مِنْ " إِنَّ " , وَتَشْدِيد النُّون مِنْهَا عَلَى الِابْتِدَاء وَانْقِطَاعهَا عَنْ الْأَوَّل ; إِذْ كَانَ الْكَلَام قَدْ اِنْتَهَى بِالْخَبَرِ عَنْ الْوَصِيَّة الَّتِي أَوْصَى اللَّه بِهَا عِبَاده دُونَهُ عِنْدَهُمْ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي : أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قُرَّاء الْأَمْصَار وَعَوَامّ الْمُسْلِمِينَ صَحِيح مَعْنَيَاهُمَا , فَبِأَيِّ الْقِرَاءَتَيْنِ قَرَأَ الْقَارِئ فَهُوَ مُصِيب الْحَقّ فِي قِرَاءَته . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْرهُ قَدْ أَمَرَ بِاتِّبَاعِ سَبِيله , كَمَا أَمَرَ عِبَاده بِالْأَشْيَاءِ . وَإِنْ أَدْخَلَ ذَلِكَ مُدْخِلٌ فِيمَا أَمَرَ اللَّه نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُول لِلْمُشْرِكِينَ : { تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ } وَمَا أَمَرَكُمْ بِهِ , فَفَتَحَ عَلَى ذَلِكَ " أَنَّ " فَمُصِيب . وَإِنْ كَسَرَهَا إِذْ كَانَتْ " التِّلَاوَة " قَوْلًا وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ لَفْظ الْقَوْل لِبُعْدِهَا مِنْ قَوْله : " أَتْلُ " , وَهُوَ يُرِيد إِعْمَال ذَلِكَ فِيهِ فَمُصِيب . وَإِنْ كَسَرَهَا بِمَعْنَى اِبْتِدَاء وَانْقِطَاع عَنْ الْأَوَّل " وَالتِّلَاوَة " , وَأَنَّ مَا أَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتِلَاوَتِهِ عَلَى مَنْ أُمِرَ بِتِلَاوَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ قَدْ اِنْتَهَى دُون ذَلِكَ , فَمُصِيب . وَقَدْ قَرَأَ ذَلِكَ عَبْد اللَّه بْن أَبِي إِسْحَاق الْبَصْرِيّ : " وَأَنَّ " . بِفَتْحِ الْأَلِف مِنْ " أَنْ " , وَتَخْفِيف النُّون مِنْهَا , بِمَعْنَى : قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا , وَأَنْ هَذَا صِرَاطِي فَخَفَّفَهَا ; إِذْ كَانَتْ " أَنْ " فِي قَوْله : { أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا } مُخَفَّفَة , وَكَانَتْ " أَنْ " فِي قَوْله : { وَأَنْ هَذَا صِرَاطِي } مَعْطُوفَة عَلَيْهَا , فَجَعَلَهَا نَظِيرَة مَا عُطِفَتْ عَلَيْهِ . وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مَذْهَبًا , فَلَا أُحِبّ الْقِرَاءَة بِهِ لِشُذُوذِهَا عَنْ قِرَاءَة قُرَّاء الْأَمْصَار وَخِلَاف مَا هُمْ عَلَيْهِ فِي أَمْصَارِهِمْ .

تفسير القرطبي

هَذِهِ آيَة عَظِيمَة عَطْفهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ ; فَإِنَّهُ لَمَّا نَهَى وَأَمَرَ حَذَّرَ هُنَا عَنْ اِتِّبَاع غَيْر سَبِيله , فَأَمَرَ فِيهَا بِاتِّبَاعِ طَرِيقه عَلَى مَا نُبَيِّنهُ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة وَأَقَاوِيل السَّلَف . " وَأَنَّ " فِي مَوْضِع نَصْب , أَيْ وَاتْلُ أَنَّ هَذَا صِرَاطِي . عَنْ الْفَرَّاء وَالْكِسَائِيّ . قَالَ الْفَرَّاء : وَيَجُوز أَنْ يَكُون خَفْضًا , أَيْ وَصَّاكُمْ بِهِ وَبِأَنَّ هَذَا صِرَاطِي . وَتَقْدِيرهَا عِنْد الْخَلِيل وَسِيبَوَيْهِ : وَلِأَنَّ هَذَا صِرَاطِي ; كَمَا قَالَ : " وَأَنَّ الْمَسَاجِد لِلَّهِ " [ الْجِنّ : 18 ] وَقَرَأَ الْأَعْمَش وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ " وَإِنَّ هَذَا " بِكَسْرِ الْهَمْزَة عَلَى الِاسْتِئْنَاف ; أَيْ الَّذِي ذُكِرَ فِي الْآيَات صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا . وَقَرَأَ اِبْن أَبِي إِسْحَاق وَيَعْقُوب " وَأَنْ هَذَا " بِالتَّخْفِيفِ . وَالْمُخَفَّفَة مِثْل الْمُشَدَّدَة , إِلَّا أَنَّ فِيهِ ضَمِير الْقِصَّة وَالشَّان ; أَيْ وَأَنَّهُ هَذَا . فَهِيَ فِي مَوْضِع رَفْع . وَيَجُوز النَّصْب . وَيَجُوز أَنْ تَكُون زَائِدَة لِلتَّوْكِيدِ ; كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : " فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِير " [ يُوسُف : 96 ] . وَالصِّرَاط : الطَّرِيق الَّذِي هُوَ دِين الْإِسْلَام . " مُسْتَقِيمًا " نُصِبَ عَلَى الْحَال , وَمَعْنَاهُ مُسْتَوِيًا قَوِيمًا لَا اِعْوِجَاج فِيهِ . فَأُمِرَ بِاتِّبَاعِ طَرِيقه الَّذِي طَرَقَهُ عَلَى لِسَان نَبِيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَرَعَهُ وَنِهَايَته الْجَنَّة . وَتَشَعَّبَتْ مِنْهُ طُرُق فَمَنْ سَلَكَ الْجَادَّة نَجَا , وَمَنْ خَرَجَ إِلَى تِلْكَ الطُّرُق أَفْضَتْ بِهِ إِلَى النَّار . أَيْ تَمِيل . رَوَى الدَّارِمِيّ أَبُو مُحَمَّد فِي مُسْنَده بِإِسْنَادٍ صَحِيح : أَخْبَرَنَا عَفَّان حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن زَيْد حَدَّثَنَا عَاصِم بْن بَهْدَلَة عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود قَالَ : خَطَّ لَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا خَطًّا , ثُمَّ قَالَ : ( هَذَا سَبِيل اللَّه ) ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينه وَخُطُوطًا عَنْ يَسَاره ثُمَّ قَالَ ( هَذِهِ سُبُل عَلَى كُلّ سَبِيل مِنْهَا شَيْطَان يَدْعُو إِلَيْهَا ) ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَة . وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ فِي سُنَنه عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه قَالَ : كُنَّا عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَطَّ خَطًّا , وَخَطَّ خَطَّيْنِ عَنْ يَمِينه , وَخَطَّ خَطَّيْنِ عَنْ يَسَاره , ثُمَّ وَضَعَ يَده فِي الْخَطّ الْأَوْسَط فَقَالَ : ( هَذَا سَبِيل اللَّه - ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَة - " وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيله " . وَهَذِهِ السُّبُل تَعُمّ الْيَهُودِيَّة وَالنَّصْرَانِيَّة وَالْمَجُوسِيَّة وَسَائِر أَهْل الْمِلَل وَأَهْل الْبِدَع وَالضَّلَالَات مِنْ أَهْل الْأَهْوَاء وَالشُّذُوذ فِي الْفُرُوع , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أَهْل التَّعَمُّق فِي الْجَدَل وَالْخَوْض فِي الْكَلَام . هَذِهِ كُلّهَا عُرْضَة لِلزَّلَلِ , وَمَظِنَّة لِسُوءِ الْمُعْتَقَد ; قَالَهُ اِبْن عَطِيَّة . قُلْت : وَهُوَ الصَّحِيح . ذَكَرَ الطَّبَرِيّ فِي كِتَاب آدَاب النُّفُوس : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر عَنْ مَعْمَر عَنْ أَبَان أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِابْنِ مَسْعُود : مَا الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم ؟ قَالَ : تَرَكَنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَدْنَاهُ وَطَرَفه فِي الْجَنَّة , وَعَنْ يَمِينه جَوَاد وَعَنْ يَسَاره جَوَاد , وَثَمَّ رِجَال يَدْعُونَ مَنْ مَرَّ بِهِمْ فَمَنْ أَخَذَ فِي تِلْكَ الْجَوَاد اِنْتَهَتْ بِهِ إِلَى النَّار , وَمَنْ أَخَذَ عَلَى الصِّرَاط اِنْتَهَى بِهِ إِلَى الْجَنَّة , ثُمَّ قَرَأَ اِبْن مَسْعُود : " وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا " الْآيَة . وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود : تَعْلَمُوا الْعِلْم قَبْل أَنْ يُقْبَض , وَقَبْضه أَنْ يَذْهَب أَهْله , أَلَا وَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَطُّع وَالتَّعَمُّق وَالْبِدَع , وَعَلَيْكُمْ بِالْعَتِيقِ . أَخْرَجَهُ الدَّارِمِيّ . وَقَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله : " وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُل " قَالَ : الْبِدَع . قَالَ اِبْن شِهَاب : وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينهمْ وَكَانُوا شِيَعًا " [ الْأَنْعَام : 159 ] الْآيَة . فَالْهَرَب الْهَرَب , وَالنَّجَاة النَّجَاة ! وَالتَّمَسُّك بِالطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيم وَالسُّنَن الْقَوِيم , الَّذِي سَلَكَهُ السَّلَف الصَّالِح , وَفِيهِ الْمَتْجَر الرَّابِح . رَوَى الْأَئِمَّة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) . وَرَوَى اِبْن مَاجَهْ وَغَيْره عَنْ الْعِرْبَاض بْن سَارِيَة قَالَ : وَعَظَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَة ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُون ; وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوب ; فَقُلْنَا : يَا رَسُول اللَّه , إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَة مُوَدِّع , فَمَا تَعْهَد إِلَيْنَا ؟ فَقَالَ : ( قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاء لَيْلهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِك مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اِخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي وَسُنَّة الْخُلَفَاء الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَالْأُمُور الْمُحْدَثَات فَإِنَّ كُلّ بِدْعَة ضَلَالَة وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ وَإِنَّ عَبْدًا حَبَشِيًّا فَإِنَّمَا الْمُؤْمِن كَالْجَمَلِ الْأَنِف حَيْثُمَا قِيدَ اِنْقَادَ ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ بِمَعْنَاهُ وَصَحَّحَهُ . وَرَوَى أَبُو دَاوُد قَالَ حَدَّثَنَا اِبْن كَثِير قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَان قَالَ : كَتَبَ رَجُل إِلَى عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز يَسْأَلهُ عَنْ الْقَدَر ; فَكَتَبَ إِلَيْهِ : أَمَّا بَعْد , فَإِنِّي أُوصِيك بِتَقْوَى اللَّه وَالِاقْتِصَاد فِي أَمْره وَاتِّبَاع سُنَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَتَرْك مَا أَحْدَثَ الْمُحَدِّثُونَ بَعْد مَا جَرَتْ بِهِ سُنَّته , وَكُفُوا مَئُونَته , فَعَلَيْك بِلُزُومِ الْجَمَاعَة فَإِنَّهَا لَك بِإِذْنِ اللَّه عِصْمَة , ثُمَّ اِعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يَبْتَدِع النَّاس بِدْعَة إِلَّا قَدْ مَضَى قَبْلهَا مَا هُوَ دَلِيل عَلَيْهَا أَوْ عِبْرَة فِيهَا ; فَإِنَّ السُّنَّة إِنَّمَا سَنَّهَا مَنْ قَدْ عَلِمَ مَا فِي خِلَافهَا مِنْ الْخَطَإِ وَالزَّلَل , وَالْحُمْق وَالتَّعَمُّق ; فَارْضَ لِنَفْسِك مَا رَضِيَ بِهِ الْقَوْم لِأَنْفُسِهِمْ , فَإِنَّهُمْ عَلَى عِلْم وَقَفُوا , وَبِبَصَرٍ نَافِذ كُفُوا , وَإِنَّهُمْ عَلَى كَشْف الْأُمُور كَانُوا أَقْوَى , وَبِفَضْلِ مَا كَانُوا فِيهِ أَوْلَى , فَإِنْ كَانَ الْهُدَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ فَقَدْ سَبَقْتُمُوهُمْ إِلَيْهِ , وَلَئِنْ قُلْتُمْ إِنَّمَا حَدَثَ بَعْدهمْ فَمَا أَحْدَثَهُ إِلَّا مَنْ اِتَّبَعَ غَيْر سَبِيلهمْ وَرَغِبَ بِنَفْسِهِ عَنْهُمْ ; فَإِنَّهُمْ هُمْ السَّابِقُونَ , قَدْ تَكَلَّمُوا فِيهِ بِمَا يَكْفِي وَوَصَفُوا مَا يَشْفِي ; فَمَا دُونهمْ مِنْ مُقَصِّر , وَمَا فَوْقهمْ مِنْ مُجَسِّر , وَقَدْ قَصَّرَ قَوْم دُونهمْ فَجَفَوْا , وَطَمَحَ عَنْهُمْ أَقْوَام فَغَلَوْا وَإِنَّهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيم . وَذَكَرَ الْحَدِيث . وَقَالَ سَهْل بْن عَبْد اللَّه التُّسْتَرِيّ : عَلَيْكُمْ بِالِاقْتِدَاءِ بِالْأَثَرِ وَالسُّنَّة , فَإِنِّي أَخَاف أَنَّهُ سَيَأْتِي عَنْ قَلِيل زَمَان إِذَا ذَكَرَ إِنْسَان النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالِاقْتِدَاء بِهِ فِي جَمِيع أَحْوَاله ذَمُّوهُ وَنَفَرُوا عَنْهُ وَتَبْرَءُوا مِنْهُ وَأَذَلُّوهُ وَأَهَانُوهُ . قَالَ سَهْل : إِنَّمَا ظَهَرَتْ الْبِدْعَة عَلَى يَدَيْ أَهْل السُّنَّة لِأَنَّهُمْ ظَاهَرُوهُمْ وَقَاوَلُوهُمْ ; فَظَهَرَتْ أَقَاوِيلهمْ وَفَشَتْ فِي الْعَامَّة فَسَمِعَهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ يَسْمَعهُ , فَلَوْ تَرَكُوهُمْ وَلَمْ يُكَلِّمُوهُمْ لَمَاتَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ عَلَى مَا فِي صَدْره وَلَمْ يَظْهَر مِنْهُ شَيْء وَحَمَلَهُ مَعَهُ إِلَى قَبْره . وَقَالَ سَهْل : لَا يُحْدِث أَحَدكُمْ بِدْعَة حَتَّى يُحْدِث لَهُ إِبْلِيس عِبَادَة فَيَتَعَبَّد بِهَا ثُمَّ يُحْدِث لَهُ بِدْعَة , فَإِذَا نَطَقَ بِالْبِدْعَةِ وَدَعَا النَّاس إِلَيْهَا نَزَعَ مِنْهُ تِلْكَ الْخَذْمَة . قَالَ سَهْل : لَا أَعْلَم حَدِيثًا جَاءَ فِي الْمُبْتَدِعَة أَشَدّ مِنْ هَذَا الْحَدِيث : ( حَجَبَ اللَّه الْجَنَّة عَنْ صَاحِب الْبِدْعَة ) . قَالَ : فَالْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ أُرْجَى مِنْهُمْ . قَالَ سَهْل : مَنْ أَرَادَ أَنْ يُكْرِم دِينه فَلَا يَدْخُل عَلَى السُّلْطَان , وَلَا يَخْلُوَن بِالنِّسْوَان , وَلَا يُخَاصِمَن أَهْل الْأَهْوَاء . وَقَالَ أَيْضًا : اِتَّبِعُوا وَلَا تَبْتَدِعُوا , فَقَدْ كَفَيْتُمْ . وَفِي مُسْنَد الدَّارِمِيّ : أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ جَاءَ إِلَى عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْد الرَّحْمَن , إِنْ رَأَيْت فِي الْمَسْجِد آنِفًا شَيْئًا أَنْكَرْته وَلَمْ أَرَ وَالْحَمْد لِلَّهِ إِلَّا خَيْرًا , قَالَ : فَمَا هُوَ ؟ قَالَ : إِنْ عِشْت فَسَتَرَاهُ , قَالَ : رَأَيْت فِي الْمَسْجِد قَوْمًا حِلَقًا حِلَقًا جُلُوسًا يَنْتَظِرُونَ الصَّلَاة ; فِي كُلّ حَلْقَة رَجُل وَفِي أَيْدِيهمْ حَصًى فَيَقُول لَهُمْ : كَبِّرُوا مِائَة ; فَيُكَبِّرُونَ مِائَة . فَيَقُول : هَلِّلُوا مِائَة ; فَيُهَلِّلُونَ مِائَة . وَيَقُول : سَبِّحُوا مِائَة ; فَيُسَبِّحُونَ مِائَة . قَالَ : فَمَاذَا قُلْت لَهُمْ ؟ قَالَ : مَا قُلْت لَهُمْ شَيْئًا ; اِنْتِظَار رَأْيك وَانْتِظَار أَمْرك . قَالَ أَفَلَا أَمَرْتهمْ أَنْ يَعُدُّوا سَيِّئَاتهمْ وَضَمِنْت لَهُمْ أَلَّا يَضِيع مِنْ حَسَنَاتهمْ . ثُمَّ مَضَى وَمَضَيْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَى حَلْقَة مِنْ تِلْكَ الْحِلَق ; فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ : مَا هَذَا الَّذِي أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَ ؟ قَالُوا : يَا أَبَا عَبْد الرَّحْمَن , حَصًى نَعُدّ بِهِ التَّكْبِير وَالتَّهْلِيل وَالتَّسْبِيح . قَالَ : فَعُدُّوا سَيِّئَاتكُمْ وَأَنَا ضَامِن لَكُمْ أَلَّا يَضِيع مِنْ حَسَنَاتكُمْ شَيْء , وَيْحَكُمْ يَا أُمَّة مُحَمَّد ! مَا أَسْرَعَ هَلَكَتكُمْ . أَوْ مُفْتَتِحِي بَاب ضَلَالَة ! قَالُوا : وَاَللَّه يَا أَبَا عَبْد الرَّحْمَن , مَا أَرَدْنَا إِلَّا الْخَيْر . فَقَالَ : وَكَمْ مِنْ مُرِيد لِلْخَيْرِ لَنْ يُصِيبهُ . وَعَنْ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز وَسَأَلَهُ رَجُل عَنْ شَيْء مِنْ أَهْل الْأَهْوَاء وَالْبِدَع ; فَقَالَ : عَلَيْك بِدِينِ الْأَعْرَاب وَالْغُلَام فِي الْكِتَاب , وَآله عَمَّا سِوَى ذَلِكَ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ : قَالَ إِبْلِيس لِأَوْلِيَائِهِ مِنْ أَيّ شَيْء تَأْتُونَ بَنِي آدَم ؟ فَقَالُوا : مِنْ كُلّ شَيْء . قَالَ : فَهَلْ تَأْتُونَهُمْ مِنْ قِبَل الِاسْتِغْفَار ؟ قَالُوا : هَيْهَاتَ ! ذَلِكَ شَيْء قُرِنَ بِالتَّوْحِيدِ . قَالَ : لَأُبِثَّنَّ فِيهِمْ شَيْئًا لَا يَسْتَغْفِرُونَ اللَّه مِنْهُ . قَالَ : فَبَثَّ فِيهِمْ الْأَهْوَاء . وَقَالَ مُجَاهِد : وَلَا أَدْرِي أَيّ النِّعْمَتَيْنِ عَلَيَّ أَعْظَم أَنْ هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ , أَوْ عَافَانِي مِنْ هَذِهِ الْأَهْوَاء . وَقَالَ الشَّعْبِيّ : إِنَّمَا سَمَّوْا أَصْحَاب الْأَهْوَاء لِأَنَّهُمْ يَهْوُونَ فِي النَّار . كُلّه عَنْ الدَّارِمِيّ . وَسُئِلَ سَهْل بْن عَبْد اللَّه عَنْ الصَّلَاة خَلْف الْمُعْتَزِلَة وَالنِّكَاح مِنْهُمْ وَتَزْوِيجهمْ . فَقَالَ : لَا , وَلَا كَرَامَة ! هُمْ كُفَّار , كَيْف يُؤْمِن مَنْ يَقُول : الْقُرْآن مَخْلُوق , وَلَا جَنَّة مَخْلُوقَة وَلَا نَار مَخْلُوقَة , وَلَا لِلَّهِ صِرَاط وَلَا شَفَاعَة , وَلَا أَحَد مِنْ الْمُؤْمِنِينَ يَدْخُل النَّار وَلَا يَخْرُج مِنْ النَّار مِنْ مُذْنِبِي أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَا عَذَاب الْقَبْر وَلَا مُنْكَر وَلَا نَكِير , وَلَا رُؤْيَة لِرَبِّنَا فِي الْآخِرَة وَلَا زِيَادَة , وَأَنَّ عِلْم اللَّه مَخْلُوق , وَلَا يَرَوْنَ السُّلْطَان وَلَا جُمُعَة ; وَيُكَفِّرُونَ مَنْ يُؤْمِن بِهَذَا . وَقَالَ الْفُضَيْل بْن عِيَاض : مَنْ أَحَبَّ صَاحِب بِدْعَة أَحْبَطَ اللَّه عَمَله , وَأَخْرَجَ نُور الْإِسْلَام مِنْ قَلْبه . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا مِنْ كَلَامه وَزِيَادَة . وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ : الْبِدْعَة أَحَبّ إِلَى إِبْلِيس مِنْ الْمَعْصِيَة ; الْمَعْصِيَة يُتَاب مِنْهَا , وَالْبِدْعَة لَا يُتَاب مِنْهَا . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : النَّظَر إِلَى الرَّجُل مِنْ أَهْل السُّنَّة يَدْعُو إِلَى السُّنَّة وَيَنْهَى عَنْ الْبِدْعَة , عِبَادَة . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة : عَلَيْكُمْ بِالْأَمْرِ الْأَوَّل الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ قَبْل أَنْ يَفْتَرِقُوا . قَالَ عَاصِم الْأَحْوَل : فَحَدَّثْت بِهِ الْحَسَن فَقَالَ : قَدْ نَصَحَك وَاَللَّه وَصَدَقَك . وَقَدْ مَضَى فِي " آل عِمْرَان " مَعْنَى قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( تَفَرَّقَتْ بَنُو إِسْرَائِيل عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَة وَأَنَّ هَذِهِ الْأُمَّة سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاث وَسَبْعِينَ ) . الْحَدِيث . وَقَدْ قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء الْعَارِفِينَ : هَذِهِ الْفِرْقَة الَّتِي زَادَتْ فِي فِرَق أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُمْ قَوْم يُعَادُونَ الْعُلَمَاء وَيُبْغِضُونَ الْفُقَهَاء , وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَطُّ فِي الْأُمَم السَّالِفَة . وَقَدْ رَوَى رَافِع بْن خَدِيج أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( يَكُون فِي أُمَّتِي قَوْم يَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ وَبِالْقُرْآنِ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ كَمَا كَفَرَتْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى ) . قَالَ فَقُلْت : جُعِلْت فِدَاك يَا رَسُول اللَّه ! كَيْفَ ذَاكَ ؟ قَالَ : ( يُقِرُّونَ بِبَعْضٍ وَيَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ) . قَالَ قُلْت : جُعِلْت فِدَاك يَا رَسُول اللَّه ! وَكَيْفَ يَقُولُونَ ؟ قَالَ : ( يَجْعَلُونَ إِبْلِيس عَدْلًا لِلَّهِ فِي خَلْقه وَقُوَّته وَرِزْقه وَيَقُولُونَ الْخَيْر مِنْ اللَّه وَالشَّرّ مِنْ إِبْلِيس ) . قَالَ : فَيَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ ثُمَّ يَقْرَءُونَ عَلَى ذَلِكَ كِتَاب اللَّه , فَيَكْفُرُونَ بِالْقُرْآنِ بَعْد الْإِيمَان وَالْمَعْرِفَة ؟ قَالَ : ( فَمَا تَلْقَى أُمَّتِي مِنْهُمْ مِنْ الْعَدَاوَة وَالْبَغْضَاء وَالْجِدَال أُولَئِكَ زَنَادِقَة هَذِهِ الْأُمَّة ) . وَذُكِرَ الْحَدِيث . وَمَضَى فِي " النِّسَاء " وَهَذِهِ السُّورَة النَّهْي عَنْ مُجَالَسَة أَهْل الْبِدَع وَالْأَهْوَاء , وَأَنَّ مَنْ جَالَسَهُمْ حُكْمه حُكْمهمْ فَقَالَ : " وَإِذَا رَأَيْت الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتنَا " [ الْأَنْعَام : 68 ] الْآيَة . ثُمَّ بَيَّنَ فِي سُورَة " النِّسَاء " وَهِيَ مَدَنِيَّة عُقُوبَة مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَخَالَفَ مَا أَمَرَ اللَّه بِهِ فَقَالَ : " وَقَدْ نُزِّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَاب " [ النِّسَاء : 140 ] الْآيَة . فَأَلْحَقَ مَنْ جَالَسَهُمْ بِهِمْ . وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا جَمَاعَة مِنْ أَئِمَّة هَذِهِ الْأُمَّة وَحَكَمَ بِمُوجَبِ هَذِهِ الْآيَات فِي مَجَالِس أَهْل الْبِدَع عَلَى الْمُعَاشَرَة وَالْمُخَالَطَة مِنْهُمْ أَحْمَد بْن حَنْبَل وَالْأَوْزَاعِيّ وَابْن الْمُبَارَك فَإِنَّهُمْ قَالُوا فِي رَجُل شَأْنه مُجَالَسَة أَهْل الْبِدَع قَالُوا : يَنْهَى عَنْ مُجَالَسَتهمْ , فَإِنْ اِنْتَهَى وَإِلَّا أُلْحِقَ بِهِمْ , يَعْنُونَ فِي الْحُكْم . وَقَدْ حَمَلَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز الْحَدّ عَلَى مُجَالِس شَرَبَة الْخَمْر , وَتَلَا " إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلهمْ " . قِيلَ لَهُ : فَإِنَّهُ يَقُول إِنِّي أُجَالِسهُمْ لِأُبَايِنهُمْ وَأَرُدّ عَلَيْهِمْ . قَالَ يُنْهَى عَنْ مُجَالَسَتهمْ , فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْحَقّ بِهِمْ .

