صفحات الموقع

سورة الأعراف الآية ٢٩

سورة الأعراف الآية ٢٩

قُلۡ أَمَرَ رَبِّی بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَقِیمُوا۟ وُجُوهَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدࣲ وَٱدۡعُوهُ مُخۡلِصِینَ لَهُ ٱلدِّینَۚ كَمَا بَدَأَكُمۡ تَعُودُونَ ﴿٢٩﴾

التفسير

تفسير السعدي

ثم ذكر ما يأمر به فقال: " قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ " أي: بالعدل في العبادات والمعاملات, لا بالظلم والجور. " وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ " أي: توجهوا إلى اللّه, واجتهدوا في تكميل العبادات, خصوصا " الصلاة " أقيموها, ظاهرا وباطنا, ونقوها من كل نقص ومفسد. " وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ " أي: قاصدين بذلك وجهه وحده لا شريك له. والدعاء يشمل دعاء المسألة, ودعاء العبادة أي: لا تريدوا ولا تقصدوا من الأغراض في دعائكم, سوى عبودية اللّه ورضاه. " كَمَا بَدَأَكُمْ " أول مرة " تَعُودُونَ " للبعث. فالقادر على بدء خلقكم, قادر على إعادته, بل الإعادة, أهون من البدء.

التفسير الميسر

قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: أمر ربي بالعدل، وأمركم بأن تخلصوا له العبادة في كل موضع من مواضعها، وبخاصة في المساجد، وأن تدعوه مخلصين له الطاعة والعبادة، وأن تؤمنوا بالبعث بعد الموت. وكما أن الله أوجدكم من العدم فإنه قادر على إعادة الحياة إليكم مرة أخرى.

تفسير الجلالين

"قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ" بِالْعَدْلِ "وَأَقِيمُوا" مَعْطُوف عَلَى مَعْنَى بِالْقِسْطِ أَيْ قَالَ أَقْسِطُوا وَأَقِيمُوا أَوْ قَبْله فَاقْبَلُوا مُقَدَّرًا "وُجُوهكُمْ" لِلَّهِ "عِنْد كُلّ مَسْجِد" أَيْ أَخْلِصُوا لَهُ سُجُودكُمْ "وَادْعُوهُ" اُعْبُدُوهُ "مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين" مِنْ الشِّرْك "كَمَا بَدَأَكُمْ" خَلَقَكُمْ وَلَمْ تَكُونُوا شَيْئًا "تَعُودُونَ" أَيْ يُعِيدكُمْ أَحْيَاء يَوْم الْقِيَامَة

تفسير ابن كثير

قَوْله تَعَالَى " قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ " أَيْ بِالْعَدْلِ وَالِاسْتِقَامَة " وَأَقِيمُوا وُجُوهكُمْ عِنْد كُلّ مَسْجِد وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين " أَيْ أَمَرَكُمْ بِالِاسْتِقَامَةِ فِي عِبَادَته فِي مَحَالّهَا وَهِيَ مُتَابَعَة الْمُرْسَلِينَ الْمُؤَيَّدِينَ بِالْمُعْجِزَاتِ فِيمَا أَخْبَرُوا بِهِ عَنْ اللَّه وَمَا جَاءُوا بِهِ مِنْ الشَّرَائِع وَبِالْإِخْلَاصِ لَهُ فِي عِبَادَته فَإِنَّهُ تَعَالَى لَا يَتَقَبَّل الْعَمَل حَتَّى يَجْمَع هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ أَنْ يَكُون صَوَابًا مُوَافِقًا لِلشَّرِيعَةِ وَأَنْ يَكُون خَالِصًا مِنْ الشِّرْك . وَقَوْله تَعَالَى " كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ " إِلَى قَوْله " الضَّلَالَة" اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْله " كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ " فَقَالَ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد " كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ " يُحْيِيكُمْ بَعْد مَوْتكُمْ . وَقَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ كَمَا بَدَأَكُمْ فِي الدُّنْيَا كَذَلِكَ تَعُودُونَ يَوْم الْقِيَامَة أَحْيَاء وَقَالَ قَتَادَة " كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ " قَالَ بَدَأَ فَخَلَقَهُمْ وَلَمْ يَكُونُوا شَيْئًا ثُمَّ ذَهَبُوا ثُمَّ يُعِيدهُمْ وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَمَ كَمَا بَدَأَكُمْ أَوَّلًا كَذَلِكَ يُعِيدكُمْ آخِرًا وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْل أَبُو جَعْفَر بْن جَرِير وَأَيَّدَهُ بِمَا رَوَاهُ مِنْ حَدِيث سُفْيَان الثَّوْرِيّ وَشُعْبَة بْن الْحَجَّاج كِلَاهُمَا عَنْ الْمُغِيرَة بْن النُّعْمَان عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : قَامَ فِينَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَوْعِظَةٍ فَقَالَ " يَا أَيّهَا النَّاس إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ إِلَى اللَّه حُفَاة عُرَاة غُرْلًا كَمَا بَدَأْنَا أَوَّل خَلْق نُعِيدهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ" . وَهَذَا الْحَدِيث مُخَرَّج فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث شُعْبَة وَفِي حَدِيث الْبُخَارِيّ أَيْضًا مِنْ حَدِيث الثَّوْرِيّ بِهِ . وَقَالَ وَرْقَاء بْن إِيَاس أَبُو يَزِيد عَنْ مُجَاهِد " كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ " قَالَ يُبْعَث الْمُسْلِم مُسْلِمًا وَالْكَافِر كَافِرًا وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة " كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ " رُدُّوا إِلَى عِلْمه فِيهِمْ وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ كَمَا كَتَبَ عَلَيْكُمْ تَكُونُونَ وَفِي رِوَايَة كَمَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ تَكُونُونَ وَقَالَ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ فِي قَوْله تَعَالَى" كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ " مَنْ اِبْتَدَأَ اللَّه خَلْقه عَلَى الشَّقَاوَة صَارَ إِلَى مَا اُبْتُدِئَ عَلَيْهِ خَلْقه وَإِنْ عَمِلَ بِأَعْمَالِ أَهْل السَّعَادَة وَمَنْ اِبْتَدَأَ خَلْقه عَلَى السَّعَادَة صَارَ إِلَى مَا اُبْتُدِئَ خَلْقه عَلَيْهِ وَإِنْ عَمِلَ بِأَعْمَالِ أَهْل الشَّقَاء كَمَا أَنَّ السَّحَرَة عَمِلُوا بِأَعْمَالِ أَهْل الشَّقَاء ثُمَّ صَارُوا إِلَى مَا اُبْتُدِئُوا عَلَيْهِ وَقَالَ السُّدِّيّ" كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمْ الضَّلَالَة " يَقُول " كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ " كَمَا خَلَقْنَاكُمْ فَرِيق مُهْتَدُونَ وَفَرِيق ضَلَال كَذَلِكَ تَعُودُونَ وَتُخْرَجُونَ مِنْ بُطُون أُمَّهَاتكُمْ وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله " كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمْ الضَّلَالَة " قَالَ إِنَّ اللَّه تَعَالَى بَدَأَ خَلْق اِبْن آدَم مُؤْمِنًا وَكَافِرًا كَمَا قَالَ " هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِر وَمِنْكُمْ مُؤْمِن " ثُمَّ يُعِيدهُمْ يَوْم الْقِيَامَة كَمَا بَدَأَ خَلْقهمْ مُؤْمِنًا وَكَافِرًا قُلْت وَيَتَأَيَّد هَذَا الْقَوْل بِحَدِيثِ اِبْن مَسْعُود فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ " فَوَاَلَّذِي لَا إِلَه غَيْره إِنَّ أَحَدكُمْ لَيَعْمَل بِعَمَلِ أَهْل الْجَنَّة حَتَّى مَا يَكُون بَيْنه وَبَيْنهَا إِلَّا بَاع أَوْ ذِرَاع فَيَسْبِق عَلَيْهِ الْكِتَاب فَيَعْمَل بِعَمَلِ أَهْل النَّار فَيَدْخُلهَا وَإِنَّ أَحَدكُمْ لَيَعْمَل بِعَمَلِ أَهْل النَّار حَتَّى مَا يَكُون بَيْنه وَبَيْنهَا إِلَّا بَاع أَوْ ذِرَاع فَيَسْبِق عَلَيْهِ الْكِتَاب فَيَعْمَل بِعَمَلِ أَهْل الْجَنَّة فَيَدْخُل الْجَنَّة " وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن الْجَعْد حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّان عَنْ أَبِي حَازِم عَنْ سَهْل بْن سَعْد قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنَّ الْعَبْد لَيَعْمَل فِيمَا يَرَى النَّاس بِعَمَلِ أَهْل الْجَنَّة وَإِنَّهُ مِنْ أَهْل النَّار وَإِنَّهُ لَيَعْمَل فِيمَا يَرَى النَّاس بِعَمَلِ أَهْل النَّار وَإِنَّهُ مِنْ أَهْل الْجَنَّة وَإِنَّمَا الْأَعْمَال بِالْخَوَاتِيمِ " هَذَا قِطْعَة مِنْ حَدِيث الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي غَسَّان مُحَمَّد بْن مُطَرِّف الْمَدَنِيّ فِي قِصَّة قُزْمَان يَوْم أُحُد وَقَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنِي اِبْن بَشَّار حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي سُفْيَان عَنْ جَابِر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ " تُبْعَث كُلّ نَفْس عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ " . وَهَذَا الْحَدِيث رَوَاهُ مُسْلِم وَابْن مَاجَهْ مِنْ غَيْر وَجْه عَنْ الْأَعْمَش بِهِ وَلَفْظه " يُبْعَث كُلّ عَبْد عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ " وَعَنْ اِبْن عَبَّاس مِثْله قُلْت وَيَتَأَيَّد بِحَدِيثِ اِبْن مَسْعُود قُلْت وَلَا بُدّ مِنْ الْجَمْع بَيْن هَذَا الْقَوْل إِنْ كَانَ هُوَ الْمُرَاد مِنْ الْآيَة وَبَيْن قَوْله تَعَالَى " فَأَقِمْ وَجْهك لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَة اللَّه الَّتِي فَطَرَ النَّاس عَلَيْهَا " وَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ قَالَ " كُلّ مَوْلُود يُولَد عَلَى الْفِطْرَة فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ" وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ عِيَاض بْن حِمَار قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " يَقُول اللَّه تَعَالَى : إِنِّي خَلَقْت عِبَادِي حُنَفَاء فَجَاءَتْهُمْ الشَّيَاطِين فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينهمْ " الْحَدِيث وَوَجْه الْجَمْع عَلَى هَذَا أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَهُمْ لِيَكُونَ مِنْهُمْ مُؤْمِن وَكَافِر فِي ثَانِي الْحَال وَإِنْ كَانَ قَدْ فَطَرَ الْخَلْق كُلّهمْ عَلَى مَعْرِفَته وَتَوْحِيده وَالْعِلْم بِأَنَّهُ لَا إِلَه غَيْره كَمَا أَخَذَ عَلَيْهِمْ الْمِيثَاق بِذَلِكَ وَجَعَلَهُ فِي غَرَائِزهمْ وَفِطَرهمْ وَمَعَ هَذَا قَدَّرَ أَنَّ مِنْهُمْ شَقِيًّا وَمِنْهُمْ سَعِيدًا " هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِر وَمِنْكُمْ مُؤْمِن " وَفِي الْحَدِيث " كُلّ النَّاس يَغْدُو فَبَائِع نَفْسه فَمُعْتِقهَا أَوْ مُوبِقهَا " . وَقَدَر اللَّه نَافِذ فِي بَرِيَّته فَإِنَّهُ هُوَ " الَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى " وَ" الَّذِي أَعْطَى كُلّ شَيْء خَلْقه ثُمَّ هَدَى " وَفِي الصَّحِيحَيْنِ" فَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مِنْ أَهْل السَّعَادَة فَسَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْل السَّعَادَة وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْل الشَّقَاوَة فَسَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْل الشَّقَاوَة " .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ : { قُلْ } يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّه أَمَرَهُمْ بِالْفَحْشَاءِ كَذِبًا عَلَى اللَّه : مَا أَمَرَ رَبِّي بِمَا تَقُولُونَ , بَلْ { أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ } يَعْنِي : بِالْعَدْلِ . كَمَا : 11252 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ } بِالْعَدْلِ . 11253 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ } وَالْقِسْط : الْعَدْل . وَأَمَّا قَوْله : { وَأَقِيمُوا وُجُوهكُمْ عِنْد كُلّ مَسْجِد } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيله ; فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : وَجِّهُوا وُجُوهكُمْ حَيْثُ كُنْتُمْ فِي الصَّلَاة إِلَى الْكَعْبَة. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11254 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { وَأَقِيمُوا وُجُوهكُمْ عِنْد كُلّ مَسْجِد } إِلَى الْكَعْبَة حَيْثُمَا صَلَّيْتُمْ فِي الْكَنِيسَة وَغَيْرهَا . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { وَأَقِيمُوا وُجُوهكُمْ عِنْد كُلّ مَسْجِد } قَالَ : إِذَا صَلَّيْتُمْ فَاسْتَقْبِلُوا الْكَعْبَة فِي كَنَائِسكُمْ وَغَيْرهَا . 11255 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَأَقِيمُوا وُجُوهكُمْ عِنْد كُلّ مَسْجِد } هُوَ الْمَسْجِد : الْكَعْبَة . * حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا خَالِد بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ عُمَر بْن ذَرّ , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَأَقِيمُوا وُجُوهكُمْ عِنْد كُلّ مَسْجِد } قَالَ : الْكَعْبَة حَيْثُمَا كُنْت . 11256 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَأَقِيمُوا وُجُوهكُمْ عِنْد كُلّ مَسْجِد } قَالَ : أَقِيمُوهَا لِلْقِبْلَةِ هَذِهِ الْقِبْلَة الَّتِي أَمَرَكُمْ اللَّه بِهَا. وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِذَلِكَ : وَاجْعَلُوا سُجُودكُمْ لِلَّهِ خَالِصًا دُون مَا سِوَاهُ مِنْ الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11257 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , فِي قَوْله : { وَأَقِيمُوا وُجُوهكُمْ عِنْد كُلّ مَسْجِد } قَالَ : فِي الْإِخْلَاص أَنْ لَا تَدْعُوا غَيْره , وَأَنْ تُخْلِصُوا لَهُ الدِّين . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ بِتَأْوِيلِ الْآيَة مَا قَالَهُ الرَّبِيع , وَهُوَ أَنَّ الْقَوْم أُمِرُوا أَنْ يَتَوَجَّهُوا بِصَلَاتِهِمْ إِلَى رَبّهمْ , لَا إِلَى مَا سِوَاهُ مِنْ الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام , وَأَنْ يَجْعَلُوا دُعَاءَهُمْ لِلَّهِ خَالِصًا , لَا مُكَاء وَلَا تَصْدِيَة . وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالْآيَةِ , لِأَنَّ اللَّه إِنَّمَا خَاطَبَ بِهَذِهِ الْآيَة قَوْمًا مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَب لَمْ يَكُونُوا أَهْل كَنَائِس وَبِيَع , وَإِنَّمَا كَانَتْ الْكَنَائِس وَالْبِيَع لِأَهْلِ الْكِتَابَيْنِ , فَغَيْر مَعْقُول أَنْ يُقَال لِمَنْ لَا يُصَلِّي فِي كَنِيسَة وَلَا بِيعَة : وَجِّهْ وَجْهك إِلَى الْكَعْبَة فِي كَنِيسَة أَوْ بِيعَة . وَأَمَّا قَوْله : { وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين } فَإِنَّهُ يَقُول : وَاعْمَلُوا لِرَبِّكُمْ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين وَالطَّاعَة , لَا تَخْلِطُوا ذَلِكَ بِشِرْكٍ وَلَا تَجْعَلُوا فِي شَيْء مِمَّا تَعْمَلُونَ لَهُ شَرِيكًا . كَمَا : 11258 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين } قَالَ : أَنْ تُخْلِصُوا لَهُ الدِّين وَالدَّعْوَة وَالْعَمَل , ثُمَّ تَوَجَّهُونَ إِلَى الْبَيْت الْحَرَام . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } فَقَالَ بَعْضهمْ : تَأْوِيله : كَمَا بَدَأَكُمْ أَشْقِيَاء وَسُعَدَاء , كَذَلِكَ تُبْعَثُونَ يَوْم الْقِيَامَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 11259 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمْ الضَّلَالَة } قَالَ : إِنَّ اللَّه سُبْحَانه بَدَأَ خَلْق اِبْن آدَم مُؤْمِنًا وَكَافِرًا , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { هُوَ الَّذِي خَلَقكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِر وَمِنْكُمْ مُؤْمِن } 64 2 ثُمَّ يُعِيدهُمْ يَوْم الْقِيَامَة كَمَا بَدَأَ خَلْقهمْ مُؤْمِنًا وَكَافِرًا . 11260 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , قَالَ : ثنا أَصْحَابنَا , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } قَالَ : يُبْعَث الْمُؤْمِن مُؤْمِنًا , وَالْكَافِر كَافِرًا . 11261 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن الضُّرَيْس , عَنْ أَبِي جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ رَجُل , عَنْ جَابِر , قَالَ : يُبْعَثُونَ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ , الْمُؤْمِن عَلَى إِيمَانه وَالْمُنَافِق عَلَى نِفَاقه . 11262 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ أَبِي جَعْفَر الرَّازِيّ , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة , قَالَ : عَادُوا إِلَى عِلْمه فِيهِمْ , أَلَمْ تَسْمَع إِلَى قَوْل اللَّه فِيهِمْ : { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } ؟ أَلَمْ تَسْمَع قَوْله : { فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمْ الضَّلَالَة } ؟ . 11263 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه , عَنْ أَبِي جَعْفَر الرَّازِيّ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة : { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } قَالَ : رُدُّوا إِلَى عِلْمه فِيهِمْ . 11264 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو هَمَّام الْأَهْوَازِيّ , قَالَ : ثنا مُوسَى بْن عُبَيْدَة , عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب , فِي قَوْله : { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } قَالَ : مَنْ اِبْتَدَأَ اللَّه خَلْقه عَلَى الشِّقْوَة صَارَ إِلَى مَا اِبْتَدَأَ اللَّه خَلْقه عَلَيْهِ وَإِنْ عَمِلَ بِأَعْمَالِ أَهْل السَّعَادَة , كَمَا أَنَّ إِبْلِيس عَمِلَ بِأَعْمَالِ أَهْل السَّعَادَة ثُمَّ صَارَ إِلَى مَا اُبْتُدِئَ عَلَيْهِ خَلْقه . وَمَنْ اُبْتُدِئَ خَلْقه عَلَى السَّعَادَة صَارَ إِلَى مَا اُبْتُدِئَ عَلَيْهِ خَلْقه وَإِنْ عَمِلَ بِأَعْمَالِ أَهْل الشَّقَاء , كَمَا أَنَّ السَّحَرَة عَمِلَتْ بِأَعْمَالِ أَهْل الشَّقَاء ثُمَّ صَارُوا إِلَى مَا اُبْتُدِئَ عَلَيْهِ خَلْقهمْ . 11265 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ وَفَاء بْن إِيَاس أَبِي يَزِيد , عَنْ مُجَاهِد : { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } قَالَ : يُبْعَث الْمُسْلِم مُسْلِمًا , وَالْكَافِر كَافِرًا . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو دُكَيْن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ أَبِي يَزِيد , عَنْ مُجَاهِد : { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } قَالَ : يُبْعَث الْمُسْلِم مُسْلِمًا , وَالْكَافِر كَافِرًا . 11266 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن أَبِي الْوَضَّاح , عَنْ سَالِم الْأَفْطَس , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } قَالَ : كَمَا كُتِبَ عَلَيْكُمْ تَكُونُونَ . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحِمَّانِيّ , قَالَ : ثنا شَرِيك , عَنْ سَالِم , عَنْ سَعِيد , مِثْله. 11267 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمْ الضَّلَالَة } يَقُول : كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ , فَرِيق مُهْتَدُونَ وَفَرِيق ضَالّ , كَذَلِكَ تَعُودُونَ وَتُخْرَجُونَ مِنْ بُطُون أُمَّهَاتكُمْ . 11268 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَص206 : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ سُفْيَان , عَنْ جَابِر , أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : " تُبْعَث كُلّ نَفْس عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ " . * حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو دَاوُد الْحَفَرِيّ , عَنْ شَرِيك , عَنْ سَالِم , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } قَالَ : كَمَا كُتِبَ عَلَيْكُمْ تَكُونُونَ . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحِمَّانِيّ , قَالَ : ثنا حَمَّاد بْن زَيْد , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : يُبْعَث الْمُؤْمِن مُؤْمِنًا , وَالْكَافِر كَافِرًا . 11269 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } شَقِيًّا وَسَعِيدًا . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك قِرَاءَة عَنْ مُجَاهِد , مِثْله. وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : كَمَا خَلَقَكُمْ وَلَمْ تَكُونُوا شَيْئًا تَعُودُونَ بَعْد الْفَنَاء . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11270 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا غُنْدَر , عَنْ عَوْف , عَنْ الْحَسَن : { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } قَالَ : كَمَا بَدَأَكُمْ وَلَمْ تَكُونُوا شَيْئًا فَأَحْيَاكُمْ , كَذَلِكَ يُمِيتكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ يَوْم الْقِيَامَة . * حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عَبْد الْأَعْلَى , عَنْ عَوْف , عَنْ الْحَسَن : { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } قَالَ : كَمَا بَدَأَكُمْ فِي الدُّنْيَا كَذَلِكَ تَعُودُونَ يَوْم الْقِيَامَة أَحْيَاء . 11271 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } قَالَ : بَدَأَ خَلْقهمْ وَلَمْ يَكُونُوا شَيْئًا , ثُمَّ ذَهَبُوا ثُمَّ يُعِيدهُمْ . 11272 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَى } يَقُول : كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّل مَرَّة كَذَلِكَ تَعُودُونَ. 11273 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } يُحْيِيكُمْ بَعْد مَوْتكُمْ . 11274 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } قَالَ : كَمَا خَلَقَهُمْ أَوَّلًا , كَذَلِكَ يُعِيدهُمْ آخِرًا. قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي تَأْوِيل ذَلِكَ بِالصَّوَابِ , الْقَوْل الَّذِي قَالَهُ مَنْ قَالَ مَعْنَاهُ : كَمَا بَدَأَكُمْ اللَّه خَلْقًا بَعْد أَنْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا تَعُودُونَ بَعْد فَنَائِكُمْ خَلْقًا مِثْله , يَحْشُركُمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَمَرَ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعْلِم بِمَا فِي هَذِهِ الْآيَة قَوْمًا مُشْرِكِينَ أَهْل جَاهِلِيَّة لَا يُؤْمِنُونَ بِالْمَعَادِ وَلَا يُصَدِّقُونَ بِالْقِيَامَةِ , فَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِقْرَار بِأَنَّ اللَّه بَاعِثهمْ يَوْم الْقِيَامَة وَمُثِيب مَنْ أَطَاعَهُ وَمُعَاقِب مَنْ عَصَاهُ , فَقَالَ لَهُ : قُلْ لَهُمْ : أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ , وَأَنْ أَقِيمُوا وُجُوهكُمْ عِنْد كُلّ مَسْجِد , وَأَنْ اُدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين , وَأَنْ أَقِرُّوا بِأَنَّ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ! فَتَرَكَ ذِكْر " وَأَنْ أَقِرُّوا بِأَنَّ " كَمَا تَرَكَ ذِكْر " أَنْ " مَعَ " أَقِيمُوا " , إِذْ كَانَ فِيمَا ذَكَرَ دَلَالَة عَلَى مَا حُذِفَ مِنْهُ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَلَا وَجْه لِأَنْ يُؤْمَر بِدُعَاءِ مَنْ كَانَ جَاحِدًا النُّشُور بَعْد الْمَمَات إِلَى الْإِقْرَار بِالصِّفَةِ الَّتِي عَلَيْهَا يُنْشَر مَنْ نُشِرَ , وَإِنَّمَا يُؤْمَر بِالدُّعَاءِ إِلَى ذَلِكَ مَنْ كَانَ بِالْبَعْثِ مُصَدِّقًا , فَأَمَّا مَنْ كَانَ لَهُ جَاحِدًا فَإِنَّمَا يُدْعَى إِلَى الْإِقْرَار بِهِ ثُمَّ يُعَرَّف كَيْفَ شَرَائِط الْبَعْث. عَلَى أَنَّ فِي الْخَبَر الَّذِي رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي : 11275 - حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن سَعِيد , قَالَ : ثنا سُفْيَان , قَالَ : ثني الْمُغِيرَة بْن النُّعْمَان , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : " يُحْشَر النَّاس عُرَاة غُرْلًا , وَأَوَّل مَنْ يُكْسَى إِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ثُمَّ قَرَأَ : { كَمَا بَدَأْنَا أَوَّل خَلْق نُعِيدهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ } * حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا إِسْحَاق بْن يُوسُف , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ الْمُغِيرَة بْن النُّعْمَان , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , بِنَحْوِهِ . * حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ الْمُغِيرَة بْن النُّعْمَان , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : قَامَ فِينَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَوْعِظَةٍ , فَقَالَ : " يَا أَيّهَا النَّاس إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ إِلَى اللَّه حُفَاة غُرْلًا { كَمَا بَدَأْنَا أَوَّل خَلْق نُعِيدهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ } 21 104 مَا يُبَيِّن صِحَّة الْقَوْل الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , مِنْ أَنَّ مَعْنَاهُ : أَنَّ الْخَلْق يَعُودُونَ إِلَى اللَّه يَوْم الْقِيَامَة خَلْقًا أَحْيَاء كَمَا بَدَأَهُمْ فِي الدُّنْيَا خَلْقًا أَحْيَاء , يُقَال مِنْهُ : بَدَأَ اللَّه الْخَلْق يَبْدَؤُهُمْ وَأَبْدَأهُمْ يُبْدِئُهُمْ إِبْدَاء بِمَعْنَى خَلَقَهُمْ , لُغَتَانِ فَصَيْحَتَانِ. ثُمَّ اِبْتَدَأَ الْخَبَر جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَمَّا سَبَقَ مِنْ عِلْمه فِي خَلْقه وَجَرَى بِهِ فِيهِمْ قَضَاؤُهُ , فَقَالَ : هَدَى اللَّه مِنْهُمْ فَرِيقًا فَوَفَّقَهُمْ لِصَالِحِ الْأَعْمَال فَهُمْ مُهْتَدُونَ , وَحَقَّ عَلَى فَرِيق مِنْهُمْ الضَّلَالَة عَنْ الْهُدَى وَالرَّشَاد , بِاِتِّخَاذِهِمْ الشَّيْطَان مِنْ دُون اللَّه وَلِيًّا. وَإِذَا كَانَ التَّأْوِيل هَذَا , كَانَ الْفَرِيق الْأَوَّل مَنْصُوبًا بِإِعْمَالِ هَدَى فِيهِ , وَالْفَرِيق الثَّانِي بِوُقُوعِ قَوْله ( حَقَّ عَلَى ) عَائِد ذِكْرِهِ فِي عَلَيْهِمْ , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { يُدْخِل مَنْ يَشَاء فِي رَحْمَته وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } 76 31 وَمَنْ وَجَّهَ تَأْوِيل ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ كَمَا بَدَأَكُمْ فِي الدُّنْيَا صِنْفَيْنِ : كَافِرًا , وَمُؤْمِنًا , كَذَلِكَ تَعُودُونَ فِي الْآخِرَة فَرِيقَيْنِ : { فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمْ الضَّلَالَة } نَصَبَ " فَرِيقًا " الْأَوَّل بِقَوْلِهِ : " تَعُودُونَ " , وَجَعَلَ الثَّانِي عَطْفًا عَلَيْهِ . وَقَدْ بَيَّنَّا الصَّوَاب عِنْدنَا مِنْ الْقَوْل فِيهِ.

تفسير القرطبي

قَالَ اِبْن عَبَّاس : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه . وَقِيلَ : الْقِسْط الْعَدْل ; أَيْ أَمَرَ : بِالْعَدْلِ فَأَطِيعُوهُ . فَفِي الْكَلَام حَذْف . أَيْ تَوَجَّهُوا إِلَيْهِ فِي كُلّ صَلَاة إِلَى الْقِبْلَة . أَيْ فِي أَيّ مَسْجِد كُنْتُمْ . أَيْ وَحِّدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ . نَظِيرُهُ " وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ " [ الْأَنْعَام : 94 ] وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَالْكَاف فِي مَوْضِع نَصْب ; أَيْ تَعُودُونَ كَمَا بَدَأَكُمْ ; أَيْ كَمَا خَلَقَكُمْ أَوَّل مَرَّة يُعِيدُكُمْ . وَقَالَ الزَّجَّاج : هُوَ مُتَعَلِّق بِمَا قَبْله . أَيْ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ .

غريب الآية
قُلۡ أَمَرَ رَبِّی بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَقِیمُوا۟ وُجُوهَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدࣲ وَٱدۡعُوهُ مُخۡلِصِینَ لَهُ ٱلدِّینَۚ كَمَا بَدَأَكُمۡ تَعُودُونَ ﴿٢٩﴾
بِٱلۡقِسۡطِۖبالعدلِ.
وَأَقِیمُوا۟ وُجُوهَكُمۡوأخْلِصُوا لله العبادةَ.
عِندَ كُلِّ مَسۡجِدࣲفي كلِّ موضعٍ من مواضعِ العبادةِ، ولا سِيَّما المساجدُ.
ٱلدِّینَۚالطاعةَ والعبادةَ.
عِندَ كُلِّ مَسۡجِدࣲعند أداءِ كلِّ صلاةٍ.
الإعراب
(قُلْ)
فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ".
(أَمَرَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(رَبِّي)
فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الْمُقَدَّرَةُ لِاشْتِغَالِ الْمَحَلِّ بِحَرَكَةِ الْمُنَاسَبَةِ لِلْيَاءِ، وَ"يَاءُ الْمُتَكَلِّمِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(بِالْقِسْطِ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(الْقِسْطِ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَأَقِيمُوا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(أَقِيمُوا) : فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى حَذْفِ النُّونِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(وُجُوهَكُمْ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(عِنْدَ)
ظَرْفُ مَكَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(كُلِّ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(مَسْجِدٍ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَادْعُوهُ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(ادْعُو) : فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى حَذْفِ النُّونِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(مُخْلِصِينَ)
حَالٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ.
(لَهُ)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(الدِّينَ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(كَمَا)
"الْكَافُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(مَا) : حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(بَدَأَكُمْ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ"، وَالْمَصْدَرُ الْمُؤَوَّلُ مِنْ (مَا) : وَالْفِعْلِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْكَافِ.
(تَعُودُونَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.