صفحات الموقع

سورة الأعراف الآية ١٩٩

سورة الأعراف الآية ١٩٩

خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَـٰهِلِینَ ﴿١٩٩﴾

التفسير

تفسير السعدي

هذه الآية جامعة, لحسن الخلق مع الناس, وما ينبغي في معاملتهم. فالذي ينبغي أن يعامل به الناس, أن يأخذ العفو, أي: ما سمحت به أنفسهم, وما سهل عليهم من الأعمال والأخلاق. فلا يكلفهم, ما لا تسمح به طبائعهم, بل يشكر من كل أحد, ما قابله به, من قول, وفعل, جميل, أو ما هو دون ذلك, ويتجاوز عن تقصيرهم ويغض طرفه عن نقصهم. ولا يتكبر على الصغير لصغره, ولا ناقص العقل لنقصه, ولا الفقير لفقره. بل يعامل الجميع, باللطف, والمقابلة بما تقضيه الحال, وتنشرح له صدورهم. " وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ " أي: بكل قول حسن, وفعل جميل, وخلق كامل للقريب والبعيد. فاجعل ما يأتي إلى الناس منك, إما تعليم علم, أو حثا على خير, من صلة رحم, أو بَرِّ والدين, أو إصلاح بين الناس, أو نصيحة نافعة, أو رأي مصيب, أو معاونة على بر وتقوى, أو زجر عن قبيح, أو إرشاد إلى تحصيل مصلحة دينية, أو دنيوية. ولما كان لابد من أذية الجاهل, أمر اللّه تعالى أن يقابل الجاهل, بالإعراض عنه, وعدم مقابلته بجهله. فمن آذاك, بقوله, أو فعله, لا تؤذه, ومن حرمك, لا تحرمه, ومن قطعك, فَصِلْهُ, ومن ظلمك فاعدل فيه. وأما ما ينبغي أن يعامل به العبد شياطين الجن, فقال تعالى: " وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ " إلى " ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ " .

التفسير الميسر

اقْبَلْ -أيها النبي أنت وأمتك- الفضل من أخلاق الناس وأعمالهم، ولا تطلب منهم ما يشق عليهم حتى لا ينفروا، وأْمر بكل قول حسن وفِعْلٍ جميل، وأعرض عن منازعة السفهاء ومساواة الجهلة الأغبياء.

تفسير الجلالين

"خُذْ الْعَفْو" الْيُسْر مِنْ أَخْلَاق النَّاس وَلَا تَبْحَث عَنْهَا "وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ" بِالْمَعْرُوفِ "وَأَعْرِض عَنْ الْجَاهِلِينَ" فَلَا تَقَابُلهمْ بِسَفَهِهِمْ

تفسير ابن كثير

قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله " خُذْ الْعَفْو " يَعْنِي خُذْ مَا عُفِيَ لَك مِنْ أَمْوَالهمْ وَمَا أَتَوْك بِهِ مِنْ شَيْء فَخُذْهُ وَكَانَ هَذَا قَبْل أَنْ تَنْزِل بَرَاءَة بِفَرَائِض الصَّدَقَات وَتَفْصِيلهَا وَمَا اِنْتَهَتْ إِلَيْهِ الصَّدَقَات قَالَهُ السُّدِّيّ وَقَالَ الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس " خُذْ الْعَفْو" أَنْفِقْ الْفَضْل وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس" خُذْ الْعَفْو " قَالَ الْفَضْل وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَمَ فِي قَوْله " خُذْ الْعَفْو " أَمَرَهُ اللَّه بِالْعَفْوِ وَالصَّفْح عَنْ الْمُشْرِكِينَ عَشْر سِنِينَ ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْل اِبْن جَرِير وَقَالَ غَيْر وَاحِد عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى " خُذْ الْعَفْو " قَالَ مِنْ أَخْلَاق النَّاس وَأَعْمَالهمْ مِنْ غَيْر تَجَسُّس وَقَالَ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ أَمَرَ اللَّه رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْخُذ الْعَفْو مِنْ أَخْلَاق النَّاس وَفِي رِوَايَة قَالَ خُذْ مَا عُفِيَ لَك مِنْ أَخْلَاقهمْ وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ عُرْوَة عَنْ أَخِيهِ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر قَالَ : إِنَّمَا أَنْزَلَ خُذْ الْعَفْو مِنْ أَخْلَاق النَّاس وَفِي رِوَايَة لِغَيْرِهِ عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْن عُمَر وَفِي رِوَايَة عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة أَنَّهُمَا قَالَا مِثْل ذَلِكَ وَاَللَّه أَعْلَم . وَفِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ هِشَام عَنْ وَهْب بْن كَيْسَان عَنْ أَبِي الزُّبَيْر : خُذْ الْعَفْو قَالَ مِنْ أَخْلَاق النَّاس وَاَللَّه لَآخُذَنَّهُ مِنْهُمْ مَا صَحِبْتهمْ وَهَذَا أَشْهَر الْأَقْوَال وَيَشْهَد لَهُ مَا رَوَاهُ اِبْن جَرِير وَابْن أَبِي حَاتِم جَمِيعًا حَدَّثَنَا يُونُس حَدَّثَنَا سُفْيَان هُوَ اِبْن عُيَيْنَة عَنْ أَبِي قَالَ : لَمَّا أَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " خُذْ الْعَفْو وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَا هَذَا يَا جِبْرِيل ؟ قَالَ إِنَّ اللَّه أَمَرَك أَنْ تَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَك وَتُعْطِي مَنْ حَرَمَك وَتَصِل مَنْ قَطَعَك " وَقَدْ رَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم أَيْضًا عَنْ أَبِي يَزِيد الْقَرَاطِيسِيّ كِتَابَة عَنْ أَصْبَغ بْن الْفَرَج عَنْ سُفْيَان عَنْ أَبِي عَنْ الشَّعْبِيّ نَحْوه وَهَذَا مُرْسَل عَلَى كُلّ حَال وَقَدْ رُوِيَ لَهُ شَوَاهِد مِنْ وُجُوه أُخَر وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا عَنْ جَابِر وَقَيْس بْن سَعْد بْن عُبَادَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْنَدَهُمَا اِبْن مَرْدَوَيْهِ وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَة حَدَّثَنَا شُعْبَة حَدَّثَنَا مُعَاذ بْن رِفَاعَة حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن يَزِيد عَنْ الْقَاسِم بْن أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيّ عَنْ عُقْبَة بْن عَامِر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : لَقِيت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَابْتَدَأْتُهُ فَأَخَذْت بِيَدِهِ فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه أَخْبِرْنِي بِفَوَاضِل الْأَعْمَال فَقَالَ " يَا عُقْبَة صِلْ مَنْ قَطَعَك وَأَعْطِ مَنْ حَرَمَك وَأَعْرِضْ عَمَّنْ ظَلَمَك " وَرَوَى التِّرْمِذِيّ نَحْوه مِنْ طَرِيق عُبَيْد اللَّه بْن زَحْر عَنْ عَلِيّ بْن يَزِيد بِهِ وَقَالَ حَسَن قُلْت وَلَكِنْ عَلِيّ بْن يَزِيد وَشَيْخه الْقَاسِم أَبُو عَبْد الرَّحْمَن فِيهِمَا ضَعْف وَقَالَ الْبُخَارِيّ قَوْله " خُذْ الْعَفْو وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ " الْعُرْف الْمَعْرُوف حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَان حَدَّثَنَا شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيّ أَخْبَرَنِي عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة أَنَّ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَالَ : قَدِمَ عُيَيْنَة بْن حِصْن بْن حُذَيْفَة فَنَزَلَ عَلَى اِبْن أَخِيهِ الْحُرّ بْن قَيْس وَكَانَ مِنْ النَّفَر الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمَر وَكَانَ الْقُرَّاء أَصْحَاب مَجَالِس عُمَر وَمُشَاوَرَته كُهُولًا كَانُوا أَوْ شَبَابًا فَقَالَ عُيَيْنَة لِابْنِ أَخِيهِ يَا اِبْن أَخِي لَك وَجْه عِنْد هَذَا الْأَمِير فَاسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ قَالَ : سَأَسْتَأْذِنُ لَك عَلَيْهِ قَالَ اِبْن عَبَّاس فَاسْتَأْذَنَ الْحُرّ لِعُيَيْنَة فَأَذِنَ لَهُ عُمَر فَدَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ هِيَ يَا اِبْن الْخَطَّاب فَوَاَللَّهِ مَا تُعْطِينَا الْجَزْل وَلَا تَحْكُم بَيْننَا بِالْعَدْلِ فَغَضِبَ عُمَر حَتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِع بِهِ فَقَالَ لَهُ الْحُرّ : يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " خُذْ الْعَفْو وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ " وَإِنَّ هَذَا مِنْ الْجَاهِلِينَ وَاَللَّه مَا جَاوَزَهَا عُمَر حِين تَلَاهَا عَلَيْهِ وَكَانَ وَقَّافًا عِنْد كِتَاب اللَّه عَزَّ وَجَلَّ اِنْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ الْبُخَارِيّ وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : حَدَّثَنَا يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى قِرَاءَة أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب أَخْبَرَنِي مَالِك بْن أَنَس عَنْ عَبْد اللَّه بْن نَافِع أَنَّ سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر مَرَّ عَلَى عِير لِأَهْلِ الشَّام وَفِيهَا جَرَس فَقَالَ : إِنَّ هَذَا مَنْهِيّ عَنْهُ فَقَالُوا : نَحْنُ أَعْلَم بِهَذَا مِنْك إِنَّمَا يُكْرَه الْجُلْجُل الْكَبِير فَأَمَّا مَثَل هَذَا فَلَا بَأْس بِهِ فَسَكَتَ سَالِم وَقَالَ " وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ " وَقَوْل الْبُخَارِيّ الْعُرْف الْمَعْرُوف نَصَّ عَلَيْهِ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر وَالسُّدِّيّ وَقَتَادَة وَابْن جَرِير وَغَيْر وَاحِد وَحَكَى اِبْن جَرِير أَنَّهُ يُقَال أَوْلَيْته مَعْرُوفًا وَعَارِفًا كُلّ ذَلِكَ بِمَعْنَى الْمَعْرُوف قَالَ وَقَدْ أَمَرَ اللَّه نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْمُر عِبَاده بِالْمَعْرُوفِ وَيَدْخُل فِي ذَلِكَ جَمِيع الطَّاعَات وَبِالْإِعْرَاضِ عَنْ الْجَاهِلِينَ وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ أَمْرًا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ تَأْدِيب لِخَلْقِهِ بِاحْتِمَالِ مَنْ ظَلَمَهُمْ وَاعْتَدَى عَلَيْهِمْ لَا بِالْإِعْرَاضِ عَمَّنْ جَهِلَ الْحَقّ الْوَاجِب مِنْ حَقّ اللَّه وَلَا بِالصَّفْحِ عَمَّنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ وَجَهِلَ وَحْدَانِيّته وَهُوَ لِلْمُسْلِمِينَ حَرْب وَقَالَ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله " خُذْ الْعَفْو وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ " قَالَ هَذِهِ أَخْلَاق أَمَرَ اللَّه بِهَا نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَلَّهُ عَلَيْهَا وَقَدْ أَخَذَ بَعْض الْحُكَمَاء هَذَا الْمَعْنَى فَسَبَّكَهُ فِي بَيْتَيْنِ فِيهِمَا جِنَاس فَقَالَ : خُذْ الْعَفْو وَأْمُرْ بِعُرْفٍ كَمَا أُمِرْتَ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ وَلِنْ فِي الْكَلَام لِكُلِّ الْأَنَام فَمُسْتَحْسَن مِنْ ذَوِي الْجَاه لِين وَقَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : النَّاس رَجُلَانِ فَرَجُل مُحْسِن فَخُذْ مَا عَفَا لَك مِنْ إِحْسَانه وَلَا تُكَلِّفهُ فَوْق طَاقَته وَلَا مَا يُحْرِجهُ وَإِمَّا مُسِيء فَمُرْهُ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ تَمَادَى عَلَى ضَلَاله وَاسْتَعْصَى عَلَيْك وَاسْتَمَرَّ فِي جَهْله فَأَعْرِضْ عَنْهُ فَلَعَلَّ ذَلِكَ أَنْ يَرُدّ كَيْده كَمَا قَالَ تَعَالَى " اِدْفَعْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَن السَّيِّئَة نَحْنُ أَعْلَم بِمَا تَصِفُونَ وَقُلْ رَبّ أَعُوذ بِك مِنْ هَمَزَات الشَّيَاطِين وَأَعُوذ بِك رَبّ أَنْ يَحْضُرُونِي" وَقَالَ تَعَالَى " وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَة وَلَا السَّيِّئَة اِدْفَعْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَن فَإِذَا الَّذِي بَيْنك وَبَيْنه عَدَاوَة كَأَنَّهُ وَلِيّ حَمِيم وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظّ عَظِيم " أَيْ هَذِهِ الْوَصِيَّة" .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { خُذْ الْعَفْو } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : تَأْوِيله : خُذْ الْعَفْو مِنْ أَخْلَاق النَّاس , وَهُوَ الْفَضْل وَمَا لَا يُجْهِدهُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 12063 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ الْقَاسِم , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { خُذْ الْعَفْو } قَالَ : مِنْ أَخْلَاق النَّاس وَأَعْمَالهمْ بِغَيْرِ تَحَسُّس . * حَدَّثَنَا يَعْقُوب وَابْن وَكِيع , قَالَا : ثنا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { خُذْ الْعَفْو } قَالَ : عَفْو أَخْلَاق النَّاس , وَعَفْو أُمُورهمْ . 12064 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : ثني اِبْن أَبِي الزِّنَاد , عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ أَبِيهِ فِي قَوْله : { خُذْ الْعَفْو } الْآيَة . قَالَ عُرْوَة : أَمَرَ اللَّه رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْخُذ الْعَفْو مِنْ أَخْلَاق النَّاس . 12065 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن الزُّبَيْر , قَالَ : مَا أَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة إِلَّا فِي أَخْلَاق النَّاس : { خُذْ الْعَفْو وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ } * حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن بَكْر , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : بَلَغَنِي عَنْ مُجَاهِد : { خُذْ الْعَفْو } مِنْ أَخْلَاق النَّاس وَأَعْمَالهمْ بِغَيْرِ تَحَسُّس . * قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ وَهْب بْن كَيْسَان , عَنْ اِبْن الزُّبَيْر : { خُذْ الْعَفْو } قَالَ : مِنْ أَخْلَاق النَّاس , وَاَللَّه لَآخُذَنَّهُ مِنْهُمْ مَا صَحِبْتهمْ. * قَالَ : ثنا عَبْدَة بْن سُلَيْمَان , عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن الزُّبَيْر , قَالَ : إِنَّمَا أَنْزَلَ اللَّه { خُذْ الْعَفْو } مِنْ أَخْلَاق النَّاس . * حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَهُ - ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { خُذْ الْعَفْو } قَالَ : مِنْ أَخْلَاق النَّاس وَأَعْمَالهمْ مِنْ غَيْر تَجَسُّس أَوْ تَحَسُّس , شَكَّ أَبُو عَاصِم . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : { خُذْ الْعَفْو } مِنْ أَمْوَال النَّاس , وَهُوَ الْفَضْل . قَالُوا : وَأُمِرَ بِذَلِكَ قَبْل نُزُول الزَّكَاة , فَلَمَّا نَزَلَتْ الزَّكَاة نُسِخَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 12066 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { خُذْ الْعَفْو } يَعْنِي : خُذْ مَا عَفَا لَك مِنْ أَمْوَالهمْ , وَمَا أَتَوْك بِهِ مِنْ شَيْء فَخُذْهُ . فَكَانَ هَذَا قَبْل أَنْ تَنْزِل بَرَاءَة بِفَرَائِض الصَّدَقَات وَتَفْصِيلهَا وَمَا اِنْتَهَتْ الصَّدَقَات إِلَيْهِ . 12067 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن . قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { خُذْ الْعَفْو } أَمَّا الْعَفْو : فَالْفَضْل مِنْ الْمَال , نَسَخَتْهَا الزَّكَاة . 12068 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثنا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك , يَقُول فِي قَوْله : { خُذْ الْعَفْو } يَقُول : خُذْ مَا عَفَا مِنْ أَمْوَالهمْ , وَهَذَا قَبْل أَنْ تَنْزِل الصَّدَقَة الْمَفْرُوضَة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ أَمْر مِنْ اللَّه نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعَفْوِ عَنْ الْمُشْرِكِينَ وَتَرْك الْغِلْظَة عَلَيْهِمْ قَبْل أَنْ يُفْرَض قِتَالهمْ عَلَيْهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 12069 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { خُذْ الْعَفْو } قَالَ : أَمَرَهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُمْ عَشْر سِنِينَ بِمَكَّة . قَالَ : ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ وَأَنْ يَقْعُد لَهُمْ كُلّ مَرْصَد وَأَنْ يَحْصُرهُمْ , ثُمَّ قَالَ : { فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاة } الْآيَة كُلّهَا , وَقَرَأَ : { يَا أَيّهَا النَّبِيّ جَاهِدْ الْكُفَّار وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ } 9 73 قَالَ : وَأَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ , فَقَالَ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّار وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَة } 9 123 بَعْدَمَا كَانَ أَمَرَهُمْ بِالْعَفْوِ , وَقَرَأَ قَوْل اللَّه : { قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّام اللَّه } 45 14 ثُمَّ لَمْ يَقْبَل مِنْهُمْ بَعْد ذَلِكَ إِلَّا الْإِسْلَام أَوْ الْقَتْل , فَنَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَة الْعَفْو . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : خُذْ الْعَفْو مِنْ أَخْلَاق النَّاس , وَاتْرُكْ الْغِلْظَة عَلَيْهِمْ , وَقَالَ : أُمِرَ بِذَلِكَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُشْرِكِينَ . وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ , لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَتْبَعَ ذَلِكَ تَعْلِيمه نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَاجَّته الْمُشْرِكِينَ فِي الْكَلَام , وَذَلِكَ قَوْله : { قُلْ اُدْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ } , وَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ : { وَإِخْوَانهمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اِجْتَبَيْتهَا } 7 202 : 203 فَمَا بُيِّنَ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُون مِنْ تَأْدِيبه نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عِشْرَتهمْ بِهِ أَشْبَهَ وَأَوْلَى مِنْ الِاعْتِرَاض بِأَمْرِهِ بِأَخْذِ الصَّدَقَة مِنْ الْمُسْلِمِينَ. فَإِنْ قَالَ قَائِل : أَفَمَنْسُوخ ذَلِكَ ؟ قِيلَ : لَا دَلَالَة عِنْدنَا عَلَى أَنَّهُ مَنْسُوخ , إِذْ كَانَ جَائِزًا أَنْ يَكُون , وَإِنْ كَانَ اللَّه أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَعْرِيفه عِشْرَة مَنْ لَمْ يُؤْمَر بِقِتَالِهِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ; مُرَادًا بِهِ تَأْدِيب نَبِيّ اللَّه وَالْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا فِي عِشْرَة النَّاس وَأَمْرهمْ بِأَخْذِ عَفْو أَخْلَاقهمْ , فَيَكُون وَإِنْ كَانَ مِنْ أَجْلهمْ نَزَلَ تَعْلِيمًا مِنْ اللَّه خَلْقه صِفَة عِشْرَة بَعْضهمْ بَعْضًا , لَمْ يَجِب اِسْتِعْمَال الْغِلْظَة وَالشِّدَّة فِي بَعْضهمْ , فَإِذَا وَجَبَ اِسْتِعْمَال ذَلِكَ فِيهِمْ اُسْتُعْمِلَ الْوَاجِب , فَيَكُون قَوْله : { خُذْ الْعَفْو } أَمْرًا بِأَخْذِهِ مَا لَمْ يَجِب غَيْر الْعَفْو , فَإِذَا وَجَبَ غَيْره أُخِذَ الْوَاجِب وَغَيْر الْوَاجِب إِذَا أَمْكَنَ ذَلِكَ ; فَلَا يُحْكَم عَلَى الْآيَة بِأَنَّهَا مَنْسُوخَة لِمَا قَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي نَظَائِره فِي غَيْر مَوْضِع مِنْ كُتُبنَا . وَأَمَّا قَوْله : { وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ بِمَا : 12070 - حَدَّثَنِي الْحَسَن بْن الزِّبْرِقَان النَّخَعِيّ , قَالَ : ثني حُسَيْن الْجُعْفِيّ , عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة , عَنْ رَجُل قَدْ سَمَّاهُ , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { خُذْ الْعَفْو وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِض عَنْ الْجَاهِلِينَ } قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا جِبْرِيل مَا هَذَا " ؟ قَالَ : مَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَل الْعَالِم . قَالَ : ثُمَّ قَالَ جِبْرِيل : يَا مُحَمَّد إِنَّ اللَّه يَأْمُرك أَنْ تَصِل مَنْ قَطَعَك , وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَك , وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَك . 12071 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا سُفْيَان , عَنْ أُبَيّ , قَالَ : لَمَّا أَنْزَلَ اللَّه عَلَى نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { خُذْ الْعَفْو وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِض عَنْ الْجَاهِلِينَ } قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا هَذَا يَا جِبْرِيل " ؟ قَالَ : إِنَّ اللَّه يَأْمُرك أَنْ تَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَك , وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَك , وَتَصِل مَنْ قَطَعَك . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : 12072 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ أَبِيهِ : { وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ } يَقُول : بِالْمَعْرُوفِ . 12073 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ } قَالَ : أَمَّا الْعُرْف : فَالْمَعْرُوف. 12074 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ } أَيْ بِالْمَعْرُوفِ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه أَمَرَ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْمُر النَّاس بِالْعُرْفِ , وَهُوَ الْمَعْرُوف فِي كَلَام الْعَرَب , مَصْدَر فِي مَعْنَى الْمَعْرُوف , يُقَال أَوْلَيْته عُرْفًا وَعَارِفًا وَعَارِفَة كُلّ ذَلِكَ بِمَعْنَى الْمَعْرُوف . فَإِذَا كَانَ مَعْنَى الْعُرْف ذَلِكَ , فَمِنْ الْمَعْرُوف صِلَة رَحِم مَنْ قَطَعَ , وَإِعْطَاء مَنْ حَرَمَ , وَالْعَفْو عَمَّنْ ظَلَمَ . وَكُلّ مَا أَمَرَ اللَّه بِهِ مِنْ الْأَعْمَال أَوْ نَدَبَ إِلَيْهِ فَهُوَ مِنْ الْعُرْف . وَلَمْ يُخَصِّص اللَّه مِنْ ذَلِكَ مَعْنًى دُون مَعْنًى ; فَالْحَقّ فِيهِ أَنْ يُقَال : قَدْ أَمَرَ اللَّه نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْمُر عِبَاده بِالْمَعْرُوفِ كُلّه لَا بِبَعْضِ مَعَانِيه دُون بَعْض . وَأَمَّا قَوْله : { وَأَعْرِض عَنْ الْجَاهِلِينَ } فَإِنَّهُ أَمْر مِنْ اللَّه تَعَالَى نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعْرِض عَمَّنْ جَهِلَ . وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ أَمْرًا مِنْ اللَّه لِنَبِيِّهِ , فَإِنَّهُ تَأْدِيب مِنْهُ عَزَّ ذِكْره لِخَلْقِهِ بِاحْتِمَالِ مَنْ ظَلَمَهُمْ أَوْ اِعْتَدَى عَلَيْهِمْ , لَا بِالْإِعْرَاضِ عَمَّنْ جَهِلَ الْوَاجِب عَلَيْهِ مِنْ حَقّ اللَّه وَلَا بِالصَّفْحِ عَمَّنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ وَجَهِلَ وَحْدَانِيّته , وَهُوَ لِلْمُسْلِمِينَ حَرْب . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 12075 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { خُذْ الْعَفْو وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ } قَالَ : أَخْلَاق أَمَرَ اللَّه بِهَا نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَدَلَّهُ عَلَيْهَا.

تفسير القرطبي

دَخَلَ فِيهِ صِلَة الْقَاطِعِينَ , وَالْعَفْو عَنْ الْمُذْنِبِينَ , وَالرِّفْق بِالْمُؤْمِنِينَ , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أَخْلَاق الْمُطِيعِينَ صِلَة الْأَرْحَام , وَتَقْوَى اللَّه فِي الْحَلَال وَالْحَرَام , وَغَضّ الْأَبْصَار , وَالِاسْتِعْدَاد لِدَارِ الْقَرَار . وَفِي قَوْله " وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ " الْحَضّ عَلَى التَّعَلُّق بِالْعِلْمِ , وَالْإِعْرَاض عَنْ أَهْل الظُّلْم , وَالتَّنَزُّه عَنْ مُنَازَعَة السُّفَهَاء , وَمُسَاوَاة الْجَهَلَة الْأَغْبِيَاء , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَخْلَاق الْحَمِيدَة وَالْأَفْعَال الرَّشِيدَة . قُلْت : هَذِهِ الْخِصَال تَحْتَاج إِلَى بَسْط , وَقَدْ جَمَعَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجَابِرِ بْن سُلَيْم . قَالَ جَابِر بْن سُلَيْم أَبُو جُرَيّ : رَكِبْت قَعُودِي ثُمَّ أَتَيْت إِلَى مَكَّة فَطَلَبْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَنَخْت قَعُودِي بِبَابِ الْمَسْجِد , فَدَلُّونِي عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِذَا هُوَ جَالِس عَلَيْهِ بُرْد مِنْ صُوف فِيهِ طَرَائِق حُمْر ; فَقُلْت : السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول اللَّه . فَقَالَ : " وَعَلَيْك السَّلَام " . فَقُلْت : إِنَّا مَعْشَر أَهْل الْبَادِيَة , قَوْم فِينَا الْجَفَاء ; فَعَلِّمْنِي كَلِمَات يَنْفَعنِي اللَّه بِهَا . قَالَ : " اُدْنُ " ثَلَاثًا , فَدَنَوْت فَقَالَ : " أَعِدْ عَلَيَّ " فَأَعَدْت عَلَيْهِ فَقَالَ : ( اِتَّقِ اللَّه وَلَا تَحْقِرَنَّ مِنْ الْمَعْرُوف شَيْئًا وَأَنْ تَلْقَى أَخَاك بِوَجْهٍ مُنْبَسِط وَأَنْ تُفْرِغ مِنْ دَلْوك فِي إِنَاء الْمُسْتَسْقِي وَإِنْ أَمْرُؤُ سَبَّكَ بِمَا لَا يَعْلَم مِنْك فَلَا تَسُبّهُ بِمَا تَعْلَم فِيهِ فَإِنَّ اللَّه جَاعِل لَك أَجْرًا وَعَلَيْهِ وِزْرًا وَلَا تَسُبَّن شَيْئًا مِمَّا خَوَّلَك اللَّه تَعَالَى ) . قَالَ أَبُو جُرَيّ : فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ , مَا سَبَبْت بَعْده شَاة وَلَا بَعِيرًا . أَخْرَجَهُ أَبُو بَكْر الْبَزَّار فِي مُسْنَده بِمَعْنَاهُ . وَرَوَى أَبُو سَعِيد الْمَقْبُرِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " إِنَّكُمْ لَا تَسَعُونَ النَّاس بِأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَسَعهُمْ مِنْكُمْ بَسْط الْوَجْه وَحُسْن الْخُلُق " . وَقَالَ اِبْن الزُّبَيْر : مَا أَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة إِلَّا فِي أَخْلَاق النَّاس . وَرَوَى الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيث هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر فِي قَوْله : " خُذْ الْعَفْو وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ " قَالَ : مَا أَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة إِلَّا فِي أَخْلَاق النَّاس . وَرَوَى سُفْيَان بْن عُيَيْنَة عَنْ الشَّعْبِيّ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ جِبْرِيل نَزَلَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا هَذَا يَا جِبْرِيل " ؟ فَقَالَ : " لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَل الْعَالِم " فِي رِوَايَة " لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَل رَبِّيَ " فَذَهَبَ فَمَكَثَ سَاعَة ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : " إِنَّ اللَّه تَعَالَى يَأْمُرُك أَنْ تَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَك وَتُعْطِي مَنْ حَرَمَك وَتَصِل مَنْ قَطَعَك " . فَنَظَمَهُ بَعْض الشُّعَرَاء فَقَالَ : مَكَارِم الْأَخْلَاق فِي ثَلَاثَة مَنْ كَمُلَتْ فِيهِ فَذَلِكَ الْفَتَى إِعْطَاءُ مَنْ تَحْرِمُهُ وَوَصْلُ مَنْ تَقْطَعُهُ وَالْعَفْوُ عَمَّنْ اعْتَدَى وَقَالَ جَعْفَر الصَّادِق : أَمَرَ اللَّه نَبِيّه بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاق فِي هَذِهِ الْآيَة , وَلَيْسَ فِي الْقُرْآن آيَة أَجْمَع لِمَكَارِمِ الْأَخْلَاق مِنْ هَذِهِ الْآيَة . وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( بُعِثْت لِأُتَمِّمَ مَكَارِم الْأَخْلَاق ) . وَقَالَ الشَّاعِر : كُلّ الْأُمُور تَزُول عَنْك وَتَنْقَضِي إِلَّا الثَّنَاء فَإِنَّهُ لَك بَاقِي وَلَوْ أَنَّنِي خُيِّرْت كُلّ فَضِيلَة مَا اِخْتَرْت غَيْر مَكَارِم الْأَخْلَاق وَقَالَ سَهْل بْن عَبْد اللَّه : كَلَّمَ اللَّه مُوسَى بِطُورِ سَيْنَاء . قِيلَ لَهُ : بِأَيِّ شَيْء أَوْصَاك ؟ قَالَ : بِتِسْعَةِ أَشْيَاء , الْخَشْيَة فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة , وَكَلِمَة الْحَقّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَب , وَالْقَصْد فِي الْفَقْر وَالْغِنَى , وَأَمَرَنِي أَنْ أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي , وَأُعْطِيَ مَنْ حَرَمَنِي , وَأَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي , وَأَنْ يَكُون نُطْقِي ذِكْرًا , وَصَمْتِي فِكْرًا , وَنَظَرِي عِبْرَة . قُلْت : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ نَبِيِّنَا مُحَمَّد أَنَّهُ قَالَ ( أَمَرَنِي رَبِّي بِتِسْعٍ الْإِخْلَاص فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة وَالْعَدْل فِي الرِّضَا وَالْغَضَب وَالْقَصْد فِي الْغِنَى وَالْفَقْر وَأَنْ أَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَنِي وَأَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي وَأُعْطِيَ مَنْ حَرَمَنِي وَأَنْ يَكُون نُطْقِي ذِكْرًا وَصَمْتِي فِكْرًا وَنَظَرِي عِبْرَة ) . وَقِيلَ : الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : " خُذْ الْعَفْو " أَيْ الزَّكَاة ; لِأَنَّهَا يَسِير مِنْ كَثِير . وَفِيهِ بُعْد ; لِأَنَّهُ مِنْ عَفَا إِذَا دَرَسَ . وَقَدْ يُقَال : خُذْ الْعَفْو مِنْهُ , أَيْ لَا تُنْقِص عَلَيْهِ وَسَامِحْهُ . وَسَبَب النُّزُول يَرُدُّهُ , وَاَللَّه أَعْلَم . فَإِنَّهُ لَمَّا أَمَرَهُ بِمَحَاجَّةِ الْمُشْرِكِينَ دَلَّهُ عَلَى مَكَارِم الْأَخْلَاق , فَإِنَّهَا سَبَب جَرِّ الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْإِيمَان . أَيْ اِقْبَلْ مِنْ النَّاس مَا عَفَا لَك مِنْ أَخْلَاقِهِمْ وَتَيَسَّرْ ; تَقُول : أَخَذْت حَقِّي عَفْوًا صَفْوًا , أَيْ سَهْلًا . قَوْله تَعَالَى : " وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ " أَيْ بِالْمَعْرُوفِ . وَقَرَأَ عِيسَى بْن عُمَر " الْعُرُف " بِضَمَّتَيْنِ ; مِثْل الْحُلُم ; وَهُمَا لُغَتَانِ . وَالْعُرْف وَالْمَعْرُوف وَالْعَارِفَة : كُلّ خَصْلَة حَسَنَة تَرْتَضِيهَا الْعُقُول , وَتَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا النُّفُوس . قَالَ الشَّاعِر : مَنْ يَفْعَل الْخَيْر لَا يَعْدَم جَوَازِيَهُ لَا يَذْهَب الْعُرْف بَيْن اللَّه وَالنَّاس وَقَالَ عَطَاء : " وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ " يَعْنِي بِلَا إِلَه إِلَّا اللَّه . قَوْله تَعَالَى : " وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ " أَيْ إِذَا أَقَمْت عَلَيْهِمْ الْحُجَّة وَأَمَرْتهمْ بِالْمَعْرُوفِ فَجَهِلُوا عَلَيْك فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ; صِيَانَة لَهُ عَلَيْهِمْ وَرَفْعًا لِقَدْرِهِ عَنْ مُجَاوَبَتِهِمْ . وَهَذَا وَإِنْ كَانَ خِطَابًا لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَام فَهُوَ تَأْدِيب لِجَمِيعِ خَلْقِهِ . وَقَالَ اِبْن زَيْد وَعَطَاء : هِيَ مَنْسُوخَة بِآيَةِ السَّيْف . وَقَالَ مُجَاهِد وَقَتَادَة : هِيَ مُحْكَمَة ; وَهُوَ الصَّحِيح لِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس قَالَ : قَدِمَ عُيَيْنَة بْن حِصْن بْن حُذَيْفَة بْن بَدْر فَنَزَلَ عَلَى اِبْن أَخِيهِ الْحُرّ بْن قَيْس بْن حِصْن , وَكَانَ مِنْ النَّفَر الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمَر , وَكَانَ الْقُرَّاء أَصْحَاب مَجَالِس عُمَر وَمُشَاوَرَته , كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا . فَقَالَ عُيَيْنَة لِابْنِ أَخِيهِ : يَا ابْن أَخِي , هَلْ لَك وَجْه عِنْد هَذَا الْأَمِير , فَتَسْتَأْذِن لِي عَلَيْهِ . قَالَ : سَأَسْتَأْذِنُ لَك عَلَيْهِ ; فَاسْتَأْذَنَ لِعُيَيْنَة . فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ : يَا ابْن الْخَطَّاب , وَاَللَّه مَا تُعْطِينَا الْجَزْل , وَلَا تَحْكُم بَيْنَنَا بِالْعَدْلِ ! قَالَ : فَغَضِبَ عُمَر حَتَّى هَمَّ بِأَنْ يَقَعَ بِهِ . فَقَالَ الْحُرّ ; يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ , إِنَّ اللَّه قَالَ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَام " خُذْ الْعَفْو وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ " وَإِنَّ هَذَا مِنْ الْجَاهِلِينَ . فَوَاَللَّهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَر حِين تَلَاهَا عَلَيْهِ , وَكَانَ وَقَّافًا عِنْد كِتَاب اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . قُلْت : فَاسْتِعْمَال عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لِهَذِهِ الْآيَة وَاسْتِدْلَال الْحُرّ بِهَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهَا مُحْكَمَة لَا مَنْسُوخَة . وَكَذَلِكَ اِسْتَعْمَلَهَا الْحَسَن بْن عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا ; عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ . وَإِذَا كَانَ الْجَفَاء عَلَى السُّلْطَان تَعَمُّدًا وَاسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِ فَلَهُ تَعْزِيرُهُ . وَإِذَا كَانَ غَيْر ذَلِكَ فَالْإِعْرَاض وَالصَّفْح وَالْعَفْو ; كَمَا فَعَلَ الْخَلِيفَة الْعَدْل .

غريب الآية
خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَـٰهِلِینَ ﴿١٩٩﴾
خُذِاقْبَلْ أنتَ وأمَّتُكَ.
ٱلۡعَفۡوَما تيسَّرَ من أخلاقِ الناسِ وأعمالِهم.
بِٱلۡعُرۡفِهو كلُّ ما عُرِفَ حُسْنُه في الشَّرْعِ والعَقْلِ.
الإعراب
(خُذِ)
فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ".
(الْعَفْوَ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَأْمُرْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(اؤْمُرْ) : فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ".
(بِالْعُرْفِ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(الْعُرْفِ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَأَعْرِضْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(أَعْرِضْ) : فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ".
(عَنِ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
(الْجَاهِلِينَ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ.