صفحات الموقع

سورة الأعراف الآية ١٤٣

سورة الأعراف الآية ١٤٣

وَلَمَّا جَاۤءَ مُوسَىٰ لِمِیقَـٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ قَالَ رَبِّ أَرِنِیۤ أَنظُرۡ إِلَیۡكَۚ قَالَ لَن تَرَىٰنِی وَلَـٰكِنِ ٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡجَبَلِ فَإِنِ ٱسۡتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوۡفَ تَرَىٰنِیۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلۡجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكࣰّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقࣰاۚ فَلَمَّاۤ أَفَاقَ قَالَ سُبۡحَـٰنَكَ تُبۡتُ إِلَیۡكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ ﴿١٤٣﴾

التفسير

تفسير السعدي

" وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا " الذي وقتناه له لإنزال الكتاب " وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ " بما كلمه, من وحيه, وأمره, ونهيه, تشوق إلى رؤية اللّه, ونزعت نفسه لذلك, حبا لربه, واشتياقا لرؤيته. " قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ " اللَّهِ " لَنْ تَرَانِي " أي: لن تقدر الآن على رؤيتي, فإن اللّه تبارك وتعالى, أنشأ الخلق في هذه الدار, على نشأة لا يقدرون بها, ولا يثبتون لرؤية اللّه. وليس في هذا, دليل على أنهم لا يرونه في الجنة. فإنه قد دلت النصوص القرآنية, والأحاديث النبوية, على أن أهل الجنة يرون ربهم تبارك وتعالى, ويتمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم, وأنه ينشئهم نشأة كاملة, يقدرون معها على رؤية اللّه تعالى. ولهذا رتب اللّه الرؤية في هذه الآية, على ثبوت الجبل, فقال - مقنعا لموسى في عدم إجابته للرؤية-: " وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ " إذا تجلى اللّه له " فَسَوْفَ تَرَانِي " . " فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ " الأصم الغليظ " جَعَلَهُ دَكًّا " أي: انهال مثل الرمل, انزعاجا من رؤية اللّه وعدم ثبوته لها. " وَخَرَّ مُوسَى " حين رأى ما رأى " صَعِقًا " أي: مغشيا عليه. " فَلَمَّا أَفَاقَ " تبين له حينئذ, أنه إذا لم يثبت الجبل لرؤية اللّه, فموسى أولى أن لا يثبت لذلك. واستغفر ربه, لما صدر منه من السؤال, الذي لم يوافق, موضعا, ولذلك: " قَالَ سُبْحَانَكَ " أي: تنزيها لك, وتعظيما عما لا يليق بجلالك. " تُبْتُ إِلَيْكَ " من جميع الذنوب, وسوء الأدب معك. " وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ " أي: جدد عليه الصلاة والسلام إيمانه, بما كمل اللّه له, مما كان يجهله قبل ذلك, فلما منعه اللّه من رؤيته - بعد ما كان متشوقا إليها - أعطاه خيرا كثيرا فقال:

التفسير الميسر

ولما جاء موسى في الوقت المحدد وهو تمام أربعين ليلة، وكلَّمه ربه بما كلَّمه من وحيه وأمره ونهيه، طمع في رؤية الله فطلب النظر إليه، قال الله له: لن تراني، أي لن تقدر على رؤيتي في الدنيا، ولكن انظر إلى الجبل، فإن استقر مكانه إذا تجلَّيتُ له فسوف تراني، فلما تجلَّى ربه للجبل جعله دكًّا مستويًا بالأرض، وسقط موسى مغشيًّا عليه، فلما أفاق من غشيته قال: تنزيهًا لك يا رب عما لا يليق بجلالك، إني تبت إليك من مسألتي إياك الرؤية في هذه الحياة الدنيا، وأنا أول المؤمنين بك من قومي.

تفسير الجلالين

"وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا" أَيْ لِلْوَقْتِ الَّذِي وَعَدْنَاهُ بِالْكَلَامِ فِيهِ "وَكَلَّمَهُ رَبّه" بِلَا وَاسِطَة كَلَامًا سَمِعَهُ مِنْ كُلّ جِهَة "قَالَ رَبّ أَرِنِي" نَفْسك "أَنْظُر إلَيْك قَالَ لَنْ تَرَانِي" أَيْ لَا تَقْدِر عَلَى رُؤْيَتِي وَالتَّعْبِير بِهِ دُون لَنْ أَرَى يُفِيد إمْكَان رُؤْيَته تَعَالَى "وَلَكِنْ اُنْظُرْ إلَى الْجَبَل" الَّذِي هُوَ أَقْوَى مِنْك "فَإِنْ اسْتَقَرَّ" ثَبَتَ "مَكَانه فَسَوْف تَرَانِي" أَيْ تَثْبُت لِرُؤْيَتِي وَإِلَّا فَلَا طَاقَة لَك "فَلَمَّا تَجَلَّى رَبّه" أَيْ ظَهَرَ مِنْ نُوره قَدْر نِصْف أُنْمُلَة الْخِنْصَر كَمَا فِي حَدِيث صَحَّحَهُ الْحَاكِم "لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا" بِالْقَصْرِ وَالْمَدّ أَيْ مَدْكُوكًا مُسْتَوِيًا بِالْأَرْضِ "وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا" مَغْشِيًّا عَلَيْهِ لِهَوْلِ مَا رَأَى "فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانك" تَنْزِيهًا لَك "تُبْت إلَيْك" مِنْ سُؤَال مَا لَمْ أُؤْمَر بِهِ "وَأَنَا أَوَّل الْمُؤْمِنِينَ" فِي زَمَانِي

تفسير ابن كثير

يُخْبِر تَعَالَى عَنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ لِمِيقَاتِ اللَّه تَعَالَى وَحَصَلَ لَهُ التَّسْلِيم مِنْ اللَّه سَأَلَ اللَّه تَعَالَى أَنْ يَنْظُر إِلَيْهِ فَقَالَ " رَبّ أَرِنِي أَنْظُر إِلَيْك قَالَ لَنْ تَرَانِي " وَقَدْ أَشْكَلَ حَرْف لَنْ هَاهُنَا عَلَى كَثِير مِنْ الْعُلَمَاء لِأَنَّهَا مَوْضُوعَة لِنَفْيِ التَّأْبِيد فَاسْتَدَلَّ بِهِ الْمُعْتَزِلَة عَلَى نَفْي الرُّؤْيَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَهَذَا أَضْعَف الْأَقْوَال لِأَنَّهُ قَدْ تَوَاتَرَتْ الْأَحَادِيث عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ اللَّه فِي الدَّار الْآخِرَة كَمَا سَنُورِدُهَا عِنْد قَوْله تَعَالَى " وُجُوه يَوْمئِذٍ نَاضِرَة إِلَى رَبّهَا نَاظِرَة " وَقَوْله تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ الْكُفَّار " كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبّهمْ يَوْمئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ " وَقِيلَ إِنَّهَا لِنَفْيِ التَّأْبِيد فِي الدُّنْيَا جَمْعًا بَيْن هَذِهِ الْآيَة وَبَيْن الدَّلِيل الْقَاطِع عَلَى صِحَّة الرُّؤْيَة فِي الدَّار الْآخِرَة وَقِيلَ إِنَّ هَذَا الْكَلَام فِي هَذَا الْمَقَام كَالْكَلَامِ فِي قَوْله تَعَالَى " لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَهُوَ يُدْرِك الْأَبْصَار وَهُوَ اللَّطِيف الْخَبِير " وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي الْأَنْعَام وَفِي الْكُتُب الْمُتَقَدِّمَة أَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام" يَا مُوسَى إِنَّهُ لَا يَرَانِي حَيّ إِلَّا مَاتَ وَلَا يَابِس إِلَّا تَدَهْدَهَ " وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " فَلَمَّا تَجَلَّى رَبّه لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا " قَالَ أَبُو جَعْفَر بْن جَرِير الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِير هَذِهِ الْآيَة : حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن سُهَيْل الْوَاسِطِيّ حَدَّثَنَا قُرَّة بْن عِيسَى حَدَّثَنَا الْأَعْمَش عَنْ رَجُل عَنْ أَنَس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَمَّا تَجَلَّى رَبّه لِلْجَبَلِ أَشَارَ بِأُصْبُعِهِ فَجَعَلَهُ دَكًّا " وَأَرَانَا أَبُو إِسْمَاعِيل بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَة هَذَا الْإِسْنَاد فِيهِ رَجُل مُبْهَم لَمْ يُسَمَّ ثُمَّ قَالَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا حَجَّاج بْن مِنْهَال حَدَّثَنَا حَمَّاد عَنْ لَيْث عَنْ أَنَس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَة " فَلَمَّا تَجَلَّى رَبّه لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا " قَالَ " هَكَذَا بِأُصْبُعِهِ " وَوَضَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُصْبُعه الْإِبْهَام عَلَى الْمِفْصَل الْأَعْلَى مِنْ الْخِنْصَر " فَسَاخَ الْجَبَل " هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ ثَابِت عَنْ لَيْث عَنْ أَنَس كَمَا قَالَ اِبْن جَرِير : حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا هُدْبَة بْن خَالِد حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس قَالَ : قَرَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَلَمَّا تَجَلَّى رَبّه لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا " قَالَ " وَوَضَعَ الْإِبْهَام قَرِيبًا مِنْ طَرَف خِنْصَره " قَالَ " فَسَاخَ الْجَبَل " قَالَ حُمَيْد لِثَابِتٍ يَقُول هَكَذَا فَرَفَعَ ثَابِت يَده فَضَرَبَ صَدْر حُمَيْد وَقَالَ : يَقُولهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَقُولهُ أَنَس وَأَنَا أَكْتُمهُ ؟ وَهَذَا رَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد فِي مُسْنَده : حَدَّثَنَا أَبُو الْمُثَنَّى مُعَاذ بْن مُعَاذ الْعَنْبَرِيّ حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن سَلَمَة حَدَّثَنَا ثَابِت الْبُنَانِيّ عَنْ أَنَس بْن مَالِك عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْله" فَلَمَّا تَجَلَّى رَبّه لِلْجَبَلِ " قَالَ : قَالَ " هَكَذَا " يَعْنِي أَنَّهُ أَخْرَجَ طَرَف الْخِنْصَر . قَالَ أَحْمَد أَرَانَا مُعَاذ فَقَالَ لَهُ حُمَيْد الطَّوِيل مَا تُرِيد إِلَى هَذَا يَا أَبَا مُحَمَّد قَالَ : فَضَرَبَ صَدْره ضَرْبَة شَدِيدَة وَقَالَ مَنْ أَنْتَ يَا حُمَيْد وَمَا أَنْتَ يَا حُمَيْد يُحَدِّثنِي بِهِ أَنَس بْن مَالِك عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول مَا تُرِيد إِلَيْهِ ؟ وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي تَفْسِير هَذِهِ الْآيَة عَنْ عَبْد الْوَهَّاب بْن الْحَكَم الْوَرَّاق عَنْ مُعَاذ بْن مُعَاذ بِهِ وَعَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن الدَّارِمِيّ عَنْ سُلَيْمَان بْن حَرْب عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة بِهِ ثُمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث حَسَن صَحِيح غَرِيب لَا نَعْرِفهُ إِلَّا مِنْ حَدِيث حَمَّاد . وَهَكَذَا رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْرَكه مِنْ طُرُق عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة بِهِ وَقَالَ هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرْط مُسْلِم وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ . وَرَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد الْحَسَن بْن مُحَمَّد بْن عَلِيّ الْخَلَّال عَنْ مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن سُوَيْد عَنْ أَبِي الْقَاسِم الْبَغَوِيّ عَنْ هُدْبَة بْن خَالِد عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة فَذَكَرَهُ وَقَالَ هَذَا إِسْنَاد صَحِيح لَا عِلَّة فِيهِ وَقَدْ رَوَاهُ دَاوُدُ بْن الْمُحَبَّر عَنْ شُعْبَة عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس مَرْفُوعًا وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ دَاوُدَ بْن الْمُحَبَّر كَذَّاب رَوَاهُ الْحَافِظَانِ أَبُو الْقَاسِم الطَّبَرَانِيّ وَأَبُو بَكْر بْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ قَتَادَة عَنْ أَنَس مَرْفُوعًا بِنَحْوِهِ وَأَسْنَدَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق اِبْن الْبَيْلَمَانِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْن عُمَر مَرْفُوعًا وَلَا يَصِحّ أَيْضًا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم وَقَالَ عَلَى شَرْط مُسْلِم وَقَالَ السُّدِّيّ عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى" فَلَمَّا تَجَلَّى رَبّه لِلْجَبَلِ " قَالَ مَا تَجَلَّى مِنْهُ إِلَّا قَدْر الْخِنْصَر " جَعَلَهُ دَكًّا " قَالَ تُرَابًا " وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا " قَالَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ رَوَاهُ اِبْن جَرِير . وَقَالَ قَتَادَة : وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا قَالَ مَيِّتًا . وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ : سَاخَ الْجَبَل فِي الْأَرْض حَتَّى وَقَعَ فِي الْبَحْر فَهُوَ يَذْهَب مَعَهُ . وَقَالَ سُنَيْد عَنْ حَجَّاج بْن مُحَمَّد الْأَعْوَر عَنْ أَبِي بَكْر الْهُذَلِيّ " فَلَمَّا تَجَلَّى رَبّه لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا " اِنْقَعَرَ فَدَخَلَ تَحْت الْأَرْض فَلَا يَظْهَر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَجَاءَ فِي بَعْض الْأَخْبَار أَنَّهُ سَاخَ فِي الْأَرْض فَهُوَ يَهْوِي فِيهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ . وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : حَدَّثَنَا عُمَر بْن شَيْبَة حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يَحْيَى أَبُو غَسَّان الْكِنَانِيّ حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيز بْن عِمْرَان عَنْ مُعَاوِيَة بْن عَبْد اللَّه عَنْ الْجَلْد بْن أَيُّوب عَنْ مُعَاوِيَة بْن قُرَّة عَنْ أَنَس بْن مَالِك أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ" لَمَّا تَجَلَّى اللَّه لِلْجِبَالِ طَارَتْ لِعَظَمَتِهِ سِتَّة أَجْبُل فَوَقَعَتْ ثَلَاثَة بِالْمَدِينَةِ وَثَلَاثَة بِمَكَّة بِالْمَدِينَةِ أُحُد وَوَرْقَان وَرَضْوَى وَوَقَعَ بِمَكَّة حِرَاء وَثَبِير وَثَوْر" وَهَذَا حَدِيث غَرِيب بَلْ مُنْكَر وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : ذُكِرَ عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي الْبَلْج حَدَّثَنَا الْهَيْثَم بْن خَارِجَة حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن حُصَيْن بْن الْعَلَّاف عَنْ عُرْوَة بْن رُوَيْم قَالَ : كَانَتْ الْجِبَال قَبْل أَنْ يَتَجَلَّى اللَّه لِمُوسَى عَلَى الطُّور صَمَّاء مَلْسَاء فَلَمَّا تَجَلَّى اللَّه لِمُوسَى عَلَى الطُّور دُكَّ وَتَفَطَّرَتْ الْجِبَال فَصَارَتْ الشُّقُوق وَالْكُهُوف . وَقَالَ الرَّبِيع بْن أَنَس " فَلَمَّا تَجَلَّى رَبّه لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا " وَذَلِكَ أَنَّ الْجَبَل حِين كَشَفَ الْغِطَاء وَرَأَى النُّور صَارَ مِثْل دَكّ مِنْ الدِّكَاك وَقَالَ بَعْضهمْ جَعَلَهُ دَكًّا أَيْ فِتْنَة وَقَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله " وَلَكِنْ اُنْظُرْ إِلَى الْجَبَل فَإِنْ اِسْتَقَرَّ مَكَانه فَسَوْفَ تَرَانِي " فَإِنَّهُ أَكْبَر مِنْك وَأَشَدّ خَلْقًا " فَلَمَّا تَجَلَّى رَبّه لِلْجَبَلِ " فَنَظَرَ إِلَى الْجَبَل لَا يَتَمَالَك وَأَقْبَلَ الْجَبَل فَدُكَّ عَلَى أَوَّله وَرَأَى مُوسَى مَا يَصْنَع الْجَبَل فَخَرَّ صَعِقًا . وَقَالَ عِكْرِمَة : جَعَلَهُ دَكًّا قَالَ نَظَرَ اللَّه إِلَى الْجَبَل فَصَارَ صَحْرًا تُرَابًا وَقَدْ قَرَأَ بِهَذِهِ الْقِرَاءَة بَعْض الْقُرَّاء وَاخْتَارَهَا اِبْن جَرِير وَقَدْ وَرَدَ فِيهَا حَدِيث مَرْفُوع رَوَاهُ بْن مَرْدَوَيْهِ وَالْمَعْرُوف أَنَّ الصَّعْق هُوَ الْغَشْي هَاهُنَا كَمَا فَسَّرَهُ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره لَا كَمَا فَسَّرَهُ قَتَادَة بِالْمَوْتِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا فِي اللُّغَة كَقَوْلِهِ تَعَالَى " وَنُفِخَ فِي الصُّور فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَات وَمَنْ فِي الْأَرْض إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّه ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَام يَنْظُرُونَ " فَإِنَّ هُنَاكَ قَرِينَة تَدُلّ عَلَى الْمَوْت كَمَا أَنَّ هُنَا قَرِينَة تَدُلّ عَلَى الْغَشْي وَهِيَ قَوْله " فَلَمَّا أَفَاقَ " وَالْإِقَامَة لَا تَكُون إِلَّا عَنْ غَشْي " قَالَ سُبْحَانك " تَنْزِيهًا وَتَعْظِيمًا وَإِجْلَالًا أَنْ يَرَاهُ أَحَد مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَاتَ وَقَوْله" تُبْت إِلَيْك " قَالَ مُجَاهِد أَنْ أَسْأَلك الرُّؤْيَة " وَأَنَا أَوَّل الْمُؤْمِنِينَ " قَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل وَاخْتَارَهُ اِبْن جَرِير وَفِي رِوَايَة أُخْرَى عَنْ اِبْن عَبَّاس " وَأَنَا أَوَّل الْمُؤْمِنِينَ " أَنَّهُ لَا يَرَاك أَحَد وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَة قَدْ كَانَ قَبْله مُؤْمِنُونَ وَلَكِنْ يَقُول أَنَا أَوَّل مَنْ آمَنَ بِك أَنَّهُ لَا يَرَاك أَحَد مِنْ خَلْقك إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَهَذَا قَوْل حَسَن لَهُ اِتِّجَاه وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّد بْن جَرِير فِي تَفْسِيره هَاهُنَا أَثَرًا طَوِيلًا فِيهِ غَرَائِب وَعَجَائِب عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بْن يَسَار وَكَأَنَّهُ تَلَقَّاهُ مِنْ الْإِسْرَائِيلِيَّات وَاَللَّه أَعْلَم وَقَوْله " وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا " فِيهِ أَبُو سَعِيد وَأَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَّا حَدِيث أَبِي سَعِيد فَأَسْنَدَهُ الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه هَاهُنَا فَقَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يُوسُف حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ عَمْرو بْن يَحْيَى الْمَازِنِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : جَاءَ رَجُل مِنْ الْيَهُود إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ لُطِمَ وَجْهه وَقَالَ : يَا مُحَمَّد إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابك مِنْ الْأَنْصَار لَطَمَ وَجْهِي قَالَ " اُدْعُوهُ " فَدَعَوْهُ قَالَ " لِمَ لَطَمْت وَجْهه ؟ " قَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنِّي مَرَرْت بِالْيَهُودِيِّ فَسَمِعْته يَقُول وَاَلَّذِي اِصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَر قَالَ وَعَلَى مُحَمَّد ؟ قَالَ فَقُلْت وَعَلَى مُحَمَّد وَأَخَذَتْنِي غَضْبَة فَلَطَمْته قَالَ " لَا تُخَيِّرُونِي مِنْ بَيْن الْأَنْبِيَاء فَإِنَّ النَّاس يَصْعَقُونَ يَوْم الْقِيَامَة فَأَكُون أَوَّل مَنْ يُفِيق فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِم الْعَرْش فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّور " وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيّ فِي أَمَاكِن كَثِيرَة مِنْ صَحِيحه وَمُسْلِم فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء مِنْ صَحِيحه وَأَبُو دَاوُدَ فِي كِتَاب السُّنَّة مِنْ سُنَنه مِنْ طُرُق عَنْ عَمْرو بْن يَحْيَى بْن عُمَارَة بْن أَبِي الْحَسَن الْمَازِنِيّ الْأَنْصَارِيّ الْمَدَنِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيد سَعْد بْن مَالِك بْن سِنَان الْخُدْرِيّ بِهِ . وَأَمَّا حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد فِي مُسْنَده : حَدَّثَنَا أَبُو كَامِل حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن سَعْد حَدَّثَنَا اِبْن شِهَاب عَنْ أَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن وَعَبْد الرَّحْمَن الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : اِسْتَبَّ رَجُلَانِ رَجُل مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَرَجُل مِنْ الْيَهُود فَقَالَ الْمُسْلِم وَاَلَّذِي اِصْطَفَى مُحَمَّد عَلَى الْعَالَمِينَ فَقَالَ الْيَهُودِيّ وَاَلَّذِي اِصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْعَالَمِينَ فَغَضِبَ الْمُسْلِم عَلَى الْيَهُودِيّ فَلَطَمَهُ فَأَتَى الْيَهُودِيّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ فَدَعَاهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاعْتَرَفَ بِذَلِكَ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى فَإِنَّ النَّاس يَصْعَقُونَ يَوْم الْقِيَامَة فَأَكُون أَوَّل مَنْ يُفِيق فَإِذَا مُوسَى مُمْسِك بِجَانِبِ الْعَرْش فَلَا أَدْرِي أَكَانَ مِمَّنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي أَمْ كَانَ مِمَّنْ اِسْتَثْنَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث الزُّهْرِيّ بِهِ وَقَدْ رَوَى الْحَافِظ أَبُو بَكْر بْن أَبِي الدُّنْيَا رَحِمَهُ اللَّه أَنَّ الَّذِي لَطَمَ الْيَهُودِيّ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّة هُوَ أَبُو بَكْر الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَلَكِنْ تَقَدَّمَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار وَهَذَا هُوَ أَصَحّ وَأَصْرَح وَاَللَّه أَعْلَم . وَالْكَلَام فِي قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام " لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى " كَالْكَلَامِ عَلَى قَوْله " لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى الْأَنْبِيَاء وَلَا عَلَى يُونُس بْن مَتَّى " قِيلَ مِنْ بَاب التَّوَاضُع وَقِيلَ قَبْل أَنْ يَعْلَم بِذَلِكَ وَقِيلَ نَهَى أَنْ يُفَضَّل بَيْنهمْ عَلَى وَجْه الْغَضَب وَالتَّعَصُّب وَقِيلَ عَلَى وَجْه الْقَوْل بِمُجَرَّدِ الرَّأْي وَالتَّشَهِّي وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَوْله " فَإِنَّ النَّاس يَصْعَقُونَ يَوْم الْقِيَامَة" الظَّاهِر أَنَّ هَذَا الصَّعْق يَكُون فِي عَرَصَات الْقِيَامَة يَحْصُل أَمْر يَصْعَقُونَ مِنْهُ وَاَللَّه أَعْلَم بِهِ وَقَدْ يَكُون ذَلِكَ إِذَا جَاءَ الرَّبّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِفَصْلِ الْقَضَاء وَتَجَلَّى لِلْخَلَائِقِ الْمَلِك الدَّيَّان كَمَا صَعِقَ مُوسَى مِنْ تَجَلِّي الرَّبّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام :" فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّور " وَقَدْ رَوَى الْقَاضِي عِيَاض فِي أَوَائِل كِتَابه الشِّفَاء بِسَنَدِهِ عَنْ مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن مَرْزُوق : حَدَّثَنَا قَتَادَة حَدَّثَنَا الْحَسَن عَنْ قَتَادَة عَنْ يَحْيَى بْن وَثَّاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَمَّا تَجَلَّى اللَّه لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يُبْصِر النَّمْلَة عَلَى الصَّفَا فِي اللَّيْلَة الظَّلْمَاء مَسِيرَة عَشَرَة فَرَاسِخ ثُمَّ قَالَ وَلَا يَبْعُد عَلَى هَذَا أَنْ يَخْتَصّ نَبِيًّا بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ هَذَا الْبَاب بَعْد الْإِسْرَاء وَالْحَظْوَة بِمَا رَأَى مِنْ آيَات رَبّه الْكُبْرَى اِنْتَهَى مَا قَالَهُ وَكَأَنَّهُ صَحَّحَ هَذَا الْحَدِيث وَفِي صِحَّته نَظَر وَلَا تَخْلُو رِجَال إِسْنَاده مِنْ مَجَاهِيل لَا يُعْرَفُونَ وَمِثْل هَذَا إِنَّمَا يُقْبَل مِنْ رِوَايَة الْعَدْل الضَّابِط عَنْ مِثْله حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى مُنْتَهَاهُ وَاَللَّه أَعْلَم .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْل تَعَالَى : { وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبّه قَالَ رَبّ أَرِنِي أَنْظُر إِلَيْك قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ اُنْظُرْ إِلَى الْجَبَل فَإِنْ اِسْتَقَرَّ مَكَانه فَسَوْفَ تَرَانِي } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِلْوَقْتِ الَّذِي وَعَدْنَا أَنْ يَلْقَانَا فِيهِ , وَكَلَّمَهُ رَبّه وَنَاجَاهُ , قَالَ مُوسَى لِرَبِّهِ : { أَرِنِي أَنْظُر إِلَيْك } قَالَ اللَّه لَهُ مُجِيبًا : { لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ اُنْظُرْ إِلَى الْجَبَل } وَكَانَ سَبَب مَسْأَلَة مُوسَى رَبّه النَّظَر إِلَيْهِ , مَا : 11704 - حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : إِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا كَلَّمَهُ رَبّه أَحَبَّ أَنْ يَنْظُر إِلَيْهِ , { قَالَ رَبّ أَرِنِي أَنْظُر إِلَيْك قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ اُنْظُرْ إِلَى الْجَبَل فَإِنْ اِسْتَقَرَّ مَكَانه فَسَوْفَ تَرَانِي } فَحُفَّ حَوْل الْجَبَل , وَحُفَّ حَوْل الْمَلَائِكَة بِنَارٍ , وَحُفَّ حَوْل النَّار بِمَلَائِكَةٍ , وَحُفَّ حَوْل الْمَلَائِكَة بِنَارٍ , ثُمَّ تَجَلَّى رَبّه لِلْجَبَلِ . 11705 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , فِي قَوْله : { وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا } 19 52 قَالَ : ثني مَنْ لَقِيَ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَرَّبَهُ الرَّبّ حَتَّى سَمِعَ صَرِيف الْقَلَم , فَقَالَ عِنْد ذَلِكَ مِنْ الشَّوْق إِلَيْهِ : { رَبّ أَرِنِي أَنْظُر إِلَيْك قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ اُنْظُرْ إِلَى الْجَبَل } 11706 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثني الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ أَبِي بَكْر الْهُذَلِيّ , قَالَ : لَمَّا تَخَلَّفَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام بَعْد الثَّلَاثِينَ , حَتَّى سَمِعَ كَلَام اللَّه اِشْتَاقَ إِلَى النَّظَر إِلَيْهِ , فَقَالَ : { رَبّ أَرِنِي أَنْظُر إِلَيْك قَالَ لَنْ تَرَانِي } وَلَيْسَ لِبَشَرٍ أَنْ يُطِيق أَنْ يَنْظُر إِلَيَّ فِي الدُّنْيَا , مَنْ نَظَرَ إِلَيَّ مَاتَ . قَالَ : إِلَهِي سَمِعْت مَنْطِقك وَاشْتَقْت إِلَى النَّظَر إِلَيْك , وَلَأَنْ أَنْظُر إِلَيْك ثُمَّ أَمُوت أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعِيش وَلَا أَرَاك ! قَالَ : فَانْظُرْ إِلَى الْجَبَل , فَإِنْ اِسْتَقَرَّ مَكَانه فَسَوْفَ تَرَانِي . 11707 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { أَرِنِي أَنْظُر إِلَيْك } قَالَ : أَعْطِنِي . 11708 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : اِسْتَخْلَفَ مُوسَى هَارُون عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل , وَقَالَ : إِنِّي مُتَعَجِّل إِلَى رَبِّي , فَاخْلُفْنِي فِي قَوْمِي , وَلَا تَتَّبِع سَبِيل الْمُفْسِدِينَ ! فَخَرَجَ مُوسَى إِلَى رَبّه مُتَعَجِّلًا لِلُقِيِّهِ شَوْقًا إِلَيْهِ , وَأَقَامَ هَارُون فِي بَنِي إِسْرَائِيل , وَمَعَهُ السَّامِرِيّ يَسِير بِهِمْ عَلَى أَثَر مُوسَى لِيَلْحَقهُمْ بِهِ . فَلَمَّا كَلَّمَ اللَّه مُوسَى , طَمِعَ فِي رُؤْيَته , فَسَأَلَ رَبّه أَنْ يَنْظُر إِلَيْهِ , فَقَالَ اللَّه لِمُوسَى : { إِنَّك لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ اُنْظُرْ إِلَى الْجَبَل فَإِنْ اِسْتَقَرَّ مَكَانه فَسَوْفَ تَرَانِي } الْآيَة : قَالَ اِبْن إِسْحَاق : فَهَذَا مَا وَصَلَ إِلَيْنَا فِي كِتَاب اللَّه عَنْ خَبَر مُوسَى لَمَّا طَلَب النَّظَر إِلَى رَبّه . وَأَهْل الْكِتَاب يَزْعُمُونَ وَأَهْل التَّوْرَاة , أَنْ قَدْ كَانَ لِذَلِكَ تَفْسِير وَقِصَّة وَأُمُور كَثِيرَة وَمُرَاجَعَة لَمْ تَأْتِنَا فِي كِتَاب اللَّه , وَاَللَّه أَعْلَم . قَالَ اِبْن إِسْحَاق عَنْ بَعْض أَهْل الْعِلْم الْأُوَل بِأَحَادِيث أَهْل الْكِتَاب : إِنَّهُمْ يَجِدُونَ فِي تَفْسِير مَا عِنْدهمْ مِنْ خَبَر مُوسَى حِين طَلَبَ ذَلِكَ إِلَى رَبّه أَنَّهُ كَانَ مِنْ كَلَامه إِيَّاهُ حِين طَمِعَ فِي رُؤْيَته , وَطَلَبَ ذَلِكَ مِنْهُ , وَرَدَّ عَلَيْهِ بِهِ مِنْهُ مَا رَدَّ , أَنَّ مُوسَى كَانَ تَطَهَّرَ وَطَهَّرَ ثِيَابه وَصَامَ لِلِقَاءِ رَبّه ; فَلَمَّا أَتَى طُور سِينَا , وَدَنَا اللَّه لَهُ فِي الْغَمَام فَكَلَّمَهُ , سَبَّحَهُ وَحَمِدَهُ وَكَبَّرَهُ وَقَدَّسَهُ , مَعَ تَضَرُّع وَبُكَاء حَزِين , ثُمَّ أَخَذَ فِي مِدْحَته , فَقَالَ : رَبّ مَا أَعْظَمك وَأَعْظَم شَأْنك كُلّه , مِنْ عَظَمَتك أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْء مِنْ قَبْلك , فَأَنْتَ الْوَاحِد الْقَهَّار , كَانَ عَرْشك تَحْت عَظَمَتك نَار تُوقَد لَك , وَجَعَلْت سُرَادِق مِنْ دُونه سُرَادِق مِنْ نُور , فَمَا أَعْظَمك رَبّ , وَأَعْظَم مُلْكك , جَعَلْت بَيْنك وَبَيْن مَلَائِكَتك مَسِيرَة خَمْسمِائَةِ عَام , فَمَا أَعْظَمك رَبّ وَأَعْظَم مُلْكك فِي سُلْطَانك , فَإِذَا أَرَدْت شَيْئًا تَقْضِيه فِي جُنُودك الَّذِينَ فِي السَّمَاء , أَوْ الَّذِينَ فِي الْأَرْض , وَجُنُودك الَّذِينَ فِي الْبَحْر , بَعَثْت الرِّيح مِنْ عِنْدك لَا يَرَاهَا شَيْء مِنْ خَلْقك إِلَّا أَنْتَ إِنْ شِئْت , فَدَخَلَتْ فِي جَوْف مَنْ شِئْت مِنْ أَنْبِيَائِك , فَبَلَّغُوا لِمَا أَرَدْت مِنْ عِبَادك , وَلَيْسَ أَحَد مِنْ مَلَائِكَتك يَسْتَطِيع شَيْئًا مِنْ عَظَمَتك , وَلَا مِنْ عَرْشك , وَلَا يَسْمَع صَوْتك , فَقَدْ أَنْعَمْت عَلَيَّ , وَأَعْظَمْت عَلَيَّ فِي الْفَضْل , وَأَحْسَنْت إِلَيَّ كُلّ الْإِحْسَان , عَظَّمْتنِي فِي أُمَم الْأَرْض , وَعَظَّمْتنِي عِنْد مَلَائِكَتك , وَأَسْمَعْتنِي صَوْتك , وَبَذَلْت لِي كَلَامك , وَآتَيْتنِي حِكْمَتك , فَإِنْ أَعُدّ نَعمَاك لَا أُحْصِيهَا , وَإِنْ أَرَدْت شُكْرك لَا أَسْتَطِيعهَا . دَعَوْتُك رَبّ عَلَى فِرْعَوْن بِالْآيَاتِ الْعِظَام , وَالْعُقُوبَة الشَّدِيدَة , فَضَرَبْت بِعَصَايَ الَّتِي فِي يَدِي الْبَحْر , فَانْفَلَقَ لِي وَلِمَنْ مَعِي , وَدَعَوْتُك حِين جُزْت الْبَحْر , فَأَغْرَقْت عَدُوّك وَعَدُوِّي , وَسَأَلْتُك الْمَاء لِي وَلِأُمَّتِي , فَضَرَبْت بِعَصَايَ الَّتِي فِي يَدِي الْحَجَر , فَمِنْهُ أَرْوَيْتنِي وَأُمَّتِي , وَسَأَلْتُك لِأُمَّتِي طَعَامًا لَمْ يَأْكُلهُ أَحَد كَانَ قَبْلهمْ , فَأَمَرْتنِي أَنْ أَدْعُوك مِنْ قِبَل الْمَشْرِق , وَمِنْ قِبَل الْمَغْرِب . فَنَادَيْتُك مِنْ شَرْقِيّ أُمَّتِي , فَأَعْطَيْتهمْ الْمَنّ مِنْ مَشْرِقِي لِنَفْسِي , وَآتَيْتهمْ السَّلْوَى مِنْ غَرْبِيّهمْ مِنْ قِبَل الْبَحْر , وَاشْتَكَيْت الْحَرّ فَنَادَيْتُك , فَظَلَّلْت عَلَيْهِمْ بِالْغَمَامِ , فَمَا أُطِيق نَعْمَاك عَلَيَّ أَنْ أَعُدّهَا وَلَا أُحْصِيهَا , وَإِنْ أَرَدْت شُكْرهَا لَا أَسْتَطِيعهَا . فَجِئْتُك الْيَوْم رَاغِبًا طَالِبًا سَائِلًا مُتَضَرِّعًا , لِتُعْطِيَنِي مَا مَنَعْت غَيْرِي , أَطْلُب إِلَيْك وَأَسَالك يَا ذَا الْعَظَمَة وَالْعِزَّة وَالسُّلْطَان أَنْ تُرِينِي أَنْظُر إِلَيْك , فَإِنِّي قَدْ أَحْبَبْت أَنْ أَرَى وَجْهك الَّذِي لَمْ يَرَهُ شَيْء مِنْ خَلْقك . قَالَ لَهُ رَبّ الْعِزَّة : فَلَا تَرَى يَا اِبْن عِمْرَان مَا تَقُول ؟ تَكَلَّمْت بِكَلَامٍ هُوَ أَعْظَم مِنْ سَائِر الْخَلْق , لَا يَرَانِي أَحَد فَيَحْيَا , أَلَيْسَ فِي السَّمَاوَات مَعْمَرِي , فَإِنَّهُنَّ قَدْ ضَعُفْنَ أَنْ يَحْمِلْنَ عَظَمَتِي , وَلَيْسَ فِي الْأَرْض مَعْمَرِي , فَإِنَّهَا قَدْ ضَعُفَتْ أَنْ تَسَع بِجُنْدِي , فَلَسْت فِي مَكَان وَاحِد فَأَتَجَلَّى لِعَيْنٍ تَنْظُر إِلَيَّ . قَالَ مُوسَى : يَا رَبّ أَنْ أَرَاك وَأَمُوت , أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ لَا أَرَاك وَلَا أَحْيَا , قَالَ لَهُ رَبّ الْعِزَّة : يَا اِبْن عِمْرَان تَكَلَّمْت بِكَلَامٍ هُوَ أَعْظَم مِنْ سَائِر الْخَلْق , لَا يَرَانِي أَحَد فَيَحْيَا . قَالَ : رَبّ تَمِّمْ عَلَيَّ نَعْمَاك , وَتَمِّمْ عَلَيَّ فَضْلك , وَتَمِّمْ عَلَيَّ إِحْسَانك هَذَا الَّذِي سَأَلْتُك ! لَيْسَ لِي أَنْ أَرَاك فَأُقْبَض , وَلَكِنْ أُحِبّ أَنْ أَرَاك فَيَطْمَئِنّ قَلْبِي. قَالَ لَهُ : يَا اِبْن عِمْرَان لَنْ يَرَانِي أَحَد فَيَحْيَا . قَالَ : مُوسَى رَبّ تَمِّمْ عَلَيَّ نَعْمَاك وَفَضْلك , وَتَمِّمْ عَلَيَّ إِحْسَانك هَذَا الَّذِي سَأَلْتُك ! لَيْسَ لِي أَنْ أَرَاك فَأَمُوت عَلَى أَثَر ذَلِكَ أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ الْحَيَاة , فَقَالَ الرَّحْمَن الْمُتَرَحِّم عَلَى خَلْقه : قَدْ طَلَبْت يَا مُوسَى , وَأَعْطَيْتُك سُؤْلك إِنْ اِسْتَطَعْت أَنْ تَنْظُر إِلَيَّ , فَاذْهَبْ فَاتَّخِذْ لَوْحَيْنِ , ثُمَّ اُنْظُرْ إِلَى الْحَجَر الْأَكْبَر فِي رَأْس الْجَبَل , فَإِنَّ مَا وَرَاءَهُ وَمَا دُونه مَضِيق لَا يَسَع إِلَّا مَجْلِسك يَا اِبْن عِمْرَان , ثُمَّ اُنْظُرْ فَإِنِّي أَهْبِط إِلَيْك وَجُنُودِي مِنْ قَلِيل وَكَثِير . فَفَعَلَ مُوسَى كَمَا أَمَرَهُ رَبّه , نَحَتَ لَوْحَيْنِ ثُمَّ صَعِدَ بِهِمَا إِلَى الْجَبَل , فَجَلَسَ عَلَى الْحَجَر : فَلَمَّا اِسْتَوَى عَلَيْهِ , أَمَرَ اللَّه جُنُوده الَّذِينَ فِي السَّمَاء الدُّنْيَا , فَقَالَ : ضَعِي أَكْنَافك حَوْل الْجَبَل , فَسَمِعَتْ مَا قَالَ الرَّبّ فَفَعَلَتْ أَمْره , ثُمَّ أَرْسَلَ اللَّه الصَّوَاعِق وَالظُّلْمَة وَالضَّبَاب عَلَى مَا كَانَ يَلِي الْجَبَل الَّذِي يَلِي مُوسَى أَرْبَعَة فَرَاسِخ مِنْ كُلّ نَاحِيَة , ثُمَّ أَمَرَ اللَّه مَلَائِكَة الدُّنْيَا أَنْ يَمُرُّوا بِمُوسَى , فَاعْتَرَضُوا عَلَيْهِ , فَمَرُّوا بِهِ طَيَرَان النُّغَر تَنْبُع أَفْوَاههمْ بِالتَّقْدِيسِ وَالتَّسْبِيح بِأَصْوَاتِ عَظِيمَة كَصَوْتِ الرَّعْد الشَّدِيد , فَقَالَ مُوسَى بْن عِمْرَان عَلَيْهِ السَّلَام : رَبّ إِنِّي كُنْت عَنْ هَذَا غَنِيًّا , مَا تَرَى عَيْنَايَ شَيْئًا قَدْ ذَهَبَ بَصَرهمَا مِنْ شُعَاع النُّور الْمُتَصَفِّف عَلَى مَلَائِكَة رَبِّي . ثُمَّ أَمَرَ اللَّه مَلَائِكَة السَّمَاء الثَّانِيَة أَنْ اِهْبِطُوا عَلَى مُوسَى , فَاعْتَرِضُوا عَلَيْهِ , فَهَبَطُوا أَمْثَال الْأُسْد , لَهُمْ لَجَب بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيس , فَفَزِعَ الْعَبْد الضَّعِيف اِبْن عِمْرَان مِمَّا رَأَى وَمِمَّا سَمِعَ , فَاقْشَعَرَّتْ كُلّ شَعْرَة فِي رَأْسه وَجِلْده , ثُمَّ قَالَ : نَدِمْت عَلَى مَسْأَلَتِي إِيَّاكَ , فَهَلْ يُنْجِينِي مِنْ مَكَانِي الَّذِي أَنَا فِيهِ شَيْء ؟ فَقَالَ لَهُ خَيْر الْمَلَائِكَة وَرَأْسهمْ : يَا مُوسَى اِصْبِرْ لِمَا سَأَلْت , فَقَلِيل مِنْ كَثِير مَا رَأَيْت ! ثُمَّ أَمَرَ اللَّه مَلَائِكَة السَّمَاء الثَّالِثَة أَنْ اِهْبِطُوا عَلَى مُوسَى , فَاعْتَرِضُوا عَلَيْهِ , فَأَقْبَلُوا أَمْثَال النُّسُور لَهُمْ قَصْف وَرَجْف وَلَجَب شَدِيد , وَأَفْوَاههمْ تَنْبُع بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيس كَلَجَبِ الْجَيْش الْعَظِيم أَوْ كَلَهَبِ النَّار , فَفَزِعَ مُوسَى , وَأَيِسَتْ نَفْسه , وَأَسَاءَ ظَنَّهُ , وَأَيِسَ مِنْ الْحَيَاة , فَقَالَ لَهُ خَيْر الْمَلَائِكَة وَرَأْسهمْ : مَكَانك يَا اِبْن عِمْرَان , حَتَّى تَرَى مَا لَا تَصْبِر عَلَيْهِ ؟ ثُمَّ أَمَرَ اللَّه مَلَائِكَة السَّمَاء الرَّابِعَة أَنْ اِهْبِطُوا فَاعْتَرِضُوا عَلَى مُوسَى بْن عِمْرَان . فَأَقْبَلُوا وَهَبَطُوا عَلَيْهِ لَا يُشْبِههُمْ شَيْء مِنْ الَّذِينَ مَرُّوا بِهِ قَبْلهمْ , أَلْوَانهمْ كَلَهَبِ النَّار , وَسَائِر خَلْقهمْ كَالثَّلْجِ الْأَبْيَض , أَصْوَاتهمْ عَالِيَة بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيس , لَا يُقَارِبهُمْ شَيْء مِنْ أَصْوَات الَّذِينَ مَرُّوا بِهِ قَبْلهمْ . فَاصْطَكَّتْ رُكْبَتَاهُ , وَأَرْعَدَ قَلْبه , وَاشْتَدَّ بُكَاؤُهُ , فَقَالَ خَيْر الْمَلَائِكَة وَرَأْسهمْ : يَا اِبْن عِمْرَان اِصْبِرْ لِمَا سَأَلْت , فَقَلِيل مِنْ كَثِير مَا رَأَيْت ! ثُمَّ أَمَرَ اللَّه مَلَائِكَة السَّمَاء الْخَامِسَة أَنْ اِهْبِطُوا فَاعْتَرِضُوا عَلَى مُوسَى , فَهَبَطُوا عَلَيْهِ سَبْعَة أَلْوَان , فَلَمْ يَسْتَطِعْ مُوسَى أَنْ يُتْبِعهُمْ طَرْفه , وَلَمْ يَرَ مِثْلهمْ وَلَمْ يَسْمَع مِثْل أَصْوَاتهمْ , وَامْتَلَأَ جَوْفه خَوْفًا , وَاشْتَدَّ حُزْنه , وَكَثُرَ بُكَاؤُهُ , فَقَالَ لَهُ خَيْر الْمَلَائِكَة وَرَأْسهمْ : يَا اِبْن عِمْرَان مَكَانك حَتَّى تَرَى مَا لَا تَصْبِر عَلَيْهِ ! ثُمَّ أَمَرَ اللَّه مَلَائِكَة السَّمَاء السَّادِسَة أَنْ اِهْبِطُوا عَلَى عَبْدِي الَّذِي طَلَبَ أَنْ يَرَانِي مُوسَى بْن عِمْرَان وَاعْتَرِضُوا عَلَيْهِ . فَهَبَطُوا عَلَيْهِ فِي يَد كُلّ مَلَك مِثْل النَّخْلَة الطَّوِيلَة نَارًا أَشَدّ ضَوْءًا مِنْ الشَّمْس , وَلِبَاسهمْ كَلَهَبِ النَّار , إِذَا سَبَّحُوا وَقَدَّسُوا جَاوَبَهُمْ مَنْ كَانَ قِبَلهمْ مِنْ مَلَائِكَة السَّمَاوَات كُلّهمْ , يَقُولُونَ بِشِدَّةِ أَصْوَاتهمْ : سُبُّوح قُدُّوس رَبّ الْعِزَّة أَبَدًا لَا يَمُوت , فِي رَأْس كُلّ مَلَك مِنْهُمْ أَرْبَعَة أَوْجُه. فَلَمَّا رَآهُمْ مُوسَى رَفَعَ صَوْته يُسَبِّح مَعَهُمْ حِين سَبَّحُوا , وَهُوَ يَبْكِي وَيَقُول : رَبّ اُذْكُرْنِي , وَلَا تَنْسَ عَبْدك ! لَا أَدْرِي أَنْقَلِب مِمَّا أَنَا فِيهِ أَمْ لَا ؟ إِنْ خَرَجْت أُحْرِقْت , وَإِنْ مَكَثْت مُتّ . فَقَالَ لَهُ كَبِير الْمَلَائِكَة وَرَئِيسهمْ : قَدْ أَوْشَكْت يَا اِبْن عِمْرَان أَنْ يَمْتَلِئ جَوْفك , وَيَنْخَلِع قَلْبك , وَيَشْتَدّ بُكَاؤُك فَاصْبِرْ لِلَّذِي جَلَسْت لِتَنْظُر إِلَيْهِ يَا اِبْن عِمْرَان وَكَانَ جَبَل مُوسَى جَبَلًا عَظِيمًا , فَأَمَرَ اللَّه أَنْ يُحْمَل عَرْشه , ثُمَّ قَالَ : مُرُّوا بِي عَلَى عَبْدِي لِيَرَانِي , فَقَلِيل مِنْ كَثِير مَا رَأَى ! فَانْفَرَجَ الْجَبَل مِنْ عَظَمَة الرَّبّ , وَغَشِيَ ضَوْء عَرْش الرَّحْمَن جَبَل مُوسَى , وَرَفَعَتْ مَلَائِكَة السَّمَاوَات أَصْوَاتهَا جَمِيعًا , فَارْتَجَّ الْجَبَل فَانْدَكَّ , وَكُلّ شَجَرَة كَانَتْ فِيهِ , وَخَرَّ الْعَبْد الضَّعِيف مُوسَى بْن عِمْرَان صَعِقًا عَلَى وَجْهه لَيْسَ مَعَهُ رُوحه , فَأَرْسَلَ اللَّه الْحَيَاة بِرَحْمَتِهِ , فَتَغَشَّاهُ بِرَحْمَتِهِ وَقَلَبَ الْحَجَر الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ وَجَعَلَهُ كَالْمَعِدَةِ , كَهَيْئَةِ الْقُبَّة لِئَلَّا يَحْتَرِق مُوسَى , فَأَقَامَهُ الرُّوح مِثْل الْأُمّ أَقَامَتْ جَنِينهَا حِين يُصْرَع , قَالَ : فَقَامَ مُوسَى يُسَبِّح اللَّه وَيَقُول : آمَنْت أَنَّك رَبِّي , وَصَدَّقْت أَنَّهُ لَا يَرَاك أَحَد فَيَحْيَا , وَمَنْ نَظَرَ إِلَى مَلَائِكَتك اِنْخَلَعَ قَلْبه , فَمَا أَعْظَمك رَبّ وَأَعْظَم مَلَائِكَتك , أَنْتَ رَبّ الْأَرْبَاب وَإِلَه الْآلِهَة وَمَلِك الْمُلُوك , تَأْمُر الْجُنُود الَّذِينَ عِنْدك فَيُطِيعُونَك , وَتَأْمُر السَّمَاء وَمَا فِيهَا فَتُطِيعك , لَا تَسْتَنْكِف مِنْ ذَلِكَ , وَلَا يَعْدِلك شَيْء وَلَا يَقُوم لَك شَيْء , رَبّ تُبْت إِلَيْك , الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي لَا شَرِيك لَهُ , مَا أَعْظَمك وَأَجَلّك رَبّ الْعَالَمِينَ ! الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبّه لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَلَمَّا اِطَّلَعَ الرَّبّ لِلْجَبَلِ جَعَلَ اللَّه الْجَبَل دَكًّا : أَيْ مُسْتَوِيًا بِالْأَرْضِ . { وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا } أَيْ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ. وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 11709 - حَدَّثَنِي الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد بْن عَمْرو الْعَنْقَزِيّ , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْل اللَّه : { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبّه لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا } قَالَ : مَا تَجَلَّى مِنْهُ إِلَّا قَدْر الْخِنْصَر . { جَعَلَهُ دَكًّا } قَالَ : تُرَابًا . { وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا } قَالَ : مَغْشِيًّا عَلَيْهِ . 11710 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , قَالَ : زَعَمَ السُّدِّيّ , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : تَجَلَّى مِنْهُ مِثْل الْخِنْصَر , فَجَعَلَ الْجَبَل دَكًّا , وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا , فَلَمْ يَزَلْ صَعِقًا مَا شَاءَ اللَّه . 11711 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا } قَالَ : مَغْشِيًّا عَلَيْهِ . 11712 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبّه لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا } { وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا } : أَيْ مَيِّتًا . 11713 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا } : أَيْ مَيِّتًا . 11714 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { دَكًّا } قَالَ : دَكَّ بَعْضه بَعْضًا . 11715 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك , قَالَ : سَمِعْت سُفْيَان يَقُول فِي قَوْله : { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبّه لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا } قَالَ : سَاخَ الْجَبَل فِي الْأَرْض حَتَّى وَقَعَ فِي الْبَحْر , فَهُوَ يَذْهَب مَعَهُ . 11716 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , عَنْ الْحَجَّاج , عَنْ أَبِي بَكْر الْهُذَلِيّ : { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبّه لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا } : اِنْقَعَرَ فَدَخَلَ تَحْت الْأَرْض فَلَا يَظْهَر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة . 11717 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن سُهَيْل الْوَاسِطِيّ , قَالَ : ثنا قُرَّة بْن عِيسَى , قَالَ : ثنا الْأَعْمَش , عَنْ رَجُل , عَنْ أَنَس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : " لَمَّا تَجَلَّى رَبّه لِلْجَبَلِ أَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ فَجَعَلَهُ دَكًّا " . وَأَرَانَا أَبُو إِسْمَاعِيل بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَة . 11718 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثني الْحَجَّاج بْن الْمِنْهَال , قَالَ : ثنا حَمَّاد , عَنْ ثَابِت , عَنْ أَنَس : أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَة : { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبّه لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا } قَالَ : " هَكَذَا " بِأُصْبُعِهِ ; وَوَضَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِبْهَام عَلَى الْمُفَصَّل الْأَعْلَى مِنْ الْخِنْصَر , " فَسَاخَ الْجَبَل ". 11719 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا هُدْبَة بْن خَالِد , قَالَ : ثنا حَمَّاد بْن سَلَمَة , عَنْ ثَابِت , عَنْ أَنَس بْن مَالِك , قَالَ : قَرَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبّه لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا } قَالَ : وَضَعَ الْإِبْهَام قَرِيبًا مِنْ طَرَف خِنْصَره , قَالَ : " فَسَاخَ الْجَبَل " فَقَالَ حُمَيْد لِثَابِتٍ : تَقُول هَذَا ؟ قَالَ : فَرَفَعَ ثَابِت يَده فَضَرَبَ صَدْر حُمَيْد , وَقَالَ : يَقُولهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَقُولهُ أَنَس وَأَنَا أَكْتُمهُ ! 11720 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبّه لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا } وَذَلِكَ أَنَّ الْجَبَل حِين كُشِفَ الْغِطَاء وَرَأَى النُّور صَارَ مِثْل دَكّ مِنْ الدَّكَّات . 11721 - حَدَّثَنَا الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا أَبُو سَعْد , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبّه قَالَ رَبّ أَرِنِي أَنْظُر إِلَيْك قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ اُنْظُرْ إِلَى الْجَبَل فَإِنْ اِسْتَقَرَّ مَكَانه } فَإِنَّهُ أَكْبَر مِنْك وَأَشَدّ خَلْقًا. { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبّه لِلْجَبَلِ } فَنَظَرَ إِلَى الْجَبَل لَا يَتَمَالَك , وَأَقْبَلَ الْجَبَل يَنْدَكّ عَلَى أَوَّله ; فَلَمَّا رَأَى مُوسَى مَا يَصْنَع الْجَبَل خَرَّ صَعِقًا . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { دَكًّا } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة : { دَكًّا } مَقْصُورًا بِالتَّنْوِينِ , بِمَعْنَى : دَكّ اللَّه الْجَبَل دَكًّا ; أَيْ فَتَّتَهُ , وَاعْتِبَارًا بِقَوْلِ اللَّه : { كَلَّا إِذَا دُكَّتْ الْأَرْض } , وَقَوْله : { وَحُمِلَتْ الْأَرْض وَالْجِبَال فَدُكَّتَا دَكَّة وَاحِدَة } وَاسْتَشْهَدَ بَعْضهمْ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ حُمَيْد : يَدُكّ أَرْكَان الْجِبَال هَزَمُهْ تَخْطِر بِالْبِيضِ الرِّقَاق بُهَمُهْ وَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفِيِّينَ : " جَعَلَهُ دَكَّاء " بِالْمَدِّ وَتَرْك الْجَرّ وَالتَّنْوِين , مِثْل حَمْرَاء وَسَوْدَاء. وَكَانَ مِمَّنْ يَقْرَؤُهُ كَذَلِكَ عِكْرِمَة , وَيَقُول فِيهِ مَا : 11722 - حَدَّثَنِي بِهِ أَحْمَد بْن يُوسُف , قَالَ : ثنا الْقَاسِم بْن سَلَّام , قَالَ : ثنا عَبَّاد بْن عَبَّاد , عَنْ يَزِيد بْن حَازِم , عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ : دَكَّاء مِنْ الدَّكَّاوَات . وَقَالَ : لَمَّا نَظَرَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى الْجَبَل صَارَ صَخْره تُرَابًا . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي مَعْنَاهُ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ. فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : الْعَرَب تَقُول : نَاقَة دَكَّاء : لَيْسَ لَهَا سَنَام , وَقَالَ : الْجَبَل مُذَكَّر , فَلَا يُشْبِه أَنْ يَكُون مِنْهُ إِلَّا أَنْ يَكُون جَعَلَهُ مِثْل دَكَّاء حَذَفَ مِثْل وَأَجْرَاهُ مَجْرَى : { وَاسْأَلْ الْقَرْيَة } 12 82 وَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة يَقُول : مَعْنَى ذَلِكَ : جَعَلَ الْجَبَل أَرْضًا دَكَّاء , ثُمَّ حُذِفَتْ الْأَرْض وَأُقِيمَتْ الدَّكَّاء مُقَامهَا إِذْ أَدَّتْ عَنْهَا . وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدِي قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : " جَعَلَهُ دَكَّاء " بِالْمَدِّ , وَتُرِكَ الْجَرّ لِدَلَالَةِ الْخَبَر الَّذِي رُوِّينَاهُ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صِحَّته ; وَذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " فَسَاخَ الْجَبَل " وَلَمْ يَقُلْ : فَتَفَتَّتَ , وَلَا تَحَوَّلَ تُرَابًا . وَلَا شَكَّ أَنَّهُ إِذَا سَاخَ فَذَهَبَ ظَهَرَ وَجْه الْأَرْض , فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ النَّاقَة الَّتِي قَدْ ذَهَبَ سَنَامهَا , وَصَارَتْ دَكَّاء بِلَا سَنَام . وَأَمَّا إِذَا دُكَّ بَعْضه فَإِنَّمَا يَكْسِر بَعْضه بَعْضًا وَيَتَفَتَّت وَلَا يَسُوخ . وَأَمَّا الدَّكَّاء فَإِنَّهَا خَلَف مِنْ الْأَرْض , فَلِذَلِكَ أُنِّثَتْ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنْت . فَمَعْنَى الْكَلَام إِذَنْ : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبّه لِلْجَبَلِ سَاخَ , فَجَعَلَ مَكَانه أَرْضًا دَكَّاء . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الصَّعْق بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانك تُبْت إِلَيْك وَأَنَا أَوَّل الْمُؤْمِنِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَلَمَّا ثَابَ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام فَهْمه مِنْ غَشْيَته , وَذَلِكَ هُوَ الْإِفَاقَة مِنْ الصَّعْقَة الَّتِي خَرَّ لَهَا مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : { سُبْحَانك } تَنْزِيهًا لَك يَا رَبّ وَتَبْرِئَة أَنْ يَرَاك أَحَد فِي الدُّنْيَا ثُمَّ يَعِيش . { تُبْت إِلَيْك } مِنْ مَسْأَلَتِي إِيَّاكَ مَا سَأَلْتُك مِنْ الرُّؤْيَة . { وَأَنَا أَوَّل الْمُؤْمِنِينَ } بِك مِنْ قَوْمِي أَنْ لَا يَرَاك فِي الدُّنْيَا أَحَد إِلَّا هَلَكَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11723 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن مُوسَى , عَنْ أَبِي جَعْفَر الرَّازِيّ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة , فِي قَوْله : { تُبْت إِلَيْك وَأَنَا أَوَّل الْمُؤْمِنِينَ } قَالَ : كَانَ قَبْله مُؤْمِنُونَ , وَلَكِنْ يَقُول : أَنَا أَوَّل مَنْ آمَنَ بِأَنَّهُ لَا يَرَاك أَحَد مِنْ خَلْقك إِلَى يَوْم الْقِيَامَة . 11724 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَالَ : لَمَّا رَأَى مُوسَى ذَلِكَ وَأَفَاقَ , عَرَفَ أَنَّهُ قَدْ سَأَلَ أَمْرًا لَا يَنْبَغِي لَهُ , فَقَالَ : { سُبْحَانك تُبْت إِلَيْك وَأَنَا أَوَّل الْمُؤْمِنِينَ } قَالَ أَبُو الْعَالِيَة : عَنَى إنِّي أَوَّل مَنْ آمَنَ بِك أَنَّهُ لَنْ يَرَاك أَحَد قَبْل يَوْم الْقِيَامَة. 11725 - حَدَّثَنِي عَبْد الْكَرِيم بْن الْهَيْثَم , قَالَ : ثنا إِبْرَاهِيم بْن بَشَّار , قَالَ : قَالَ سُفْيَان : قَالَ أَبُو سَعْد , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا } فَمَرَّتْ بِهِ الْمَلَائِكَة وَقَدْ صَعِقَ , فَقَالَتْ : يَا اِبْن النِّسَاء الْحُيَّض لَقَدْ سَأَلْت رَبّك أَمْرًا عَظِيمًا . فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ : سُبْحَانك لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ , تُبْت إِلَيْك , وَأَنَا أَوَّل الْمُؤْمِنِينَ ! قَالَ : أَنَا أَوَّل مَنْ آمَنَ أَنَّهُ لَا يَرَاك أَحَد مِنْ خَلْقك , يَعْنِي فِي الدُّنْيَا . 11726 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { قَالَ سُبْحَانك تُبْت إِلَيْك وَأَنَا أَوَّل الْمُؤْمِنِينَ } يَقُول : أَنَا أَوَّل مَنْ يُؤْمِن أَنَّهُ لَا يَرَاك شَيْء مِنْ خَلْقك . 11727 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ رَجُل , عَنْ مُجَاهِد : { سُبْحَانك تُبْت إِلَيْك } قَالَ : مِنْ مَسْأَلَتِي الرُّؤْيَة . * حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا أَبُو سَعْد , عَنْ مُجَاهِد : { قَالَ سُبْحَانك تُبْت إِلَيْك } أَنْ أَسْأَلك الرُّؤْيَة . * حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو نَعِيم , عَنْ سُفْيَان , عَنْ عِيسَى بْن مَيْمُون , عَنْ رَجُل , عَنْ مُجَاهِد : { سُبْحَانك تُبْت إِلَيْك } أَنْ أَسْأَلك الرُّؤْيَة . * حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ عِيسَى بْن مَيْمُون , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { سُبْحَانك تُبْت إِلَيْك } قَالَ : تُبْت إِلَيْك مِنْ أَنْ أَسْأَلك الرُّؤْيَة. وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ قَوْله : { وَأَنَا أَوَّل الْمُؤْمِنِينَ } بِك مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11728 - حَدَّثَنِي الْحُسَيْن بْن عَمْرو بْن مُحَمَّد الْعَنْقَزِيّ , قَالَ : ثنا أَبِي , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَأَنَا أَوَّل الْمُؤْمِنِينَ } قَالَ : أَوَّل مَنْ آمَنَ بِك مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل. * حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَأَنَا أَوَّل الْمُؤْمِنِينَ } يَعْنِي : أَوَّل الْمُؤْمِنِينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل . 11729 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { وَأَنَا أَوَّل الْمُؤْمِنِينَ } أَنَا أَوَّل قَوْمِي إِيمَانًا . * حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع وَالْمُثَنَّى , قَالَا : ثنا أَبُو نَعِيم , عَنْ سُفْيَان , عَنْ عِيسَى بْن مَيْمُون , عَنْ رَجُل , عَنْ مُجَاهِد : { وَأَنَا أَوَّل الْمُؤْمِنِينَ } يَقُول : أَوَّل قَوْمِي إِيمَانًا . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَأَنَا أَوَّل الْمُؤْمِنِينَ } قَالَ : أَنَا أَوَّل قَوْمِي إِيمَانًا . * حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا أَبُو سَعْد , قَالَ : سَمِعْت مُجَاهِدًا يَقُول فِي قَوْله : { وَأَنَا أَوَّل الْمُؤْمِنِينَ } قَالَ : أَوَّل قَوْمِي آمَن. وَإِنَّمَا اِخْتَرْنَا الْقَوْل الَّذِي اِخْتَرْنَاهُ فِي قَوْله : { وَأَنَا أَوَّل الْمُؤْمِنِينَ } عَلَى قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : أَنَا أَوَّل الْمُؤْمِنِينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل ; لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ قَبْله فِي بَنِي إِسْرَائِيل مُؤْمِنُونَ وَأَنْبِيَاء , مِنْهُمْ وَلَد إِسْرَائِيل لِصُلْبِهِ , وَكَانُوا مُؤْمِنِينَ وَأَنْبِيَاء , فَلِذَلِكَ اِخْتَرْنَا الْقَوْل الَّذِي قُلْنَاهُ قَبْل .

تفسير القرطبي

أَيْ فِي الْوَقْت الْمَوْعُود . أَيْ أَسْمَعَهُ كَلَامه مِنْ غَيْر وَاسِطَة . سَأَلَ النَّظَرَ إِلَيْهِ ; وَاشْتَاقَ إِلَى رُؤْيَتِهِ لَمَّا أَسْمَعَهُ كَلَامه . أَيْ فِي الدُّنْيَا . وَلَا يَجُوز الْحَمْل عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ : أَرِنِي آيَة عَظِيمَة لِأَنْظُرَ إِلَى قُدْرَتك ; لِأَنَّهُ قَالَ " إِلَيْك " وَ " قَالَ لَنْ تَرَانِي " . وَلَوْ سَأَلَ آيَة لَأَعْطَاهُ اللَّه مَا سَأَلَ , كَمَا أَعْطَاهُ سَائِر الْآيَات . وَقَدْ كَانَ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام فِيهَا مَقْنَع عَنْ طَلَب آيَة أُخْرَى ; فَبَطَلَ هَذَا التَّأْوِيل . ضَرَبَ لَهُ مِثَالًا مِمَّا هُوَ أَقْوَى مِنْ بِنْيَتِهِ وَأَثْبَتُ . أَيْ فَإِنْ ثَبَتَ الْجَبَل وَسَكَنَ فَسَوْفَ تَرَانِي , وَإِنْ لَمْ يَسْكُن فَإِنَّك لَا تُطِيق رُؤْيَتِي , كَمَا أَنَّ الْجَبَل لَا يُطِيق رُؤْيَتِي . وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاض عَنْ الْقَاضِي أَبِي بَكْر بْن الطَّيِّب مَا مَعْنَاهُ : أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام رَأَى اللَّه فَلِذَلِكَ خَرَّ صَعِقًا , وَأَنَّ الْجَبَل رَأَى رَبّه فَصَارَ دَكًّا بِإِدْرَاكِ خَلْقه اللَّه لَهُ . وَاسْتَنْبَطَ ذَلِكَ مِنْ قَوْله : " وَلَكِنْ اُنْظُرْ إِلَى الْجَبَل فَإِنْ اِسْتَقَرَّ مَكَانه فَسَوْفَ تَرَانِي " . ثُمَّ قَالَ وَتَجَلَّى مَعْنَاهُ ظَهَرَ ; مِنْ قَوْلك : جَلَوْت الْعَرُوس أَيْ أَبْرَزْتهَا . وَجَلَوْت السَّيْف أَبْرَزْته مِنْ الصَّدَإِ ; جِلَاء فِيهِمَا . وَتَجَلَّى الشَّيْء اِنْكَشَفَ . وَقِيلَ : تَجَلَّى أَمْره وَقُدْرَته ; قَالَهُ قُطْرُب وَغَيْره . وَقِرَاءَة أَهْل الْمَدِينَة وَأَهْل الْبَصْرَة " دَكًّا " ; يَدُلّ عَلَى صِحَّتِهَا " دُكَّتْ الْأَرْض دَكًّا " [ الْفَجْر : 21 ] وَأَنَّ الْجَبَل مُذَكَّر . وَقَرَأَ أَهْل الْكُوفَة " دَكَّاء " أَيْ جَعَلَهُ مِثْل أَرْض دَكَّاء , وَهِيَ النَّاتِئَة لَا تَبْلُغ أَنْ تَكُون جَبَلًا . وَالْمُذَكَّر أَدَكّ , وَجَمْع دَكَّاء دَكَّاوَات وَدُكٌّ ; مِثْل حَمْرَاوَات وَحُمْر . قَالَ الْكِسَائِيّ : الدُّكّ مِنْ الْجِبَال : الْعِرَاض , وَاحِدهَا أَدَكّ . غَيْره : وَالدَّكَّاوَات جَمْع دَكَّاء : رَوَابٍ مِنْ طِين لَيْسَتْ بِالْغِلَاظِ . وَالدِّكْدَاك كَذَلِكَ مِنْ الرَّمْل : مَا اِلْتَبَدَ بِالْأَرْضِ فَلَمْ يَرْتَفِع . وَنَاقَة دَكَّاء لَا سَنَام لَهَا . وَفِي التَّفْسِير : فَسَاخَ الْجَبَل فِي الْأَرْض ; فَهُوَ يَذْهَب فِيهَا حَتَّى الْآن . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : جَعَلَهُ تُرَابًا . عَطِيَّة الْعَوْفِيّ : رَمْلًا هَائِلًا . " وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا " أَيْ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ ; عَنْ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن وَقَتَادَة . وَقِيلَ : مَيِّتًا ; يُقَال : صَعِقَ الرَّجُل فَهُوَ صَعِق . وَصُعِقَ فَهُوَ مَصْعُوق . وَقَالَ قَتَادَة وَالْكَلْبِيّ : خَرَّ مُوسَى صَعِقًا يَوْم الْخَمِيس يَوْم عَرَفَة , وَأُعْطِيَ التَّوْرَاة يَوْم الْجُمْعَة يَوْم النَّحْر . قَالَ مُجَاهِد : مِنْ مَسْأَلَة الرُّؤْيَة فِي الدُّنْيَا . وَقِيلَ : سَأَلَ مِنْ غَيْر اِسْتِئْذَان ; فَلِذَلِكَ تَابَ . وَقِيلَ : قَالَهُ عَلَى جِهَة الْإِنَابَة إِلَى اللَّه وَالْخُشُوع لَهُ عِنْد ظُهُور الْآيَات . وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّة عَلَى أَنَّ هَذِهِ التَّوْبَة مَا كَانَتْ عَنْ مَعْصِيَة ; فَإِنَّ الْأَنْبِيَاء مَعْصُومُونَ . وَأَيْضًا عِنْد أَهْل السُّنَّة وَالْجَمَاعَة الرُّؤْيَة جَائِزَة . وَعِنْد الْمُبْتَدِعَة سَأَلَ لِأَجْلِ الْقَوْم لِيُبَيِّنَ لَهُمْ أَنَّهَا غَيْر جَائِزَة , وَهَذَا لَا يَقْتَضِي التَّوْبَة . فَقِيلَ : أَيْ تُبْت إِلَيْك مِنْ قَتْل الْقِبْطِيّ ; ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيّ . وَقَدْ مَضَى فِي " الْأَنْعَام " بَيَان أَنَّ الرُّؤْيَة جَائِزَة . قَالَ عَلِيّ بْن مَهْدِيّ الطَّبَرِيّ : لَوْ كَانَ سُؤَال مُوسَى مُسْتَحِيلًا مَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ مَعَ مَعْرِفَته بِاَللَّهِ ; كَمَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقُول لَهُ يَا رَبّ أَلَكَ صَاحِبَة وَوَلَد . وَسَيَأْتِي فِي " الْقِيَامَة " مَذْهَب الْمُعْتَزِلَة وَالرَّدّ عَلَيْهِمْ , إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . قِيلَ : مِنْ قَوْمِي . وَقِيلَ : مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل فِي هَذَا الْعَصْر . وَقِيلَ : بِأَنَّك لَا تُرَى فِي الدُّنْيَا لِوَعْدِك السَّابِق , فِي ذَلِكَ . وَفِي الْحَدِيث الصَّحِيح مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَغَيْره أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَا تُخَيِّرُوا بَيْن الْأَنْبِيَاء فَإِنَّ النَّاس يُصْعَقُونَ يَوْم الْقِيَامَة فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِم الْعَرْش فَلَا أَدْرِي أَصَعِقَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي أَوْ حُوسِبَ بِصِفَتِهِ الْأُولَى ) . أَوْ قَالَ ( كَفَتْهُ صَعْقَته الْأُولَى ) . وَذَكَرَ أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ كَعْب قَالَ : إِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَسَمَ كَلَامه وَرُؤْيَته بَيْن مُحَمَّد وَمُوسَى صَلَّى اللَّه وَسَلَّمَ عَلَيْهِمَا ; فَكَلَّمَهُ مُوسَى مَرَّتَيْنِ , وَرَآهُ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتَيْنِ .

غريب الآية
وَلَمَّا جَاۤءَ مُوسَىٰ لِمِیقَـٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ قَالَ رَبِّ أَرِنِیۤ أَنظُرۡ إِلَیۡكَۚ قَالَ لَن تَرَىٰنِی وَلَـٰكِنِ ٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡجَبَلِ فَإِنِ ٱسۡتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوۡفَ تَرَىٰنِیۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلۡجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكࣰّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقࣰاۚ فَلَمَّاۤ أَفَاقَ قَالَ سُبۡحَـٰنَكَ تُبۡتُ إِلَیۡكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ ﴿١٤٣﴾
لَن تَرَىٰنِیلن تَقْدِرَ على رؤيتي في الدنيا.
تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلۡجَبَلِظَهَرَ ربُّه للجَبَلِ على الوجهِ اللائقِ بجَلالِه.
دَكࣰّامُسْتوياً بالأرض.
وَخَرَّوسقط.
صَعِقࣰاۚمَغْشِيّاً عليه؛ لعِظَمِ ما رأى.
أَوَّلُ ٱلۡمُؤۡمِنِینَبك من قومي.
الإعراب
(وَلَمَّا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَمَّا) : ظَرْفُ زَمَانٍ شَرْطِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ.
(جَاءَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ جَزْمٍ فِعْلُ الشَّرْطِ.
(مُوسَى)
فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ.
(لِمِيقَاتِنَا)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(مِيقَاتِ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(وَكَلَّمَهُ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(كَلَّمَ) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(رَبُّهُ)
فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(قَالَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ"، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ جَزْمٍ جَوَابُ الشَّرْطِ.
(رَبِّ)
مُنَادًى بِحَرْفِ نِدَاءٍ مَحْذُوفٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الْمُقَدَّرَةُ لِاشْتِغَالِ الْمَحَلِّ بِحَرَكَةِ الْمُنَاسَبَةِ لِلْيَاءِ الْمَحْذُوفَةِ، وَ"يَاءُ الْمُتَكَلِّمِ" الْمَحْذُوفَةُ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(أَرِنِي)
فِعْلُ أَمْرٍ لِلدُّعَاءِ مَبْنِيٌّ عَلَى حَذْفِ حَرْفِ الْعِلَّةِ، وَ"النُّونُ" لِلْوِقَايَةِ، وَ"يَاءُ الْمُتَكَلِّمِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ".
(أَنْظُرْ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ جَوَابُ الطَّلَبِ مَجْزُومٌ وَعَلَامَةُ جَزْمِهِ السُّكُونُ الظَّاهِرُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنَا".
(إِلَيْكَ)
(إِلَى) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(قَالَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(لَنْ)
حَرْفُ نَصْبٍ وَنَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تَرَانِي)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ، وَ"النُّونُ" لِلْوِقَايَةِ، وَ"يَاءُ الْمُتَكَلِّمِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ".
(وَلَكِنِ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَكِنْ) : حَرْفُ اسْتِدْرَاكٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
(انْظُرْ)
فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ".
(إِلَى)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(الْجَبَلِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(فَإِنِ)
"الْفَاءُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(إِنْ) : حَرْفُ شَرْطٍ وَجَزْمٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
(اسْتَقَرَّ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ جَزْمٍ فِعْلُ الشَّرْطِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(مَكَانَهُ)
ظَرْفُ مَكَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(فَسَوْفَ)
"الْفَاءُ" حَرْفٌ رَابِطٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(سَوْفَ) : حَرْفُ اسْتِقْبَالٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحٍ.
(تَرَانِي)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ، وَ"النُّونُ" لِلْوِقَايَةِ، وَ"يَاءُ الْمُتَكَلِّمِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ"، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ جَزْمٍ جَوَابُ الشَّرْطِ.
(فَلَمَّا)
"الْفَاءُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَمَّا) : ظَرْفُ زَمَانٍ شَرْطِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ.
(تَجَلَّى)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ الْمُقَدَّرِ لِلتَّعَذُّرِ فِي مَحَلِّ جَزْمٍ فِعْلُ الشَّرْطِ.
(رَبُّهُ)
فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(لِلْجَبَلِ)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(الْجَبَلِ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(جَعَلَهُ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ"، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ جَزْمٍ جَوَابُ الشَّرْطِ.
(دَكًّا)
مَفْعُولٌ بِهِ ثَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَخَرَّ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(خَرَّ) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(مُوسَى)
فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ.
(صَعِقًا)
حَالٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(فَلَمَّا)
"الْفَاءُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَمَّا) : ظَرْفُ زَمَانٍ شَرْطِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ.
(أَفَاقَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ جَزْمٍ فِعْلُ الشَّرْطِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(قَالَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ"، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ جَزْمٍ جَوَابُ الشَّرْطِ.
(سُبْحَانَكَ)
مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(تُبْتُ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِتَاءِ الْفَاعِلِ، وَ"تَاءُ الْفَاعِلِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(إِلَيْكَ)
(إِلَى) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(وَأَنَا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ اسْتِئْنَافٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(أَنَا) : ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(أَوَّلُ)
خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(الْمُؤْمِنِينَ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ.