تفسير الطبري
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَهُوَ الْقَاهِر فَوْق عِبَاده وَيُرْسِل عَلَيْكُمْ حَفَظَة حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدكُمْ الْمَوْت تَوَفَّتْهُ رُسُلنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : { وَهُوَ الْقَاهِر } : وَاَللَّه الْغَالِب خَلْقه الْعَالِي عَلَيْهِمْ بِقُدْرَتِهِ , لَا الْمَقْهُور مِنْ أَوْثَانهمْ وَأَصْنَامهمْ الْمُذَلِّل الْمَغْلُوب عَلَيْهِ لِذِلَّتِهِ . { وَيُرْسِل عَلَيْكُمْ حَفَظَة } وَهِيَ مَلَائِكَته الَّذِينَ يَتَعَاقَبُونَكُمْ لَيْلًا وَنَهَارًا , يَحْفَظُونَ أَعْمَالكُمْ وَيُحْصُونَهَا , وَلَا يُفَرِّطُونَ فِي حِفْظ ذَلِكَ وَإِحْصَائِهِ وَلَا يُضَيِّعُونَ . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10382 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَوْله : { وَيُرْسِل عَلَيْكُمْ حَفَظَة } قَالَ : هِيَ الْمُعَقِّبَات مِنْ الْمَلَائِكَة , يَحْفَظُونَهُ وَيَحْفَظُونَ عَمَلَهُ . 10383 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا يَزِيد بْن زُرَيْع , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَهُوَ الْقَاهِر فَوْق عِبَاده وَيُرْسِل عَلَيْكُمْ حَفَظَة حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدكُمْ الْمَوْت تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ } يَقُول : حَفَظَة يَا اِبْن آدَم يَحْفَظُونَ عَلَيْك عَمَلك وَرِزْقك وَأَجَلك إِذَا تُوُفِّيت ذَلِكَ قُبِضْت إِلَى رَبّك . { حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدكُمْ الْمَوْت تَوَفَّتْهُ رُسُلنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّ رَبّكُمْ يَحْفَظكُمْ بِرُسُلٍ يُعَقِّب بَيْنهَا يُرْسِلهُمْ إِلَيْكُمْ بِحِفْظِكُمْ , وَبِحِفْظِ أَعْمَالكُمْ إِلَى أَنْ يَحْضُرَكُمْ الْمَوْت وَيَنْزِل بِكُمْ أَمْر اللَّه , فَإِذَا جَاءَ ذَلِكَ أَحَدكُمْ تَوَفَّاهُ أَمْلَاكنَا الْمُوَكَّلُونَ بِقَبْضِ الْأَرْوَاح وَرُسُلنَا الْمُرْسَلُونَ بِهِ وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ فِي ذَلِكَ فَيُضَيِّعُونَهُ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : أَوَلَيْسَ الَّذِي يَقْبِض الْأَرْوَاح مَلَكُ الْمَوْت , فَكَيْف قِيلَ : { تَوَفَّتْهُ رُسُلنَا } وَالرُّسُل جُمْلَة وَهُوَ وَاحِد ؟ أَوَلَيْسَ قَدْ قَالَ : { قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَك الْمَوْت الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ } 32 11 ؟ قِيلَ : جَائِز أَنْ يَكُون اللَّه تَعَالَى أَعَانَ مَلَك الْمَوْت بِأَعْوَانٍ مِنْ عِنْده , فَيَتَوَلَّوْنَ ذَلِكَ بِأَمْرِ مَلَك الْمَوْت , فَيَكُون " التَّوَفِّي " مُضَافًا , وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ فِعْل أَعْوَان مَلَك الْمَوْت إِلَى مَلَك الْمَوْت , إِذْ كَانَ فِعْلهمْ مَا فَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ بِأَمْرِهِ كَمَا يُضَاف قَتْل مَنْ قَتَلَ أَعْوَان السُّلْطَان وَجَلْد مَنْ جَلَدُوهُ بِأَمْرِ السُّلْطَان إِلَى السُّلْطَان , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ السُّلْطَان بَاشَرَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَلَا وَلِيّه بِيَدِهِ . وَقَدْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10384 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا اِبْن إِدْرِيس , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن بْن عُبَيْد اللَّه , عَنْ إِبْرَاهِيم , فِي قَوْله : { حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدكُمْ الْمَوْت تَوَفَّتْهُ رُسُلنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ } قَالَ : كَانَ اِبْن عَبَّاس يَقُول : لِمَلَكِ الْمَوْت أَعْوَان مِنْ الْمَلَائِكَة . - حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِب , قَالَ : ثَنَا اِبْن إِدْرِيس , عَنْ الْحَسَن بْن عُبَيْد اللَّه فِي قَوْله : { تَوَفَّتْهُ رُسُلنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ } قَالَ : سُئِلَ اِبْن عَبَّاس عَنْهَا , فَقَالَ : إِنَّ لِمَلَكِ الْمَوْت أَعْوَانًا مِنْ الْمَلَائِكَة . 10385 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ الْحَسَن بْن عُبَيْد اللَّه , عَنْ إِبْرَاهِيم فِي قَوْلِهِ : { تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ } قَالَ : أَعْوَان مَلَك الْمَوْت . - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ إِبْرَاهِيم : { تَوَفَّتْهُ رُسُلنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ } قَالَ : الرُّسُل تُوَفِّي الْأَنْفُس , وَيَذْهَب بِهَا مَلَك الْمَوْت . 10386 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثَنَا حَفْص , عَنْ الْحَسَن بْن عُبَيْد اللَّه , عَنْ إِبْرَاهِيم , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { تَوَفَّتْهُ رُسُلنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ } قَالَ : الرُّسُل تُوَفِّي الْأَنْفُس , وَيَذْهَب بِهَا مَلَك الْمَوْت . - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثَنَا حَفْص , عَنْ الْحَسَن بْن عُبَيْد اللَّه , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { تَوَفَّتْهُ رُسُلنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ } قَالَ : أَعْوَان مَلَك الْمَوْت مِنْ الْمَلَائِكَة . - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثَنَا قَبِيصَة , عَنْ سُفْيَان , عَنْ الْحَسَن بْن عُبَيْد اللَّه , عَنْ إِبْرَاهِيم : { تَوَفَّتْهُ رُسُلنَا } قَالَ : هُمْ الْمَلَائِكَة أَعْوَان مَلَك الْمَوْت . 10387 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , قَالَ : ثَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { تَوَفَّتْهُ رُسُلنَا } قَالَ : إِنَّ مَلَك الْمَوْت لَهُ رُسُل فَيُرْسِل وَيَرْفَع ذَلِكَ إِلَيْهِ . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : إِنَّ مَلَك الْمَوْت هُوَ يَلِي ذَلِكَ , فَيَدْفَعهُ إِنْ كَانَ مُؤْمِنًا إِلَى مَلَائِكَة الرَّحْمَة , وَإِنْ كَانَ كَافِرًا إِلَى مَلَائِكَة الْعَذَاب . 10388 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { تَوَفَّتْهُ رُسُلنَا } قَالَ : يَلِي قَبْضَهَا الرُّسُل , ثُمَّ يَدْفَعُونَهَا إِلَى مَلَك الْمَوْت . 10389 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ مَنْصُور عَنْ إِبْرَاهِيم فِي قَوْله : { تَوَفَّتْهُ رُسُلنَا } قَالَ : يَتَوَفَّاهُ الرُّسُل , ثُمَّ يَقْبِض مِنْهُمْ مَلَك الْمَوْت الْأَنْفُسَ . قَالَ الثَّوْرِيّ : وَأَخْبَرَنِي الْحَسَن بْن عُبَيْد اللَّه , عَنْ إِبْرَاهِيم , قَالَ : هُمْ أَعْوَان لِمَلَكِ الْمَوْت . قَالَ الثَّوْرِيّ : وَأَخْبَرَنِي رَجُل عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : جُعِلَتْ الْأَرْض لِمَلَكِ الْمَوْت مِثْل الطَّسْت يَتَنَاوَل مِنْ حَيْثُ شَاءَ , وَجُعِلَتْ لَهُ أَعْوَان يَتَوَفَّوْنَ الْأَنْفُس ثُمَّ يَقْبِضهَا مِنْهُمْ . * حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا اِبْن إِدْرِيس , عَنْ الْحَسَن بْن عُبَيْد اللَّه , عَنْ إِبْرَاهِيم , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { تَوَفَّتْهُ رُسُلنَا } قَالَ : أَعْوَان مَلَك الْمَوْت مِنْ الْمَلَائِكَة . * حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ الْحَسَن بْن عُبَيْد اللَّه , عَنْ إِبْرَاهِيم , قَالَ : الْمَلَائِكَة أَعْوَان مَلَك الْمَوْت . - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا قَبِيصَة , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ إِبْرَاهِيم : { تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا } قَالَ : يَتَوَفَّوْنَهُ , ثُمَّ يَدْفَعُونَهُ إِلَى مَلَك الْمَوْت . 10390 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : سَأَلْت الرَّبِيع بْن أَنَس , عَنْ مَلَك الْمَوْت , أَهُوَ وَحْدَهُ الَّذِي يَقْبِض الْأَرْوَاح ؟ قَالَ : هُوَ الَّذِي يَلِي أَمْر الْأَرْوَاح , وَلَهُ أَعْوَان عَلَى ذَلِكَ , أَلَّا تَسْمَع إِلَى قَوْل اللَّه تَعَالَى : { حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ } 7 37 وَقَالَ : { تَوَفَّتْهُ رُسُلنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ } غَيْر أَنَّ مَلَك الْمَوْت هُوَ الَّذِي يَسِير كُلّ خَطْو مِنْهُ مِنْ الْمَشْرِق إِلَى الْمَغْرِب . قُلْت : أَيْنَ تَكُون أَرْوَاح الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ : عِنْد السِّدْرَة فِي الْجَنَّة . 10391 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن مُسْلِم , عَنْ إِبْرَاهِيم بْن مَيْسَرَة , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : مَا مِنْ أَهْل بَيْت شَعْر وَلَا مَدَر إِلَّا وَمَلَك الْمَوْت يُطِيف بِهِمْ كُلّ يَوْم مَرَّتَيْنِ . وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَعْنَى التَّفْرِيط : التَّضْيِيع , فِيمَا مَضَى قَبْل . وَكَذَلِكَ تَأَوَّلَهُ الْمُتَأَوِّلُونَ فِي هَذَا الْمَوْضِع . 10392 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ } يَقُول : لَا يُضَيِّعُونَ . 10393 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَهُمْ لَا يَفْرُطُونَ } قَالَ : لَا يُضَيِّعُونَ .
تفسير القرطبي
يَعْنِي فَوْقِيَّة الْمَكَانَة وَالرُّتْبَة لَا فَوْقِيَّة الْمَكَان وَالْجِهَة . عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانه أَوَّل السُّورَة
أَيْ مِنْ الْمَلَائِكَة . وَالْإِرْسَال حَقِيقَته إِطْلَاق الشَّيْء بِمَا حُمِلَ مِنْ الرِّسَالَة ; فَإِرْسَال الْمَلَائِكَة بِمَا حَمَلُوا مِنْ الْحِفْظ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ , كَمَا قَالَ : " وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ " [ الِانْفِطَار : 10 ] أَيْ مَلَائِكَة تَحْفَظ أَعْمَال الْعِبَاد وَتَحْفَظهُمْ مِنْ الْآفَات . وَالْحَفَظَة جَمْع حَافِظ , مِثْل الْكَتَبَة وَالْكَاتِب . وَيُقَال : إِنَّهُمَا مَلَكَانِ بِاللَّيْلِ وَمَلَكَانِ بِالنَّهَارِ , يَكْتُب أَحَدهمَا الْخَيْر وَالْآخَر الشَّرّ , إِذَا مَشَى الْإِنْسَان يَكُون أَحَدهمَا بَيْن يَدَيْهِ وَالْآخَر وَرَاءَهُ , وَإِذَا جَلَسَ يَكُون أَحَدهمَا عَنْ يَمِينه وَالْآخَر عَنْ شِمَاله ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " عَنْ الْيَمِين وَعَنْ الشِّمَال قَعِيد " [ قِ : 17 ] . وَيُقَال : لِكُلِّ إِنْسَان خَمْسَة مِنْ الْمَلَائِكَة : اِثْنَانِ بِاللَّيْلِ , وَاثْنَانِ بِالنَّهَارِ , وَالْخَامِس لَا يُفَارِقهُ لَيْلًا وَلَا نَهَارًا . وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : وَمِنْ النَّاس مَنْ يَعِيش شَقِيًّا جَاهِل الْقَلْب غَافِل الْيَقَظَهْ فَإِذَا كَانَ ذَا وَفَاء وَرَأْي حَذِرَ الْمَوْت وَاتَّقَى الْحَفَظَهْ إِنَّمَا النَّاس رَاحِل وَمُقِيم فَاَلَّذِي بَانَ لِلْمُقِيمِ عِظَهْ
يُرِيد أَسْبَابه . كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَة
عَلَى تَأْنِيث الْجَمَاعَة ; كَمَا قَالَ : " وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلنَا بِالْبَيِّنَاتِ " [ الْمَائِدَة : 32 ] و " كُذِّبَتْ رُسُل " [ فَاطِر : 4 ] . وَقَرَأَ حَمْزَة " تَوَفَّاهُ رُسُلنَا " عَلَى تَذْكِير الْجَمْع . وَقَرَأَ الْأَعْمَش " تَتَوَفَّاهُ رُسُلنَا " بِزِيَادَةِ تَاء وَالتَّذْكِير . وَالْمُرَاد أَعْوَان مَلَك الْمَوْت ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره . وَيُرْوَى أَنَّهُمْ يَسُلُّونَ الرُّوح مِنْ الْجَسَد حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْد قَبْضهَا قَبَضَهَا مَلَك الْمَوْت . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : يَقْبِض مَلَك الْمَوْت الرُّوح مِنْ الْجَسَد ثُمَّ يُسَلِّمهَا إِلَى مَلَائِكَة الرَّحْمَة إِنْ كَانَ مُؤْمِنًا أَوْ إِلَى مَلَائِكَة الْعَذَاب إِنْ كَانَ كَافِرًا . وَيُقَال : مَعَهُ سَبْعَة مِنْ مَلَائِكَة الرَّحْمَة وَسَبْعَة مِنْ مَلَائِكَة الْعَذَاب ; فَإِذَا قَبَضَ نَفْسًا مُؤْمِنَة دَفَعَهَا إِلَى مَلَائِكَة الرَّحْمَة فَيُبَشِّرُونَهَا بِالثَّوَابِ وَيَصْعَدُونَ بِهَا إِلَى السَّمَاء , إِذَا قَبَضَ نَفْسًا كَافِرَة دَفَعَهَا إِلَى مَلَائِكَة الْعَذَاب فَيُبَشِّرُونَهَا بِالْعَذَابِ وَيَفْزَعُونَهَا , ثُمَّ يَصْعَدُونَ بِهَا إِلَى السَّمَاء ثُمَّ تُرَدّ إِلَى سِجِّين , وَرُوح الْمُؤْمِن إِلَى عِلِّيِّينَ . وَالتَّوَفِّي تَارَة يُضَاف إِلَى مَلَك الْمَوْت ; كَمَا قَالَ : " قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَك الْمَوْت " [ السَّجْدَة : 11 ] وَتَارَة إِلَى الْمَلَائِكَة لِأَنَّهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ذَلِكَ ; كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَة وَغَيْرهَا . وَتَارَة إِلَى اللَّه وَهُوَ الْمُتَوَفِّي عَلَى الْحَقِيقَة ; كَمَا قَالَ : " اللَّه يَتَوَفَّى الْأَنْفُس حِين مَوْتهَا " [ الزُّمَر : 42 ] " قُلْ اللَّه يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتكُمْ " [ الْجَاثِيَة : 26 ] " الَّذِي خَلَقَ الْمَوْت وَالْحَيَاة " [ الْمُلْك : 2 ] فَكُلّ مَأْمُور مِنْ الْمَلَائِكَة فَإِنَّمَا يَفْعَل مَا أُمِرَ بِهِ .
أَيْ لَا يُضَيِّعُونَ وَلَا يُقَصِّرُونَ , أَيْ يُطِيعُونَ أَمْر اللَّه . وَأَصْله مِنْ التَّقَدُّم , كَمَا تَقَدَّمَ . فَمَعْنَى فَرَّطَ قَدَّمَ الْعَجْز . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : لَا يَتَوَانَوْنَ . وَقَرَأَ عُبَيْد بْن عُمَيْر " لَا يُفْرِطُونَ " بِالتَّخْفِيفِ , أَيْ لَا يُجَاوِزُونَ الْحَدّ فِيمَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ الْإِكْرَام وَالْإِهَانَة .
(وَهُوَ) "الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(هُوَ) : ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(الْقَاهِرُ) خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(فَوْقَ) ظَرْفُ مَكَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(عِبَادِهِ) مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(وَيُرْسِلُ) "الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(يُرْسِلُ) : فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(عَلَيْكُمْ) (عَلَى) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(حَفَظَةً) مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(حَتَّى) حَرْفُ ابْتِدَاءٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(إِذَا) ظَرْفُ زَمَانٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ.
(جَاءَ) فِعْلٌ مَاضٍ فِعْلُ الشَّرْطِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(أَحَدَكُمُ) مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(الْمَوْتُ) فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(تَوَفَّتْهُ) فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ الْمُقَدَّرِ لِلتَّعَذُّرِ عَلَى الْأَلِفِ الْمَحْذُوفَةِ جَوَابُ الشَّرْطِ، وَ"التَّاءُ" حَرْفُ تَأْنِيثٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(رُسُلُنَا) فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(وَهُمْ) "الْوَاوُ" حَرْفُ حَالٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(هُمْ) : ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(لَا) حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(يُفَرِّطُونَ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ حَالٌ.