صفحات الموقع

سورة الأنعام الآية ٥٩

سورة الأنعام الآية ٥٩

۞ وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَیۡبِ لَا یَعۡلَمُهَاۤ إِلَّا هُوَۚ وَیَعۡلَمُ مَا فِی ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۚ وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا یَعۡلَمُهَا وَلَا حَبَّةࣲ فِی ظُلُمَـٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا رَطۡبࣲ وَلَا یَابِسٍ إِلَّا فِی كِتَـٰبࣲ مُّبِینࣲ ﴿٥٩﴾

التفسير

تفسير السعدي

هذه الآية العظيمة, من أعظم الآيات تفصيلا, لعلمه المحيط, وأنه شامل للغيوب كلها, التي يطلع منها ما شاء من خلقه. وكثير منها طوى علمه عن الملائكة المقربين, والأنبياء المرسلين, فضلا عن غيرهم من العالمين. وأنه يعلم ما في البراري والقفار, من الحيوانات, والأشجار, والرمال والحصى, والتراب. وما في البحار, من حيوانات, ومعادنها, وصيدها, وغير ذلك, مما تحتويه أرجاؤها, ويشمل عليه ماؤها. " وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ " من أشجار البر والبحر, والبلدان والقفر, والدنيا والآخرة, إلا يعلمها. " وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ " من حبوب الثمار والزروع, وحبوب البذور التي يبذرها الخلق; وبذور النباتات البرية التي ينشئ منها أصناف النباتات. " وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ " هذا عموم بعد خصوص " إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ " وهو اللوح المحفوظ, قد حواها, واشتمل عليها. وبعض هذا المذكور, يبهر عقول العقلاء, ويذهل أفئدة النبلاء. فدل هذا على عظمة الرب العظيم وسعته, في أوصافه كلها. وأن الخلق - من أولهم إلى آخرهم - لو اجتمعوا على أن يحيطوا ببعض صفاته, لم يكن لهم قدرة, ولا وسع في ذلك. فتبارك الرب العظيم, الواسع, العليم, الحميد المجيد, الشهيد, المحيط. وجل من إله, لا يحصي أحد ثناء عليه, بل كما أثنى على نفسه, وفوق ما يثني عليه عباده. فهذه الآية, دلت على علمه المحيط بجميع الأشياء, وكتابه المحيط, بجميع الحوادث.

التفسير الميسر

وعند الله -جل وعلا- مفاتح الغيب أي: خزائن الغيب، لا يعلمها إلا هو، ومنها: علم الساعة، ونزول الغيث، وما في الأرحام، والكسب في المستقبل، ومكان موت الإنسان، ويعلم كل ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة من نبتة إلا يعلمها، فكل حبة في خفايا الأرض، وكل رطب ويابس، مثبت في كتاب واضح لا لَبْس فيه، وهو اللوح المحفوظ.

تفسير الجلالين

"وَعِنْده" تَعَالَى "مَفَاتِح الْغَيْب" خَزَائِنه أَوْ الطُّرُق الْمُوَصِّلَة إلَى عِلْمه "لَا يَعْلَمهَا إلَّا هُوَ" وَهِيَ الْخَمْسَة الَّتِي فِي قَوْله "إنَّ اللَّه عِنْده عِلْم السَّاعَة" الْآيَة كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ "وَيَعْلَم مَا" يَحْدُث "فِي الْبَرّ" الْقِفَار "وَالْبَحْر" الْقُرَى الَّتِي عَلَى الْأَنْهَار "وَمَا تَسْقُط مِنْ" زَائِدَة "وَرَقَة إلَّا يَعْلَمهَا وَلَا حَبَّة فِي ظُلُمَات الْأَرْض وَلَا رَطْب وَلَا يَابِس" عُطِفَ عَلَى وَرَقَة "إلَّا فِي كِتَاب مُبِين" هُوَ اللَّوْح الْمَحْفُوظ . وَالِاسْتِثْنَاء بَدَل اشْتِمَال مِنْ الِاسْتِثْنَاء قَبْله

تفسير ابن كثير

وَقَوْله تَعَالَى " وَعِنْده مَفَاتِح الْغَيْب لَا يَعْلَمهَا إِلَّا هُوَ " قَالَ الْبُخَارِيّ : حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيز بْن عَبْد اللَّه حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ سَالِم بْن عَبْد اللَّه عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَفَاتِح الْغَيْب خَمْس لَا يَعْلَمهُنَّ إِلَّا اللَّه " إِنَّ اللَّه عِنْده عِلْم السَّاعَة وَيُنَزِّل الْغَيْث وَيَعْلَم مَا فِي الْأَرْحَام وَمَا تَدْرِي نَفْس مَاذَا تَكْسِب غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْس بِأَيِّ أَرْض تَمُوت إِنَّ اللَّه عَلِيم خَبِير " وَفِي حَدِيث عُمَر أَنَّ جِبْرِيل حِين تَبَدَّى لَهُ فِي صُورَة أَعْرَابِيّ فَسَأَلَ عَنْ الْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَالْإِحْسَان فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا قَالَ لَهُ " خَمْس لَا يَعْلَمهُنَّ إِلَّا اللَّه " ثُمَّ قَرَأَ " إِنَّ اللَّه عِنْده عِلْم السَّاعَة " الْآيَة . وَقَوْله " وَيَعْلَم مَا فِي الْبَرّ وَالْبَحْر " أَيْ يُحِيط عِلْمه الْكَرِيم بِجَمِيعِ الْمَوْجُودَات بَرِّيّهَا وَبَحْرِيّهَا لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْء وَلَا مِثْقَال ذَرَّة فِي الْأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء وَمَا أَحْسَن مَا قَالَ الصَّرْصَرِيّ : فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ الذَّرّ إِمَّا تَرَاءَى لِلنَّوَاظِرِ أَوْ تَوَارَى وَقَوْله " وَمَا تَسْقُط مِنْ وَرَقَة إِلَّا يَعْلَمهَا " أَيْ وَيَعْلَم الْحَرَكَات حَتَّى مِنْ الْجَمَادَات فَمَا ظَنَّك بِالْحَيَوَانَاتِ وَلَا سِيَّمَا الْمُكَلَّفُونَ مِنْهُمْ مِنْ جِنّهمْ وَإِنْسهمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى " يَعْلَم خَائِنَة الْأَعْيُن وَمَا تُخْفِي الصُّدُور " . وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن الرَّبِيع حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَص عَنْ سَعِيد بْن مَسْرُوق حَدَّثَنَا حَسَّان النَّمِرِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله " وَمَا تَسْقُط مِنْ وَرَقَة إِلَّا يَعْلَمهَا" قَالَ مَا مِنْ شَجَرَة فِي بَرّ وَلَا بَحْر إِلَّا وَمَلَك مُوَكَّل بِهَا يَكْتُب مَا يَسْقُط مِنْهَا رَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم وَقَوْله" وَلَا حَبَّة فِي ظُلُمَات الْأَرْض وَلَا رُطَب وَلَا يَابِس إِلَّا فِي كِتَاب مُبِين " قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الْمُسَوِّر الزُّهْرِيّ حَدَّثَنَا مَالِك بْن سُعَيْر حَدَّثَنَا الْأَعْمَش عَنْ يَزِيد بْن أَبِي زِيَاد عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث قَالَ : مَا فِي الْأَرْض مِنْ شَجَرَة وَلَا مَغْرَز إِبْرَة إِلَّا وَعَلَيْهَا مَلَك مُوَكَّل يَأْتِي اللَّه بِعِلْمِهَا رُطُوبَتهَا إِذَا رَطِبَتْ وَيُبُوسَتهَا إِذَا يَبِسَتْ وَكَذَا رَوَاهُ اِبْن جَرِير عَنْ أَبِي الْخَطَّاب زِيَاد بْن عَبْد اللَّه الْحَسَّانِيّ عَنْ مَالِك بْن سُعَيْر بِهِ . ثُمَّ قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم ذَكَرَ عَنْ أَبِي حُذَيْفَة حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ عَمْرو بْن قَيْس عَنْ رَجُل عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : خَلَقَ اللَّه النُّون وَهِيَ الدَّوَاة وَخَلَقَ الْأَلْوَاح فَكَتَبَ فِيهَا أَمْر الدُّنْيَا حَتَّى يَنْقَضِي مَا كَانَ مِنْ خَلْق مَخْلُوق أَوْ رِزْق حَلَال أَوْ حَرَام أَوْ عَمَل بِرّ أَوْ فُجُور وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَة " وَمَا تَسْقُط مِنْ وَرَقَة إِلَّا يَعْلَمهَا" إِلَى آخِر الْآيَة قَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ يَحْيَى بْن النَّضْر عَنْ أَبِيهِ سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ يَقُول إِنَّ تَحْت الْأَرْض الثَّالِثَة وَفَوْق الرَّابِعَة مِنْ الْجِنّ مَا لَوْ أَنَّهُمْ ظَهَرُوا يَعْنِي لَكُمْ لَمْ تَرَوْا مَعَهُمْ نُورًا عَلَى كُلّ زَاوِيَة مِنْ زَوَايَا الْأَرْض خَاتَم مِنْ خَوَاتِيم اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَى كُلّ خَاتَم مَلَك مِنْ الْمَلَائِكَة يَبْعَث اللَّه عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ فِي كُلّ يَوْم مَلَكًا مِنْ عِنْده أَنْ اِحْتَفِظْ بِمَا عِنْدك .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْلِهِ تَعَالَى : { وَعِنْده مَفَاتِح الْغَيْب لَا يَعْلَمهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَم مَا فِي الْبَرّ وَالْبَحْر } يَقُول : { وَعِنْده مَفَاتِح الْغَيْب } وَالْمَفَاتِح : جَمْع مِفْتَح , يُقَال فِيهِ : مِفْتَح وَمِفْتَاح , فَمَنْ قَالَ مِفْتَح جَمَعَهُ مَفَاتِح , وَمَنْ قَالَ مِفْتَاح جَمَعَهُ مَفَاتِيح . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَعِنْده مَفَاتِح الْغَيْب } خَزَائِن الْغَيْب , كَاَلَّذِي : 10366 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَعِنْده مَفَاتِح الْغَيْب } قَالَ : يَقُول : خَزَائِن الْغَيْب . 10367 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ مِسْعَر , عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة , عَنْ عَبْد اللَّه بْن سَلَمَة , عَنْ اِبْن مَسْعُود , قَالَ : أُعْطِيَ نَبِيُّكُمْ كُلَّ شَيْء إِلَّا مَفَاتِح الْغَيْب . 10368 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن عُبَادَة , عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَعِنْده مَفَاتِح الْغَيْب } قَالَ : هُنَّ خَمْس : { إِنَّ اللَّه عِنْده عِلْم السَّاعَة وَيُنَزِّل الْغَيْث } . . . إِلَى : { إِنَّ اللَّه عَلِيم خَبِير } 31 34 . فَتَأْوِيل الْكَلَام إِذَنْ : وَاَللَّه أَعْلَم بِالظَّالِمِينَ مِنْ خَلْقه وَمَا هُمْ مُسْتَحِقُّوهُ وَمَا هُوَ بِهِمْ صَانِع , فَإِنَّ عِنْده عِلْم مَا غَابَ عِلْمه عَنْ خَلْقه , فَلَمْ يَطَّلِعُوا عَلَيْهِ وَلَمْ يُدْرِكُوهُ وَلَمْ يَعْلَمُوهُ وَلَنْ يُدْرِكُوهُ . { وَيَعْلَم مَا فِي الْبَرّ وَالْبَحْر } يَقُول : وَعِنْده عِلْم مَا لَمْ يَغِبْ أَيْضًا عَنْكُمْ , لِأَنَّ مَا فِي الْبَرّ وَالْبَحْر مِمَّا هُوَ ظَاهِر لِلْعَيْنِ يَعْلَمهُ الْعِبَاد . فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَام : وَعِنْد اللَّه عِلْم مَا غَابَ عَنْكُمْ أَيّهَا النَّاس مِمَّا لَا تَعْلَمُونَهُ وَلَنْ تَعْلَمُوهُ مِمَّا اِسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهِ نَفْسه , وَيَعْلَم أَيْضًا مَعَ ذَلِكَ جَمِيع مَا يَعْلَمهُ جَمِيعكُمْ , لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء , لِأَنَّهُ لَا شَيْء إِلَّا مَا يَخْفَى عَنْ النَّاس أَوْ مَا لَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ . فَأَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى أَنَّ عِنْده عِلْم كُلّ شَيْء كَانَ وَيَكُون وَمَا هُوَ كَائِن مِمَّا لَمْ يَكُنْ بَعْد , وَذَلِكَ هُوَ الْغَيْب . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا تَسْقُط مِنْ وَرَقَة إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّة فِي ظُلُمَات الْأَرْض وَلَا رَطْب وَلَا يَابِس إِلَّا فِي كِتَاب مُبِين } . يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَلَا تَسْقُط وَرَقَة فِي الصَّحَارِي وَالْبَرَارِيّ وَلَا فِي الْأَمْصَار وَالْقُرَى إِلَّا اللَّه يَعْلَمهَا . { وَلَا حَبَّة فِي ظُلُمَات الْأَرْض وَلَا رَطْب وَلَا يَابِس إِلَّا فِي كِتَاب مُبِين } يَقُول : وَلَا شَيْء أَيْضًا مِمَّا هُوَ مَوْجُود أَوْ مِمَّا سَيُوجَدُ وَلَمْ يُوجَد بَعْد , إِلَّا وَهُوَ مُثْبَت فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ , مَكْتُوب ذَلِكَ فِيهِ وَمَرْسُوم عَدَده وَمَبْلَغه وَالْوَقْت الَّذِي يُوجَد فِيهِ وَالْحَال الَّتِي يَفْنَى فِيهَا . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ { مُبِين } : أَنَّهُ يُبَيِّن عَنْ صِحَّة مَا هُوَ فِيهِ بِوُجُودِ مَا رَسَمَ فِيهِ عَلَى مَا رَسَمَ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَمَا وَجْه إِثْبَاته فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ وَالْكِتَاب الْمُبِين مَا لَا يَخْفَى عَلَيْهِ , وَهُوَ بِجَمِيعِهِ عَالِم لَا يَخَاف نِسْيَانه ؟ قِيلَ لَهُ : لِلَّهِ تَعَالَى فِعْل مَا شَاءَ , وَجَائِز أَنْ يَكُون كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ اِمْتِحَانًا مِنْهُ لِحَفَظَتِهِ وَاخْتِبَارًا لِلْمُتَوَكِّلِينَ بِكِتَابَةِ أَعْمَالهمْ , فَإِنَّهُمْ فِيمَا ذُكِرَ مَأْمُورُونَ بِكِتَابَةِ أَعْمَال الْعِبَاد ثُمَّ بِعَرْضِهَا عَلَى مَا أَثْبَتَهُ اللَّه مِنْ ذَلِكَ فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ , حَتَّى أَثْبَتَ فِيهِ مَا أَثْبَتَ كُلّ يَوْم ; وَقِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ مَعْنَى قَوْله : { إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } 45 29 وَجَائِز أَنْ يَكُون ذَلِكَ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ أَعْلَم بِهِ , إِمَّا بِحُجَّةٍ يَحْتَجّ بِهَا عَلَى بَعْض مَلَائِكَته وَأَمَّا عَلَى بَنِي آدَم وَغَيْر ذَلِكَ . وَقَدْ : 10369 - حَدَّثَنِي زِيَاد بْن يَحْيَى الْحَسَّانِيّ أَبُو الْخَطَّاب , قَالَ : ثَنَا مَالِك بْن سُعَيْر , قَالَ : ثَنَا الْأَعْمَش , عَنْ يَزِيد بْن أَبِي زِيَاد , عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث , قَالَ : مَا فِي الْأَرْض مِنْ شَجَرَة وَلَا كَمَغْرَزِ إِبْرَة , إِلَّا عَلَيْهَا مَلَك مُوَكَّل بِهَا يَأْتِي اللَّه , يُعْلِمهُ يُبْسَهَا إِذَا يَبِسَتْ وَرُطُوبَتهَا إِذَا رَطُبَتْ .

تفسير القرطبي

جَاءَ فِي الْخَبَر أَنَّ هَذِهِ الْآيَة لَمَّا نَزَلَتْ نَزَلَ مَعَهَا اِثْنَا عَشَر أَلْف مَلَك . وَرَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عِيهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَفَاتِح الْغَيْب خَمْس لَا يَعْلَم مَا تَغِيض الْأَرْحَام إِلَّا اللَّه وَلَا يَعْلَم مَا فِي غَد إِلَّا اللَّه وَلَا يَعْلَم مَتَى يَأْتِي الْمَطَر إِلَّا اللَّه وَلَا تَدْرِي نَفْس بِأَيِّ أَرْض تَمُوت إِلَّا اللَّه وَلَا يَعْلَم مَتَى تَقُوم السَّاعَة إِلَّا اللَّه ) . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : مَنْ زَعَمَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخْبِر بِمَا يَكُون فِي غَد فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّه الْفِرْيَة ; وَاَللَّه تَعَالَى يَقُول : " قُلْ لَا يَعْلَم مَنْ فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض الْغَيْب إِلَّا اللَّه " [ النَّمْل : 65 ] . وَمَفَاتِح جَمْع مَفْتَح , هَذِهِ اللُّغَة الْفَصِيحَة . و يُقَال : مِفْتَاح وَيُجْمَع مَفَاتِيح . وَهِيَ قِرَاءَة اِبْن السَّمَيْقَع " مَفَاتِيح " . وَالْمِفْتَح عِبَارَة عَنْ كُلّ مَا يَحُلّ غَلْقًا , مَحْسُوسًا كَانَ كَالْقُفْلِ عَلَى الْبَيْت أَوْ مَعْقُول كَالنَّظَرِ وَرَوَى اِبْن مَاجَهْ فِي سُنَنه وَأَبُو حَاتِم الْبُسْتِيّ فِي صَحِيحه عَنْ أَنَس بْن مَالِك قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ مِنْ النَّاس مَفَاتِيح لِلْخَيْرِ مَغَالِيق لِلشَّرِّ وَإِنَّ مِنْ النَّاس مَفَاتِيح لِلشَّرِّ مَغَالِيق لِلْخَيْرِ فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ اللَّه مَفَاتِيح الْخَيْر عَلَى يَدَيْهِ وَوَيْل لِمَنْ جَعَلَ اللَّه مَفَاتِيح الشَّرّ عَلَى يَدَيْهِ ) . وَهُوَ فِي الْآيَة اِسْتِعَارَة عَنْ التَّوَصُّل إِلَى الْغُيُوب كَمَا يُتَوَصَّل فِي الشَّاهِد بِالْمِفْتَاحِ إِلَى الْمُغَيَّب عَنْ الْإِنْسَان ; وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضهمْ : هُوَ مَأْخُوذ مِنْ قَوْل النَّاس اِفْتَحْ عَلَيَّ كَذَا ; أَيْ أَعْطِنِي أَوْ عَلِّمْنِي مَا أَتَوَصَّل إِلَيْهِ بِهِ . فَاَللَّه تَعَالَى عِنْده عِلْم الْغَيْب , وَبِيَدِهِ الطُّرُق الْمُوَصِّلَة إِلَيْهِ , لَا يَمْلِكهَا إِلَّا هُوَ , فَمَنْ شَاءَ إِطْلَاعه عَلَيْهَا أَطْلَعَهُ , وَمَنْ شَاءَ حَجَبَهُ عَنْهَا حَجَبَهُ . وَلَا يَكُون ذَلِكَ مِنْ إِفَاضَته إِلَّا عَلَى رُسُله ; بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : " وَمَا كَانَ اللَّه لِيُطْلِعكُمْ عَلَى الْغَيْب وَلَكِنَّ اللَّه يَجْتَبِي مِنْ رُسُله مَنْ يَشَاء " [ آل عِمْرَان : 179 ] وَقَالَ : " عَالِم الْغَيْب فَلَا يُظْهِر عَلَى غَيْبه أَحَدًا إِلَّا مَنْ اِرْتَضَى مِنْ رَسُول " [ الْجِنّ : 26 - 27 ] . الْآيَة وَقِيلَ : الْمُرَاد بِالْمَفَاتِحِ خَزَائِن الرِّزْق ; عَنْ السُّدِّيّ وَالْحَسَن . مُقَاتِل وَالضَّحَّاك : خَزَائِن الْأَرْض . وَهَذَا مَجَاز , عُبِّرَ عَنْهَا بِمَا يُتَوَصَّل إِلَيْهَا بِهِ . وَقِيلَ : غَيْر هَذَا مِمَّا يَتَضَمَّنهُ مَعْنَى الْحَدِيث أَيْ عِنْده الْآجَال وَوَقْت اِنْقِضَائِهَا . وَقِيلَ : عَوَاقِب الْأَعْمَار وَخَوَاتِم الْأَعْمَال ; إِلَى غَيْر هَذَا مِنْ الْأَقْوَال . وَالْأَوَّل الْمُخْتَار . وَاَللَّه أَعْلَم . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : أَضَافَ سُبْحَانه عِلْم الْغَيْب إِلَى نَفْسه فِي غَيْر مَا آيَة مِنْ كِتَابه إِلَّا مَنْ اِصْطَفَى مِنْ عِبَاده . فَمَنْ قَالَ : إِنَّهُ يَنْزِل الْغَيْث غَدًا وَجَزَمَ فَهُوَ كَافِر , أَخْبَرَ عَنْهُ بِأَمَارَةٍ اِدَّعَاهَا أَمْ لَا . وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ يَعْلَم مَا فِي الرَّحِم فَهُوَ كَافِر ; فَإِنْ لَمْ يَجْزِم وَقَالَ : إِنَّ النَّوْء يُنْزِل اللَّه بِهِ الْمَاء عَادَة , وَأَنَّهُ سَبَب الْمَاء عَادَة , وَأَنَّهُ سَبَب الْمَاء عَلَى مَا قَدَّرَهُ وَسَبَقَ فِي عِلْمه لَمْ يَكْفُر ; إِلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لَهُ أَلَّا يَتَكَلَّم بِهِ , فَإِنَّ فِيهِ تَشْبِيهًا بِكَلِمَةِ أَهْل الْكُفْر , وَجَهْلًا بِلَطِيفِ حِكْمَته ; لِأَنَّهُ يَنْزِل مَتَى شَاءَ , مَرَّة بِنَوْءِ كَذَا , وَمَرَّة دُون النَّوْء ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : ( أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِن بِي وَكَافِر بِالْكَوْكَبِ ) عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي " الْوَاقِعَة " إِنْ شَاءَ اللَّه . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَكَذَلِكَ قَوْل الطَّبِيب : إِذَا كَانَ الثَّدْي الْأَيْمَن مُسْوَدّ الْحَلَمَة فَهُوَ ذَكَر , وَإِنْ كَانَ فِي الثَّدْي الْأَيْسَر فَهُوَ أُنْثَى , وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَة تَجِد الْجَنْب الْأَيْمَن أَثْقَل فَالْوَلَد أُنْثَى ; وَادَّعَى ذَلِكَ عَادَة لَا وَاجِبًا فِي الْخِلْقَة لَمْ يَكْفُر وَلَمْ يَفْسُق . وَأَمَّا مَنْ اِدَّعَى الْكَسْب فِي مُسْتَقْبَل الْعُمُر فَهُوَ كَافِر . أَوْ أَخْبَرَ عَنْ الْكَوَائِن الْمُجَمَّلَة أَوْ الْمُفَصَّلَة فِي أَنْ تَكُون قَبْل أَنْ تَكُون فَلَا رِيبَة فِي كُفْره أَيْضًا . فَأَمَّا مَنْ أَخْبَرَ عَنْ كُسُوف الشَّمْس وَالْقَمَر فَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : يُؤَدَّب وَلَا يُسْجَن . أَمَّا عَدَم تَكْفِيره فَلِأَنَّ جَمَاعَة قَالُوا : إِنَّهُ أَمْر يُدْرَك بِالْحِسَابِ وَتَقْدِير الْمَنَازِل حَسْب مَا أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُ مِنْ قَوْله : " وَالْقَمَر قَدَّرْنَاهُ مَنَازِل " [ يس : 39 ] . وَأَمَّا أَدَبهمْ فَلِأَنَّهُمْ يُدْخِلُونَ الشَّكّ عَلَى الْعَامَّة , إِذْ لَا يُدْرِكُونَ الْفَرْق بَيْن هَذَا وَغَيْره ; فَيُشَوِّشُونَ عَقَائِدهمْ وَيَتْرُكُونَ قَوَاعِدهمْ فِي الْيَقِين فَأُدِّبُوا حَتَّى يُسِرُّوا ذَلِكَ إِذَا عَرَفُوهُ وَلَا يُعْلِنُوا بِهِ . قُلْت : وَمِنْ هَذَا الْبَاب أَيْضًا مَا جَاءَ فِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ بَعْض أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَ عَنْ شَيْء لَمْ تُقْبَل لَهُ صَلَاة أَرْبَعِينَ لَيْلَة ) . وَالْعَرَّاف هُوَ الْحَازِر وَالْمُنَجِّم الَّذِي يَدَّعِي عِلْم الْغَيْب . وَهِيَ مِنْ الْعَرَّافَة وَصَاحِبهَا عَرَّاف , وَهُوَ الَّذِي يَسْتَدِلّ عَلَى الْأُمُور بِأَسْبَابٍ وَمُقَدِّمَات يَدَّعِي مَعْرِفَتهَا . وَقَدْ يَعْتَضِد بَعْض أَهْل هَذَا الْفَنّ فِي ذَلِكَ بِالزَّجْرِ وَالطُّرُق وَالنُّجُوم , وَأَسْبَاب مُعْتَادَة فِي ذَلِكَ . وَهَذَا الْفَنّ هُوَ الْعِيَافَة ( بِالْيَاءِ ) . وَكُلّهَا يَنْطَلِق عَلَيْهَا اِسْم الْكِهَانَة ; قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاض . وَالْكِهَانَة : اِدِّعَاء عِلْم الْغَيْب . قَالَ أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ فِي كِتَاب ( الْكَافِي ) : مِنْ الْمَكَاسِب الْمُجْتَمَع عَلَى تَحْرِيمهَا الرِّبَا وَمُهُور الْبَغَايَا وَالسُّحْت وَالرِّشَا وَأَخْذ الْأُجْرَة عَلَى النِّيَاحَة وَالْغِنَاء , وَعَلَى الْكِهَانَة وَادِّعَاء الْغَيْب وَأَخْبَار السَّمَاء , وَعَلَى الزَّمْر وَاللَّعِب وَالْبَاطِل كُلّه . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَقَدْ اِنْقَلَبَتْ الْأَحْوَال فِي هَذِهِ الْأَزْمَان بِإِتْيَانِ الْمُنَجِّمِينَ , وَالْكُهَّان لَا سِيَّمَا بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّة ; فَقَدْ شَاعَ فِي رُؤَسَائِهِمْ وَأَتْبَاعهمْ وَأُمَرَائِهِمْ اِتِّخَاذ الْمُنَجِّمِينَ , بَلْ وَلَقَدْ اِنْخَدَعَ كَثِير مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ لِلْفِقْهِ وَالدِّين فَجَاءُوا إِلَى هَؤُلَاءِ الْكَهَنَة وَالْعَرَّافِينَ فَبَهْرَجُوا عَلَيْهِمْ بِالْمُحَالِ , وَاسْتَخْرَجُوا مِنْهُمْ الْأَمْوَال فَحَصَلُوا مِنْ أَقْوَالهمْ عَلَى السَّرَاب وَالْآل , وَمِنْ أَدْيَانهمْ عَلَى الْفَسَاد وَالضَّلَال . وَكُلّ ذَلِكَ مِنْ الْكَبَائِر ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَمْ تُقْبَل لَهُ صَلَاة أَرْبَعِينَ لَيْلَة ) . فَكَيْفَ بِمَنْ اِتَّخَذَهُمْ وَأَنْفَقَ عَلَيْهِمْ مُعْتَمِدًا عَلَى أَقْوَالهمْ . رَوَى مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ : سَأَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُنَاس عَنْ الْكُهَّان فَقَالَ : ( إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِشَيْءٍ ) فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , إِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَا أَحْيَانًا بِشَيْءٍ فَيَكُون حَقًّا ! فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تِلْكَ الْكَلِمَة مِنْ الْحَقّ يَخْطَفهَا الْجِنِّيّ فَيُقِرّهَا فِي أُذُن وَلِيّه قَرَّ الدَّجَاجَة فَيَخْلِطُونَ مَعَهَا مِائَة كَذْبَة ) . قَالَ الْحُمَيْدِيّ : لَيْسَ لِيَحْيَى بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة فِي الصَّحِيح غَيْر هَذَا وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ أَيْضًا مِنْ حَدِيث أَبِي الْأَسْوَد مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( إِنَّ الْمَلَائِكَة تَنْزِل فِي الْعَنَان وَهُوَ السَّحَاب فَتَذْكُر الْأَمْر قُضِيَ فِي السَّمَاء فَتَسْتَرِق الشَّيَاطِين السَّمْع فَتَسْمَعهُ فَتُوحِيه إِلَى الْكُهَّان فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِائَة كَذْبَة مِنْ عِنْد أَنْفُسهمْ ) . وَسَيَأْتِي هَذَا الْمَعْنَى فِي " سَبَأ " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمَا أَعْظَم الْمَخْلُوقَات الْمُجَاوِرَة لِلْبَشَرِ , أَيْ يَعْلَم مَا يَهْلِك فِي الْبَرّ وَالْبَحْر . وَيُقَال : يَعْلَم مَا فِي الْبَرّ مِنْ النَّبَات وَالْحَبّ وَالنَّوَى , وَمَا فِي الْبَحْر مِنْ الدَّوَابّ وَرِزْق مَا فِيهَا " وَمَا تَسْقُط مِنْ وَرَقَة إِلَّا يَعْلَمهَا " رَوَى يَزِيد بْن هَارُون عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَا مِنْ زَرْع عَلَى الْأَرْض وَلَا ثِمَار عَلَى الْأَشْجَار وَلَا حَبَّة فِي ظُلُمَات الْأَرْض إِلَّا عَلَيْهَا مَكْتُوب بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم رِزْق فُلَان بْن فُلَان ) وَذَلِكَ قَوْله فِي مُحْكَم كِتَابه وَحَكَى النَّقَّاش عَنْ جَعْفَر بْن مُحَمَّد أَنَّ الْوَرَقَة يُرَاد بِهَا السِّقْط مِنْ أَوْلَاد بَنِي آدَم , وَالْحَبَّة يُرَاد بِهَا الَّذِي لَيْسَ بِسِقْطٍ , وَالرَّطْب يُرَاد بِهِ الْحَيّ , وَالْيَابِس يُرَاد بِهِ الْمَيِّت . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا قَوْل جَارٍ عَلَى طَرِيقَة الرُّمُوز , وَلَا يَصِحّ عَنْ جَعْفَر بْن مُحَمَّد وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُلْتَفَت إِلَيْهِ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى " وَمَا تَسْقُط مِنْ وَرَقَة " أَيْ مِنْ وَرَقَة الشَّجَر إِلَّا يَعْلَم مَتَى تَسْقُط وَأَيْنَ تَسْقُط وَكَمْ تَدُور فِي الْهَوَاء , وَلَا حَبَّة إِلَّا يَعْلَم مَتَى تَنْبُت وَكَمْ تَنْبُت وَمَنْ يَأْكُلهَا , " وَظُلُمَات الْأَرْض " بُطُونهَا وَهَذَا أَصَحّ ; فَإِنَّهُ مُوَافِق لِلْحَدِيثِ وَهُوَ مُقْتَضَى الْآيَة . وَاَللَّه الْمُوَفِّق لِلْهِدَايَةِ . وَقِيلَ : " فِي ظُلُمَات الْأَرْض " يَعْنِي الصَّخْرَة الَّتِي هِيَ أَسْفَل الْأَرَضِينَ السَّابِعَة . " وَلَا رُطَب وَلَا يَابِس " بِالْخَفْضِ عَطْفًا عَلَى اللَّفْظ . وَقَرَأَ اِبْن السَّمَيْقَع وَالْحَسَن وَغَيْرهمَا بِالرَّفْعِ فِيهِمَا عَطْفًا عَلَى مَوْضِع " مِنْ وَرَقَة " ; ف " - مِنْ " عَلَى هَذَا لِلتَّوْكِيدِ أَيْ فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ لِتَعْتَبِر الْمَلَائِكَة بِذَلِكَ , لَا أَنَّهُ سُبْحَانه كَتَبَ ذَلِكَ لِنِسْيَانٍ يَلْحَقهُ , تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ . وَقِيلَ : كَتَبَهُ وَهُوَ يَعْلَمهُ لِتَعْظِيمِ الْأَمْر , أَيْ اِعْلَمُوا أَنَّ هَذَا الَّذِي لَيْسَ فِيهِ ثَوَاب وَلَا عِقَاب مَكْتُوب , فَكَيْفَ بِمَا فِيهِ ثَوَاب وَعِقَاب .

غريب الآية
۞ وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَیۡبِ لَا یَعۡلَمُهَاۤ إِلَّا هُوَۚ وَیَعۡلَمُ مَا فِی ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۚ وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا یَعۡلَمُهَا وَلَا حَبَّةࣲ فِی ظُلُمَـٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا رَطۡبࣲ وَلَا یَابِسٍ إِلَّا فِی كِتَـٰبࣲ مُّبِینࣲ ﴿٥٩﴾
مَفَاتِحُ ٱلۡغَیۡبِخزائنُ الغيبِ تُخَزَّنُ فيها، كعِلْمِ الساعةِ وعِلْمِ ما يَسْتَعْجِلُه الكفَّارُ من العذابِ.
كِتَـٰبࣲ مُّبِینࣲهو اللَّوحُ المحفوظُ الذي لا لَبْسَ فيه.
مُّبِینࣲواضحٍ.
الإعراب
(وَعِنْدَهُ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(عِنْدَ) : ظَرْفُ مَكَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ.
(مَفَاتِحُ)
مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(الْغَيْبِ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(لَا)
حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(يَعْلَمُهَا)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(إِلَّا)
حَرْفُ اسْتِثْنَاءٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(هُوَ)
ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(وَيَعْلَمُ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(يَعْلَمُ) : فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(مَا)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(فِي)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(الْبَرِّ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(وَالْبَحْرِ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الْبَحْرِ) : مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَمَا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(مَا) : حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تَسْقُطُ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(مِنْ)
حَرْفُ جَرٍّ زَائِدٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(وَرَقَةٍ)
فَاعِلٌ مَجْرُورٌ لَفْظًا مَرْفُوعٌ مَحَلًّا وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(إِلَّا)
حَرْفُ اسْتِثْنَاءٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(يَعْلَمُهَا)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(وَلَا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَا) : حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(حَبَّةٍ)
مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ لَفْظًا مَرْفُوعٌ مَحَلًّا وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(فِي)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(ظُلُمَاتِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ نَعْتٌ لِـ(الْأَرْضِ) :.
(الْأَرْضِ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَلَا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَا) : حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(رَطْبٍ)
مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ لَفْظًا مَرْفُوعٌ مَحَلًّا وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَلَا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَا) : حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(يَابِسٍ)
مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ لَفْظًا مَرْفُوعٌ مَحَلًّا وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(إِلَّا)
حَرْفُ اسْتِثْنَاءٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(فِي)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(كِتَابٍ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(مُبِينٍ)
نَعْتٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.