صفحات الموقع

سورة الأعراف الآية ١٧

سورة الأعراف الآية ١٧

ثُمَّ لَـَٔاتِیَنَّهُم مِّنۢ بَیۡنِ أَیۡدِیهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ وَعَنۡ أَیۡمَـٰنِهِمۡ وَعَن شَمَاۤىِٕلِهِمۡۖ وَلَا تَجِدُ أَكۡثَرَهُمۡ شَـٰكِرِینَ ﴿١٧﴾

التفسير

تفسير السعدي

" ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ " أي: من جميع الجهات والجوانب, ومن كل طريق يتمكن فيه, من إدراك بعض مقصوده فيهم. ولما علم الخبيث أنهم ضعفاء قد تغلب الغفلة على كثير منهم, وكان جازما ببذل مجهوده على إغوائهم, ظن وصدق ظنه فقال: " وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ " فإن القيام بالشكر, من سلوك الصراط المستقيم, وهو يريد صدهم عنه, وعدم قيامهم به, قال تعالى: " إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ " . وإنما نبهنا اللّه على ما قال وعزم على فعله, لنأخذ حذرنا ونستعد لعدونا, ونحترز منه بعلمنا, بالطريق التي يأتي منها, ومداخله التي ينفذ منها, فله تعالى علينا بذلك, أكمل نعمة.

التفسير الميسر

ثم لآتينَّهم من جميع الجهات والجوانب، فأصدهم عن الحق، وأُحسِّن لهم الباطل، وأرغبهم في الدنيا، وأشككهم في الآخرة، ولا تجد أكثر بني آدم شاكرين لك نعمتك.

تفسير الجلالين

"ثُمَّ لَآتِيَنهمْ مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ وَمِنْ خَلْفهمْ وَعَنْ أَيْمَانهمْ وَعَنْ شَمَائِلهمْ" أَيْ مِنْ كُلّ جِهَة فَأَمْنَعهُمْ عَنْ سُلُوكه قَالَ ابْن عَبَّاس وَلَا يَسْتَطِيع أَنْ يَأْتِي مِنْ فَوْقهمْ لِئَلَّا يَحُول بَيْن الْعَبْد وَبَيْن رَحْمَة اللَّه تَعَالَى "وَلَا تَجِد أَكْثَرهمْ شَاكِرِينَ" مُؤْمِنِينَ

تفسير ابن كثير

قَوْله " ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ وَمِنْ خَلْفهمْ" الْآيَة . قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس " ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ " أُشَكِّكُهُمْ فِي آخِرَتهمْ" وَمِنْ خَلْفهمْ " أُرَغِّبهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ " وَعَنْ أَيْمَانهمْ" أُشَبِّه عَلَيْهِمْ أَمْر دِينهمْ " وَعَنْ شَمَائِلهمْ " أُشَهِّي لَهُمْ الْمَعَاصِي . وَقَالَ اِبْن أَبِي طَلْحَة فِي رِوَايَة الْعَوْفِيّ كِلَاهُمَا عَنْ اِبْن عَبَّاس أَمَّا مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ فَمِنْ قِبَل دُنْيَاهُمْ وَأَمَّا مِنْ خَلْفهمْ فَأَمْر آخِرَتهمْ وَأَمَّا عَنْ أَيْمَانهمْ فَمِنْ قِبَل حَسَنَاتهمْ وَأَمَّا عَنْ شَمَائِلهمْ فَمِنْ قِبَل سَيِّئَاتهمْ وَقَالَ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ قَتَادَة أَتَاهُمْ مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ لَا بَعْث وَلَا جَنَّة وَلَا نَار وَمِنْ خَلْفهمْ مِنْ أَمْر الدُّنْيَا فَزَيَّنَهَا لَهُمْ وَدَعَاهُمْ إِلَيْهَا وَعَنْ أَيْمَانهمْ مِنْ قِبَل حَسَنَاتهمْ بُطْأَهُمْ عَنْهَا وَعَنْ شَمَائِلهمْ زَيَّنَ لَهُمْ السَّيِّئَات وَالْمَعَاصِي وَدَعَاهُمْ إِلَيْهَا وَأَمَرَهُمْ بِهَا آتَاك يَا اِبْن آدَم مِنْ كُلّ وَجْه غَيْر أَنَّهُ لَمْ يَأْتِك مِنْ فَوْقك لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَحُول بَيْنك وَبَيْن رَحْمَة اللَّه . وَكَذَا رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ وَالْحَكَم بْن عُيَيْنَة وَالسُّدِّيّ وَابْن جُرَيْج إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ الدُّنْيَا وَمِنْ خَلْفهمْ الْآخِرَة وَقَالَ مُجَاهِد مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ وَعَنْ أَيْمَانهمْ مِنْ حَيْثُ يُبْصِرُونَ وَمِنْ خَلْفهمْ وَعَنْ شَمَائِلهمْ حَيْثُ لَا يُبْصِرُونَ وَاخْتَارَ اِبْن جَرِير أَنَّ الْمُرَاد جَمِيع طُرُق الْخَيْر وَالشَّرّ فَالْخَيْر يَصُدّهُمْ عَنْهُ وَالشَّرّ يُحَسِّنهُ لَهُمْ وَقَالَ الْحَكَم بْن أَبَانَ عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله " ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ وَمِنْ خَلْفهمْ وَعَنْ إِيمَانهمْ وَعَنْ شَمَائِلهمْ " وَلَمْ يَقُلْ مِنْ فَوْقهمْ لِأَنَّ الرَّحْمَة تَنْزِل مِنْ فَوْقهمْ وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس " وَلَا تَجِد أَكْثَرهمْ شَاكِرِينَ " قَالَ مُوَحِّدِينَ وَقَوْل إِبْلِيس هَذَا إِنَّمَا هُوَ ظَنّ مِنْهُ وَتَوَهُّم وَقَدْ وَافَقَ فِي هَذَا الْوَاقِع كَمَا قَالَ تَعَالَى " وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيس ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَان إِلَّا لِنَعْلَم مَنْ يُؤْمِن بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكّ وَرَبّك عَلَى كُلّ شَيْء حَفِيظ " . وَلِهَذَا وَرَدَ فِي الْحَدِيث الِاسْتِعَاذَة مِنْ تَسَلُّط الشَّيْطَان عَلَى الْإِنْسَان مِنْ جِهَاته كُلّهَا كَمَا قَالَ الْحَافِظ أَبُو بَكْر الْبَزَّار فِي مُسْنَده حَدَّثَنَا نَصْر بْن عَلِيّ حَدَّثَنَا عَمْرو بْن مُجَمِّع عَنْ يُونُس بْن خَبَّاب عَنْ اِبْن جُبَيْر بْن مُطْعِم يَعْنِي نَافِع بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس وَحَدَّثَنَا عُمَر بْن الْخَطَّاب يَعْنِي السِّجِسْتَانِيّ حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن عَمْرو عَنْ زَيْد بْن أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ يُونُس بْن خَبَّاب عَنْ اِبْن جُبَيْر بْن مُطْعِم عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو " اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلك الْعَفْو وَالْعَافِيَة فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي اللَّهُمَّ اُسْتُرْ عَوْرَاتِي وَآمِنْ رَوْعَاتِي وَاحْفَظْنِي مِنْ بَيْن يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَمِنْ فَوْقِي وَأَعُوذ بِك اللَّهُمَّ أَنْ أُغْتَال مِنْ تَحْتِي " تَفَرَّدَ بِهِ الْبَزَّار وَحَسَّنَهُ وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا وَكِيع حَدَّثَنَا عُبَادَة بْن مُسْلِم الْفَزَارِيّ حَدَّثَنِي جَرِير بْن أَبِي سُلَيْمَان بْن جُبَيْر بْن مُطْعِم سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن عُمَر يَقُول لَمْ يَكُنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَع هَؤُلَاءِ الدَّعَوَات حِين يُصْبِح وَحِين يُمْسِي " اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلك الْعَافِيَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلك الْعَفْو وَالْعَافِيَة فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي اللَّهُمَّ اُسْتُرْ عَوْرَاتِي وَآمِنْ رَوْعَاتِي اللَّهُمَّ اِحْفَظْنِي مِنْ بَيْن يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَمِنْ فَوْقِي وَأَعُوذ بِعَظَمَتِك أَنْ أُغْتَال مِنْ تَحْتِي " . قَالَ وَكِيع مِنْ تَحْتِي يَعْنِي الْخَسْف . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَهْ وَابْن حِبَّان وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث عُبَادَة بْن مُسْلِم بِهِ وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الْإِسْنَاد .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ وَمِنْ خَلْفهمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلهمْ } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى قَوْله : { لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ } مِنْ قِبَل الْآخِرَة , { وَمِنْ خَلْفهمْ } مِنْ قِبَل الدُّنْيَا , { وَعَنْ أَيْمَانهمْ } مِنْ قِبَل الْحَقّ , { وَعَنْ شَمَائِلهمْ } مِنْ قِبَل الْبَاطِل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11173 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ } يَقُول : أُشَكِّكهُمْ فِي آخِرَتهمْ , { وَمِنْ خَلْفهمْ } أُرَغِّبهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ { وَعَنْ أَيْمَانهمْ } أُشَبِّه عَلَيْهِمْ أَمْر دِينهمْ , { وَعَنْ شَمَائِلهمْ } أُشَهِّي لَهُمْ الْمَعَاصِي . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي تَأْوِيل ذَلِكَ خِلَاف هَذَا التَّأْوِيل , وَذَلِكَ مَا : 11174 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ } يَعْنِي مِنْ الدُّنْيَا , { وَمِنْ خَلْفهمْ } مِنْ الْآخِرَة , { وَعَنْ أَيْمَانهمْ } مِنْ قِبَل حَسَنَاتهمْ , { وَعَنْ شَمَائِلهمْ } مِنْ قَبْل سَيِّئَاتهمْ. وَتُحَقِّق هَذِهِ الرِّوَايَة الْأُخْرَى الَّتِي : 11175 - حَدَّثَنِي بِهَا مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ وَمِنْ خَلْفهمْ وَعَنْ أَيْمَانهمْ وَعَنْ شَمَائِلهمْ } قَالَ : مَا بَيْن أَيْدِيهمْ فَمِنْ قِبَلهمْ ; أَمَّا وَمِنْ خَلْفهمْ فَأَمْر آخِرَتهمْ ; وَأَمَّا عَنْ أَيْمَانهمْ : فَمِنْ قِبَل حَسَنَاتهمْ ; وَأَمَّا عَنْ شَمَائِلهمْ : فَمِنْ قِبَل سَيِّئَاتهمْ . * حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ } الْآيَة , أَتَاهُمْ مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ , فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ لَا بَعْث وَلَا جَنَّة وَلَا نَار , وَمِنْ خَلْفهمْ مِنْ أَمْر الدُّنْيَا , فَزَيَّنَهَا لَهُمْ وَدَعَاهُمْ إِلَيْهَا ; وَعَنْ أَيْمَانهمْ : مِنْ قِبَل حَسَنَاتهمْ بَطَّأَهُمْ عَنْهَا ; وَعَنْ شَمَائِلهمْ : زَيَّنَ لَهُمْ السَّيِّئَات وَالْمَعَاصِي وَدَعَاهُمْ إِلَيْهَا وَأَمَرَهُمْ بِهَا , أَتَاك يَا اِبْن آدَم مِنْ كُلّ وَجْه , غَيْر أَنَّهُ لَمْ يَأْتِك مِنْ فَوْقك , لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَحُول بَيْنك وَبَيْن رَحْمَة اللَّه . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى قَوْله : { مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ } مِنْ قِبَل دُنْيَاهُمْ , { وَمِنْ خَلْفهمْ } مِنْ قِبَل آخِرَتهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11176 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُؤَمَّل , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ إِبْرَاهِيم , فِي قَوْله : { ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ وَمِنْ خَلْفهمْ } قَالَ : { مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ } مِنْ قِبَل دُنْيَاهُمْ ; { وَمِنْ خَلْفهمْ } مِنْ قِبَل آخِرَتهمْ . { وَعَنْ أَيْمَانهمْ } مِنْ قِبَل حَسَنَاتهمْ , { وَعَنْ شَمَائِلهمْ } : مِنْ قِبَل سَيِّئَاتهمْ. 11177 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ الْحَكَم : { ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ وَمِنْ خَلْفهمْ وَعَنْ أَيْمَانهمْ وَعَنْ شَمَائِلهمْ } قَالَ : { مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ } : مِنْ دُنْيَاهُمْ ; { وَمِنْ خَلْفهمْ } : مِنْ آخِرَتهمْ ; { وَعَنْ أَيْمَانهمْ } : مِنْ حَسَنَاتهمْ ; { وَعَنْ شَمَائِلهمْ } مِنْ قِبَل سَيِّئَاتهمْ . * حَدَّثَنَا سُفْيَان , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ الْحَكَم : { ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ } قَالَ : مِنْ قِبَل الدُّنْيَا يُزَيِّنهَا لَهُمْ ; { وَمِنْ خَلْفهمْ } مِنْ قِبَل الْآخِرَة يُبَطِّئهُمْ عَنْهَا ; { وَعَنْ أَيْمَانهمْ } : مِنْ قِبَل الْحَقّ يَصُدّهُمْ عَنْهُ ; { وَعَنْ شَمَائِلهمْ } مِنْ قِبَل الْبَاطِل يُرَغِّبهُمْ فِيهِ , وَيُزَيِّنهُ لَهُمْ . 11178 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ وَمِنْ خَلْفهمْ وَعَنْ أَيْمَانهمْ وَعَنْ شَمَائِلهمْ } أَمَّا { مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ } : فَالدُّنْيَا أَدْعُوهُمْ إِلَيْهَا وَأُرَغِّبهُمْ فِيهَا ; { وَمِنْ خَلْفهمْ } : فَمِنْ الْآخِرَة أُشَكِّكهُمْ فِيهَا وَأُبَعِّدهَا عَلَيْهِمْ ; { وَعَنْ أَيْمَانهمْ } يَعْنِي الْحَقّ فَأُشَكِّكهُمْ فِيهِ ; { وَعَنْ شَمَائِلهمْ } : يَعْنِي الْبَاطِل أُخَفِّفهُ عَلَيْهِمْ , وَأُرَغِّبهُمْ فِيهِ. 11179 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج : قَوْله : { مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ } مِنْ دُنْيَاهُمْ أُرَغِّبهُمْ فِيهَا , { وَمِنْ خَلْفهمْ } آخِرَتهمْ أُكَفِّرهُمْ بِهَا وَأُزَهِّدُهُمْ فِيهَا , { وَعَنْ أَيْمَانهمْ } حَسَنَاتهمْ أُزَهِّدهُمْ فِيهَا , { وَعَنْ شَمَائِلهمْ } مَسَاوِئ أَعْمَالهمْ أُحَسِّنهَا إِلَيْهِمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : مِنْ حَيْثُ يُبْصِرُونَ وَمِنْ حَيْثُ لَا يُبْصِرُونَ. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11180 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْل اللَّه : { مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ وَعَنْ أَيْمَانهمْ } قَالَ : حَيْثُ يُبْصِرُونَ , { وَمِنْ خَلْفهمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلهمْ } حَيْثُ لَا يُبْصِرُونَ . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله. 11181 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع وَابْن حُمَيْد , قَالَا : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , قَالَ : تَذَاكَرْنَا عِنْد مُجَاهِد قَوْله : { ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ وَمِنْ خَلْفهمْ وَعَنْ أَيْمَانهمْ وَعَنْ شَمَائِلهمْ } فَقَالَ مُجَاهِد : هُوَ كَمَا قَالَ : يَأْتِيهِمْ مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ وَمِنْ خَلْفهمْ وَعَنْ أَيْمَانهمْ وَعَنْ شَمَائِلهمْ . زَادَ اِبْن حُمَيْد , قَالَ : يَأْتِيهِمْ مِنْ ثَمَّ . * حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا أَبُو سَعْد الْمَدَنِيّ , قَالَ : قَالَ مُجَاهِد : فَذَكَرَ نَحْو حَدِيث مُحَمَّد بْن عَمْرو , عَنْ أَبِي عَاصِم . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ جَمِيع وُجُوه الْحَقّ وَالْبَاطِل , فَأَصُدّهُمْ عَنْ الْحَقّ وَأُحَسِّن لَهُمْ الْبَاطِل ; وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ عَقِيب قَوْله : { لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطك الْمُسْتَقِيم } فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَقْعُد لِبَنِي آدَم عَلَى الطَّرِيق الَّذِي أَمَرَهُمْ اللَّه أَنْ يَسْلُكُوهُ , وَهُوَ مَا وَصَفْنَا مِنْ دِين اللَّه الْحَقّ , فَيَأْتِيهِمْ فِي ذَلِكَ مِنْ كُلّ وُجُوهه مِنْ الْوَجْه الَّذِي أَمَرَهُمْ اللَّه بِهِ , فَيَصُدّهُمْ عَنْهُ , وَذَلِكَ مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ وَعَنْ أَيْمَانهمْ , وَمِنْ الْوَجْه الَّذِي نَهَاهُمْ اللَّه عَنْهُ , فَيُزَيِّنهُ لَهُمْ وَيَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ , وَذَلِكَ مِنْ خَلْفهمْ وَعَنْ شَمَائِلهمْ. وَقِيلَ : وَلَمْ يَقُلْ : " مِنْ فَوْقهمْ " لِأَنَّ رَحْمَة اللَّه تَنْزِل عَلَى عِبَاده مِنْ فَوْقهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11182 - حَدَّثَنَا سَعْد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْحَكَم الْمِصْرِيّ , قَالَ : ثنا حَفْص بْن عُمَر , قَالَ : ثنا الْحَكَم بْن أَبَان , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ وَمِنْ خَلْفهمْ وَعَنْ أَيْمَانهمْ وَعَنْ شَمَائِلهمْ } وَلَمْ يَقُلْ : " مِنْ فَوْقهمْ " , لِأَنَّ الرَّحْمَة تَنْزِل مِنْ فَوْقهمْ . وَأَمَّا قَوْله : { وَلَا تَجِد أَكْثَرهمْ شَاكِرِينَ } فَإِنَّهُ يَقُول : وَلَا تَجِد رَبّ أَكْثَر بَنِي آدَم شَاكِرِينَ لَك نِعْمَتك الَّتِي أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ كَتَكْرِمَتِك أَبَاهُمْ آدَم بِمَا أَكْرَمْته بِهِ , مِنْ إِسْجَادك لَهُ مَلَائِكَتك , وَتَفْضِيلك إِيَّاهُ عَلَيَّ , وَشُكْرهمْ إِيَّاهُ طَاعَتهمْ لَهُ بِالْإِقْرَارِ بِتَوْحِيدِهِ , وَاتِّبَاع أَمْره وَنَهْيه . وَكَانَ اِبْن عَبَّاس يَقُول فِي ذَلِكَ بِمَا : 11183 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَا تَجِد أَكْثَرهمْ شَاكِرِينَ } يَقُول : مُوَحِّدِينَ.

تفسير القرطبي

أَيْ لَأَصُدَّنهُمْ عَنْ الْحَقّ , وَأُرَغِّبَنهُمْ فِي الدُّنْيَا , وَأُشَكِّكهُمْ فِي الْآخِرَة . وَهَذَا غَايَة فِي الضَّلَالَة . كَمَا قَالَ : " وَلْأُضِلَّنهُمْ " [ النِّسَاء : 119 ] حَسَب مَا تَقَدَّمَ . وَرَوَى سُفْيَان عَنْ مَنْصُور عَنْ الْحَكَم بْن عُتَيْبَة : " مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ " مِنْ دُنْيَاهُمْ . " وَمِنْ خَلْفهمْ " مِنْ آخِرَتهمْ . " وَعَنْ أَيْمَانهمْ " يَعْنِي حَسَنَاتهمْ . " وَعَنْ شَمَائِلهمْ " يَعْنِي سَيِّئَاتهمْ . قَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا قَوْل حَسَن وَشَرْحه : أَنَّ مَعْنَى " ثُمَّ لَآتِيَنهمْ مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ " مِنْ دُنْيَاهُمْ , حَتَّى يُكَذِّبُوا بِمَا فِيهَا مِنْ الْآيَات وَأَخْبَار الْأُمَم السَّالِفَة " وَمِنْ خَلْفهمْ " مِنْ آخِرَتهمْ حَتَّى يُكَذِّبُوا بِهَا . " وَعَنْ أَيْمَانهمْ " مِنْ حَسَنَاتهمْ وَأُمُور دِينهمْ . وَيَدُلّ عَلَى هَذَا قَوْله : " إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنْ الْيَمِين " [ الصَّافَّات : 28 ] " وَعَنْ شَمَائِلهمْ " يَعْنِي سَيِّئَاتهمْ , أَيْ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَات ; لِأَنَّهُ يُزَيِّنهَا لَهُمْ . أَيْ مُوَحِّدِينَ طَائِعِينَ مُظْهِرِينَ الشُّكْر .

غريب الآية
ثُمَّ لَـَٔاتِیَنَّهُم مِّنۢ بَیۡنِ أَیۡدِیهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ وَعَنۡ أَیۡمَـٰنِهِمۡ وَعَن شَمَاۤىِٕلِهِمۡۖ وَلَا تَجِدُ أَكۡثَرَهُمۡ شَـٰكِرِینَ ﴿١٧﴾
شَـٰكِرِینَذاكِرين نعمتَك مُثْنِين بها عليك.
الإعراب
(ثُمَّ)
حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحٍ.
(لَآتِيَنَّهُمْ)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَوَابٍ لِلْقَسَمِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(آتِيَنَّ) : فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ لِاتِّصَالِهِ بِنُونِ التَّوْكِيدِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ، وَ"النُّونُ" حَرْفُ تَوكِيدٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنَا"، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(مِنْ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(بَيْنِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(أَيْدِيهِمْ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلثِّقَلِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(وَمِنْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(مِنْ) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(خَلْفِهِمْ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(وَعَنْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(عَنْ) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(أَيْمَانِهِمْ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(وَعَنْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(عَنْ) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(شَمَائِلِهِمْ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(وَلَا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَا) : حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تَجِدُ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ".
(أَكْثَرَهُمْ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(شَاكِرِينَ)
مَفْعُولٌ بِهِ ثَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ.