صفحات الموقع

سورة الأنعام الآية ٣٨

سورة الأنعام الآية ٣٨

وَمَا مِن دَاۤبَّةࣲ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَلَا طَـٰۤىِٕرࣲ یَطِیرُ بِجَنَاحَیۡهِ إِلَّاۤ أُمَمٌ أَمۡثَالُكُمۚ مَّا فَرَّطۡنَا فِی ٱلۡكِتَـٰبِ مِن شَیۡءࣲۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ یُحۡشَرُونَ ﴿٣٨﴾

التفسير

تفسير السعدي

أي: جميع الحيوانات, الأرضية والهوائية, من البهائم والوحوش, والطيور, كلها " أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ " خلقناها كما خلقناكم, ورزقناها كما رزقناكم, ونفذت فيها مشيئتنا وقدرتنا, كما كانت نافذة فيكم. " مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ " أي: ما أهملنا ولا أغفلنا, في اللوح المحفوظ, شيئا من الأشياء. بل جميع الأشياء, صغيرها, وكبيرها, مثبتة في اللوح المحفوظ, على ما هي عليه. فتقع جميع الحوادث, طبق ما جرى به القلم. وفي هذه الآية, دليل على أن الكتاب الأول, قد حوى جميع الكائنات. وهذا أحد مراتب القضاء والقدر, فإنها أربع مراتب. علم الله الشامل, لجميع الأشياء, وكتابه المحيط بجميع الموجودات, ومشيئته وقدرته العامة النافذة في كل شيء, وخلقه لجميع المخلوقات, حتى أفعال العباد. ويحتمل أن المراد بالكتاب, هذا القرآن, أن المعنى كالمعنى في قوله تعالى " وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ " . وقوله " ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ " أي: جميع الأمم تجمع وتحشر إلى الله في موقف القيامة, في ذلك الموقف العظيم الهائل. فيجازيهم بعدله وإحسانه ويمضي عليهم حكمه الذي يحمده عليه الأولون والآخرون, أهل الماء وأهل الأرض.

التفسير الميسر

ليس في الأرض حيوان يَدِبُّ على الأرض أو طائر يطير في السماء بجناحيه إلا جماعات متجانسة الخلق مثلكم. ما تركنا في اللوح المحفوظ شيئًا إلا أثبتناه، ثم إنهم إلى ربهم يحشرون يوم القيامة، فيحاسب الله كلا بما عمل.

تفسير الجلالين

"وَمَا مِنْ" زَائِدَة "دَابَّة" تَمْشِي "فِي الْأَرْض وَلَا طَائِر يَطِير" فِي الْهَوَاء "بِجَنَاحَيْهِ إلَّا أُمَم أَمْثَالكُمْ" فِي تَدْبِير خَلْقهَا وَرِزْقهَا وَأَحْوَالهَا "مَا فَرَّطْنَا" تَرَكْنَا "فِي الْكِتَاب" اللَّوْح الْمَحْفُوظ "مِنْ" زَائِدَة "شَيْء" فَلَمْ نَكْتُبهُ "ثُمَّ إلَى رَبّهمْ يُحْشَرُونَ" فَيَقْضِي بَيْنهمْ وَيَقْتَصّ لِلْجَمَّاءِ مِنْ الْقَرْنَاء ثُمَّ يَقُول لَهُمْ كُونُوا تُرَابًا

تفسير ابن كثير

قَالَ مُجَاهِد : أَيْ أَصْنَاف مُصَنَّفَة تُعْرَف بِأَسْمَائِهَا. وَقَالَ قَتَادَة الطَّيْر أُمَّة وَالْإِنْس أُمَّة وَالْجِنّ أُمَّة وَقَالَ السُّدِّيّ " إِلَّا أُمَم أَمْثَالكُمْ " أَيْ خَلْق أَمْثَالكُمْ. وَقَوْله " مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَاب مِنْ شَيْء " أَيْ الْجَمِيع عِلْمهمْ عِنْد اللَّه وَلَا يَنْسَى وَاحِدًا مِنْ جَمِيعهَا مِنْ رِزْقه وَتَدْبِيره سَوَاء كَانَ بَرِّيًّا أَوْ بَحْرِيًّا كَقَوْلِهِ " وَمَا مِنْ دَابَّة فِي الْأَرْض إِلَّا عَلَى اللَّه رِزْقهَا وَيَعْلَم مُسْتَقَرّهَا وَمُسْتَوْدَعهَا كُلّ فِي كِتَاب مُبِين " أَيْ مُفْصِح بِأَسْمَائِهَا وَأَعْدَادهَا وَمَظَانّهَا وَحَاصِر لِحَرَكَاتِهَا وَسَكَنَاتهَا وَقَالَ تَعَالَى " وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّة لَا تَحْمِل رِزْقهَا اللَّه يَرْزُقهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم " وَقَدْ قَالَ الْحَافِظ أَبُو يَعْلَى : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عُبَيْد بْن وَاقِد الْقَيْسِيّ أَبُو عَبَّاد حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عِيسَى بْن كَيْسَان حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه قَالَ : قَلَّ الْجَرَاد فِي سَنَة مِنْ سِنِي عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ الَّتِي وَلِيَ فِيهَا فَسَأَلَ عَنْهُ فَلَمْ يُخْبِر بِشَيْءٍ فَاغْتَمَّ لِذَلِكَ فَأَرْسَلَ رَاكِبًا إِلَى كَذَا وَآخَر إِلَى الشَّام وَآخَر إِلَى الْعِرَاق يَسْأَل هَلْ رُئِيَ مِنْ الْجَرَاد شَيْء أَمْ لَا ؟ قَالَ فَأَتَاهُ الرَّاكِب الَّذِي مِنْ قِبَل الْيَمَن بِقَبْضَةٍ مِنْ جَرَاد فَأَلْقَاهَا بَيْن يَدَيْهِ فَلَمَّا رَآهَا كَبَّرَ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول " خَلَقَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَلْف أُمَّة مِنْهَا سِتّمِائَةٍ فِي الْبَحْر وَأَرْبَعمِائَةٍ فِي الْبَرّ وَأَوَّل شَيْء يَهْلِك مِنْ هَذِهِ الْأُمَم الْجَرَاد فَإِذَا هَلَكَتْ تَتَابَعَتْ مِثْل النِّظَام إِذَا قَطَعَ سَلَكَهُ " . وَقَوْله " ثُمَّ إِلَى رَبّهمْ يُحْشَرُونَ" قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيد الْأَشَجّ حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ أَبِيهِ عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله " ثُمَّ إِلَى رَبّهمْ يُحْشَرُونَ " قَالَ حَشْرهَا الْمَوْت وَكَذَا رَوَاهُ اِبْن جَرِير مِنْ طَرِيق إِسْرَائِيل عَنْ سَعِيد بْن مَسْرُوق عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : مَوْت الْبَهَائِم حَشْرهَا وَكَذَا رَوَاهُ الْعَوْفِيّ عَنْهُ . قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِد وَالضَّحَّاك مِثْله ." وَالْقَوْل الثَّانِي " أَنَّ حَشْرهَا بَعْثهَا يَوْم الْقِيَامَة لِقَوْلِهِ " وَإِذَا الْوُحُوش حُشِرَتْ " وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ سُلَيْمَان عَنْ مُنْذِر الثَّوْرِيّ عَنْ أَشْيَاخ لَهُمْ عَنْ أَبِي ذَرّ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى شَاتَيْنِ تَنْتَطِحَانِ فَقَالَ " يَا أَبَا ذَرّ هَلْ تَدْرِي فِيمَ تَنْتَطِحَانِ ؟ " قَالَ لَا قَالَ لَكِنْ اللَّه يَدْرِي وَسَيَقْضِي بَيْنهمَا وَرَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ الْأَعْمَش عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي ذَرّ قَالَ : بَيْنَا نَحْنُ عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ اِنْتَطَحَتْ عَنْزَانِ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَدْرُونَ فِيمَ اِنْتَطَحَتَا ؟ قَالُوا لَا نَدْرِي قَالَ " لَكِنَّ اللَّه يَدْرِي وَسَيَقْضِي بَيْنهمَا " رَوَاهُ اِبْن جَرِير ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيق مُنْذِر الثَّوْرِيّ عَنْ أَبِي ذَرّ فَذَكَرَهُ وَزَادَ قَالَ أَبُو ذَرّ وَلَقَدْ تَرَكْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا يُقَلِّب طَائِر جَنَاحَيْهِ فِي السَّمَاء إِلَّا ذَكَرَ لَنَا مِنْهُ عِلْمًا وَقَالَ عَبْد اللَّه اِبْن الْإِمَام أَحْمَد فِي مُسْنَد أَبِيهِ حَدَّثَنِي عَبَّاس بْن مُحَمَّد وَأَبُو يَحْيَى الْبَزَّار قَالَا : حَدَّثَنَا حَجَّاج بْن نُصَيْر حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ الْعَوَّام بْن مُزَاحِم مِنْ بَنِي قَيْس بْن ثَعْلَبَة عَنْ أَبِي عُثْمَان النَّهْدِيّ عَنْ عُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " إِنَّ الْجَمَّاء لَتَقْتَصّ مِنْ الْقَرْنَاء يَوْم الْقِيَامَة " وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق : أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ جَعْفَر بْن بُرْقَان عَنْ يَزِيد بْن الْأَصَمّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي قَوْله " إِلَّا أُمَم أَمْثَالكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَاب مِنْ شَيْء ثُمَّ إِلَى رَبّهمْ يُحْشَرُونَ " قَالَ : يُحْشَر الْخَلْق كُلّهمْ يَوْم الْقِيَامَة الْبَهَائِم وَالدَّوَابّ وَالطَّيْر وَكُلّ شَيْء فَيَبْلُغ مِنْ عَدْل اللَّه يَوْمئِذٍ أَنْ يَأْخُذ لِلْجَمَّاءِ مِنْ الْقَرْنَاء ثُمَّ يَقُول : كُونِي تُرَابًا فَلِذَلِكَ يَقُول الْكَافِر " يَا لَيْتَنِي كُنْت تُرَابًا " وَقَدْ رُوِيَ هَذَا مَرْفُوعًا فِي حَدِيث الصُّور .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَاب مِنْ شَيْء ثُمَّ إِلَى رَبّهمْ يُحْشَرُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ لِهَؤُلَاءِ الْمُعْرِضِينَ عَنْك الْمُكَذِّبِينَ بِآيَاتِ اللَّه : أَيّهَا الْقَوْم , لَا تَحْسَبُنَّ اللَّه غَافِلًا عَمَّا تَعْمَلُونَ , أَوْ أَنَّهُ غَيْر مُجَازِيكُمْ عَلَى مَا تَكْسِبُونَ , وَكَيْف يَغْفُل عَنْ أَعْمَالِكُمْ أَوْ يَتْرُك مُجَازَاتِكُمْ عَلَيْهَا وَهُوَ غَيْر غَافِل عَنْ عَمَل شَيْء دَبَّ عَلَى الْأَرْض صَغِير أَوْ كَبِير وَلَا عَمَل طَائِر طَارَ بِجَنَاحَيْهِ فِي الْهَوَاء ؟ بَلْ جَعَلَ ذَلِكَ كُلّه أَجْنَاسًا مُجَنَّسَة وَأَصْنَافًا مُصَنَّفَة , تَعْرِف كَمَا تَعْرِفُونَ وَتَتَصَرَّف فِيمَا سُخِّرَتْ لَهُ كَمَا تَتَصَرَّفُونَ , وَمَحْفُوظ عَلَيْهَا مَا عَمِلَتْ مِنْ عَمَل لَهَا وَعَلَيْهَا , وَمُثْبَت كُلّ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِهَا فِي أُمّ الْكِتَاب , ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُمِيتهَا ثُمَّ مُنْشِرهَا وَمُجَازِيهَا يَوْم الْقِيَامَة جَزَاء أَعْمَالهَا . يَقُول : فَالرَّبّ الَّذِي لَمْ يُضَيِّع حِفْظ أَعْمَال الْبَهَائِم وَالدَّوَابّ فِي الْأَرْض وَالطَّيْر فِي الْهَوَاء حَتَّى حَفِظَ عَلَيْهَا حَرَكَاتهَا وَأَفْعَالهَا وَأَثْبَتَ ذَلِكَ مِنْهَا فِي أُمّ الْكِتَاب وَحَشَرَهَا ثُمَّ جَازَاهَا عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهَا فِي دَار الْبَلَاء , أَحْرَى أَنْ لَا يُضَيِّعَ أَعْمَالَكُمْ وَلَا يُفَرِّطَ فِي حِفْظ أَفْعَالِكُمْ الَّتِي تَجْتَرِحُونَهَا أَيُّهَا النَّاس حَتَّى يَحْشُرَكُمْ فَيُجَازِيَكُمْ عَلَى جَمِيعِهَا , إِنْ خَيْرًا فَخَيْرًا وَإِنْ شَرًّا فَشَرًّا , إِذْ كَانَ قَدْ خَصَّكُمْ مِنْ نِعَمِهِ وَبَسَطَ عَلَيْكُمْ مِنْ فَضْله مَا لَمْ يَعُمّ بِهِ غَيْركُمْ فِي الدُّنْيَا , وَكُنْتُمْ بِشُكْرِهِ أَحَقّ وَبِمَعْرِفَةِ وَاجِبه عَلَيْكُمْ أَوْلَى لِمَا أَعْطَاكُمْ مِنْ الْعَقْل الَّذِي بِهِ بَيْن الْأَشْيَاء تُمَيِّزُونَ وَالْفَهْم الَّذِي لَمْ يُعْطِهِ الْبَهَائِم وَالطَّيْر الَّذِي بِهِ بَيْن مَصَالِحكُمْ وَمَضَارِّكُمْ تُفَرِّقُونَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10290 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { أُمَم أَمْثَالُكُمْ } أَصْنَاف مُصَنَّفَة تُعْرَف بِأَسْمَائِهَا . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 10291 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { وَمَا مِنْ دَابَّة فِي الْأَرْض وَلَا طَائِر يَطِير بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَم أَمْثَالُكُمْ } يَقُول : الطَّيْر أُمَّة , وَالْإِنْس أُمَّة , وَالْجِنّ أُمَّة . 10292 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَوْله : { إِلَّا أُمَم أَمْثَالُكُمْ } يَقُول : إِلَّا خَلْقٌ أَمْثَالُكُمْ . 10293 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن عُبَادَة , فِي قَوْله : { وَمَا مِنْ دَابَّة فِي الْأَرْض وَلَا طَائِر يَطِير بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَم أَمْثَالُكُمْ } قَالَ : الذَّرَّة فَمَا فَوْقهَا مِنْ أَلْوَان مَا خَلَقَ اللَّه مِنْ الدَّوَابّ . وَأَمَّا قَوْله : { مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَاب مِنْ شَيْء } فَإِنَّ مَعْنَاهُ : مَا ضَيَّعْنَا إِثْبَات شَيْء مِنْهُ . كَاَلَّذِي : 10294 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَاب مِنْ شَيْء } مَا تَرَكْنَا شَيْئًا إِلَّا قَدْ كَتَبْنَاهُ فِي أُمّ الْكِتَاب . 10295 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَاب مِنْ شَيْء } قَالَ : لَمْ نَغْفُل الْكِتَاب , مَا مِنْ شَيْء إِلَّا وَهُوَ فِي الْكِتَاب . * وَحَدَّثَنِي بِهِ يُونُس مَرَّة أُخْرَى , قَالَ فِي قَوْله : { مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَاب مِنْ شَيْء } قَالَ : كُلّهمْ مَكْتُوب فِي أُمّ الْكِتَاب . وَأَمَّا قَوْله : { ثُمَّ إِلَى رَبّهمْ يُحْشَرُونَ } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى حَشْرهمْ الَّذِي عَنَاهُ اللَّه تَعَالَى فِي هَذَا الْمَوْضِع . فَقَالَ بَعْضهمْ : حَشْرهَا مَوْتهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10296 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُمَارَة الْأَسَدِيّ , قَالَ : ثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ سَعِيد , عَنْ مَسْرُوق , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَمَا مِنْ دَابَّة فِي الْأَرْض وَلَا طَائِر يَطِير بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَم أَمْثَالُكُمْ } قَالَ اِبْن عَبَّاس : مَوْت الْبَهَائِم حَشْرهَا . - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { ثُمَّ إِلَى رَبّهمْ يُحْشَرُونَ } قَالَ : يَعْنِي بِالْحَشْرِ : الْمَوْت . 10297 - حُدِّثْتُ عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ الْفَضْل بْن خَالِد , قَالَ : ثَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْم , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ } يَعْنِي بِالْحَشْرِ : الْمَوْت . وَقَالَ آخَرُونَ : الْحَشْر فِي هَذَا الْمَوْضِع يُعْنَى بِهِ الْجَمْع لِبَعْثِ السَّاعَة وَقِيَام الْقِيَامَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10298 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , وَحَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ جَعْفَر بْن بُرْقَان , عَنْ يَزِيد بْن الْأَصَمّ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , فِي قَوْله : { إِلَّا أُمَم أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَاب مِنْ شَيْء ثُمَّ إِلَى رَبّهمْ يُحْشَرُونَ } قَالَ : يَحْشُرُ اللَّه الْخَلْقَ كُلَّهُمْ يَوْم الْقِيَامَة , الْبَهَائِم , وَالدَّوَابّ , وَالطَّيْر , وَكُلّ شَيْء , فَيَبْلُغ مِنْ عَدْل اللَّه يَوْمئِذٍ أَنْ يَأْخُذ لِلْجَمَّاءِ مِنْ الْقَرْنَاء , ثُمَّ يَقُول : كُونِي تُرَابًا , فَلِذَلِكَ يَقُول الْكَافِر : { يَا لَيْتَنِي كُنْت تُرَابًا } 78 40 . 10299 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , وَحَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ الْأَعْمَش , ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : بَيْنَا أَنَا عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , إِذَا اِنْتَطَحَتْ عَنْزَانِ , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَتَدْرُونَ فِيمَا اِنْتَطَحَتَا " ؟ قَالُوا : لَا نَدْرِي , قَالَ : " لَكِنَّ اللَّه يَدْرِي , وَسَيَقْضِي بَيْنَهُمَا " . - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق بْن سُلَيْم , قَالَ : ثَنَا مَطَر بْن خَلِيفَة , عَنْ مُنْذِر الثَّوْرِيّ , عَنْ أَبِي ذَرّ قَالَ : اِنْتَطَحَتْ شَاتَانِ عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ لِي : " يَا أَبَا ذَرٍّ أَتَدْرِي فِيمَ اِنْتَطَحَتَا " ؟ قُلْت : لَا , قَالَ : " لَكِنَّ اللَّه يَدْرِي وَسَيَقْضِي بَيْنَهُمَا " . قَالَ أَبُو ذَرٍّ : لَقَدْ تَرَكْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمَا يُقَلِّب طَائِر جَنَاحَيْهِ فِي السَّمَاء إِلَّا ذَكَرْنَا مِنْهُ عِلْمًا . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ كُلّ دَابَّة وَطَائِر مَحْشُور إِلَيْهِ , وَجَائِز أَنْ يَكُون مَعْنِيًّا بِذَلِكَ حَشْر الْقِيَامَة , وَجَائِز أَنْ يَكُون مَعْنِيًّا بِهِ حَشْر الْمَوْت , وَجَائِز أَنْ يَكُون مَعْنِيًّا بِهِ الْحَشْرَانِ جَمِيعًا . وَلَا دَلَالَة فِي ظَاهِر التَّنْزِيل وَلَا فِي خَبَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْ ذَلِكَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : { ثُمَّ إِلَى رَبّهمْ يُحْشَرُونَ } إِذْ كَانَ الْحَشْر فِي كَلَام الْعَرَب : الْجَمْع , وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل اللَّه تَعَالَى : { وَالطَّيْر مَحْشُورَة كُلّ لَهُ أَوَّاب } 38 19 يَعْنِي مَجْمُوعَة : فَإِذْ كَانَ الْجَمْع هُوَ الْحَشْر وَكَانَ اللَّه تَعَالَى جَامِعًا خَلْقه إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة وَجَامِعهمْ بِالْمَوْتِ , كَانَ أَصْوَب الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يَعُمّ بِمَعْنَى الْآيَة مَا عَمَّهُ اللَّه بِظَاهِرِهَا , وَأَنْ يُقَال : كُلّ دَابَّة وَكُلّ طَائِر مَحْشُور إِلَى اللَّه بَعْد الْفَنَاء وَبَعْد بَعْث الْقِيَامَة , إِذْ كَانَ اللَّه - تَعَالَى - قَدْ عَمَّ بِقَوْلِهِ : { ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ } وَلَمْ يُخَصِّص بِهِ حَشْرًا دُون حَشْر . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَمَا وَجْه قَوْله : { وَلَا طَائِر يَطِير بِجَنَاحَيْهِ } وَهَلْ يَطِير الطَّائِر إِلَّا بِجَنَاحَيْهِ ؟ فَمَا فِي الْخَبَر عَنْ طَيَرَانه بِالْجَنَاحَيْنِ مِنْ الْفَائِدَة ؟ قِيلَ : قَدْ قَدَّمْنَا الْقَوْل فِيمَا مَضَى أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَنْزَلَ هَذَا الْكِتَاب بِلِسَانِ قَوْم وَبِلُغَاتِهِمْ وَمَا يَتَعَارَفُونَهُ بَيْنهمْ وَيَسْتَعْمِلُونَهُ فِي مَنْطِقهمْ خَاطَبَهُمْ , فَإِذْ كَانَ مِنْ كَلَامهمْ إِذَا أَرَادُوا الْمُبَالَغَة فِي الْكَلَام أَنْ يَقُولُوا : كَلَّمْت فُلَانًا بِفَمِي , وَمَشَيْت إِلَيْهِ بِرِجْلِي , وَضَرَبْته بِيَدِي ; خَاطَبَهُمْ تَعَالَى بِنَظِيرِ مَا يَتَعَارَفُونَهُ فِي كَلَامِهِمْ وَيَسْتَعْمِلُونَهُ فِي خِطَابِهِمْ , وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْع وَتِسْعُونَ نَعْجَة وَلِيَ نَعْجَة وَاحِدَة } 38 23 .

تفسير القرطبي

تَقَدَّمَ مَعْنَى الدَّابَّة وَالْقَوْل فِيهِ فِي " الْبَقَرَة " وَأَصْله الصِّفَة ; مِنْ دَبَّ يَدِبّ فَهُوَ دَابّ إِذَا مَشَى مَشْيًا فِيهِ تَقَارُب خَطْو . بِخَفْضِ " طَائِر " عَطْفًا عَلَى اللَّفْظ . وَقَرَأَ الْحَسَن وَعَبْد اللَّه بْن أَبِي إِسْحَاق ( وَلَا طَائِرٌ ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى الْمَوْضِع , و ( مِنْ ) زَائِدَة , التَّقْدِير : وَمَا مِنْ دَابَّة . " بِجَنَاحَيْهِ " تَأْكِيدًا وَإِزَالَة لِلْإِبْهَامِ ; فَإِنَّ الْعَرَب تَسْتَعْمِل الطَّيَرَان لِغَيْرِ الطَّائِر ; تَقُول لِلرَّجُلِ : طِرْ فِي حَاجَتِي ; أَيْ أَسْرِعْ ; فَذَكَرَ ( بِجَنَاحَيْهِ ) لِيَتَمَحَّضَ الْقَوْل فِي الطَّيْر , وَهُوَ فِي غَيْره مَجَاز . وَقِيلَ : إِنَّ اِعْتِدَال جَسَد الطَّائِر بَيْن الْجَنَاحَيْنِ يُعِينهُ عَلَى الطَّيَرَان , وَلَوْ كَانَ غَيْر مُعْتَدِل لَكَانَ يَمِيل ; فَأَعْلَمَنَا أَنَّ الطَّيَرَان بِالْجَنَاحَيْنِ و " مَا يُمْسِكهُنَّ إِلَّا اللَّه " [ النَّحْل : 79 ] . وَالْجَنَاح أَحَد نَاحِيَتَيْ الطَّيْر الَّذِي يَتَمَكَّن بِهِ مِنْ الطَّيَرَان فِي الْهَوَاء , وَأَصْله الْمَيْل إِلَى نَاحِيَة مِنْ النَّوَاحِي ; وَمِنْهُ جَنَحَتْ السَّفِينَة إِذَا مَالَتْ إِلَى نَاحِيَة الْأَرْض لَاصِقَة بِهَا فَوَقَفَتْ . وَطَائِر الْإِنْسَان عَمَله ; وَفِي التَّنْزِيل " وَكُلّ إِنْسَان أَلْزَمْنَاهُ طَائِره فِي عُنُقه " [ الْإِسْرَاء : 13 ] . أَيْ هُمْ جَمَاعَات مِثْلكُمْ فِي أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَهُمْ , وَتَكَفَّلَ بِأَرْزَاقِهِمْ , وَعَدَلَ عَلَيْهِمْ , فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَظْلِمُوهُمْ , وَلَا تُجَاوِزُوا فِيهِمْ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ . و ( دَابَّة ) تَقَع عَلَى جَمِيع مَا دَبَّ ; وَخَصَّ بِالذِّكْرِ مَا فِي الْأَرْض دُون السَّمَاء لِأَنَّهُ الَّذِي يَعْرِفُونَهُ وَيُعَايِنُونَهُ . وَقِيلَ : هِيَ أَمْثَال لَنَا فِي التَّسْبِيح وَالدَّلَالَة ; وَالْمَعْنَى : وَمَا مِنْ دَابَّة وَلَا طَائِر إِلَّا وَهُوَ يُسَبِّح اللَّه تَعَالَى , وَيَدُلّ عَلَى وَحْدَانِيّته لَوْ تَأَمَّلَ الْكُفَّار . وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة : هِيَ أَمْثَال لَنَا عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يَحْشُر الْبَهَائِم غَدًا وَيَقْتَصّ لِلْجَمَّاءِ مِنْ الْقَرْنَاء ثُمَّ يَقُول اللَّه لَهَا : كُونِي تُرَابًا . وَهَذَا اِخْتِيَار الزَّجَّاج فَإِنَّهُ قَالَ : ( إِلَّا أُمَم أَمْثَالكُمْ ) فِي الْخَلْق وَالرِّزْق وَالْمَوْت وَالْبَعْث وَالِاقْتِصَاص , وَقَدْ دَخَلَ فِيهِ مَعْنَى الْقَوْل الْأَوَّل أَيْضًا . وَقَالَ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة : أَيْ مَا مِنْ صِنْف مِنْ الدَّوَابّ وَالطَّيْر إِلَّا فِي النَّاس شِبْه مِنْهُ ; فَمِنْهُمْ مَنْ يَعْدُو كَالْأَسَدِ , وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْرَه كَالْخِنْزِيرِ , وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْوِي كَالْكَلْبِ , وَمِنْهُمْ مِنْ يَزْهُو كَالطَّاوُس ; فَهَذَا مَعْنَى الْمُمَاثَلَة . وَاسْتَحْسَنَ الْخَطَّابِيّ هَذَا وَقَالَ : فَإِنَّك تُعَاشِر الْبَهَائِم وَالسِّبَاع فَخُذْ حَذَرك . وَقَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " إِلَّا أُمَم أَمْثَالكُمْ " قَالَ أَصْنَاف لَهُنَّ أَسْمَاء تُعْرَف بِهَا كَمَا تُعْرَفُونَ . وَقِيلَ غَيْر هَذَا مِمَّا لَا يَصِحّ مِنْ أَنَّهَا مِثْلنَا فِي الْمَعْرِفَة , وَأَنَّهَا تُحْشَر وَتُنَعَّم فِي الْجَنَّة , وَتُعَوَّض مِنْ الْآلَام الَّتِي حَلَّتْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَأَنَّ أَهْل الْجَنَّة يَسْتَأْنِسُونَ بِصُوَرِهِمْ ; وَالصَّحِيح " إِلَّا أُمَم أَمْثَالكُمْ " فِي كَوْنهَا مَخْلُوقَة دَالَّة عَلَى الصَّانِع مُحْتَاجَة إِلَيْهِ مَرْزُوقَة مِنْ جِهَته , كَمَا أَنَّ رِزْقكُمْ عَلَى اللَّه . وَقَوْل سُفْيَان أَيْضًا حَسَن ; فَإِنَّهُ تَشْبِيه وَاقِع فِي الْوُجُود . أَيْ فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ فَإِنَّهُ أَثْبَتَ فِيهِ مَا يَقَع مِنْ الْحَوَادِث . وَقِيلَ : أَيْ فِي الْقُرْآن أَيْ مَا تَرَكْنَا شَيْئًا مِنْ أَمْر الدِّين إِلَّا وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَيْهِ فِي الْقُرْآن ; إِمَّا دَلَالَة مُبَيَّنَة مَشْرُوحَة , وَإِمَّا مُجْمَلَة يُتَلَقَّى بَيَانهَا مِنْ الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام , أَوْ مِنْ الْإِجْمَاع , أَوْ مِنْ الْقِيَاس الَّذِي ثَبَتَ بِنَصِّ الْكِتَاب ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَنَزَّلْنَا عَلَيْك الْكِتَاب تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء " [ النَّحْل : 89 ] وَقَالَ : " وَأَنْزَلْنَا إِلَيْك الذِّكْر لِتُبَيِّن لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ " [ النَّحْل : 44 ] وَقَالَ : " وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا " [ الْحَشْر : 7 ] فَأَجْمَلَ فِي هَذِهِ الْآيَة وَآيَة ( النَّحْل ) مَا لَمْ يَنُصّ عَلَيْهِ مِمَّا لَمْ يَذْكُرهُ , فَصَدَقَ خَبَر اللَّه بِأَنَّهُ مَا فَرَّطَ فِي الْكِتَاب مِنْ شَيْء إِلَّا ذَكَرَهُ , إِمَّا تَفْصِيلًا وَإِمَّا تَأْصِيلًا ; وَقَالَ : " الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ " [ الْمَائِدَة : 3 ] . أَيْ لِلْجَزَاءِ , كَمَا سَبَقَ فِي خَبَر أَبِي هُرَيْرَة , وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوق إِلَى أَهْلهَا يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يُقَاد لِلشَّاةِ الْجَلْحَاء مِنْ الشَّاة الْقَرْنَاء ) . وَدَلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ الْبَهَائِم تُحْشَر يَوْم الْقِيَامَة ; وَهَذَا قَوْل أَبِي ذَرّ وَأَبِي هُرَيْرَة وَالْحَسَن وَغَيْرهمْ ; وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس ; قَالَ اِبْن عَبَّاس فِي رِوَايَة : حَشْر الدَّوَابّ وَالطَّيْر مَوْتهَا ; وَقَالَ الضَّحَّاك ; وَالْأَوَّل أَصَحّ لِظَاهِرِ الْآيَة وَالْخَبَر الصَّحِيح ; وَفِي التَّنْزِيل " وَإِذَا الْوُحُوش حُشِرَتْ " [ التَّكْوِير : 5 ] وَقَوْل أَبِي هُرَيْرَة فِيمَا رَوَى جَعْفَر بْن بُرْقَان عَنْ يَزِيد بْن الْأَصَمّ عَنْهُ : يَحْشُر اللَّه الْخَلْق كُلّهمْ يَوْم الْقِيَامَة , الْبَهَائِم وَالدَّوَابّ وَالطَّيْر وَكُلّ شَيْء ; فَيَبْلُغ مِنْ عَدْل اللَّه تَعَالَى يَوْمئِذٍ أَنْ يَأْخُذ لِلْجَمَّاءِ مِنْ الْقَرْنَاء ثُمَّ يَقُول : ( كُونِي تُرَابًا ) فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " وَيَقُول الْكَافِر يَا لَيْتَنِي كُنْت تُرَابًا " [ النَّبَأ : 40 ] . وَقَالَ عَطَاء : فَإِذَا رَأَوْا بَنِي آدَم وَمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْجَزَع قُلْنَ : الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلنَا مِثْلكُمْ , فَلَا جَنَّة نَرْجُو وَلَا نَار نَخَاف ; فَيَقُول اللَّه تَعَالَى لَهُنَّ : ( كُنَّ تُرَابًا ) فَحِينَئِذٍ يَتَمَنَّى الْكَافِر أَنْ يَكُون تُرَابًا . وَقَالَتْ جَمَاعَة : هَذَا الْحَشْر الَّذِي فِي الْآيَة يَرْجِع إِلَى الْكُفَّار وَمَا تَخَلَّلَ كَلَامٌ مُعْتَرِضٌ وَإِقَامَة حُجَج ; وَأَمَّا الْحَدِيث فَالْمَقْصُود مِنْهُ التَّمْثِيل عَلَى جِهَة تَعْظِيم أَمْر الْحِسَاب وَالْقِصَاص وَالِاعْتِنَاء فِيهِ حَتَّى يُفْهَم مِنْهُ أَنَّهُ لَا بُدّ لِكُلِّ أَحَد مِنْهُ , وَأَنَّهُ لَا مَحِيص لَهُ عَنْهُ ; وَعَضَّدُوا هَذَا بِمَا فِي الْحَدِيث فِي غَيْر الصَّحِيح عَنْ بَعْض رُوَاته مِنْ الزِّيَادَة فَقَالَ : حَتَّى يُقَاد لِلشَّاةِ الْجَلْحَاء مِنْ الْقَرْنَاء , وَلِلْحَجَرِ لِمَا رَكِبَ عَلَى الْحَجَر , وَلِلْعُودِ لِمَا خَدَشَ الْعُود ; قَالُوا : فَظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمَقْصُود مِنْهُ التَّمْثِيل الْمُفِيد لِلِاعْتِبَارِ وَالتَّهْوِيل , لِأَنَّ الْجَمَادَات لَا يُعْقَل خِطَابهَا وَلَا ثَوَابهَا وَلَا عِقَابهَا , وَلَمْ يَصِرْ إِلَيْهِ أَحَد مِنْ الْعُقَلَاء , وَمُتَخَيِّله مِنْ جُمْلَة الْمَعْتُوهِينَ الْأَغْبِيَاء ; قَالُوا : وَلِأَنَّ الْقَلَم لَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ فَلَا يَجُوز أَنْ يُؤَاخَذُوا . قُلْت : الصَّحِيح الْقَوْل الْأَوَّل لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَإِنْ كَانَ الْقَلَم لَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ فِي الْأَحْكَام وَلَكِنْ فِيمَا بَيْنهمْ يُؤَاخَذُونَ بِهِ ; وَرُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرّ قَالَ : اِنْتَطَحَتْ شَاتَانِ عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ( يَا أَبَا ذَرّ هَلْ تَدْرِي فِيمَا اِنْتَطَحَتَا ؟ ) قُلْت : لَا . قَالَ : ( لَكِنَّ اللَّه تَعَالَى يَدْرِي وَسَيَقْضِي بَيْنهمَا ) وَهَذَا نَصّ , وَقَدْ زِدْنَاهُ بَيَانًا فِي كِتَاب ( التَّذْكِرَة بِأَحْوَالِ الْمَوْتَى وَأُمُور الْآخِرَة ) . وَاَللَّه أَعْلَم .

غريب الآية
وَمَا مِن دَاۤبَّةࣲ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَلَا طَـٰۤىِٕرࣲ یَطِیرُ بِجَنَاحَیۡهِ إِلَّاۤ أُمَمٌ أَمۡثَالُكُمۚ مَّا فَرَّطۡنَا فِی ٱلۡكِتَـٰبِ مِن شَیۡءࣲۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ یُحۡشَرُونَ ﴿٣٨﴾
أُمَمٌجماعاتٌ متجانِسَةٌ في الخَلْقِ والرِّزقِ.
مَّا فَرَّطۡنَاما أغفَلْنا.
ٱلۡكِتَـٰبِاللوحِ المحفوظِ.
الإعراب
(وَمَا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ اسْتِئْنَافٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(مَا) : حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(مِنْ)
حَرْفُ جَرٍّ زَائِدٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(دَابَّةٍ)
مُبْتَدَأٌ مَجْرُورٌ لَفْظًا مَرْفُوعٌ مَحَلًّا وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(فِي)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(الْأَرْضِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَلَا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَا) : حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(طَائِرٍ)
مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(يَطِيرُ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ"، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ جَرٍّ نَعْتٌ لِـ(طَائِرٍ) :.
(بِجَنَاحَيْهِ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(جَنَاحَيْ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ مُثَنًّى، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(إِلَّا)
حَرْفُ اسْتِثْنَاءٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(أُمَمٌ)
خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(أَمْثَالُكُمْ)
نَعْتٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(مَا)
حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(فَرَّطْنَا)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِنَا الْفَاعِلِينَ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(فِي)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(الْكِتَابِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(مِنْ)
حَرْفُ جَرٍّ زَائِدٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(شَيْءٍ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَجْرُورٌ لَفْظًا مَنْصُوبٌ مَحَلًّا وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(ثُمَّ)
حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحٍ.
(إِلَى)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(رَبِّهِمْ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(يُحْشَرُونَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ نَائِبُ فَاعِلٍ.