صفحات الموقع

سورة الصف الآية ٤

سورة الصف الآية ٤

إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلَّذِینَ یُقَـٰتِلُونَ فِی سَبِیلِهِۦ صَفࣰّا كَأَنَّهُم بُنۡیَـٰنࣱ مَّرۡصُوصࣱ ﴿٤﴾

التفسير

تفسير السعدي

إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان متراص محكم لا ينفذ منه العدو. وفي الآية بيان فضل الجهاد والمجاهدين. لمحبة الله سبحانه لعباده المؤمنين إذا صفوا مواجهين لأعداء الله, يقاتلونهم في سبيله.

التفسير الميسر

إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان متراص محكم لا ينفذ منه العدو. وفي الآية بيان فضل الجهاد والمجاهدين؛ لمحبة الله سبحانه لعباده المؤمنين إذا صفُّوا مواجهين لأعداء الله، يقاتلونهم في سبيله.

تفسير الجلالين

"إنَّ اللَّه يُحِبّ" يَنْصُر وَيُكْرِم "الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيله صَفًّا" حَال أَيْ صَافِّينَ "كَأَنَّهُمْ بُنْيَان مَرْصُوص" مُلْزَق بَعْضه إلَى بَعْض ثَابِت

تفسير ابن كثير

وَقَالَ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ - إِلَى قَوْله - كَأَنَّهُمْ بُنْيَان مَرْصُوص فَمَا بَيْن ذَلِكَ فِي نَفَر مِنْ الْأَنْصَار فِيهِمْ عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة قَالُوا فِي مَجْلِس لَوْ نَعْلَم أَيّ الْأَعْمَال أَحَبّ إِلَى اللَّه لَعَمِلْنَا بِهِ حَتَّى نَمُوت فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى هَذَا فِيهِمْ فَقَالَ عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة لَا أَبْرَح حَبِيسًا فِي سَبِيل اللَّه حَتَّى أَمُوت فَقُتِلَ شَهِيدًا وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا فَرْوَة بْن أَبِي الْمَغْرَاء حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن مُسْهِر عَنْ دَاوُد بْن أَبِي هِنْد عَنْ أَبِي حَرْب بْن أَبِي الْأَسْوَد الدَّيْلِيّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ بَعَثَ أَبُو مُوسَى إِلَى قُرَّاء أَهْل الْبَصْرَة فَدَخَلَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ ثَلَاثُمِائَةِ رَجُل كُلّهمْ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآن فَقَالَ أَنْتُمْ قُرَّاء أَهْل الْبَصْرَة وَخِيَارهمْ وَقَالَ كُنَّا نَقْرَأ سُورَة كُنَّا نُشَبِّههَا بِإِحْدَى الْمُسَبِّحَات فَأُنْسِينَاهَا غَيْر أَنِّي قَدْ حَفِظْت مِنْهَا " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ" فَتُكْتَب شَهَادَة فِي أَعْنَاقِكُمْ فَتُسْأَلُونَ عَنْهَا يَوْم الْقِيَامَة وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " إِنَّ اللَّه يُحِبّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيله صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَان مَرْصُوص " فَهَذَا إِخْبَار مِنْ اللَّه تَعَالَى بِمَحَبَّتِهِ عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ إِذَا صُفُّوا مُوَاجِهِينَ لِأَعْدَاءِ اللَّه فِي حَوْمَة الْوَغَى يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيل اللَّه مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ لِتَكُونَ كَلِمَة اللَّه هِيَ الْعُلْيَا وَدِينه هُوَ الظَّاهِر الْعَالِي عَلَى سَائِر الْأَدْيَان . وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه حَدَّثَنَا هُشَيْم قَالَ مُجَاهِد أَخْبَرَنَا مَجَالِد عَنْ أَبِي الْوَدَّاك عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ثَلَاثَة يَضْحَك اللَّه إِلَيْهِمْ : الرَّجُل يَقُوم مِنْ اللَّيْل وَالْقَوْم إِذَا صُفُّوا لِلصَّلَاةِ وَالْقَوْم إِذَا صُفُّوا لِلْقِتَالِ " وَرَوَاهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث مُجَالِد عَنْ أَبِي الْوَدَّاك جَبْر بْن نَوْفٍ بِهِ وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم الْفَضْل بْن دُكَيْن حَدَّثَنَا الْأَسْوَد يَعْنِي اِبْن شَيْبَان حَدَّثَنِي يَزِيد بْن عَبْد اللَّه بْن الشِّخِّير قَالَ : قَالَ مُطَرَّف كَانَ يَبْلُغنِي عَنْ أَبِي ذَرّ حَدِيث كُنْت أَشْتَهِي لِقَاءَهُ فَلَقِيته فَقُلْت يَا أَبَا ذَرّ كَانَ يَبْلُغنِي عَنْك حَدِيث فَكُنْت أَشْتَهِي لِقَاءَك فَقَالَ لِلَّهِ أَبُوك فَقَدْ لَقِيت فَهَاتِ فَقُلْت كَانَ يَبْلُغنِي عَنْك أَنَّك تَزْعُمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَكُمْ أَنَّ اللَّه يَبْغَضُ ثَلَاثَة وَيُحِبّ ثَلَاثَة قَالَ أَجَل فَلَا إِخَالُنِي أَكَذِبُ عَلَى خَلِيلِي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْت فَمَنْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة الَّذِينَ يُحِبّهُمْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ؟ قَالَ رَجُل غَزَا فِي سَبِيل اللَّه خَرَجَ مُحْتَسِبًا مُجَاهِدًا فَلَقِيَ الْعَدُوّ فَقُتِلَ وَأَنْتُمْ تَجِدُونَهُ فِي كِتَاب اللَّه الْمُنَزَّل ثُمَّ قَرَأَ " إِنَّ اللَّه يُحِبّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيله صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَان مَرْصُوص " وَذَكَرَ الْحَدِيث هَكَذَا أَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ هَذَا الْوَجْه بِهَذَا السِّيَاق وَهَذَا اللَّفْظ وَاخْتَصَرَهُ وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ مِنْ حَدِيث شُعْبَة عَنْ مَنْصُور بْن الْمُعْتَمِر عَنْ رِبْعِيّ بْن حِرَاش عَنْ زَيْد بْن ظَبْيَان عَنْ أَبِي ذَرّ بِأَبْسَط مِنْ هَذَا السِّيَاق وَأَتَمّ وَقَدْ أَوْرَدْنَاهُ فِي مَوْضِع آخَر وَلِلَّهِ الْحَمْد وَعَنْ كَعْب الْأَحْبَار أَنَّهُ قَالَ : يَقُول اللَّه تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَبْدِي الْمُتَوَكِّل الْمُخْتَار لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظ وَلَا سَخَّاب فِي الْأَسْوَاق وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَة وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِر مَوْلِده بِمَكَّة وَهِجْرَته بِطَابَة وَمُلْكه الشَّام وَأُمَّته الْحَمَّادُونَ يَحْمَدُونَ اللَّه عَلَى كُلّ حَال وَفِي كُلّ مَنْزِلَة لَهُمْ دَوِيّ كَدَوِيِّ النَّحْل فِي جَوّ السَّمَاء بِالسَّحَرِ يُوَضُّون أَطْرَافهمْ وَيَأْتَزِرُون عَلَى أَنْصَافهمْ صَفّهمْ فِي الْقِتَال مِثْل صَفّهمْ فِي الصَّلَاة ثُمَّ قَرَأَ " إِنَّ اللَّه يُحِبّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيله صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَان مَرْصُوص " رُعَاة الشَّمْس يُصَلُّونَ الصَّلَاة حَيْثُ أَدْرَكَتْهُمْ وَلَوْ عَلَى ظَهْر دَابَّة . رَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر فِي قَوْله تَعَالَى" إِنَّ اللَّه يُحِبّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيله صَفًّا " قَالَ كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُقَاتِل الْعَدُوّ إِلَّا أَنْ يُصَافّهم وَهَذَا تَعْلِيم مِنْ اللَّه لِلْمُؤْمِنِينَ قَالَ وَقَوْله تَعَالَى " كَأَنَّهُمْ بُنْيَان مَرْصُوص " أَيْ مُلْتَصِق بَعْضه بِبَعْضٍ مِنْ الصَّفّ فِي الْقِتَال وَقَالَ مُقَاتِل بْن حَيَّان مُلْتَصِق بَعْضه بِبَعْضٍ وَقَالَ اِبْن عَبَّاس كَأَنَّهُمْ بُنْيَان مَرْصُوص مُثَبَّت لَا يَزُول مُلْصَق بَعْضه بِبَعْضٍ . وَقَالَ قَتَادَة كَأَنَّهُمْ بُنْيَان مَرْصُوص أَلَمْ تَرَ إِلَى صَاحِب الْبُنْيَان كَيْف لَا يُحِبّ أَنْ يَخْتَلِف بُنْيَانه ؟ فَكَذَلِكَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَا يُحِبّ أَنْ يَخْتَلِف أَمْره وَأَنَّ اللَّه صَفَّ الْمُؤْمِنِينَ فِي قِتَالهمْ وَصَفَّهُمْ فِي صَلَاتهمْ فَعَلَيْكُمْ بِأَمْرِ اللَّه فَإِنَّهُ عِصْمَة لِمَنْ أَخَذَ بِهِ . أَوْرَدَ ذَلِكَ كُلَّهُ اِبْن أَبِي حَاتِم وَقَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنِي سَعِيد بْن عَمْرو السُّكُونِيّ حَدَّثَنَا بَقِيَّة بْن الْوَلِيد عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي مَرْيَم عَنْ يَحْيَى بْن جَابِر الطَّائِيّ عَنْ أَبِي بَحْرِيَّة قَالَ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْقِتَال عَلَى الْخَيْل وَيَسْتَحِبُّونَ الْقِتَال عَلَى الْأَرْض لِقَوْلِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " إِنَّ اللَّه يُحِبّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيله صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَان مَرْصُوص " قَالَ وَكَانَ أَبُو بَحْرِيَّة يَقُول : إِذَا رَأَيْتُمُونِي أَلْتَفِت فِي الصَّفّ فَجِئُّوا فِي لَحْيَيَّ .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ اللَّه يُحِبّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيله صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَان مَرْصُوص } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِلْقَائِلِينَ : لَوْ عَلِمْنَا أَحَبّ الْأَعْمَال إِلَى اللَّه لَعَمِلْنَاهُ حَتَّى نَمُوت : { إِنَّ اللَّه } أَيّهَا الْقَوْم { يُحِبّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيله } كَأَنَّهُمْ , يَعْنِي فِي طَرِيقه وَدِينه الَّذِي دَعَا إِلَيْهِ { صَفًّا } يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُمْ يُقَاتِلُونَ أَعْدَاء اللَّه مُصْطَفِّينَ. وَقَوْله : { كَأَنَّهُمْ بُنْيَان مَرْصُوص } يَقُول : يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيل اللَّه صَفًّا مُصْطَفًّا , كَأَنَّهُمْ فِي اِصْطِفَافهمْ هُنَالِكَ حِيطَان مَبْنِيَّة قَدْ رُصَّ , فَأُحْكِمَ وَأُتْقِنَ , فَلَا يُغَادِر مِنْهُ شَيْئًا , وَكَانَ بَعْضهمْ يَقُول : بُنِيَ بِالرَّصَاصِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 26384 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إِنَّ اللَّه يُحِبّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيله صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَان مَرْصُوص } أَلَمْ تَرَ إِلَى صَاحِب الْبُنْيَان كَيْف لَا يُحِبّ أَنْ يَخْتَلِف بُنْيَانه , كَذَلِكَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَا يَخْتَلِف أَمْره , وَإِنَّ اللَّه وَصَفَ الْمُؤْمِنِينَ فِي قِتَالهمْ وَصْفهمْ فِي صَلَاتهمْ , فَعَلَيْكُمْ بِأَمْرِ اللَّه فَإِنَّهُ عِصْمَة لِمَنْ أَخَذَ بِهِ . 26385 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد { إِنَّ اللَّه يُحِبّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيله صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَان مَرْصُوص } قَالَ : وَاَلَّذِينَ صَدَّقُوا قَوْلهمْ بِأَعْمَالِهِمْ هَؤُلَاءِ ; قَالَ : وَهَؤُلَاءِ لَمْ يُصَدِّقُوا قَوْلهمْ بِالْأَعْمَالِ لَمَّا خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَكَصُوا عَنْهُ وَتَخَلَّفُوا. وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعِلْم يَقُول : إِنَّمَا قَالَ اللَّه { إِنَّ اللَّه يُحِبّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيله صَفًّا } لِيَدُلّ عَلَى أَنَّ الْقِتَال رَاجِلًا أَحَبّ إِلَيْهِ مِنْ الْقِتَال فَارِسًا , لِأَنَّ الْفُرْسَان لَا يَصْطَفُّونَ , وَإِنَّمَا تَصْطَفّ الرَّجَّالَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 26386 - حَدَّثَنِي سَعِيد بْن عَمْرو السُّكُونِيّ , قَالَ : ثنا بَقِيَّة بْن الْوَلِيد , عَنْ أَبِي بَكْر اِبْن أَبِي مَرْيَم , عَنْ يَحْيَى بْن جَابِر الطَّائِيّ , عَنْ أَبِي بَحْرِيَّة , قَالَ : كَانُوا يَكْرَهُونَ الْقِتَال عَلَى الْخَيْل , وَيَسْتَحِبُّونَ الْقِتَال عَلَى الْأَرْض , لِقَوْلِ اللَّه : { إِنَّ اللَّه يُحِبّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيله صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَان مَرْصُوص } قَالَ : وَكَانَ أَبُو بَحْرِيَّة يَقُول : إِذَا رَأَيْتُمُونِي اِلْتَفَتّ فِي الصَّفّ , فَجِئُوا فِي لَحْيِي .

تفسير القرطبي

أَيْ يَصُفُّونَ صَفًّا : وَالْمَفْعُول مُضْمَر ; أَيْ يَصُفُّونَ أَنْفُسهمْ صَفًّا . قَالَ الْفَرَّاء : مَرْصُوص بِالرَّصَاصِ . وَقَالَ الْمُبَرِّد : هُوَ مِنْ رَصَصْت الْبِنَاء إِذَا لَاءَمْت بَيْنه وَقَارَبْت حَتَّى يَصِير كَقِطْعَةٍ وَاحِدَة . وَقِيلَ : هُوَ مِنْ الرَّصِيص وَهُوَ اِنْضِمَام الْأَسْنَان بَعْضهَا إِلَى بَعْض . وَالتَّرَاصّ التَّلَاصُق ; وَمِنْهُ وَتَرَاصُّوا فِي الصَّفّ . وَمَعْنَى الْآيَة : يُحِبّ مَنْ يَثْبُت فِي الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه وَيَلْزَم مَكَانه كَثُبُوتِ الْبِنَاء . وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : هَذَا تَعْلِيم مِنْ اللَّه تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ كَيْفَ يَكُونُونَ عِنْد قِتَال عَدُوّهُمْ . وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بَعْض أَهْل التَّأْوِيل بِهَذَا عَلَى أَنَّ قِتَال الرَّاجِل أَفْضَل مِنْ قِتَال الْفَارِس , لِأَنَّ الْفُرْسَان لَا يَصْطَفُّونَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَة . الْمَهْدَوِيّ : وَذَلِكَ غَيْر مُسْتَقِيم , لِمَا جَاءَ فِي فَضْل الْفَارِس فِي الْأَجْر وَالْغَنِيمَة . وَلَا يَخْرُج الْفُرْسَان مِنْ مَعْنَى الْآيَة ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ الثَّبَات . لَا يَجُوز الْخُرُوج عَنْ الصَّفّ إِلَّا لِحَاجَةٍ تَعْرِض لِلْإِنْسَانِ , أَوْ فِي رِسَالَة يُرْسِلهَا الْإِمَام , أَوْ فِي مَنْفَعَة تَظْهَر فِي الْمَقَام , كَفُرْصَةٍ تُنْتَهَز وَلَا خِلَاف فِيهَا . وَفِي الْخُرُوج عَنْ الصَّفّ لِلْمُبَارَزَةِ خِلَاف عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدهمَا أَنَّهُ لَا بَأْس بِذَلِكَ إِرْهَابًا لِلْعَدُوِّ , وَطَلَبًا لِلشَّهَادَةِ وَتَحْرِيضًا عَلَى الْقِتَال . وَقَالَ أَصْحَابنَا : لَا يَبْرُز أَحَد طَالِبًا لِذَلِكَ , لِأَنَّ فِيهِ رِيَاء وَخُرُوجًا إِلَى مَا نَهَى اللَّه عَنْهُ مِنْ لِقَاء الْعَدُوّ . وَإِنَّمَا تَكُون الْمُبَارَزَة إِذَا طَلَبَهَا الْكَافِر ; كَمَا كَانَتْ فِي حُرُوب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم بَدْر وَفِي غَزْوَة خَيْبَر , وَعَلَيْهِ دَرَجَ السَّلَف . وَقَدْ مَضَى الْقَوْل مُسْتَوْفًى فِي هَذَا فِي " الْبَقَرَة " عِنْد قَوْله تَعَالَى : " وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة " [ الْبَقَرَة : 195 ] .

غريب الآية
إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلَّذِینَ یُقَـٰتِلُونَ فِی سَبِیلِهِۦ صَفࣰّا كَأَنَّهُم بُنۡیَـٰنࣱ مَّرۡصُوصࣱ ﴿٤﴾
صَفࣰّاأي مَصْفُوفِينَ.
مَّرۡصُوصࣱمُتَراصٌّ مُحْكَمٌ.
الإعراب
(إِنَّ)
حَرْفُ تَوْكِيدٍ وَنَصْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(اللَّهَ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ اسْمُ (إِنَّ) : مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(يُحِبُّ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ"، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ (إِنَّ) :.
(الَّذِينَ)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(يُقَاتِلُونَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(فِي)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(سَبِيلِهِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(صَفًّا)
حَالٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(كَأَنَّهُمْ)
(كَأَنَّ) : حَرْفُ تَشْبِيهٍ وَنَصْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ اسْمُ كَأَنَّ.
(بُنْيَانٌ)
خَبَرُ (كَأَنَّ) : مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(مَرْصُوصٌ)
نَعْتٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.