سورة الأعراف الآية ٢٦
سورة الأعراف الآية ٢٦
یَـٰبَنِیۤ ءَادَمَ قَدۡ أَنزَلۡنَا عَلَیۡكُمۡ لِبَاسࣰا یُوَ ٰرِی سَوۡءَ ٰ تِكُمۡ وَرِیشࣰاۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقۡوَىٰ ذَ ٰلِكَ خَیۡرࣱۚ ذَ ٰلِكَ مِنۡ ءَایَـٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمۡ یَذَّكَّرُونَ ﴿٢٦﴾
تفسير السعدي
ثم امتن عليهم بما يسر لهم, من اللباس الضروري, واللباس الذي المقصود منه, الجمال. وهكذا سائر الأشياء, كالطعام, والشراب, والمراكب, والمناكح ونحوها. قد يسر اللّه للعباد ضروريها, ومكمل ذلك, وبين لهم أن هذا, ليس مقصودا بالذات, وإنما أنزله اللّه, ليكون معونة لهم على عبادته وطاعته, ولهذا قال: " وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ " من اللباس الحسي, فإن لباس التقوى, يستمر مع العبد, ولا يبلى ولا يبيد, وهو جمال القلب والروح. وأما اللباس الظاهري, فغايته أن يستر العورة الظاهرة, في وقت من الأوقات. أو يكون جمالا للإنسان, وليس وراء ذلك منه نفع. وأيضا, فبتقدير عدم هذا اللباس, تنكشف عورته الظاهرة, التي لا يضره كشفها, مع الضرورة. وأما بتقدير عدم لباس التقوى, فإنها تنكشف عورته الباطنة, وينال الخزي والفضيحة. وقوله: " ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ " أي: ذلك المذكور لكم من اللباس, مما تذكرون به, ما ينفعكم ويضركم, وتستعينون باللباس الظاهر على الباطن.
التفسير الميسر
يا بني آدم قد جعلنا لكم لباسًا يستر عوراتكم، وهو لباس الضرورة، ولباسًا للزينة والتجمل، وهو من الكمال والتنعم. ولباسُ تقوى الله تعالى بفعل الأوامر واجتناب النواهي هو خير لباس للمؤمن. ذلك الذي مَنَّ الله به عليكم من الدلائل على ربوبية الله تعالى ووحدانيته وفضله ورحمته بعباده؛ لكي تتذكروا هذه النعم، فتشكروا لله عليها. وفي ذلك امتنان من الله تعالى على خَلْقه بهذه النعم.
تفسير الجلالين
"يَا بَنِي آدَم قَدْ أَنَزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا" أَيْ خَلَقْنَاهُ لَكُمْ "يُوَارِي" يَسْتُر "سَوْآتكُمْ وَرِيشًا" وَهُوَ مَا يُتَجَمَّل بِهِ مِنْ الثِّيَاب "وَلِبَاس التَّقْوَى" الْعَمَل الصَّالِح وَالسَّمْت الْحَسَن بِالنَّصْبِ عُطِفَ عَلَى لِبَاسًا وَالرَّفْع مُبْتَدَأ خَبَره جُمْلَة "ذَلِكَ خَيْر ذَلِكَ مِنْ آيَات اللَّه" دَلَائِل قُدْرَته "لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ" فَيُؤْمِنُونَ فِيهِ الْتِفَات عَنْ الْخِطَاب
تفسير ابن كثير
يَمْتَنّ تَعَالَى عَلَى عِبَاده بِمَا جَعَلَ لَهُمْ مِنْ اللِّبَاس وَالرِّيش فَاللِّبَاس سَتْر الْعَوْرَات وَهِيَ السَّوْآت وَالرِّيَاش وَالرِّيش مَا يُتَجَمَّل بِهِ ظَاهِرًا فَالْأَوَّل مِنْ الضَّرُورِيَّات وَالرِّيش مِنْ التَّكْمِلَات وَالزِّيَادَات قَالَ اِبْن جَرِير الرِّيَاش فِي كَلَام الْعَرَب الْأَثَاث وَمَا ظَهَرَ مِنْ الثِّيَاب وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس وَحَكَاهُ الْبُخَارِيّ عَنْهُ الرِّيَاش الْمَال . وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِد وَعُرْوَة بْن الزُّبَيْر وَالسُّدِّيّ وَالضَّحَّاك وَغَيْر وَاحِد وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس الرِّيش اللِّبَاس وَالْعَيْش وَالنَّعِيم وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَمَ الرِّيَاش الْجَمَال وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا يَزِيد بْن هَارُون حَدَّثَنَا أَصْبَغ عَنْ أَبِي الْعَلَاء الشَّامِيّ قَالَ لَبِسَ أَبُو أُمَامَةَ ثَوْبًا جَدِيدًا فَلَمَّا بَلَغَ تَرْقُوَته قَالَ الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي مَا أُوَارِي بِهِ عَوْرَتِي وَأَتَجَمَّل بِهِ فِي حَيَاتِي ثُمَّ قَالَ سَمِعْت عُمَر بْن الْخَطَّاب يَقُول قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَنْ اِسْتَجَدَّ ثَوْبًا فَلَبِسَهُ فَقَالَ حِين يَبْلُغ تَرْقُوَته الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي مَا أُوَارِي بِهِ عَوْرَتِي وَأَتَجَمَّل بِهِ فِي حَيَاتِي ثُمَّ عَمَدَ إِلَى الثَّوْب الْخَلِق فَتَصَدَّقَ بِهِ كَانَ فِي ذِمَّة اللَّه وَفِي جِوَار اللَّه وَفِي كَنَف اللَّه حَيًّا وَمَيِّتًا " . رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَهْ مِنْ رِوَايَة يَزِيد بْن هَارُون عَنْ أَصْبَغ هُوَ اِبْن زَيْد الْجُهَنِيّ وَقَدْ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْن مَعِين وَغَيْره وَشَيْخه أَبُو الْعَلَاء الشَّامِيّ لَا يُعْرَف إِلَّا بِهَذَا الْحَدِيث وَلَكِنْ لَمْ يُخَرِّجهُ أَحَد وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد أَيْضًا حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عُبَيْد حَدَّثَنَا مُخْتَار بْن نَافِع التَّمَّار عَنْ أَبِي مَطَر أَنَّهُ رَأَى عَلِيًّا رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَتَى غُلَامًا حَدَثًا فَاشْتَرَى مِنْهُ قَمِيصًا بِثَلَاثَةِ دَرَاهِم وَلَبِسَهُ مَا بَيْن الرُّسْغَيْنِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ يَقُول حِين لَبِسَهُ الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي مِنْ الرِّيَاش مَا أَتَجَمَّل بِهِ فِي النَّاس وَأُوَارِي بِهِ عَوْرَتِي فَقِيلَ هَذَا شَيْء تَرْوِيه عَنْ نَفْسك أَوْ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ هَذَا شَيْء سَمِعْته مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول عِنْد الْكِسْوَة" الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي مِنْ الرِّيَاش مَا أَتَجَمَّل بِهِ فِي النَّاس وَأُوَارِي بِهِ عَوْرَتِي " . رَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد وَقَوْله تَعَالَى " وَلِبَاس التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْر " قَرَأَ بَعْضهمْ وَلِبَاس التَّقْوَى بِالنَّصْبِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاء وَذَلِكَ خَيْر خَبَره وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَاهُ فَقَالَ عِكْرِمَة يُقَال هُوَ مَا يَلْبَسهُ الْمُتَقَوِّم يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم وَقَالَ زَيْد بْن عَلِيّ وَالسُّدِّيّ وَقَتَادَة وَابْن جُرَيْج وَلِبَاس التَّقْوَى الْإِيمَان وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس الْعَمَل الصَّالِح قَالَ الدَّيَّال بْن عَمْرو عَنْ اِبْن عَبَّاس هُوَ السَّمْت الْحَسَن فِي الْوَجْه وَعَنْ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر لِبَاس التَّقْوَى خَشْيَة اللَّه وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَمَ وَلِبَاس التَّقْوَى يَتَّقِي اللَّه فَيُوَارِي عَوْرَته فَذَاكَ لِبَاس التَّقْوَى وَكُلّهَا مُتَقَارِبَة وَيُؤَيِّد ذَلِكَ الْحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ اِبْن جَرِير حَيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن الْحَجَّاج حَدَّثَنِي إِسْحَاق بْن إِسْمَاعِيل عَنْ سُلَيْمَان بْن أَرْقَم عَنْ الْحَسَن قَالَ : رَأَيْت عُثْمَان بْن عَفَّان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَلَى مِنْبَر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ قَمِيص فَوَهِيَ مَحْلُول الزِّرّ وَسَمِعْته يَأْمُر بِقَتْلِ الْكِلَاب وَيَنْهَى عَنْ اللَّعِب بِالْحَمَامِ ثُمَّ قَالَ يَا أَيّهَا النَّاس اِتَّقُوا اللَّه فِي هَذِهِ السَّرَائِر فَإِنِّي سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول " وَاَلَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ مَا أَسَرَّ أَحَد سَرِيرَة إِلَّا أَلْبَسَهُ اللَّه رِدَاءَهَا عَلَانِيَة إِنْ خَيْرًا فَخَيْر وَإِنْ شَرًّا فَشَرّ " . ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَة " وَرِيشًا وَلِبَاس التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْر ذَلِكَ مِنْ آيَات اللَّه " قَالَ السَّمْت الْحَسَن . هَكَذَا رَوَاهُ اِبْن جَرِير مِنْ رِوَايَة سُلَيْمَان بْن أَرْقَم وَفِيهِ ضَعْف وَقَدْ رَوَى الْأَئِمَّة الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَالْبُخَارِيّ فِي كِتَاب الْأَدَب مِنْ طُرُق صَحِيحَة عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ أَنَّهُ سَمِعَ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَان بْن عَفَّان يَأْمُر بِقَتْلِ الْكِلَاب وَذَبْح الْحَمَام يَوْم الْجُمُعَة عَلَى الْمِنْبَر وَأَمَّا الْمَرْفُوع مِنْهُ فَقَدْ رَوَى الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه الْكَبِير لَهُ شَاهِدًا مِنْ وَجْه آخَر حَيْثُ قَالَ حَدَّثَنَا .
تفسير القرطبي
قَالَ كَثِير مِنْ الْعُلَمَاء : هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى وُجُوب سَتْر الْعَوْرَة ; لِأَنَّهُ قَالَ : " يُوَارِي سَوْآتكُمْ " . وَقَالَ قَوْم : إِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا دَلِيل عَلَى مَا ذَكَرُوهُ , بَلْ فِيهَا دَلَالَة عَلَى الْإِنْعَام فَقَطْ . قُلْت : الْقَوْل الْأَوَّل أَصَحّ . وَمِنْ جُمْلَة الْإِنْعَام سَتْر الْعَوْرَة ; فَبَيَّنَ أَنَّهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى جَعَلَ لِذُرِّيَّتِهِ مَا يَسْتُرُونَ بِهِ عَوْرَاتهمْ , وَدَلَّ عَلَى الْأَمْر بِالسَّتْرِ . وَلَا خِلَاف بَيْن الْعُلَمَاء فِي وُجُوب سَتْر الْعَوْرَة عَنْ أَعْيُن النَّاس . وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَوْرَة مَا هِيَ ؟ فَقَالَ اِبْن أَبِي ذِئْب : هِيَ مِنْ الرَّجُل الْفَرْج نَفْسه , الْقُبُل وَالدُّبُر دُون غَيْرهمَا . وَهُوَ قَوْل دَاوُد وَأَهْل الظَّاهِر وَابْن أَبِي عَبْلَة وَالطَّبَرِيّ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتكُمْ " , " بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتهمَا " [ الْأَعْرَاف : 22 ] , " لِيُرِيَهُمَا سَوْآتهمَا " [ الْأَعْرَاف : 27 ] . وَفِي الْبُخَارِيّ عَنْ أَنَس : " فَأَجْرَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي زُقَاق خَيْبَر - وَفِيهِ - ثُمَّ حَسِرَ الْإِزَار عَنْ فَخِذِهِ حَتَّى إِنِّي أَنْظُر إِلَى بَيَاض فَخِذ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " . وَقَالَ مَالِك : السُّرَّة لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ , وَأَكْرَه لِلرَّجُلِ أَنْ يَكْشِف فَخِذَهُ بِحَضْرَةِ زَوْجَته . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : الرُّكْبَة عَوْرَة . وَهُوَ قَوْل عَطَاء . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : لَيْسَتْ السُّرَّة وَلَا الرُّكْبَتَانِ مِنْ الْعَوْرَة عَلَى الصَّحِيح . وَحَكَى أَبُو حَامِد التِّرْمِذِيّ أَنَّ لِلشَّافِعِيّ فِي السُّرَّة قَوْلَيْنِ . وَحُجَّة مَالِك قَوْلُه عَلَيْهِ السَّلَام لِجَرْهَد : ( غَطِّ فَخِذك فَإِنَّ الْفَخِذ عَوْرَة ) . خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ تَعْلِيقًا وَقَالَ : حَدِيث أَنَس أَسْنَد , وَحَدِيث جَرْهَد أَحْوَط حَتَّى يَخْرُج مِنْ اِخْتِلَافهمْ . وَحَدِيث جَرْهَد هَذَا يَدُلّ عَلَى خِلَاف مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَة . وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة قَبَّلَ سُرَّة الْحَسَن بْن عَلِيّ وَقَالَ : أُقَبِّل مِنْك مَا كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُ مِنْك . فَلَوْ كَانَتْ السُّرَّة عَوْرَة مَا قَبَّلَهَا أَبُو هُرَيْرَة , وَلَا مَكَّنَهُ الْحَسَن مِنْهَا . وَأَمَّا الْمَرْأَة الْحُرَّة فَعَوْرَة كُلّهَا إِلَّا الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ . عَلَى هَذَا أَكْثَر أَهْل الْعِلْم . وَقَدْ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّج اِمْرَأَة فَلْيَنْظُرْ إِلَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا ) . وَلِأَنَّ ذَلِكَ وَاجِب كَشْفه فِي الْإِحْرَام . وَقَالَ أَبُو بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث بْن هِشَام : كُلّ شَيْء مِنْ الْمَرْأَة عَوْرَة حَتَّى ظُفْرهَا . وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَد بْن حَنْبَل نَحْوه . وَأَمَّا أُمّ الْوَلَد فَقَالَ الْأَثْرَم : سَمِعْته - يَعْنِي أَحْمَد بْن حَنْبَل - يُسْأَل عَنْ أُمّ الْوَلَد كَيْفَ تُصَلِّي ؟ فَقَالَ : تُغَطِّي رَأْسَهَا وَقَدَمَيْهَا ; لِأَنَّهَا لَا تُبَاع , وَتُصَلِّي كَمَا تُصَلِّي الْحُرَّة . وَأَمَّا الْأَمَة فَالْعَوْرَة مِنْهَا مَا تَحْت ثَدْيهَا , وَلَهَا أَنْ تُبْدِيَ رَأْسَهَا وَمِعْصَمَيْهَا . وَقِيلَ : حُكْمهَا حُكْم الرَّجُل . وَقِيلَ : يُكْرَه لَهَا كَشْف رَأْسِهَا وَصَدْرهَا . وَكَانَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يَضْرِب الْإِمَاء عَلَى تَغْطِيَتِهِنَّ رُءُوسَهُنَّ وَيَقُول : لَا تَشَبَّهْنَ بِالْحَرَائِرِ . وَقَالَ أَصْبُغ : إِنْ اِنْكَشَفَ فَخِذُهَا أَعَادَتْ الصَّلَاة فِي الْوَقْت . وَقَالَ أَبُو بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث بْن هِشَام : كُلّ شَيْء مِنْ الْأَمَة عَوْرَة حَتَّى ظُفْرهَا . وَهَذَا خَارِج عَنْ أَقْوَال الْفُقَهَاء ; لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَة الْحُرَّة لَهَا أَنْ تُصَلِّي الْمَكْتُوبَة وَيَدَاهَا وَوَجْهُهَا مَكْشُوف ذَلِكَ كُلّه , تُبَاشِر الْأَرْض بِهِ . فَالْأَمَة أَوْلَى , وَأُمّ الْوَلَد أَغْلَظ حَالًا مِنْ الْأَمَة . وَالصَّبِيّ الصَّغِير لَا حُرْمَة لِعَوْرَتِهِ . فَإِذَا بَلَغَتْ الْجَارِيَة إِلَى حَدّ تَأْخُذهَا الْعَيْن وَتُشْتَهَى سَتَرَتْ عَوْرَتهَا . وَحُجَّة أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن قَوْله تَعَالَى : " يَأَيُّهَا النَّبِيّ قُلْ لِأَزْوَاجِك وَبَنَاتك وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ " [ الْأَحْزَاب : 59 ] . وَحَدِيث أُمّ سَلَمَة أَنَّهَا سُئِلَتْ : مَاذَا تُصَلِّي فِيهِ الْمَرْأَة مِنْ الثِّيَاب ؟ فَقَالَتْ : تُصَلِّي فِي الدِّرْع وَالْخِمَار السَّابِغ الَّذِي يُغَيِّب ظُهُور قَدَمَيْهَا . وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا . وَاَلَّذِينَ أَوْقَفُوهُ عَلَى أُمّ سَلَمَة أَكْثَر وَأَحْفَظ ; مِنْهُمْ مَالِك وَابْن إِسْحَاق وَغَيْرهمَا . قَالَ أَبُو دَاوُد : وَرَفَعَهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه بْن دِينَار عَنْ مُحَمَّد بْن زَيْد عَنْ أُمّه عَنْ أُمّ سَلَمَة أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَبُو عُمَر : عَبْد الرَّحْمَن هَذَا ضَعِيف عِنْدهمْ ; إِلَّا أَنَّهُ قَدْ خَرَّجَ الْبُخَارِيّ بَعْض حَدِيثه . وَالْإِجْمَاع فِي هَذَا الْبَاب أَقْوَى مِنْ الْخَبَر . قَوْله تَعَالَى : " أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا " يَعْنِي الْمَطَر الَّذِي يُنْبِت الْقُطْن وَالْكَتَّان , وَيُقِيم الْبَهَائِم الَّذِي مِنْهَا الْأَصْوَاف وَالْأَوْبَار وَالْأَشْعَار ; فَهُوَ مَجَاز مِثْل " وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنْ الْأَنْعَام ثَمَانِيَة أَزْوَاج " [ الزُّمَر : 6 ] عَلَى مَا يَأْتِي . وَقِيلَ : هَذَا الْإِنْزَال إِنْزَال شَيْء مِنْ اللِّبَاس مَعَ آدَم وَحَوَّاء , لِيَكُونَ مِثَالًا لِغَيْرِهِ . وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : " أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ " أَيْ خَلَقْنَا لَكُمْ ; كَقَوْلِهِ : " وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنْ الْأَنْعَام ثَمَانِيَة أَزْوَاج " أَيْ خَلَقَ . عَلَى مَا يَأْتِي . وَقِيلَ : أَلْهَمْنَاكُمْ كَيْفِيَّة صَنْعَته . " وَرِيشًا " قَرَأَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن وَالْحَسَن وَعَاصِم مِنْ رِوَايَة الْمُفَضَّل الضَّبِّيّ , وَأَبُو عَمْرو مِنْ رِوَايَة الْحُسَيْن بْن عَلِيّ الْجُعْفِيّ " وَرِيَاشًا " . وَلَمْ يَحْكِهِ أَبُو عُبَيْد إِلَّا عَنْ الْحَسَن , وَلَمْ يُفَسِّر مَعْنَاهُ . وَهُوَ جَمْع رِيشٍ . وَهُوَ مَا كَانَ مِنْ الْمَال وَاللِّبَاس . وَقَالَ الْفَرَّاء : رِيشٌ وَرِيَاش , كَمَا يُقَال : لِبْس وَلِبَاس . وَرِيشُ الطَّائِر مَا سَتَرَهُ اللَّه بِهِ . وَقِيلَ : هُوَ الْخِصْب وَرَفَاهِيَة الْعَيْش . وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَر أَهْل اللُّغَة أَنَّ الرِّيش مَا سَتَرَ مِنْ لِبَاس أَوْ مَعِيشَة . وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ : فَرِيشِي مِنْكُمْ وَهَوَايَ مَعْكُمْ وَإِنْ كَانَتْ زِيَارَتُكُمْ لِمَامًا وَحَكَى أَبُو حَاتِم عَنْ أَبِي عُبَيْدَة : وَهَبْت لَهُ دَابَّة بِرِيشِهَا ; أَيْ بِكِسْوَتِهَا وَمَا عَلَيْهَا مِنْ اللِّبَاس . بَيَّنَ أَنَّ التَّقْوَى خَيْرُ لِبَاسٍ ; كَمَا قَالَ : إِذَا الْمَرْء لَمْ يَلْبَس ثِيَابًا مِنْ التُّقَى تَقَلَّبَ عُرْيَانًا وَإِنْ كَانَ كَاسِيًا وَخَيْرُ لِبَاسِ الْمَرْءِ طَاعَةُ رَبِّهِ وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ كَانَ لِلَّهِ عَاصِيًا وَرَوَى قَاسِم بْن مَالِك عَنْ عَوْف عَنْ مَعْبَد الْجُهَنِيّ قَالَ : " لِبَاس التَّقْوَى " الْحَيَاء . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : " لِبَاس التَّقْوَى " هُوَ الْعَمَل الصَّالِح . وَعَنْهُ أَيْضًا : السَّمْت الْحَسَن فِي الْوَجْه . وَقِيلَ : مَا عَلَّمَهُ عَزَّ وَجَلَّ وَهُدِيَ بِهِ . وَقِيلَ : " لِبَاس التَّقْوَى " لُبْس الصُّوف وَالْخَشِن مِنْ الثِّيَاب , مِمَّا يُتَوَاضَع بِهِ لِلَّهِ تَعَالَى وَيُتَعَبَّد لَهُ خَيْر مِنْ غَيْره . وَقَالَ زَيْد بْن عَلِيّ : " لِبَاس التَّقْوَى " الدِّرْع وَالْمِغْفَر ; وَالسَّاعِدَانِ , وَالسَّاقَانِ , يُتَّقَى بِهِمَا فِي الْحَرْب . وَقَالَ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر : هُوَ الْخَشْيَة لِلَّهِ . وَقِيلَ : هُوَ اِسْتِشْعَار تَقْوَى اللَّه تَعَالَى فِيمَا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ . قُلْت : وَهُوَ الصَّحِيح , وَإِلَيْهِ يَرْجِع قَوْل اِبْن عَبَّاس وَعُرْوَة . وَقَوْل زَيْد بْن عَلِيّ حَسَن , فَإِنَّهُ حَضّ عَلَى الْجِهَاد . وَقَالَ اِبْن زَيْد : هُوَ سَتْر الْعَوْرَة . وَهَذَا فِيهِ تَكْرَار , إِذْ قَالَ أَوَّلًا : " قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتكُمْ " . وَمَنْ قَالَ : إِنَّهُ لَبِسَ الْخَشِن مِنْ الثِّيَاب فَإِنَّهُ أَقْرَب إِلَى التَّوَاضُع وَتَرْك الرَّعُونَات فَدَعْوَى ; فَقَدْ كَانَ الْفُضَلَاء مِنْ الْعُلَمَاء يَلْبَسُونَ الرَّفِيع مِنْ الثِّيَاب مَعَ حُصُول التَّقْوَى , عَلَى مَا يَأْتِي مُبَيَّنًا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَقَرَأَ أَهْل الْمَدِينَة وَالْكِسَائِيّ " لِبَاسَ " بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى " لِبَاسًا " الْأَوَّل . وَقِيلَ : اِنْتَصَبَ بِفِعْلٍ مُضْمَر ; أَيْ وَأَنْزَلْنَا لِبَاسَ التَّقْوَى . وَالْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاء . وَ " ذَلِكَ " نَعْته وَ " خَيْر " خَبَر الِابْتِدَاء . وَالْمَعْنَى : وَلِبَاس التَّقْوَى الْمُشَار إِلَيْهِ , الَّذِي عَلِمْتُمُوهُ , خَيْر لَكُمْ مِنْ لِبَاس الثِّيَاب الَّتِي تُوَارِي سَوْآتكُمْ , وَمِنْ الرِّيَاش الَّذِي أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ ; فَالْبَسُوهُ . وَقِيلَ : اِرْتَفَعَ بِإِضْمَارِ هُوَ ; أَيْ وَهُوَ لِبَاس التَّقْوَى ; أَيْ هُوَ سَتْر الْعَوْرَة . وَعَلَيْهِ يُخَرَّج قَوْل اِبْن زَيْد . وَقِيلَ : الْمَعْنَى وَلِبَاس التَّقْوَى هُوَ خَيْر ; فَـ " ذَلِكَ " بِمَعْنَى هُوَ . وَالْإِعْرَاب الْأَوَّل أَحْسَن مَا قِيلَ فِيهِ . وَقَرَأَ الْأَعْمَش " وَلِبَاس التَّقْوَى خَيْر " وَلَمْ يَقْرَأ " ذَلِكَ " . وَهُوَ خِلَاف الْمُصْحَف . أَيْ مِمَّا يَدُلّ عَلَى أَنَّ لَهُ خَالِقًا . وَ " ذَلِكَ " رَفْع عَلَى الصِّفَة , أَوْ عَلَى الْبَدَل , أَوْ عَطْف بَيَان .
| أَنزَلۡنَا | جَعَلْنا لكم. |
|---|---|
| یُوَ ٰرِی | يَسْتُرُ. |
| سَوۡءَ ٰ تِكُمۡ | عَوْراتِكم. |
| وَرِیشࣰاۖ | لباساً للزِّينةِ والتجمُّلِ. |
| وَلِبَاسُ ٱلتَّقۡوَىٰ | ولباسُ تقوى الله بفِعْل الأوامرِ واجتنابِ النواهي. |
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian