Your browser does not support the audio element.
وَلَوۡ تَرَىٰۤ إِذۡ وُقِفُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُوا۟ یَـٰلَیۡتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِـَٔایَـٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ ﴿٢٧﴾
التفسير
تفسير السعدي يقول تعالى - مخبرا عن حال المشركين يوم القيامة - وإحضارهم النار.
" وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ " ليوبخوا ويقرعوا, لرأيت أمرا هائلا, وحالا مفظعة.
ولرأيتهم كيف أقروا على أنفسهم بالكفر والفسوق, وتمنوا أن لو يردون إلى الدنيا.
" فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ "
التفسير الميسر ولو ترى -أيها الرسول- هؤلاء المشركين يوم القيامة لرأيت أمرًا عظيمًا، وذلك حين يُحْبَسون على النار، ويشاهدون ما فيها من السلاسل والأغلال، ورأوا بأعينهم تلك الأمور العظام والأهوال، فعند ذلك قالوا: ياليتنا نُعاد إلى الحياة الدنيا، فنصدق بآيات الله ونعمل بها، ونكون من المؤمنين.
تفسير الجلالين "وَلَوْ تَرَى" يَا مُحَمَّد "إذْ وُقِفُوا" عُرِضُوا "عَلَى النَّار فَقَالُوا يَا" لِلتَّنْبِيهِ "لَيْتَنَا نُرَدّ" إلَى الدُّنْيَا "وَلَا نُكَذِّب بِآيَاتِ رَبّنَا وَنَكُون مِنْ الْمُؤْمِنِينَ" بِرَفْعِ الْفِعْلَيْنِ اسْتِئْنَافًا وَنَصْبهمَا فِي جَوَاب التَّمَنِّي وَرَفْع الْأَوَّل وَنَصْب الثَّانِي وَجَوَاب لَوْ رَأَيْت أَمْرًا عَظِيمًا
تفسير ابن كثير يَذْكُر تَعَالَى حَال الْكُفَّار إِذَا وُقِفُوا يَوْم الْقِيَامَة عَلَى النَّار وَشَاهَدُوا مَا فِيهَا مِنْ السَّلَاسِل وَالْأَغْلَال وَرَأَوْا بِأَعْيُنِهِمْ تِلْكَ الْأُمُور الْعِظَام وَالْأَهْوَال فَعِنْد ذَلِكَ قَالُوا " يَا لَيْتَنَا نُرَدّ وَلَا نُكَذِّب بِآيَاتِ رَبّنَا وَنَكُون مِنْ الْمُؤْمِنِينَ " يَتَمَنَّوْنَ أَنْ يُرَدُّوا إِلَى الدَّار الدُّنْيَا لِيَعْمَلُوا عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُكَذِّبُوا بِآيَاتِ رَبّهمْ وَيَكُونُوا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ .
تفسير الطبري الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّار فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدّ وَلَا نُكَذِّب بِآيَاتِ رَبّنَا وَنَكُون مِنْ الْمُؤْمِنِينَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَلَوْ تَرَى } يَا مُحَمَّد هَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمْ الْأَصْنَام وَالْأَوْثَان الْجَاحِدِينَ نُبُوَّتك الَّذِينَ وَصَفْت لَك صِفَتَهُمْ , { إِذْ وُقِفُوا } يَقُول : إِذْ حُبِسُوا , { عَلَى النَّار } يَعْنِي فِي النَّار , فَوُضِعَتْ " عَلَى " مَوْضِع " فِي " كَمَا قَالَ : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوَا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } 2 102 بِمَعْنَى فِي مُلْك سُلَيْمَان . وَقِيلَ : { وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا } وَمَعْنَاهُ : إِذَا وُقِفُوا لِمَا وَصَفْنَا قَبْل فِيمَا مَضَى أَنَّ الْعَرَب قَدْ تَضَع " إِذْ " مَكَان " إِذَا " , و " إِذَا " مَكَان " إِذْ " , وَإِنْ كَانَ حَظّ " إِذْ " أَنْ تُصَاحِبَ مِنْ الْأَخْبَار مَا قَدْ وُجِدَ فَقُضِيَ , وَحَظّ " إِذَا " أَنْ تُصَاحِب مِنْ الْأَخْبَار مَا لَمْ يُوجَد , وَلَكِنَّ ذَلِكَ كَمَا قَالَ الرَّاجِز وَهُوَ أَبُو النَّجْم : مَدَّ لَنَا فِي عُمْرِهِ رَبُّ طَهَا ثُمَّ جَزَاهُ اللَّهُ عَنَّا إِذْ جَزَى جَنَّاتِ عَدْنٍ فِي الْعَلَالِيِّ الْعُلَا فَقَالَ : " ثُمَّ جَزَاهُ اللَّه عَنَّا إِذْ جَزَى " , فَوَضَعَ " إِذْ " مَكَان " إِذَا " . وَقِيلَ : " وُقِفُوا " وَلَمْ يَقُلْ " أُوقِفُوا " , لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْفَصِيح مِنْ كَلَام الْعَرَب , يُقَال : وَقَفْت الدَّابَّةَ وَغَيْرَهَا بِغَيْرِ أَلِفٍ إِذَا حَبَسْتهَا , وَكَذَلِكَ وَقَفْت الْأَرْض إِذَا جَعَلْتهَا صَدَقَة حَبِيسًا , بِغَيْرِ أَلِف . وَقَدْ : 10262 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , عَنْ أَبِي عُبَيْد , قَالَ : أَخْبَرَنِي الْيَزِيدِيّ وَالْأَصْمَعِيّ كِلَاهُمَا , عَنْ أَبِي عَمْرو , قَالَ : مَا سَمِعْت أَحَدًا مِنْ الْعَرَب يَقُول : " أَوْقَفْت الشَّيْء " بِالْأَلِفِ . قَالَ : إِلَّا أَنِّي لَوْ رَأَيْت رَجُلًا بِمَكَانٍ , فَقُلْت : مَا أَوْقَفَك هَا هُنَا ؟ بِالْأَلِفِ لَرَأَيْته حَسَنًا . { فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ } يَقُول : فَقَالَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِرَبِّهِمْ إِذْ حُبِسُوا فِي النَّار : يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ إِلَى الدُّنْيَا حَتَّى نَتُوب وَنُرَاجِع طَاعَة اللَّه , { وَلَا نُكَذِّب بِآيَاتِ رَبّنَا } يَقُول : وَلَا نُكَذِّب بِحُجَجِ رَبِّنَا وَلَا نَجْحَدهَا , { وَنَكُون مِنْ الْمُؤْمِنِينَ } يَقُول : وَنَكُون مِنْ الْمُصَدِّقِينَ بِاَللَّهِ وَحُجَجه وَرُسُله , مُتَّبِعِي أَمْره وَنَهْيه . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْحِجَاز وَالْمَدِينَة وَالْعِرَاقِيِّينَ : " يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّب بِآيَاتِ رَبّنَا وَنَكُونُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ " بِمَعْنَى : يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ , وَلَسْنَا نُكَذِّب بِآيَاتِ رَبّنَا وَلَكِنْ نَكُون مِنْ الْمُؤْمِنِينَ . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْض قُرَّاء الْكُوفَة : { يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبّنَا وَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ } بِمَعْنَى يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ , وَأَنْ لَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبّنَا وَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ . وَتَأَوَّلُوا فِي ذَلِكَ شَيْئًا : 10263 - حَدَّثَنِيهِ أَحْمَد بْن يُوسُف , قَالَ : ثَنَا الْقَاسِم بْن سَلَام , قَالَ : ثَنَا حَجَّاج , عَنْ هَارُون , قَالَ : فِي حَرْف اِبْن مَسْعُود : " يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ فَلَا نُكَذِّب " بِالْفَاءِ . وَذُكِرَ عَنْ بَعْض قُرَّاء أَهْل الشَّام أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ : " يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبُ " بِالرَّفْعِ { وَنَكُونَ } بِالنَّصْبِ . كَأَنَّهُ وَجَّهَ تَأْوِيلَهُ إِلَى أَنَّهُمْ تَمَنَّوْا الرَّدّ وَأَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ , وَأَخْبَرُوا أَنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَ بِآيَاتِ رَبّهمْ إِنْ رُدُّوا إِلَى الدُّنْيَا . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي مَعْنَى ذَلِكَ مَنْصُوبًا وَمَرْفُوعًا , فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : { وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبّنَا وَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ } نَصْب لِأَنَّهُ جَوَاب لِلتَّمَنِّي , وَمَا بَعْد الْوَاو كَمَا بَعْد الْفَاء . قَالَ : وَإِنْ شِئْت رَفَعْت وَجَعَلْته عَلَى غَيْر التَّمَنِّي , كَأَنَّهُمْ قَالُوا : وَلَا نُكَذِّب وَاَللَّه بِآيَاتِ رَبّنَا , وَنَكُون وَاَللَّه مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ; هَذَا إِذَا كَانَ عَلَى ذَا الْوَجْه كَانَ مُنْقَطِعًا مِنْ الْأَوَّل . قَالَ : وَالرَّفْع وَجْه الْكَلَام ; لِأَنَّهُ إِذَا نُصِبَ جَعَلَهَا وَاو عَطْف , فَإِذَا جَعَلَهَا وَاو عَطْف , فَكَأَنَّهُمْ قَدْ تَمَنَّوْا أَنْ لَا يُكَذِّبُوا وَأَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ . قَالَ : وَهَذَا وَاَللَّه أَعْلَم لَا يَكُون ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَمَنَّوْا هَذَا , إِنَّمَا تَمَنَّوْا الرَّدّ , وَأَخْبَرُوا أَنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَ وَيَكُونُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ . وَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة يَقُول : لَوْ نُصِبَ " نُكَذِّبَ " وَ " نَكُونَ " عَلَى الْجَوَاب بِالْوَاوِ لَكَانَ صَوَابًا ; قَالَ : وَالْعَرَب تُجِيب بِالْوَاوِ " وَثُمَّ " , كَمَا تُجِيب بِالْفَاءِ , يَقُولُونَ : لَيْتَ لِي مَالًا فَأُعْطِيَك , وَلَيْتَ لِي مَالًا وَأُعْطِيَك وَثُمَّ أُعْطِيَك . قَالَ : وَقَدْ تَكُون نَصْبًا عَلَى الصَّرْف , كَقَوْلِك : لَا يَسْعُنِي شَيْء وَيَعْجِز عَنْك . وَقَالَ آخَر مِنْهُمْ : لَا أُحِبّ النَّصْب فِي هَذَا , لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَمَنٍّ مِنْهُمْ , إِنَّمَا هُوَ خَبَر أَخْبَرُوا بِهِ عَنْ أَنْفُسهمْ ; أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ كَذَّبَهُمْ فَقَالَ : { وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ } وَإِنَّمَا يَكُون التَّكْذِيب لِلْخَبَرِ لَا لِلتَّمَنِّي . وَكَانَ بَعْضُهُمْ يُنْكِر أَنْ يَكُون الْجَوَاب بِالْوَاوِ , وَبِحَرْفٍ غَيْر الْفَاء , وَكَانَ يَقُول : إِنَّمَا الْوَاو مَوْضِع حَال , لَا يَسْعُنِي شَيْء وَيَضِيق عَنْك : أَيْ وَهُوَ يَضِيق عَنْك . قَالَ : وَكَذَلِكَ الصَّرْف فِي جَمِيع الْعَرَبِيَّة . قَالَ : وَأَمَّا الْفَاء فَجَوَاب جَزَاء , مَا قُمْت فَآتِيَك : أَيْ لَوْ قُمْت لَأَتَيْنَاك . قَالَ : فَهَذَا حُكْم الصَّرْف وَالْفَاء . قَالَ : وَأَمَّا قَوْله : { وَلَا نُكَذِّبَ } { وَنَكُونَ } فَإِنَّمَا جَازَ , لِأَنَّهُمْ قَالُوا : يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ فِي غَيْر الْحَال الَّتِي وُقِفْنَا فِيهَا عَلَى النَّار , فَكَانَ وَقْفُهُمْ فِي تِلْكَ , فَتَمَنَّوْا أَنْ لَا يَكُونُوا وُقِفُوا فِي تِلْكَ الْحَال . وَكَأَنَّ مَعْنَى صَاحِب هَذِهِ الْمَقَالَة فِي قَوْلِهِ هَذَا : وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّار , فَقَالُوا : قَدْ وُقِفْنَا عَلَيْهَا مُكَذِّبِينَ بِآيَاتِ رَبّنَا كُفَّارًا , فَيَا لَيْتَنَا نُرَدُّ إِلَيْهَا فَنُوقَف عَلَيْهَا غَيْر مُكَذِّبِينَ بِآيَاتِ رَبّنَا وَلَا كُفَّارًا . وَهَذَا تَأْوِيل يَدْفَعهُ ظَاهِر التَّنْزِيل , وَذَلِكَ قَوْل اللَّه تَعَالَى : { وَلَوْ رَدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } فَأَخْبَرَ اللَّه - تَعَالَى - أَنَّهُمْ فِي قِيلِهِمْ ذَلِكَ كَذَبَة , وَالتَّكْذِيب لَا يَقَع فِي التَّمَنِّي , وَلَكِنَّ صَاحِب هَذِهِ الْمَقَالَة أَظُنّ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَتَدَبَّر التَّأْوِيل وَلَزِمَ سُنَن الْعَرَبِيَّة . وَالْقِرَاءَة الَّتِي لَا أَخْتَار غَيْرهَا فِي ذَلِكَ : " يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبُ بِآيَاتِ رَبّنَا وَنَكُونُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ " بِالرَّفْعِ فِي كِلَيْهِمَا , بِمَعْنَى : يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ , وَلَسْنَا نُكَذِّب بِآيَاتِ رَبّنَا إِنْ رُدِدْنَا , وَلَكِنَّا نَكُونُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ; عَلَى وَجْه الْخَبَر مِنْهُمْ عَمَّا يَفْعَلُونَ إِنْ هُمْ رُدُّوا إِلَى الدُّنْيَا , لَا عَلَى التَّمَنِّي مِنْهُمْ أَنْ لَا يُكَذِّبُوا بِآيَاتِ رَبّهمْ وَيَكُونُوا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ , وَأَنَّهُمْ كَذَبَة فِي قِيلِهِمْ ذَلِكَ . وَلَوْ كَانَ قِيلُهُمْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّمَنِّي لَاسْتَحَالَ تَكْذِيبهمْ فِيهِ ; لِأَنَّ التَّمَنِّي لَا يُكَذَّب , وَإِنَّمَا يَكُون التَّصْدِيق وَالتَّكْذِيب فِي الْأَخْبَار . وَأَمَّا النَّصْب فِي ذَلِكَ , فَإِنِّي أَظُنّ بِقَارِئِهِ أَنَّهُ بِرَجَاءِ تَأْوِيل قِرَاءَة عَبْد اللَّه الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْهُ , وَذَلِكَ قِرَاءَته ذَلِكَ : " يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ فَلَا نُكَذِّب بِآيَاتِ رَبّنَا وَنَكُون مِنْ الْمُؤْمِنِينَ " عَلَى وَجْه جَوَاب التَّمَنِّي بِالْفَاءِ . وَهُوَ إِذَا قُرِئَ بِالْفَاءِ كَذَلِكَ لَا شَكَّ فِي صِحَّة إِعْرَابه , وَمَعْنَاهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ تَأْوِيله إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ : لَوْ أَنَّا رُدِدْنَا إِلَى الدُّنْيَا مَا كَذَّبْنَا بِآيَاتِ رَبّنَا , وَلَكُنَّا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ . فَإِنْ يَكُنْ الَّذِي حَكَى مَنْ حَكَى عَنْ الْعَرَب مِنْ السَّمَاع مِنْهُمْ الْجَوَاب بِالْوَاوِ وَ " ثُمَّ " كَهَيْئَةِ الْجَوَاب بِالْفَاءِ صَحِيحًا , فَلَا شَكَّ فِي صِحَّة قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ : { يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ } نَصْبًا عَلَى جَوَاب التَّمَنِّي بِالْوَاوِ , عَلَى تَأْوِيل قِرَاءَة عَبْد اللَّه ذَلِكَ بِالْفَاءِ , وَإِلَّا فَإِنَّ الْقِرَاءَة بِذَلِكَ بَعِيدَة الْمَعْنَى مِنْ تَأْوِيل التَّنْزِيل . وَلَسْت أَعْلَم سَمَاع ذَلِكَ مِنْ الْعَرَب صَحِيحًا , بَلْ الْمَعْرُوف مِنْ كَلَامهَا الْجَوَاب بِالْفَاءِ وَالصَّرْف بِالْوَاوِ .
تفسير القرطبي أَيْ إِذْ وُقِفُوا غَدًا و ( إِذْ ) قَدْ تُسْتَعْمَل فِي مَوْضِع ( إِذَا ) و ( إِذَا ) فِي مَوْضِع ( إِذْ ) وَمَا سَيَكُونُ فَكَأَنَّهُ كَانَ ; لِأَنَّ خَبَر اللَّه تَعَالَى حَقّ وَصِدْق , فَلِهَذَا عَبَّرَ بِالْمَاضِي . وَمَعْنَى ( إِذْ وُقِفُوا ) حُبِسُوا يُقَال : وَقَفْته وَقْفًا فَوَقَفَ وُقُوفًا . وَقَرَأَ اِبْن السَّمَيْقَع ( إِذْ وَقَفُوا ) بِفَتْحِ الْوَاو وَالْقَاف مِنْ الْوُقُوف . " عَلَى النَّار " أَيْ هُمْ فَوْقهَا عَلَى الصِّرَاط وَهِيَ تَحْتهمْ . وَقِيلَ : ( عَلَى ) بِمَعْنَى الْبَاء ; أَيْ وَقَفُوا بِقُرْبِهَا وَهُمْ يُعَايِنُونَهَا . وَقَالَ الضَّحَّاك : جَمَعُوا , يَعْنِي عَلَى أَبْوَابهَا . وَيُقَال : وَقَفُوا عَلَى مَتْن جَهَنَّم وَالنَّار تَحْتهمْ . وَفِي الْخَبَر : أَنَّ النَّاس كُلّهمْ يُوقَفُونَ عَلَى مَتْن جَهَنَّم كَأَنَّهَا مَتْن إِهَالَة , ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ خُذِي أَصْحَابك وَدَعِي أَصْحَابِي . وَقِيلَ : ( وُقِفُوا ) دَخَلُوهَا - أَعَاذَنَا اللَّه مِنْهَا - فَعَلَى بِمَعْنَى ( فِي ) أَيْ وُقِفُوا فِي النَّار . وَجَوَاب ( لَوْ ) مَحْذُوف لِيَذْهَب الْوَهْم إِلَى كُلّ شَيْء فَيَكُون أَبْلَغ فِي التَّخْوِيف ; وَالْمَعْنَى : لَوْ تَرَاهُمْ فِي تِلْكَ الْحَال لَرَأَيْت أَسْوَأ حَال , أَوْ لَرَأَيْت مَنْظَرًا هَائِلًا , أَوْ لَرَأَيْت أَمْرًا عَجَبًا وَمَا كَانَ مِثْل هَذَا التَّقْدِير .
بِالرَّفْعِ فِي الْأَفْعَال الثَّلَاثَة عَطْفًا قِرَاءَة أَهْل الْمَدِينَة وَالْكِسَائِيّ ; وَأَبُو عَمْرو وَأَبُو بَكْر عَنْ عَاصِم بِالضَّمِّ . اِبْن عَامِر عَلَى رَفْع ( نُكَذِّب ) وَنَصْب ( وَنَكُون ) وَكُلّه دَاخِل فِي مَعْنَى التَّمَنِّي ; أَيْ لَا تَمَنَّوْا الرَّدّ وَأَلَّا يُكَذِّبُوا وَأَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ . وَاخْتَارَ سِيبَوَيْهِ الْقَطْع فِي ( وَلَا نُكَذِّب ) فَيَكُون غَيْر دَاخِل فِي التَّمَنِّي ; الْمَعْنَى : وَنَحْنُ لَا نُكَذِّب عَلَى مَعْنَى الثَّبَات عَلَى تَرْك التَّكْذِيب ; أَيْ لَا نُكَذِّب رَدَدْنَا أَوْ لَمْ نَرُدّ ; قَالَ سِيبَوَيْهِ : وَهُوَ مِثْل قَوْله دَعْنِي وَلَا أَعُود أَيْ لَا أَعُود عَلَى كُلّ حَال تَرَكْتنِي أَوْ لَمْ تَتْرُكنِي . وَاسْتَدَلَّ أَبُو عَمْرو عَلَى خُرُوجه مِنْ التَّمَنِّي بِقَوْلِهِ : " وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ " لِأَنَّ الْكَذِب لَا يَكُون فِي التَّمَنِّي إِنَّمَا يَكُون فِي الْخَبَر . وَقَالَ مَنْ جَعَلَهُ دَاخِلًا فِي التَّمَنِّي : الْمَعْنَى وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ فِي الدُّنْيَا فِي إِنْكَارهمْ الْبَعْث وَتَكْذِيبهمْ الرُّسُل . وَقَرَأَ حَمْزَة وَحَفْص بِنَصْبِ ( نُكَذِّب ) و ( نَكُون ) جَوَابًا لِلتَّمَنِّي ; لِأَنَّهُ غَيْر وَاجِب , وَهُمَا دَاخِلَانِ فِي التَّمَنِّي عَلَى مَعْنَى أَنَّهُمْ تَمَنَّوْا الرَّدّ وَتَرْك التَّكْذِيب وَالْكَوْن مَعَ الْمُؤْمِنِينَ . قَالَ أَبُو إِسْحَاق : مَعْنَى ( وَلَا نُكَذِّب ) أَيْ إِنْ رَدَدْنَا لَمْ نُكَذِّب . وَالنَّصْب فِي ( نُكَذِّبَ ) و ( نَكُونَ ) بِإِضْمَارِ ( أَنْ ) كَمَا يُنْصَب فِي جَوَاب الِاسْتِفْهَام وَالْأَمْر وَالنَّهْي وَالْعَرْض ; لِأَنَّ جَمِيعه غَيْر وَاجِب وَلَا وَاقِع بَعْد , فَيُنْصَب , الْجَوَاب مَعَ الْوَاو كَأَنَّهُ عَطْف عَلَى مَصْدَر الْأَوَّل ; كَأَنَّهُمْ قَالُوا : يَا لَيْتَنَا يَكُون لَنَا رَدّ وَانْتِفَاء مِنْ الْكَذِب , وَكَوْن مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ; فَحُمِلَا عَلَى مَصْدَر ( نُرَدّ ) لِانْقِلَابِ الْمَعْنَى إِلَى الرَّفْع , وَلَمْ يَكُنْ بُدّ مِنْ إِضْمَار ( أَنْ ) فِيهِ يُتِمّ النَّصْب فِي الْفِعْلَيْنِ . وَقَرَأَ اِبْن عَامِر ( وَنَكُونَ ) بِالنَّصْبِ عَلَى جَوَاب التَّمَنِّي كَقَوْلِك : لَيْتك تَصِير إِلَيْنَا وَنُكْرِمك , أَيْ لَيْتَ مَصِيرك يَقَع وَإِكْرَامنَا يَقَع , وَأُدْخِلَ الْفِعْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فِي التَّمَنِّي , أَوْ أَرَادَ : وَنَحْنُ لَا نُكْرِمك عَلَى الْقَطْع عَلَى مَا تَقَدَّمَ ; يَحْتَمِل . وَقَرَأَ أُبَيّ ( وَلَا نُكَذِّب بِآيَاتِ رَبّنَا أَبَدًا ) . وَعَنْهُ وَابْن مَسْعُود ( يَا لَيْتَنَا نُرَدّ فَلَا نُكَذِّبَ ) بِالْفَاءِ وَالنَّصْب , وَالْفَاء يُنْصَب بِهَا فِي الْجَوَاب كَمَا يُنْصَب بِالْوَاوِ ; عَنْ الزَّجَّاج . وَأَكْثَر الْبَصْرِيِّينَ لَا يُجِيزُونَ الْجَوَاب إِلَّا بِالْفَاءِ .
غريب الآية
وَلَوۡ تَرَىٰۤ إِذۡ وُقِفُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُوا۟ یَـٰلَیۡتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِـَٔایَـٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ ﴿٢٧﴾
وُقِفُوا۟ حُبِسُوا.
نُرَدُّ إلى الدُّنيا. وُقِفُوا۟ حُبِسوا.
الإعراب
(وَلَوْ) "الْوَاوُ " حَرْفُ اسْتِئْنَافٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَوْ ) : حَرْفُ شَرْطٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تَرَى) فِعْلٌ مُضَارِعٌ فِعْلُ الشَّرْطِ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ ".
(إِذْ) ظَرْفُ زَمَانٍ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ.
(وُقِفُوا) فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ " ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ نَائِبُ فَاعِلٍ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(عَلَى) حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(النَّارِ) اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(فَقَالُوا) "الْفَاءُ " حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(قَالُوا ) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ " ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(يَالَيْتَنَا) (يَا ) : حَرْفُ تَنْبِيهٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ(لَيْتَ ) : حَرْفُ تَمَنٍّ وَنَصْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(نَا ) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ اسْمُ (لَيْتَ ) :.
(نُرَدُّ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَنَائِبُ الْفَاعِلِ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "نَحْنُ "، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ (لَيْتَ ) :.
(وَلَا) "الْوَاوُ " حَرْفُ مَعِيَّةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَا ) : حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(نُكَذِّبَ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَنْصُوبٌ بِأَنْ مُضْمَرَةٍ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "نَحْنُ ".
(بِآيَاتِ) "الْبَاءُ " حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(آيَاتِ ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(رَبِّنَا) مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ(نَا ) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(وَنَكُونَ) "الْوَاوُ " حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(نَكُونَ ) : فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَعْطُوفٌ مَنْصُوبٌ بِأَنِ الْمُضْمَرَةِ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَاسْمُ نَكُونَ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "نَحْنُ ".
(مِنَ) حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
(الْمُؤْمِنِينَ) اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ خَبَرُ نَكُونَ.
Facebook Twitter WhatsApp Pinterest LinkedIn Buffer Tumblr Reddit Mix Evernote Pocket Wordpress