غريب الآية
وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَ ٰ⁠طِی مُسۡتَقِیمࣰا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِیلِهِۦۚ ذَ ٰ⁠لِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ﴿١٥٣﴾
هَـٰذَاأي: البعثُ الذي كنتم تُنْكِرونه.
بِهِبذلك المأخوذِ منكم.
بِهِۦبالقرآنِ، أو العذابِ.
هَـٰذَا صِرَ ٰ⁠طِیالإسلامُ طريقي.
ٱلسُّبُلَطُرُقَ الضَّلالِ والبِدَعِ.
فَتَفَرَّقَ بِكُمۡفتميلَ بكم.
الإعراب
(وَأَنَّ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(أَنَّ) : حَرْفُ تَوْكِيدٍ وَنَصْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(هَذَا)
اسْمُ إِشَارَةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ اسْمُ (أَنَّ) :.
(صِرَاطِي)
خَبَرُ (أَنَّ) : مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الْمُقَدَّرَةُ لِاشْتِغَالِ الْمَحَلِّ بِحَرَكَةِ الْمُنَاسَبَةِ لِلْيَاءِ، وَ"يَاءُ الْمُتَكَلِّمِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ، وَالْمَصْدَرُ الْمُؤَوَّلُ مِنْ أَنْ وَمَا بَعْدَهَا فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَعْطُوفٌ عَلَى (مَا حَرَّمَ) :.
(مُسْتَقِيمًا)
حَالٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(فَاتَّبِعُوهُ)
"الْفَاءُ" حَرْفٌ رَابِطٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(اتَّبِعُو) : فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى حَذْفِ النُّونِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(وَلَا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَا) : حَرْفُ نَهْيٍ وَجَزْمٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تَتَّبِعُوا)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَجْزُومٌ وَعَلَامَةُ جَزْمِهِ حَذْفُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(السُّبُلَ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(فَتَفَرَّقَ)
"الْفَاءُ" حَرْفُ سَبَبِيَّةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(تَفَرَّقَ) : فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَنْصُوبٌ بِأَنْ مُضْمَرَةٍ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هِيَ".
(بِكُمْ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(عَنْ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(سَبِيلِهِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(ذَلِكُمْ)
اسْمُ إِشَارَةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(وَصَّاكُمْ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ الْمُقَدَّرِ لِلتَّعَذُّرِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ"، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(بِهِ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(لَعَلَّكُمْ)
(لَعَلَّ) : حَرْفُ تَرَجٍّ وَنَصْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ اسْمُ لَعَلَّ.
(تَتَّقُونَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ لَعَلَّ.