صفحات الموقع

سورة الأعراف الآية ٨٩

سورة الأعراف الآية ٨٩

قَدِ ٱفۡتَرَیۡنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنۡ عُدۡنَا فِی مِلَّتِكُم بَعۡدَ إِذۡ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنۡهَاۚ وَمَا یَكُونُ لَنَاۤ أَن نَّعُودَ فِیهَاۤ إِلَّاۤ أَن یَشَاۤءَ ٱللَّهُ رَبُّنَاۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَیۡءٍ عِلۡمًاۚ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَاۚ رَبَّنَا ٱفۡتَحۡ بَیۡنَنَا وَبَیۡنَ قَوۡمِنَا بِٱلۡحَقِّ وَأَنتَ خَیۡرُ ٱلۡفَـٰتِحِینَ ﴿٨٩﴾

التفسير

تفسير السعدي

" قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا " أي: اشهدوا علينا, أننا إن عدنا إليها بعد ما نجانا اللّه منها, وأنقذنا من شرها, أننا كاذبون مفترون على اللّه الكذب. فإننا نعلم, أنه لا أعظم افتراء, ممن جعل للّه شريكا, وهو الواحد الأحد, الفرد الصمد, الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا, ولا شريكا في الملك. " وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا " أي: يمتنع على مثلنا أن نعود فيها فإن هذا من المحال. فآيسهم عليه الصلاة والسلام, من كونه يوافقهم, من وجوه متعددة. من جهة أنهم كارهون لها, مبغضون لما هم عليه من الشرك. ومن جهة أنه جعل ما هم عليه كذبا, وأشهدهم أنه إن اتبعهم ومن معه, فإنهم كاذبون. ومنها: اعترافهم بمنة اللّه عليهم إذ أنقذهم اللّه منها. ومنها: أن عودتهم فيها - بعد ما هداهم اللّه - من المحالات, بالنظر إلى حالتهم الراهنة, وما في قلوبهم من تعظيم اللّه تعالى, والاعتراف له بالعبودية, وأنه الإله وحده, الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده, لا شريك له, وأن آلهة المشركين, أبطل الباطل, وأمحل المحال. وحيث أن اللّه منَّ عليهم, بعقول يعرفون بها الحق والباطل, والهدى والضلال. وأما من حيث النظر إلى مشيئة اللّه, وإرادته النافذة في خلقه, التي لا خروج لأحد عنها, ولو تواترت الأسباب, وتوافقت القوى, فإنهم لا يحكمون على أنفسهم أنهم سيفعلون شيئا أو يتركونه. ولهذا استثنى " وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا " أي: فلا يمكننا ولا غيرنا, الخروج عن مشيئته, التابعة لعلمه وحكمته. وقد " وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا " فيعلم ما يصلح للعباد وما يدبرهم عليه. " عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا " أي: اعتمدنا أنه سيثبتنا على الصراط المستقيم, وأن يعصمنا من جميع طرق الجحيم, فإن من توكل على اللّه, كفاه, ويسر له أمر دينه ودنياه. " رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ " أي: انصر المظلوم, وصاحب الحق, على الظالم المعاند للحق " وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ " وفتحه تعالى لعباده, نوعان. فتح العلم, بتبيين الحق من الباطل, والهدى من الضلال, ومن هو المستقيم على الصراط, ممن هو منحرف عنه. والنوع الثاني: فتحه بالجزاء وإيقاع العقوبة على الظالمين, والنجاة والإكرام للصالحين. فسألوا اللّه أن يفتح بينهم وبين قومهم, بالحق والعدل, وأن يريهم من آياته وعبره, ما يكون فاصلا بين الفريقين.

التفسير الميسر

وقال شعيب لقومه مستدركًا: قد اختلقنا على الله الكذب إن عُدْنا إلى دينكم بعد أن أنقذنا الله منه، وليس لنا أن نتحول إلى غير دين ربنا إلا أن يشاء الله ربنا، وقد وسع ربنا كل شيء علمًا، فيعلم ما يصلح للعباد، على الله وحده اعتمادنا هداية ونصرة، ربنا احكم بيننا وبين قومنا بالحق، وأنت خير الحاكمين.

تفسير الجلالين

"قَدْ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّه كَذِبًا إنْ عُدْنَا فِي مِلَّتكُمْ بَعْد إذْ نَجَّانَا مِنْهَا وَمَا يَكُون" يَنْبَغِي "لَنَا أَنْ نَعُود فِيهَا إلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه رَبّنَا" ذَلِكَ فَيَخْذُلنَا "وَسِعَ رَبّنَا كُلّ شَيْء عِلْمًا" أَيْ وَسِعَ عِلْمه كُلّ شَيْء وَمِنْهُ حَالِي وَحَالكُمْ "عَلَى اللَّه تَوَكَّلْنَا رَبّنَا افْتَحْ" اُحْكُمْ "بَيْننَا وَبَيْن قَوْمنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْر الْفَاتِحِينَ" الْحَاكِمِينَ

تفسير ابن كثير

" وَمَا يَكُون لَنَا أَنْ نَعُود فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه رَبّنَا " وَهَذَا رَدّ إِلَى اللَّه مُسْتَقِيم فَإِنَّهُ يَعْلَم كُلّ شَيْء وَقَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْء عِلْمًا " عَلَى اللَّه تَوَكَّلْنَا " أَيْ فِي أُمُورنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَر " رَبّنَا اِفْتَحْ بَيْننَا وَبَيْن قَوْمنَا بِالْحَقِّ " أَيْ اُحْكُمْ بَيْننَا وَبَيْن قَوْمنَا وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ " وَأَنْتَ خَيْر الْفَاتِحِينَ " أَيْ خَيْر الْحَاكِمِينَ فَإِنَّك الْعَادِل الَّذِي لَا يَجُور أَبَدًا .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَدْ اِفْتَرَيْنَا عَلَى اللَّه كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتكُمْ بَعْد إِذْ نَجَّانَا اللَّه مِنْهَا وَمَا يَكُون لَنَا أَنْ نَعُود فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه رَبّنَا وَسِعَ رَبّنَا كُلّ شَيْء عِلْمًا } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قَالَ شُعَيْب لِقَوْمِهِ , إِذْ دَعَوْهُ إِلَى الْعَوْد إِلَى مِلَّتهمْ وَالدُّخُول فِيهَا , وَتَوَعَّدُوهُ بِطَرْدِهِ وَمَنْ اِتَّبَعَهُ مِنْ قَرْيَتهمْ إِنْ لَمْ يَفْعَل ذَلِكَ هُوَ وَهُمْ : { قَدْ اِفْتَرَيْنَا عَلَى اللَّه كَذِبًا } يَقُول : قَدْ اِخْتَلَقْنَا عَلَى اللَّه كَذِبًا , وَتَخَرَّصْنَا عَلَيْهِ مِنْ الْقَوْل بَاطِلًا إِنْ نَحْنُ عُدْنَا فِي مِلَّتكُمْ , فَرَجَعْنَا فِيهَا بَعْد إِذْ أَنْقَذَنَا اللَّه مِنْهَا , بِأَنْ بَصَّرَنَا خَطَأَهَا وَصَوَاب الْهُدَى الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ , وَمَا يَكُون لَنَا أَنْ نَرْجِع فِيهَا فَنَدِين بِهَا وَنَتْرُك الْحَقّ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ . { إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه رَبّنَا } : إِلَّا أَنْ يَكُون سَبَقَ لَنَا فِي عِلْم اللَّه أَنَّا نَعُود فِيهَا , فَيَمْضِي فِينَا حِينَئِذٍ قَضَاء اللَّه , فَيُنْفِذ مَشِيئَته عَلَيْنَا. { وَسِعَ رَبّنَا كُلّ شَيْء عِلْمًا } يَقُول : فَإِنَّ عِلْم رَبّنَا وَسِعَ كُلّ شَيْء فَأَحَاطَ بِهِ , فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء كَانَ وَلَا شَيْء هُوَ كَائِن ; فَإِنْ يَكُنْ سَبَقَ لَنَا فِي عِلْمه أَنَّا نَعُود فِي مِلَّتكُمْ وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء كَانَ وَلَا شَيْء هُوَ كَائِن , فَلَا بُدّ مِنْ أَنْ يَكُون مَا قَدْ سَبَقَ فِي عِلْمه , وَإِلَّا فَإِنَّا غَيْر عَائِدِينَ فِي مِلَّتكُمْ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11534 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { قَدْ اِفْتَرَيْنَا عَلَى اللَّه كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتكُمْ بَعْد إذْ نَجَّانَا اللَّه مِنْهَا وَمَا يَكُون لَنَا أَنْ نَعُود فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه رَبّنَا وَسِعَ رَبّنَا كُلّ شَيْء عِلْمًا عَلَى اللَّه تَوَكَّلْنَا رَبّنَا اِفْتَحْ بَيْننَا وَبَيْن قَوْمنَا بِالْحَقِّ } يَقُول : مَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَعُود فِي شِرْككُمْ بَعْد إِذْ نَجَّانَا اللَّه مِنْهَا إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه رَبّنَا , فَاَللَّه لَا يَشَاء الشِّرْك , وَلَكِنْ يَقُول : إِلَّا أَنْ يَكُون اللَّه قَدْ عَلِمَ شَيْئًا , فَإِنَّهُ وَسِعَ كُلّ شَيْء عِلْمًا . وَقَوْله : { عَلَى اللَّه تَوَكَّلْنَا } يَقُول : عَلَى اللَّه نَعْتَمِد فِي أُمُورنَا وَإِلَيْهِ نَسْتَنِد فِيمَا تَعِدُونَنَا بِهِ مِنْ شِرْككُمْ أَيّهَا الْقَوْم , فَإِنَّهُ الْكَافِي مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ . ثُمَّ فَزِعَ صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ إِلَى رَبّه بِالدُّعَاءِ عَلَى قَوْمه , إِذْ أَيِسَ مِنْ فَلَاحهمْ , وَانْقَطَعَ رَجَاؤُهُ مِنْ إِذْعَانهمْ لِلَّهِ بِالطَّاعَةِ وَالْإِقْرَار لَهُ بِالرِّسَالَةِ , وَخَافَ عَلَى نَفْسه وَعَلَى مَنْ اِتَّبَعَهُ مِنْ مُؤْمِنِي قَوْمه مِنْ فَسَقَتهمْ الْعَطَب وَالْهَلَكَة ; بِتَعْجِيلِ النِّقْمَة , فَقَالَ : { رَبّنَا اِفْتَحْ بَيْننَا وَبَيْن قَوْمنَا بِالْحَقِّ } يَقُول : اُحْكُمْ بَيْننَا وَبَيْنهمْ بِحُكْمِك الْحَقّ الَّذِي لَا جَوْر فِيهِ وَلَا حَيْف وَلَا ظُلْم , وَلَكِنَّهُ عَدْل وَحَقّ ; { وَأَنْتَ خَيْر الْفَاتِحِينَ } يَعْنِي : خَيْر الْحَاكِمِينَ . ذَكَرَ الْفَرَّاء أَنَّ أَهْل عُمَان يُسَمُّونَ الْقَاضِي : الْفَاتِح وَالْفَتَّاح . وَذَكَرَ غَيْره مِنْ أَهْل الْعِلْم بِكَلَامِ الْعَرَب أَنَّهُ مِنْ لُغَة مُرَاد , وَأَنْشَدَ بَعْضهمْ بَيْتًا وَهُوَ : أَلَا أَبْلِغْ بَنِي عُصْم رَسُولًا فَإِنِّي عَنْ فُتَاحَتِكُمْ غَنِيّ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11535 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ مِسْعَر , عَنْ قَتَادَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : مَا كُنْت أَدْرِي مَا قَوْله : { رَبّنَا اِفْتَحْ بَيْننَا وَبَيْن قَوْمنَا بِالْحَقِّ } حَتَّى سَمِعْت اِبْنَة ذِي يَزَنْ تَقُول : تَعَالَ أُفَاتِحك , يَعْنِي : أُقَاضِيك . 11536 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { رَبّنَا اِفْتَحْ بَيْننَا وَبَيْن قَوْمنَا بِالْحَقِّ } يَقُول : اِقْضِ بَيْننَا وَبَيْن قَوْمنَا . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو دُكَيْن , قَالَ : ثنا مِسْعَر , قَالَ : سَمِعْت قَتَادَة يَقُول : قَالَ اِبْن عَبَّاس : مَا كُنْت أَدْرِي مَا قَوْله : { رَبّنَا اِفْتَحْ بَيْننَا وَبَيْن قَوْمنَا بِالْحَقِّ } حَتَّى سَمِعْت اِبْنَة ذِي يَزَنْ تَقُول : تَعَالَ أُفَاتِحك . 11537 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { اِفْتَحْ بَيْننَا وَبَيْن قَوْمنَا بِالْحَقِّ } : أَيْ اِقْضِ بَيْننَا وَبَيْن قَوْمنَا بِالْحَقِّ . * حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , قَالَ : ثنا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { اِفْتَحْ بَيْننَا وَبَيْن قَوْمنَا بِالْحَقِّ } : اِقْضِ بَيْننَا وَبَيْن قَوْمنَا بِالْحَقِّ. 11538 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , أَمَّا قَوْله : { اِفْتَحْ بَيْننَا } فَيَقُول : اُحْكُمْ بَيْننَا . 11539 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ : اِفْتَحْ : اُحْكُمْ بَيْننَا وَبَيْن قَوْمنَا , و { إِنَّا فَتْحنَا لَك فَتْحًا مُبِينًا } 48 1 حَكَمْنَا لَك حُكْمًا مُبِينًا . * حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس : اِفْتَحْ : اِقْضِ . * حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر , قَالَ : ثنا مِسْعَر , عَنْ قَتَادَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : لَمْ أَكُنْ أَدْرِي مَا { اِفْتَحْ بَيْننَا وَبَيْن قَوْمنَا بِالْحَقِّ } حَتَّى سَمِعْت ابْنَة ذِي يَزَنْ تَقُول لِزَوْجِهَا : اِنْطَلِقْ أُفَاتِحك .

تفسير القرطبي

إِيَاس مِنْ الْعَوْد إِلَى مِلَّتهمْ . قَالَ أَبُو إِسْحَاق الزَّجَّاج : أَيْ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , قَالَ : وَهَذَا قَوْل أَهْل السُّنَّة ; أَيْ وَمَا يَقَع مِنَّا الْعَوْد إِلَى الْكُفْر إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه ذَلِكَ . فَالِاسْتِثْنَاء مُنْقَطِع . وَقِيلَ : الِاسْتِثْنَاء هُنَا عَلَى جِهَة التَّسْلِيم لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ; كَمَا قَالَ : " وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاَللَّهِ " [ هُود : 88 ] . وَالدَّلِيل عَلَى هَذَا أَنَّ بَعْده " وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْء عِلْمًا عَلَى اللَّه تَوَكَّلْنَا " . وَقِيلَ : هُوَ كَقَوْلِك : لَا أُكَلِّمك حَتَّى يَبْيَضّ الْغُرَاب , وَحَتَّى يَلِج الْجَمَل فِي سَم الْخِيَاط . وَالْغُرَاب لَا يَبْيَضّ أَبَدًا , وَالْجَمَل لَا يَلِج فِي سَم الْخِيَاط . أَيْ عَلِمَ مَا كَانَ وَمَا يَكُون . " عِلْمًا " نَصْب عَلَى التَّمْيِيز . وَقِيلَ الْمَعْنَى : " وَمَا يَكُون لَنَا أَنْ نَعُود فِيهَا " أَيْ فِي الْقَرْيَة بَعْد أَنْ كَرِهْتُمْ مُجَاوَرَتَنَا , بَلْ نَخْرُج مِنْ قَرْيَتِكُمْ مُهَاجِرِينَ إِلَى غَيْرِهَا . " إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه " رَدَّنَا إِلَيْهَا . وَفِيهِ بُعْد ; لِأَنَّهُ يُقَال : عَادَ لِلْقَرْيَةِ وَلَا يُقَال عَادَ فِي الْقَرْيَة . أَيْ اِعْتَمَدْنَا . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَيْر مَوْضِع قَالَ قَتَادَة : بَعَثَهُ اللَّه إِلَى أُمَّتَيْنِ : أَهْل مَدْيَن , وَأَصْحَاب الْأَيْكَة . قَالَ اِبْن عَبَّاس : وَكَانَ شُعَيْب كَثِير الصَّلَاة , فَلَمَّا طَالَ تَمَادِي قَوْمِهِ فِي كُفْرهمْ وَغَيِّهِمْ , وَيَئِسَ مِنْ صَلَاحِهِمْ , دَعَا عَلَيْهِمْ فَقَالَ : " رَبَّنَا اِفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْن قَوْمنَا بِالْحَقِّ " وَأَنْتَ خَيْر الْفَاتِحِينَ " فَاسْتَجَابَ اللَّه دُعَاءَهُ فَأَهْلَكَهُمْ بِالرَّجْفَةِ .

غريب الآية
قَدِ ٱفۡتَرَیۡنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنۡ عُدۡنَا فِی مِلَّتِكُم بَعۡدَ إِذۡ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنۡهَاۚ وَمَا یَكُونُ لَنَاۤ أَن نَّعُودَ فِیهَاۤ إِلَّاۤ أَن یَشَاۤءَ ٱللَّهُ رَبُّنَاۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَیۡءٍ عِلۡمًاۚ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَاۚ رَبَّنَا ٱفۡتَحۡ بَیۡنَنَا وَبَیۡنَ قَوۡمِنَا بِٱلۡحَقِّ وَأَنتَ خَیۡرُ ٱلۡفَـٰتِحِینَ ﴿٨٩﴾
ٱفۡتَحۡاحكُمْ.
ٱلۡفَـٰتِحِینَالحاكمين.
الإعراب
(قَدِ)
حَرْفُ تَحْقِيقٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
(افْتَرَيْنَا)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِنَا الْفَاعِلِينَ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(عَلَى)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(اللَّهِ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(كَذِبًا)
نَائِبٌ عَنِ الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(إِنْ)
حَرْفُ شَرْطٍ وَجَزْمٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(عُدْنَا)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِنَا الْفَاعِلِينَ فِي مَحَلِّ جَزْمٍ فِعْلُ الشَّرْطِ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(فِي)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(مِلَّتِكُمْ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ، وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يُفَسِّرُهُ مَا قَبْلَهُ.
(بَعْدَ)
ظَرْفُ زَمَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(إِذْ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ.
(نَجَّانَا)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ الْمُقَدَّرِ لِلتَّعَذُّرِ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(اللَّهُ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(مِنْهَا)
(مِنْ) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(وَمَا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(مَا) : حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(يَكُونُ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(لَنَا)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ خَبَرُ يَكُونُ مُقَدَّمٌ.
(أَنْ)
حَرْفُ نَصْبٍ وَمَصْدَرِيَّةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(نَعُودَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "نَحْنُ"، وَالْمَصْدَرُ الْمُؤَوَّلُ (أَنْ نَعُودَ ...) : فِي مَحَلِّ رَفْعٍ اسْمُ يَكُونُ مُؤَخَّرٌ.
(فِيهَا)
(فِي) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(إِلَّا)
حَرْفُ اسْتِثْنَاءٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(أَنْ)
حَرْفُ نَصْبٍ وَمَصْدَرِيَّةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(يَشَاءَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(اللَّهُ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(رَبُّنَا)
نَعْتٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(وَسِعَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(رَبُّنَا)
فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(كُلَّ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(شَيْءٍ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(عِلْمًا)
تَمْيِيزٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(عَلَى)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(اللَّهِ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(تَوَكَّلْنَا)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِنَا الْفَاعِلِينَ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(رَبَّنَا)
مُنَادًى بِحَرْفِ نِدَاءٍ مَحْذُوفٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(افْتَحْ)
فِعْلُ أَمْرٍ لِلدُّعَاءِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ".
(بَيْنَنَا)
ظَرْفُ مَكَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(وَبَيْنَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(بَيْنَ) : ظَرْفُ مَكَانٍ مَعْطُوفٌمَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(قَوْمِنَا)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(بِالْحَقِّ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(الْحَقِّ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَأَنْتَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ اسْتِئْنَافٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(أَنْتَ) : ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(خَيْرُ)
خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(الْفَاتِحِينَ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ.