صفحات الموقع

سورة الأنعام الآية ٨٤

سورة الأنعام الآية ٨٤

وَوَهَبۡنَا لَهُۥۤ إِسۡحَـٰقَ وَیَعۡقُوبَۚ كُلًّا هَدَیۡنَاۚ وَنُوحًا هَدَیۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَمِن ذُرِّیَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَیۡمَـٰنَ وَأَیُّوبَ وَیُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَـٰرُونَۚ وَكَذَ ٰ⁠لِكَ نَجۡزِی ٱلۡمُحۡسِنِینَ ﴿٨٤﴾

التفسير

تفسير السعدي

لما ذكر الله عبده وخليله, إبراهيم عليه السلام, وذكر ما من الله عليه به, من العلم والدعوة, والصبر, ذكر ما أكرمه الله به من الذرية الصالحة, والنسل الطيب. وأن الله جعل صفوة الخلق من نسله, وأعظم بهذة المنقبة والكرامة الجسيمة, التي لا يدرك لها نظير فقال: " وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ " ابنه, الذي هو إسرائيل, أبو الشعب الذي فضله الله على العالمين. " كُلًّا " منهما " هَدَيْنَاهُ " الصراط المستقيم, في علمه وعمله. " وَنُوحًا هَدَيْنَا " ه " مِنْ قَبْلُ " وهدايته أعلى أنواع الهدايات الخاصة التي لم تحصل إلا لأفراد من العالم وهم أولو العزم من الرسل, الذي هو أحدهم " وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ " يحتمل أن الضمير عائد إلى نوح, لأنه أقرب مذكور, لأن الله ذكر مع من ذكر, لوطا, وهو من ذرية نوح, لا من ذرية إبراهيم لأنه ابن أخيه. ويحتمل أن الضمير يعود إلى إبراهيم لأن السياق في مدحه والثناء عليه. ولوط - وإن لم يكن من ذريته - فإنه ممن آمن على يده. فكان منقبة الخليل وفضيلته بذلك, أبلغ من كونه مجرد ابن له. " دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ " بن داود " وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ " بن يعقوب. " وَمُوسَى وَهَارُونَ " ابني عمران. " وَكَذَلِكَ " كما أصلحنا ذرية إبراهيم الخليل, لأنه أحسن في عبادة ربه, وأحسن في نفع الخلق كذلك. " نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ " بأن نجعل لهم من الثناء الصدق, والذرية الصالحة, بحسب إحسانهم.

التفسير الميسر

ومننَّا على إبراهيم عليه السلام بأن رزقناه إسحاق ابنًا ويعقوب حفيدًا، ووفَّقنا كلا منهما لسبيل الرشاد، وكذلك وفَّقنا للحق نوحًا -من قبل إبراهيم وإسحاق ويعقوب- وكذلك وفَّقنا للحق من ذرية نوح داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون عليهم السلام، وكما جزينا هؤلاء الأنبياء لإحسانهم نجزي كل محسن.

تفسير الجلالين

"وَوَهَبْنَا لَهُ إسْحَاق وَيَعْقُوب" ابْنه "كُلًّا" مِنْهُمَا "هَدْينَا وَنُوحًا هَدْينَا مِنْ قَبْل" أَيْ قَبْل إبْرَاهِيم "وَمِنْ ذُرِّيَّته" أَيْ نُوح "دَاوُد وَسُلَيْمَان" ابْنه "وَأَيُّوب وَيُوسُف" ابْن يَعْقُوب "وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ" كَمَا جَزَيْنَاهُمْ

تفسير ابن كثير

يَذْكُر تَعَالَى أَنَّهُ وَهَبَ لِإِبْرَاهِيم إِسْحَاق بَعْد أَنْ طَعَنَ فِي السِّنّ وَأَيِسَ هُوَ وَامْرَأَته سَارَّة مِنْ الْوَلَد فَجَاءَتْهُ الْمَلَائِكَة وَهُمْ ذَاهِبُونَ إِلَى قَوْم لُوط فَبَشَّرُوهُمَا بِإِسْحَاق فَتَعَجَّبَتْ الْمَرْأَة مِنْ ذَلِكَ وَقَالَتْ " يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوز وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْء عَجِيب قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْر اللَّه رَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته عَلَيْكُمْ أَهْل الْبَيْت إِنَّهُ حَمِيد مَجِيد " فَبَشَّرُوهُمَا مَعَ وُجُوده بِنُبُوَّتِهِ وَبِأَنَّ لَهُ نَسْلًا وَعَقِبًا كَمَا قَالَ تَعَالَى" وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاق نَبِيًّا مِنْ الصَّالِحِينَ " وَهَذَا أَكْمَل فِي الْبِشَارَة وَأَعْظَم فِي النِّعْمَة . وَقَالَ " فَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاق وَمِنْ وَرَاء إِسْحَاق يَعْقُوب " أَيْ وَيُولَد لِهَذَا الْمَوْلُود وَلَد فِي حَيَاتكُمَا فَتُقِرّ أَعْيُنكُمَا بِهِ كَمَا قَرَّتْ بِوَالِدِهِ فَإِنَّ الْفَرَح بِوَلَدِ الْوَلَد شَدِيد لِبَقَاءِ النَّسْل وَالْعَقِب وَلَمَّا كَانَ وَلَد الشَّيْخ وَالشَّيْخَة قَدْ يُتَوَهَّم أَنَّهُ لَا يُعَقَّب لِضَعْفِهِ وَقَعَتْ الْبِشَارَة بِهِ وَبِوَلَدِهِ بِاسْمِ يَعْقُوب الَّذِي فِيهِ اِشْتِقَاق الْعَقِب وَالذُّرِّيَّة وَكَانَ هَذَا مُجَازَاة لِإِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام حِين اِعْتَزَلَ قَوْمه وَتَرَكَهُمْ وَنَزَحَ عَنْهُمْ وَهَاجَرَ مِنْ بِلَادهمْ ذَاهِبًا إِلَى عِبَادَة اللَّه فِي الْأَرْض فَعَوَّضَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَنْ قَوْمه وَعَشِيرَته بِأَوْلَادٍ صَالِحِينَ مِنْ صُلْبه عَلَى دِينه لِتَقَرّ بِهِمْ عَيْنه كَمَا قَالَ تَعَالَى " فَلَمَّا اِعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللَّه وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاق وَيَعْقُوب وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا " وَقَالَ هَهُنَا " وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاق وَيَعْقُوب كُلًّا هَدَيْنَا " وَقَوْله " وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْل" أَيْ مِنْ قَبْله هَدَيْنَاهُ كَمَا هَدَيْنَاهُ وَوَهَبْنَا لَهُ ذُرِّيَّة صَالِحَة وَكُلّ مِنْهُمَا لَهُ خُصُوصِيَّة عَظِيمَة أَمَّا نُوح عَلَيْهِ السَّلَام فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى لَمَّا أَغْرَقَ أَهْل الْأَرْض إِلَّا مَنْ آمَنَ بِهِ وَهُمْ الَّذِينَ صَحِبُوهُ فِي السَّفِينَة جَعَلَ اللَّه ذُرِّيَّته هُمْ الْبَاقِينَ فَالنَّاس كُلّهمْ مِنْ ذُرِّيَّته وَأَمَّا الْخَلِيل إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام فَلَمْ يَبْعَث اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بَعْده نَبِيًّا إِلَّا مِنْ ذُرِّيَّته كَمَا قَالَ تَعَالَى" وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتهمَا النُّبُوَّة وَالْكِتَاب " الْآيَة. وَقَالَ تَعَالَى " وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيم وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتهمَا النُّبُوَّة وَالْكِتَاب " وَقَالَ تَعَالَى " أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّة آدَم وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوح وَمِنْ ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم وَإِسْرَائِيل وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَات الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا " وَقَوْله فِي هَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة " وَمِنْ ذُرِّيَّته " أَيْ وَهَدْينَا مِنْ ذُرِّيَّته" دَاوُد وَسُلَيْمَان " الْآيَة وَعَوْد الضَّمِير إِلَى نُوح لِأَنَّهُ أَقْرَب الْمَذْكُورِينَ ظَاهِر لَا إِشْكَال فِيهِ وَهُوَ اِخْتِيَار اِبْن جَرِير . وَعَوْده إِلَى إِبْرَاهِيم لِأَنَّهُ الَّذِي سِيقَ الْكَلَام مِنْ أَجْله حَسَن لَكِنْ يُشْكِل عَلَيْهِ لُوط فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم بَلْ هُوَ اِبْن أَخِيهِ هَارَان بْن آزَرَ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَال إِنَّهُ دَخَلَ فِي الذُّرِّيَّة تَغْلِيبًا كَمَا فِي قَوْله " أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوب الْمَوْت إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا : نَعْبُد إِلَهك وَإِلَه آبَائِك إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ " فَإِسْمَاعِيل عَمّه دَخَلَ فِي آبَائِهِ تَغْلِيبًا وَكَمَا قَالَ فِي قَوْله " فَسَجَدَ الْمَلَائِكَة كُلّهمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيس " فَدَخَلَ إِبْلِيس فِي أَمْر الْمَلَائِكَة بِالسُّجُودِ وَذَمّ عَلَى الْمُخَالَفَة لِأَنَّهُ كَانَ فِي تَشَبُّه بِهِمْ فَعُومِلَ مُعَامَلَتهمْ وَدَخَلَ مَعَهُمْ تَغْلِيبًا وَإِلَّا فَهُوَ كَانَ مِنْ الْجِنّ وَطَبِيعَته مِنْ النَّار وَالْمَلَائِكَة مِنْ النُّور وَفِي ذِكْر عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام فِي ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم أَوْ نُوح عَلَى الْقَوْل الْآخَر دَلَالَة عَلَى دُخُول وَلَد الْبَنَات فِي ذُرِّيَّة الرَّجُل لِأَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام إِنَّمَا يُنْسَب إِلَى إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام بِأُمِّهِ مَرْيَم عَلَيْهَا السَّلَام فَإِنَّهُ لَا أَب لَهُ . قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا سَهْل بْن يَحْيَى الْعَسْكَرِيّ حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن صَالِح حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن عَابِس عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَطَاء الْمَكِّيّ عَنْ أَبِي حَرْب بْن أَبِي الْأَسْوَد قَالَ أَرْسَلَ الْحَجَّاج إِلَى يَحْيَى بْن يَعْمُر فَقَالَ بَلَغَنِي أَنَّك تَزْعُم أَنَّ الْحَسَن وَالْحُسَيْن مِنْ ذُرِّيَّة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ تَجِدهُ فِي كِتَاب اللَّه - وَقَدْ قَرَأْته مِنْ أَوَّله إِلَى آخِره فَلَمْ أَجِدهُ ؟ قَالَ أَلَيْسَ تَقْرَأ سُورَة الْأَنْعَام" وَمِنْ ذُرِّيَّته دَاوُد وَسُلَيْمَان " حَتَّى بَلَغَ " وَيَحْيَى وَعِيسَى " قَالَ بَلَى . قَالَ أَلَيْسَ عِيسَى مِنْ ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم وَلَيْسَ لَهُ أَب ؟ قَالَ صَدَقْت . فَلِهَذَا إِذَا أَوْصَى الرَّجُل لِذُرِّيَّتِهِ أَوْ وَقَفَ عَلَى ذُرِّيَّته أَوْ وَهَبَهُمْ دَخَلَ أَوْلَاد الْبَنَات فِيهِمْ فَأَمَّا إِذَا أَعْطَى الرَّجُل بَنِيهِ أَوْ وَقَفَ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُ يَخْتَصّ بِذَلِكَ بَنُوهُ لِصُلْبِهِ وَبَنُو بَنِيهِ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ الشَّاعِر الْعَرَبِيّ : بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وَبَنَاتنَا بَنُوهُنَّ أَبْنَاء الرِّجَال الْأَجَانِب . وَقَالَ آخَرُونَ : وَيَدْخُل بَنُو الْبَنَات فِيهِ أَيْضًا لِمَا ثَبَتَ فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ قَالَ لِلْحَسَنِ بْن عَلِيّ إِنَّ اِبْنِي هَذَا سَيِّد وَلَعَلَّ اللَّه أَنْ يُصْلِح بِهِ بَيْن فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَسَمَّاهُ اِبْنًا فَدَلَّ عَلَى دُخُوله فِي الْأَبْنَاء. وَقَالَ آخَرُونَ : هَذَا تَجَوُّز .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاق وَيَعْقُوب كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْل وَمِنْ ذُرِّيَّته دَاوُد وَسُلَيْمَان وَأَيُّوب وَيُوسُف وَمُوسَى وَهَارُون وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَجَزَيْنَا إِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى طَاعَته إِيَّانَا وَإِخْلَاصه تَوْحِيد رَبّه , وَمُفَارَقَته دِين قَوْمه الْمُشْرِكِينَ بِاَللَّهِ بِأَنْ رَفَعْنَا دَرَجَته فِي عِلِّيِّينَ , وَآتَيْنَاهُ أَجْره فِي الدُّنْيَا وَوَهَبْنَا لَهُ أَوْلَادًا خَصَصْنَاهُمْ بِالنُّبُوَّةِ , وَذُرِّيَّة شَرَّفْنَاهُمْ مِنَّا بِالْكَرَامَةِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ , مِنْهُمْ اِبْنه إِسْحَاق , وَابْن اِبْنه يَعْقُوب . { كُلًّا هَدَيْنَا } يَقُول : هَدَيْنَا جَمِيعهمْ لِسَبِيلِ الرَّشَاد , فَوَفَّقْنَاهُمْ لِلْحَقِّ وَالصَّوَاب مِنْ الْأَدْيَان . { وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْل } يَقُولُ : وَهَدَيْنَا لِمِثْلِ الَّذِي هَدَيْنَا إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب مِنْ الْحَقّ وَالصَّوَاب فَوَفَّقْنَاهُ لَهُ , نُوحًا مِنْ قَبْل إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب . { وَمِنْ ذُرِّيَّته دَاوُد } وَالْهَاء الَّتِي فِي قَوْله : { وَمِنْ ذُرِّيَّته } مِنْ ذِكْر نُوح , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذَكَرَ فِي سِيَاق الْآيَات الَّتِي تَتْلُو هَذِهِ الْآيَة لُوطًا , فَقَالَ : { وَإِسْمَاعِيل وَاَلْيَسَع وَيُونُس وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ } وَمَعْلُوم أَنَّ لُوطًا لَمْ يَكُنْ مِنْ ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْمَعِينَ . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ مَعْطُوفًا عَلَى أَسْمَاء مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ ذُرِّيَّته , كَانَ لَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ أُرِيد بِالذُّرِّيَّةِ ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم لَمَا دَخَلَ يُونُس وَلُوط فِيهِمْ , وَلَا شَكَّ أَنَّ لُوطًا لَيْسَ مِنْ ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم وَلَكِنَّهُ مِنْ ذُرِّيَّة نُوح , فَلِذَلِكَ وَجَبَ أَنْ تَكُون الْهَاء فِي " الذُّرِّيَّة " مِنْ ذِكْر نُوح . فَتَأْوِيل الْكَلَام : وَنُوحًا وَفَّقْنَا لِلْحَقِّ وَالصَّوَاب مِنْ قَبْل إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب , وَهَدَيْنَا أَيْضًا مِنْ ذُرِّيَّة نُوح دَاوُد وَسُلَيْمَان . وَدَاوُد : هُوَ دَاوُد بْن إِيشَا . وَسُلَيْمَان هُوَ اِبْنه سُلَيْمَان بْن دَاوُد وَأَيُّوب هُوَ أَيُّوب بْن مُوص بْن رُوح بْن عِيص بْن إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم . وَيُوسُف : هُوَ يُوسُف بْن يَعْقُوب بْن إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم . وَمُوسَى : هُوَ مُوسَى بْن عِمْرَان بْن يَصْهَر بْن قاهث بْن لَاوِي بْن يَعْقُوب . وَهَارُون : أَخُو مُوسَى . { وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : جَزَيْنَا نُوحًا بِصَبْرِهِ عَلَى مَا اُمْتُحِنَ بِهِ فِينَا بِأَنْ هَدَيْنَاهُ فَوَفَّقْنَاهُ لِإِصَابَةِ الْحَقّ الَّذِي خَذَلْنَا عَنْهُ مَنْ عَصَانَا فَخَالَفَ أَمْرَنَا وَنَهْينَا مِنْ قَوْمه , وَهَدَيْنَا مِنْ ذُرِّيَّته مِنْ بَعْده مَنْ ذَكَرَ تَعَالَى ذِكْره مِنْ أَنْبِيَائِهِ لِمِثْلِ الَّذِي هَدَيْنَاهُ لَهُ . وَكَمَا جَزَيْنَا هَؤُلَاءِ بِحُسْنِ طَاعَتهمْ إِيَّانَا وَصَبْرهمْ عَلَى الْمِحَن فِينَا , كَذَلِكَ نَجْزِي بِالْإِحْسَانِ كُلّ مُحْسِن .

تفسير القرطبي

أَيْ جَزَاء لَهُ عَلَى الِاحْتِجَاج فِي الدِّين وَبَذْل النَّفْس فِيهِ . أَيْ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ مُهْتَدٍ . و " كُلًّا " نُصِبَ ب " هَدْينَا " نُصِبَ ب " هَدْينَا " الثَّانِي . " وَمِنْ ذُرِّيَّته " أَيْ ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم . وَقِيلَ : مِنْ ذُرِّيَّة نُوح ; قَالَهُ الْفَرَّاء وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيّ وَغَيْر وَاحِد مِنْ الْمُفَسِّرِينَ كَالْقُشَيْرِيّ وَابْن عَطِيَّة وَغَيْرهمَا . وَالْأَوَّل قَالَهُ الزَّجَّاج , وَاعْتَرَضَ بِأَنَّهُ عُدَّ مِنْ هَذِهِ الذُّرِّيَّة يُونُس وَلُوط وَمَا كَانَا مِنْ ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم . وَكَانَ لُوط اِبْن أَخِيهِ . وَقِيلَ : اِبْن أُخْته . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاء جَمِيعًا مُضَافُونَ إِلَى ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم , وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَمْ تَلْحَقهُ وِلَادَة مِنْ جِهَته مِنْ جِهَة أَب وَلَا أُمّ ; لِأَنَّ لُوطًا اِبْن أَخِي إِبْرَاهِيم . وَالْعَرَب تَجْعَل الْعَمّ أَبًا كَمَا أَخْبَرَ اللَّه عَنْ وَلَد يَعْقُوب أَنَّهُمْ قَالُوا : " نَعْبُد إِلَهك وَإِلَه آبَائِك إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق " [ الْبَقَرَة : 133 ] . وَإِسْمَاعِيل عَمّ يَعْقُوب . وَعَدَّ عِيسَى مِنْ ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم وَإِنَّمَا هُوَ اِبْن الْبِنْت . فَأَوْلَاد فَاطِمَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا ذُرِّيَّة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَبِهَذَا تَمَسَّكَ مَنْ رَأَى أَنَّ وَلَد الْبَنَات يَدْخُلُونَ فِي اِسْم الْوَلَد وَهِيَ : قَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ : مَنْ وَقَفَ وَقْفًا عَلَى وَلَده وَوَلَد وَلَده أَنَّهُ يَدْخُل فِيهِ وَلَد وَلَده وَوَلَد بَنَاته مَا تَنَاسَلُوا . وَكَذَلِكَ إِذَا أَوْصَى لِقَرَابَتِهِ يَدْخُل فِيهِ وَلَد الْبَنَات . وَالْقَرَابَة عِنْد أَبِي حَنِيفَة كُلّ ذِي رَحِم مُحَرَّم . وَيَسْقُط عِنْده اِبْن الْعَمّ وَالْعَمَّة وَابْن الْخَال وَالْخَالَة ; لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمُحْرِمِينَ . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : الْقَرَابَة كُلّ ذِي رَحِم مُحَرَّم وَغَيْره . فَلَمْ يَسْقُط عِنْده اِبْن الْعَمّ وَلَا غَيْره . وَقَالَ مَالِك : لَا يَدْخُل فِي ذَلِكَ وَلَد الْبَنَات . وَقَوْله : لِقَرَابَتِي وَعَقِبِي كَقَوْلِهِ : لِوَلَدِي وَوَلَد وَلَدِي . يَدْخُل فِي ذَلِكَ وَلَد الْبَنِينَ وَمَنْ يَرْجِع إِلَى عَصَبَة الْأَب وَصُلْبه , وَلَا يَدْخُل فِي ذَلِكَ وَلَد الْبَنَات . وَقَدْ تَقَدَّمَ نَحْو هَذَا عَنْ الشَّافِعِيّ فِي " آل عِمْرَان " . وَالْحُجَّة لَهُمَا قَوْله سُبْحَانه : " يُوصِيكُمْ اللَّه فِي أَوْلَادكُمْ " [ النِّسَاء : 11 ] فَلَمْ يَعْقِل الْمُسْلِمُونَ مِنْ ظَاهِر الْآيَة إِلَّا وَلَد الصُّلْب وَوَلَد الِابْن خَاصَّة . وَقَالَ تَعَالَى : " وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى " [ الْأَنْفَال : 41 ] فَأَعْطَى عَلَيْهِ السَّلَام الْقَرَابَة مِنْهُمْ مِنْ أَعْمَامه دُون بَنِي أَخْوَاله . فَكَذَلِكَ وَلَد الْبَنَات لَا يَنْتَمُونَ إِلَيْهِ بِالنَّسَبِ , وَلَا يَلْتَقُونَ مَعَهُ فِي أَب . قَالَ اِبْن الْقَصَّار : وَحُجَّة مَنْ أَدْخَلَ الْبَنَات فِي الْأَقَارِب قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام لِلْحَسَنِ بْن عَلِيّ ( إِنَّ اِبْنِي هَذَا سَيِّد ) . وَلَا نَعْلَم أَحَدًا يَمْتَنِع أَنْ يَقُول فِي وَلَد الْبَنَات إِنَّهُمْ وَلَد لِأَبِي أُمّهمْ . وَالْمَعْنَى يَقْتَضِي ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْوَلَد مُشْتَقّ مِنْ التَّوَلُّد وَهُمْ مُتَوَلِّدُونَ عَنْ أَبِي أُمّهمْ لَا مَحَالَة ; وَالتَّوَلُّد مِنْ جِهَة الْأُمّ كَالتَّوَلُّدِ مِنْ جِهَة الْأَب . وَقَدْ دَلَّ الْقُرْآن عَلَى ذَلِكَ , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَمِنْ ذُرِّيَّته دَاوُد وَسُلَيْمَان " إِلَى قَوْله " مِنْ الصَّالِحِينَ " . إِلَى قَوْله " مِنْ الصَّالِحِينَ " فَجَعَلَ عِيسَى مِنْ ذُرِّيَّته وَهُوَ اِبْن اِبْنَته .

غريب الآية
وَوَهَبۡنَا لَهُۥۤ إِسۡحَـٰقَ وَیَعۡقُوبَۚ كُلًّا هَدَیۡنَاۚ وَنُوحًا هَدَیۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَمِن ذُرِّیَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَیۡمَـٰنَ وَأَیُّوبَ وَیُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَـٰرُونَۚ وَكَذَ ٰ⁠لِكَ نَجۡزِی ٱلۡمُحۡسِنِینَ ﴿٨٤﴾
مِن قَبۡلُمن قبلِ إتيانِ هذه الآياتِ.
الإعراب
(وَوَهَبْنَا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ اسْتِئْنَافٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(وَهَبْنَا) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِنَا الْفَاعِلِينَ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(لَهُ)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(إِسْحَاقَ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَيَعْقُوبَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(يَعْقُوبَ) : مَعْطُوفٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(كُلًّا)
مَفْعُولٌ بِهِ مُقَدَّمٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(هَدَيْنَا)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِنَا الْفَاعِلِينَ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(وَنُوحًا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(نُوحًا) : مَفْعُولٌ بِهِ مُقَدَّمٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(هَدَيْنَا)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِنَا الْفَاعِلِينَ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(مِنْ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(قَبْلُ)
اسْمٌ ظَرْفِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(وَمِنْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(مِنْ) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(ذُرِّيَّتِهِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(دَاوُودَ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ "هَدَيْنَا".
(وَسُلَيْمَانَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(سُلَيْمَانَ) : مَعْطُوفٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَأَيُّوبَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(أَيُّوبَ) : مَعْطُوفٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَيُوسُفَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(يُوسُفَ) : مَعْطُوفٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَمُوسَى)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(مُوسَى) : مَعْطُوفٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ.
(وَهَارُونَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(هَارُونَ) : مَعْطُوفٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَكَذَلِكَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ اعْتِرَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"الْكَافُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(ذَلِكَ) : اسْمُ إِشَارَةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ نَائِبٌ عَنِ الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ مُقَدَّمٌ.
(نَجْزِي)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلثِّقَلِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "نَحْنُ".
(الْمُحْسِنِينَ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ.