سورة الأعراف الآية ١٨٠
سورة الأعراف الآية ١٨٠
وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَاۤءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ وَذَرُوا۟ ٱلَّذِینَ یُلۡحِدُونَ فِیۤ أَسۡمَـٰۤىِٕهِۦۚ سَیُجۡزَوۡنَ مَا كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ ﴿١٨٠﴾
تفسير السعدي
هذا بيان, لعظيم جلاله, وسعة أوصافه, بأن له الأسماء الحسنى, أي: له كل اسم حسن. وضابطه: أنه كل اسم دال على صفة كمال عظيمة, وبذلك كانت حسنى. فإنها لو دلت على غير صفة, بل كانت علما محضا, لم تكن حسنى. وكذلك لو دلت على صفة, ليست بصفة كمال, بل إما صفة نقص أو صفة منقسمة إلى المدح والقدح, لم تكن حسنى. فكل اسم من أسمائه, دال على جميع الصفة, التي اشتق منها, مستغرق لجميع معناها. وذلك نحو " العليم " الدال على أن له علما محيطا عاما لجميع الأشياء. فلا يخرج عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. و " الرحيم " الدال على أن له رحمة عظيمة, واسعة لكل شيء. و " القدير " الدال على أن له قدرة عامة, لا يعجزها شيء, ونحو ذلك. ومن تمام كونها " حسنى " أنه لا يدعى إلا بها, ولذلك قال: " فَادْعُوهُ بِهَا " وهذا شامل لدعاء العبادة, ودعاء المسألة. فيدعى في كل مطلوب, بما يناسب ذلك المطلوب. فيقول الداعي مثلا: اللّهم اغفر لي وارحمني, إنك أنت الغفور الرحيم, وتب عَلَيَّ يا تواب, وارزقني يا رزاق, والطف بي يا لطيف ونحو ذلك. وقوله " وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ " أي: عقوبة وعذابا على إلحادهم في أسمائه. وحقيقة الإلحاد, الميل بها, عما جعلت له. إما بأن يسمى بها, من لا يستحقها, كتسمية المشركين بها لآلهتهم. وإما بنفي معانيها وتحريفها, وأن يجعل لها معنى, ما أراده اللّه ولا رسوله. وإما أن يشبه بها غيرها. فالواجب أن يحذر الإلحاد فيها, ويحذر الملحدون فيها: وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم " أن للّه تسعة وتسعين اسما, من أحصاها دخل الجنة " .
التفسير الميسر
ولله سبحانه وتعالى الأسماء الحسنى، الدالة على كمال عظمته، وكل أسمائه حسن، فاطلبوا منه بأسمائه ما تريدون، واتركوا الذين يُغيِّرون في أسمائه بالزيادة أو النقصان أو التحريف، كأن يُسمَّى بها من لا يستحقها، كتسمية المشركين بها آلهتهم، أو أن يجعل لها معنى لم يُردْه الله ولا رسوله، فسوف يجزون جزاء أعمالهم السيئة التي كانوا يعملونها في الدنيا من الكفر بالله، والإلحاد في أسمائه وتكذيب رسوله.
تفسير الجلالين
"وَلِلَّهِ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى" التِّسْعَة وَالتِّسْعُونَ الْوَارِد بِهَا الْحَدِيث وَالْحُسْنَى مُؤَنَّث الْأَحْسَن "فَادْعُوهُ" سَمُّوهُ "بِهَا وَذَرُوا" اُتْرُكُوا "الَّذِينَ يُلْحِدُونَ" مِنْ أَلْحَدَ وَلَحَدَ يَمِيلُونَ عَنْ الْحَقّ . "فِي أَسْمَائِهِ" حَيْثُ اشْتَقُّوا مِنْهَا أَسْمَاء لِآلِهَتِهِمْ : كَاَللَّاتِي مِنْ اللَّه وَالْعُزَّى مِنْ الْعَزِيز وَمَنَاة مِنْ الْمَنَّان "سَيُجْزَوْنَ" فِي الْآخِرَة جَزَاء "مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" وَهَذَا قَبْل الْأَمْر بِالْقِتَالِ
تفسير ابن كثير
عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنَّ لِلَّهِ تِسْعًا وَتِسْعِينَ اِسْمًا مِائَة إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّة وَهُوَ وِتْر يُحِبّ الْوِتْر " أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث سُفْيَان بْن عُيَيْنَة عَنْ أَبِي الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَج عَنْهُ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيّ عَنْ أَبَى الْيَمَان عَنْ شُعَيْب عَنْ أَبِي حَمْزَة عَنْ أَبِي الزِّنَاد بِهِ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ فِي جَامِعه عَنْ الْجَوْزَجَانِيّ عَنْ صَفْوَان بْن صَالِح عَنْ الْوَلِيد بْن مُسْلِم عَنْ شُعَيْب فَذَكَرَ بِسُنَنِهِ مِثْله وَزَادَ بَعْد قَوْله" يُحِبّ الْوِتْر " : هُوَ اللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الرَّحْمَن الرَّحِيم الْمَلِك الْقُدُّوس السَّلَام الْمُؤْمِن الْمُهَيْمِن الْعَزِيز الْجَبَّار الْمُتَكَبِّر الْخَالِق الْبَارِئ الْمُصَوِّر الْغَفَّار الْقَهَّار الْوَهَّاب الرَّزَّاق الْفَتَّاح الْعَلِيم الْقَابِض الْبَاسِط الْخَافِض الرَّافِع الْمُعِزّ الْمُذِلّ السَّمِيع الْبَصِير الْحَكَم الْعَدْل اللَّطِيف الْخَبِير الْحَلِيم الْعَظِيم الْغَفُور الشَّكُور الْعَلِيّ الْكَبِير الْحَفِيظ الْمُقِيت الْحَسِيب الْجَلِيل الْكَرِيم الرَّقِيب الْمُجِيب الْوَاسِع الْحَكِيم الْوَدُود الْمَجِيد الْبَاعِث الشَّهِيد الْحَقّ الْوَكِيل الْقَوِيّ الْمَتِين الْوَلِيّ الْحَمِيد الْمُحْصِي الْمُبْدِئ الْمُعِيد الْمُحْيِي الْمُمِيت الْحَيّ الْقَيُّوم الْوَاجِد الْمَاجِد الْوَاحِد الْأَحَد الْفَرْد الصَّمَد الْقَادِر الْمُقْتَدِر الْمُقَدِّم الْمُؤَخِّر الْأَوَّل الْآخِر الظَّاهِر الْبَاطِن الْوَالِي الْمُتَعَالِي الْبَرّ التَّوَّاب الْمُنْتَقِم الْعَفُوّ الرَّءُوف مَالِك الْمُلْك ذُو الْجَلَال وَالْإِكْرَام الْمُقْسِط الْجَامِع الْغَنِيّ الْمُغْنِي الْمَانِع الضَّارّ النَّافِع النُّور الْهَادِي الْبَدِيع الْبَاقِي الْوَارِث الرَّشِيد الصَّبُور " ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيث غَرِيب وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْر وَجْه عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَلَا نَعْلَم فِي كَثِير مِنْ الرِّوَايَات ذِكْر الْأَسْمَاء إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيث وَرَوَاهُ اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه مِنْ طَرِيق صَفْوَان بِهِ وَقَدْ رَوَاهُ اِبْن مَاجَهْ فِي سُنَنه مِنْ طَرِيق آخَر عَنْ مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا فَسَرَدَ الْأَسْمَاء كَنَحْوٍ مِمَّا تَقَدَّمَ بِزِيَادَةٍ وَنُقْصَان وَاَلَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ جَمَاعَة مِنْ الْحُفَّاظ أَنَّ سَرْد الْأَسْمَاء فِي هَذَا الْحَدِيث مُدْرَج فِيهِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ كَمَا رَوَاهُ الْوَلِيد بْن مُسْلِم وَعَبْد الْمَلِك بْن مُحَمَّد الصَّنْعَانِيّ عَنْ زُهَيْر بْن مُحَمَّد أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ غَيْر وَاحِد مِنْ أَهْل الْعِلْم أَنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ أَيْ أَنَّهُمْ جَمَعُوهَا مِنْ الْقُرْآن كَمَا رُوِيَ عَنْ جَعْفَر بْن مُحَمَّد وَسُفْيَان بْن عُيَيْنَة وَأَبِي زَيْد اللُّغَوِيّ وَاَللَّه أَعْلَم ثُمَّ لِيُعْلَم أَنَّ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى غَيْر مُنْحَصِرَة فِي تِسْعَة وَتِسْعِينَ بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد فِي مُسْنَده عَنْ يَزِيد بْن هَارُون عَنْ فُضَيْل بْن مَرْزُوق عَنْ أَبِي سَلَمَة الْجُهَنِيّ عَنْ الْقَاسِم بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ " مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمّ وَلَا حَزَن فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدك اِبْن عَبْدك اِبْن أَمَتك نَاصِيَتِي بِيَدِك مَاضٍ فِيَّ حُكْمك عَدْل فِيَّ قَضَاؤُك أَسْأَلك بِكُلِّ اِسْم هُوَ لَك سَمَّيْت بِهِ نَفْسك أَوْ أَنْزَلْته فِي كِتَابك أَوْ عَلَّمْته أَحَدًا مِنْ خَلْقك أَوْ اِسْتَأْثَرْت بِهِ فِي عِلْم الْغَيْب عِنْدك أَنْ تَجْعَل الْقُرْآن الْعَظِيم رَبِيع قَلْبِي وَنُور صَدْرِي وَجَلَاء حُزْنِي وَذَهَاب هَمِّي إِلَّا أَذْهَبَ اللَّه حُزْنه وَهَمَّهُ وَأَبْدَلَ مَكَانه فَرَحًا " فَقِيلَ يَا رَسُول اللَّه أَفَلَا نَتَعَلَّمهَا ؟ فَقَالَ " بَلَى يَنْبَغِي لِكُلِّ مَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمهَا" وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِمَام أَبُو حَاتِم بْن حِبَّان الْبُسْتِيّ فِي صَحِيحه بِمِثْلِهِ وَذَكَرَ الْفَقِيه الْإِمَام أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ أَحَد أَئِمَّة الْمَالِكِيَّة فِي كِتَابه الْأَحْوَذِيّ فِي شَرْح التِّرْمِذِيّ أَنَّ بَعْضهمْ جَمَعَ مِنْ الْكِتَاب وَالسُّنَّة مِنْ أَسْمَاء اللَّه أَلْف اِسْم فَاَللَّه أَعْلَم وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى " وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ " قَالَ إِلْحَاد الْمُلْحِدِينَ أَنْ دَعَوْا اللَّاتَ فِي أَسْمَاء اللَّه وَقَالَ اِبْن جُرَيْج عَنْ مُجَاهِد " وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ " قَالَ اِشْتَقُّوا اللَّاتَ مِنْ اللَّه وَالْعُزَّى مِنْ الْعَزِيز وَقَالَ قَتَادَة : يُلْحِدُونَ : يُشْرِكُونَ فِي أَسْمَائِهِ . وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس : الْإِلْحَاد التَّكْذِيب وَأَصْل الْإِلْحَاد فِي كَلَام الْعَرَب الْعُدُول عَنْ الْقَصْد وَالْمَيْل وَالْجَوْر وَالِانْحِرَاف وَمِنْهُ اللَّحْد فِي الْقَبْر لِانْحِرَافِهِ إِلَى جِهَة الْقِبْلَة عَنْ سَمْت الْحَفْر .
تفسير القرطبي
أَمْر بِإِخْلَاصِ الْعِبَادَة لِلَّهِ , وَمُجَانَبَة الْمُشْرِكِينَ وَالْمُلْحِدِينَ . قَالَ مُقَاتِل وَغَيْره مِنْ الْمُفَسِّرِينَ : نَزَلَتْ الْآيَة فِي رَجُل مِنْ الْمُسْلِمِينَ , كَانَ يَقُول فِي صَلَاته : يَا رَحْمَن يَا رَحِيم . فَقَالَ رَجُل مِنْ مُشْرِكِي مَكَّة : أَلَيْسَ يَزْعُم مُحَمَّد وَأَصْحَابه أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ رَبًّا وَاحِدًا , فَمَا بَال هَذَا يَدْعُو رَبَّيْنِ اِثْنَيْنِ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى : " وَلِلَّهِ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا " . جَاءَ فِي كِتَاب التِّرْمِذِيّ وَسُنَن اِبْن مَاجَهْ وَغَيْرهمَا حَدِيث عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصَّ فِيهِ " إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَة وَتِسْعِينَ اِسْمًا " الْحَدِيث ; فِي أَحَدهمَا مَا لَيْسَ فِي الْآخَر . وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي ( الْكِتَاب الْأَسْنَى فِي شَرْحِ أَسْمَاء اللَّه الْحُسْنَى ) . قَالَ اِبْن عَطِيَّة - وَذَكَرَ حَدِيث التِّرْمِذِيّ - وَذَلِكَ الْحَدِيث لَيْسَ بِالْمُتَوَاتِرِ , وَإِنْ كَانَ قَدْ قَالَ فِيهِ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيث غَرِيب لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيث صَفْوَان بْن صَالِح , وَهُوَ ثِقَة عِنْد أَهْل الْحَدِيث . وَإِنَّمَا الْمُتَوَاتِر مِنْهُ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَة وَتِسْعِينَ اِسْمًا مِائَة إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّة " . وَمَعْنَى " أَحْصَاهَا " عَدَّهَا وَحَفِظَهَا . وَقِيلَ غَيْر هَذَا مِمَّا بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابنَا . وَذَكَرْنَا هُنَاكَ تَصْحِيح حَدِيث التِّرْمِذِيّ , وَذَكَرْنَا مِنْ الْأَسْمَاء مَا اُجْتُمِعَ عَلَيْهِ وَمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِمَّا وَقَفْنَا عَلَيْهِ فِي كُتُب أَئِمَّتنَا مَا يُنَيِّف عَلَى مِائَتَيْ اِسْم . وَذَكَرْنَا قَبْل تَعْيِينِهَا فِي مُقَدِّمَة الْكِتَاب اِثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ فَصْلًا فِيمَا يَتَعَلَّق بِأَحْكَامِهَا , فَمَنْ أَرَادَهُ وَقَفَ عَلَيْهِ هُنَاكَ وَفِي غَيْره مِنْ الْكُتُب الْمَوْضُوعَة فِي هَذَا الْبَاب . وَاَللَّه الْمُوَفِّق لِلصَّوَابِ , لَا رَبَّ سِوَاهُ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء مِنْ هَذَا الْبَاب فِي الِاسْم وَالْمُسَمَّى , وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا لِلْعُلَمَاءِ مِنْ ذَلِكَ فِي " الْكِتَاب الْأَسْنَى " . قَالَ اِبْن الْحَصَّار : وَفِي هَذِهِ الْآيَة وُقُوع الِاسْم عَلَى الْمُسَمَّى وَوُقُوعه عَلَى التَّسْمِيَة . فَقَوْلُهُ : " وَلِلَّهِ " وَقَعَ عَلَى الْمُسَمَّى . , وَقَوْله : " الْأَسْمَاء " وَهُوَ جَمْع اِسْم وَاقِع عَلَى التَّسْمِيَات . يَدُلّ عَلَى صِحَّة مَا قُلْنَاهُ قَوْله : " فَادْعُوهُ بِهَا " , وَالْهَاء فِي قَوْله : " فَادْعُوهُ " تَعُود عَلَى الْمُسَمَّى سُبْحَانه وَتَعَالَى , فَهُوَ الْمَدْعُوّ . وَالْهَاء فِي قَوْله " بِهَا " تَعُود عَلَى الْأَسْمَاء , وَهِيَ التَّسْمِيَات الَّتِي يُدْعَى بِهَا لَا بِغَيْرِهَا . هَذَا الَّذِي يَقْتَضِيه لِسَان الْعَرَب . وَمِثْل ذَلِكَ قَوْل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لِي خَمْسَة أَسْمَاء أَنَا مُحَمَّد وَأَحْمَد " الْحَدِيث . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " شَيْء مِنْ هَذَا وَاَلَّذِي يَذْهَب إِلَيْهِ أَهْل الْحَقّ أَنَّ الِاسْم هُوَ الْمُسَمَّى , أَوْ صِفَة لَهُ تَتَعَلَّق بِهِ , وَأَنَّهُ غَيْر التَّسْمِيَة . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ عِنْد كَلَامه عَلَى قَوْله تَعَالَى : " وَلِلَّهِ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى " : فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال . قَالَ بَعْض عُلَمَائِنَا : فِي ذَلِكَ دَلِيل عَلَى أَنَّ الِاسْم الْمُسَمَّى ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ غَيْره لَوَجَبَ أَنْ تَكُون الْأَسْمَاء لِغَيْرِ اللَّه تَعَالَى . الثَّانِي : قَالَ آخَرُونَ : الْمُرَاد بِهِ التَّسْمِيَات ; لِأَنَّهُ سُبْحَانه وَاحِد وَالْأَسْمَاء جَمْع . قُلْت : ذَكَرَ اِبْن عَطِيَّة فِي تَفْسِيره أَنَّ الْأَسْمَاء فِي الْآيَة بِمَعْنَى التَّسْمِيَات إِجْمَاعًا مِنْ الْمُتَأَوِّلِينَ لَا يَجُوز غَيْره . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر فِي كِتَاب التَّمْهِيد : وَتَأْوِيل قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لِلَّهِ تِسْعَة وَتِسْعُونَ اِسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّة " أَيْ أَنَّ لَهُ تِسْعَة وَتِسْعِينَ تَسْمِيَة بِلَا خِلَاف , وَهِيَ عِبَارَات عَنْ كَوْن اللَّه تَعَالَى عَلَى أَوْصَاف شَتَّى , مِنْهَا مَا يَسْتَحِقّهُ لِنَفْسِهِ وَمِنْهَا مَا يَسْتَحِقّهُ لِصِفَةٍ تَتَعَلَّق بِهِ , وَأَسْمَاؤُهُ الْعَائِدَة إِلَى نَفْسه هِيَ هُوَ , وَمَا تَعَلَّقَ بِصِفَةٍ لَهُ فَهِيَ أَسْمَاء لَهُ . وَمِنْهَا صِفَات لِذَاتِهِ . وَمِنْهَا صِفَات أَفْعَال . وَهَذَا هُوَ تَأْوِيل قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَلِلَّهِ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا " أَيْ التَّسْمِيَات الْحُسْنَى . الثَّالِث : قَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : وَلِلَّهِ الصِّفَات . سَمَّى اللَّه سُبْحَانه أَسْمَاءَهُ بِالْحُسْنَى ; لِأَنَّهَا حَسَنَة فِي الْأَسْمَاع وَالْقُلُوب ; فَإِنَّهَا تَدُلّ عَلَى تَوْحِيده وَكَرَمِهِ وَجُوده وَرَحْمَته وَإِفْضَاله . وَالْحُسْنَى مَصْدَر وُصِفَ بِهِ . وَيَجُوز أَنْ يُقَدَّرَ " الْحُسْنَى " فُعْلَى , مُؤَنَّث الْأَحْسَن ; كَالْكُبْرَى تَأْنِيث الْأَكْبَر , وَالْجَمْع الْكُبَر وَالْحُسَن . وَعَلَى الْأَوَّل أُفْرِدَ كَمَا أُفْرِدَ وَصْف مَا لَا يَعْقِل ; كَمَا قَالَ تَعَالَى : " مَآرِب أُخْرَى " [ طَه : 18 ] وَ " يَا جِبَال أَوِّبِي مَعَهُ " [ سَبَأ : 10 ] . قَوْله تَعَالَى : " فَادْعُوهُ بِهَا " أَيْ اُطْلُبُوا مِنْهُ بِأَسْمَائِهِ ; فَيُطْلَب بِكُلِّ اِسْم مَا يَلِيق بِهِ , تَقُول : يَا رَحِيم اِرْحَمْنِي , يَا حَكِيم اُحْكُمْ لِي , يَا رَازِق اُرْزُقْنِي , يَا هَاد اِهْدِنِي , يَا فَتَّاح اِفْتَحْ لِي , يَا تَوَّاب تُبْ عَلَيَّ ; هَكَذَا . فَإِنْ دَعَوْت بِاسْمٍ عَامّ قُلْت : يَا مَالِك اِرْحَمْنِي , يَا عَزِيز اُحْكُمْ لِي , يَا لَطِيف اُرْزُقْنِي . وَإِنْ دَعَوْت بِالْأَعَمِّ الْأَعْظَم فَقُلْت : يَا اللَّهُ ; فَهُوَ مُتَضَمِّن لِكُلِّ اِسْم . وَلَا تَقُول : يَا رَزَّاق اِهْدِنِي ; إِلَّا أَنْ تُرِيد يَا رَزَّاق اُرْزُقْنِي الْخَيْر . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَكَذَا , رَتِّبْ دُعَاءَك تَكُنْ مِنْ الْمُخْلِصِينَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " شَرَائِط الدُّعَاء , وَفِي هَذِهِ السُّورَة أَيْضًا . وَالْحَمْد لِلَّهِ أَدْخَلَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ عِدَّة مِنْ الْأَسْمَاء فِي أَسْمَائِهِ سُبْحَانه , مِثْل مُتِمّ نُوره , وَخَيْر الْوَارِثِينَ , وَخَيْر الْمَاكِرِينَ , وَرَابِع ثَلَاثَة , وَسَادِس خَمْسَة , وَالطَّيِّب , وَالْمُعَلِّم ; وَأَمْثَال ذَلِكَ . قَالَ اِبْن الْحَصَّار : وَاقْتَدَى فِي ذَلِكَ بِابْنِ بَرَّجَان , إِذْ ذَكَرَ فِي الْأَسْمَاء " النَّظِيف " وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَرِدْ فِي كِتَاب وَلَا سُنَّة . قُلْت : أَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ قَوْله : " مِمَّا لَمْ يَرِد فِي كِتَاب وَلَا سُنَّة " فَقَدْ جَاءَ فِي صَحِيح مُسْلِم " الطَّيِّب " . وَخَرَّجَ التِّرْمِذِيّ " النَّظِيف " . وَخَرَّجَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول فِي دُعَائِهِ ( رَبّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ وَانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُر عَلَيَّ وَامْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُر عَلَيَّ " الْحَدِيث . وَقَالَ فِيهِ : حَدِيث حَسَن صَحِيح . فَعَلَى هَذَا جَائِز أَنْ يُقَال : يَا خَيْر الْمَاكِرِينَ اُمْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُر عَلَيَّ . وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَدْ ذَكَرْنَا " الطَّيِّب , وَالنَّظِيف " فِي كِتَابِنَا وَغَيْره مِمَّا جَاءَ ذِكْرُهُ فِي الْأَخْبَار , وَعَنْ السَّلَف الْأَخْيَار , وَمَا يَجُوز أَنْ يُسَمَّى بِهِ وَيُدْعَى , وَمَا يَجُوز أَنْ يُسَمَّى بِهِ وَلَا يُدْعَى , وَمَا لَا يَجُوز أَنْ يُسَمَّى بِهِ وَلَا يُدْعَى . حَسَب مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخ أَبُو الْحَسَن الْأَشْعَرِيّ . وَهُنَاكَ يَتَبَيَّن لَك ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . " يُلْحِدُونَ " الْإِلْحَاد : الْمَيْل وَتَرْك الْقَصْد ; يُقَال : أَلْحَدَ الرَّجُل فِي الدِّين . وَأَلْحَدَ إِذَا مَالَ . وَمِنْهُ اللَّحْد فِي الْقَبْر ; لِأَنَّهُ فِي نَاحِيَتِهِ . وَقُرِئَ " يَلْحَدُونَ " لُغَتَانِ وَالْإِلْحَاد يَكُون بِثَلَاثَةِ أَوْجُه أَحَدهَا : بِالتَّغْيِيرِ فِيهَا كَمَا فَعَلَهُ الْمُشْرِكُونَ , وَذَلِكَ أَنَّهُمْ عَدَلُوا بِهَا عَمَّا هِيَ عَلَيْهِ فَسَمَّوْا بِهَا أَوْثَانَهُمْ ; فَاشْتَقُّوا اللَّاتَ مِنْ اللَّه , وَالْعُزَّى مِنْ الْعَزِيز , وَمَنَاة مِنْ الْمَنَّان قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة . الثَّانِي : بِالزِّيَادَةِ فِيهَا . الثَّالِث : بِالنُّقْصَانِ مِنْهَا ; كَمَا يَفْعَلُهُ الْجُهَّال الَّذِينَ يَخْتَرِعُونَ أَدْعِيَة يُسَمُّونَ فِيهَا اللَّه تَعَالَى بِغَيْرِ أَسْمَائِهِ , وَيَذْكُرُونَ بِغَيْرِ مَا يُذْكَر مِنْ أَفْعَاله ; إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِمَّا لَا يَلِيق بِهِ . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : " فَحَذَارِ مِنْهَا , وَلَا يَدْعُوَنَّ أَحَدكُمْ إِلَّا بِمَا فِي كِتَاب اللَّه وَالْكُتُب الْخَمْسَة ; وَهِيَ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ . فَهَذِهِ الْكُتُب الَّتِي يَدُور الْإِسْلَام عَلَيْهَا , وَقَدْ دَخَلَ فِيهَا مَا فِي الْمُوَطَّأ الَّذِي هُوَ أَصْل التَّصَانِيف , وَذَرُوا مَا سِوَاهَا , وَلَا يَقُولَن أَحَدكُمْ أَخْتَار دُعَاء كَذَا وَكَذَا ; فَإِنَّ اللَّه قَدْ اِخْتَارَ لَهُ وَأَرْسَلَ بِذَلِكَ إِلَى الْخَلْق رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . الثَّانِيَة : مَعْنَى الزِّيَادَة فِي الْأَسْمَاء التَّشْبِيه , وَالنُّقْصَان التَّعْطِيل . فَإِنَّ الْمُشَبِّهَة وَصَفُوهُ بِمَا لَمْ يَأْذَن فِيهِ , وَالْمُعَطِّلَة سَلَبُوهُ مَا اِتَّصَفَ بِهِ , وَلِذَلِكَ قَالَ أَهْل الْحَقّ : إِنَّ دِيننَا طَرِيق بَيْن طَرِيقَيْنِ , لَا بِتَشْبِيهٍ وَلَا بِتَعْطِيلٍ . وَسُئِلَ الشَّيْخ أَبُو الْحَسَن الْبُوشَنْجِيّ عَنْ التَّوْحِيد فَقَالَ : إِثْبَات ذَات غَيْر مُشَبَّهَة بِالذَّوَاتِ , وَلَا مُعَطَّلَة مِنْ الصِّفَات . وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى : " وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ " مَعْنَاهُ اُتْرُكُوهُمْ وَلَا تُحَاجُّوهُمْ وَلَا تَعْرِضُوا لَهُمْ . فَالْآيَة عَلَى هَذَا مَنْسُوخَة بِالْقِتَالِ ; قَالَهُ اِبْن زَيْد . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ الْوَعِيد ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْت وَحِيدًا " [ الْمُدَّثِّر : 11 ] وَقَوْله : " ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا " [ الْحِجْر : 3 ] . وَهُوَ الظَّاهِر مِنْ الْآيَة ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ 0 " . وَاَللَّه أَعْلَم .
| فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ | فاطْلُبُوا من الله بأسمائِه ما تُريدون. |
|---|---|
| وَذَرُوا۟ | واترُكُوا. |
| یُلۡحِدُونَ فِیۤ أَسۡمَـٰۤىِٕهِۦۚ | يَميلون بها عَمَّا جُعِلَتْ له. |
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian