صفحات الموقع

سورة المعارج الآية ٤

سورة المعارج الآية ٤

تَعۡرُجُ ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَیۡهِ فِی یَوۡمࣲ كَانَ مِقۡدَارُهُۥ خَمۡسِینَ أَلۡفَ سَنَةࣲ ﴿٤﴾

التفسير

تفسير السعدي

تصعد الملائكة وجبريل إليه تعالى في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة من سني الدنيا, وهو على المؤمن مثل صلاة مكتوبة.

التفسير الميسر

دعا داع من المشركين على نفسه وقومه بنزول العذاب عليهم، وهو واقع بهم يوم القيامة لا محالة، ليس له مانع يمنعه من الله ذي العلو والجلال، تصعد الملائكة وجبريل إليه تعالى في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة من سني الدنيا، وهو على المؤمن مثل صلاة مكتوبة.

تفسير الجلالين

"تَعْرُج" بِالتَّاءِ وَالْيَاء "الْمَلَائِكَة وَالرُّوح" جِبْرِيل "إلَيْهِ" إلَى مَهْبِط أَمْره مِنْ السَّمَاء "فِي يَوْم" مُتَعَلِّق بِمَحْذُوفٍ أَيْ يَقَع الْعَذَاب بِهِمْ فِي يَوْم الْقِيَامَة "كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة" بِالنِّسْبَةِ إلَى الْكَافِر لِمَا يَلْقَى فِيهِ مِنْ الشَّدَائِد وَأَمَّا الْمُؤْمِن فَيَكُون أَخَفّ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاة مَكْتُوبَة يُصَلِّيهَا فِي الدُّنْيَا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث

تفسير ابن كثير

قَالَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَة تَعْرُج تَصْعَد وَأَمَّا الرُّوح فَقَالَ أَبُو صَالِح هُمْ خَلْق مِنْ خَلْق اللَّه يُشْبِهُونَ النَّاس وَلَيْسُوا أُنَاسًا . " قُلْت " وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِهِ جِبْرِيل وَيَكُون مِنْ بَاب عَطْف الْخَاصّ عَلَى الْعَامّ وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِسْم جِنْس لِأَرْوَاحِ بَنِي آدَم فَإِنَّهَا إِذَا قُبِضَتْ يَصْعَد بِهَا إِلَى السَّمَاء كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث الْبَرَاء وَفِي الْحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث الْمِنْهَاج عَنْ زَاذَان عَنْ الْبَرَاء مَرْفُوعًا الْحَدِيث بِطُولِهِ فِي قَبْض الرُّوح الطَّيِّبَة قَالَ فِيهِ " فَلَا يَزَال يَصْعَد بِهَا مِنْ سَمَاء إِلَى سَمَاء حَتَّى يَنْتَهِي بِهَا إِلَى السَّمَاء الَّتِي فِيهَا اللَّه " وَاَللَّه أَعْلَم بِصِحَّتِهِ فَقَدْ تَكَلَّمَ فِي بَعْض رُوَاته وَلَكِنَّهُ مَشْهُور وَلَهُ شَاهِد فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَة الْإِمَام أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي الدُّنْيَا عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن عَطَاء عَنْ سَعِيد بْن يَسَار عَنْهُ وَهَذَا إِسْنَاد رِجَاله عَلَى شَرْط الْجَمَاعَة وَقَدْ بَسَطْنَا لَفْظه عِنْد قَوْله تَعَالَى" يُثَبِّت اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة وَيُضِلّ اللَّه الظَّالِمِينَ وَيَفْعَل اللَّه مَا يَشَاء " . وَقَوْله تَعَالَى " فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة " فِيهِ أَرْبَعَة أَقْوَال " أَحَدهمَا " أَنَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ مَسَافَة مَا بَيْن الْعَرْش الْعَظِيم إِلَى أَسْفَل السَّافِلِينَ وَهُوَ قَرَار الْأَرْض السَّابِعَة وَذَلِكَ مَسِيرَة خَمْسِينَ أَلْف سَنَة هَذَا اِرْتِفَاع الْعَرْش عَنْ الْمَرْكَز الَّذِي فِي وَسَط الْأَرْض السَّابِعَة وَكَذَلِكَ اِتِّسَاع الْعَرْش مِنْ قُطْر إِلَى قُطْر مَسِيرَة خَمْسِينَ أَلْف سَنَة وَأَنَّهُ مِنْ يَاقُوتَة حَمْرَاء كَمَا ذَكَرَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة فِي كِتَاب صِفَة الْعَرْش. وَقَدْ قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم عِنْد هَذِهِ الْآيَة حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن سَلَمَة حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم أَخْبَرَنَا حَكَّام عَنْ عَمْرو بْن مَعْمَر بْن مَعْرُوف عَنْ لَيْث عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى " فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة " قَالَ مُنْتَهَى أَمْره مِنْ أَسْفَل الْأَرَضِينَ إِلَى مُنْتَهَى أَمْره مِنْ فَوْق السَّمَوَات خَمْسِينَ أَلْف سَنَة" فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره أَلْف سَنَة " يَعْنِي بِذَلِكَ حِين يَنْزِل الْأَمْر مِنْ السَّمَاء إِلَى الْأَرْض وَمِنْ الْأَرْض إِلَى السَّمَاء فِي يَوْم وَاحِد فَذَلِكَ مِقْدَاره أَلْف سَنَة لِأَنَّ مَا بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض مِقْدَار مَسِيرَة خَمْسمِائَةِ عَام وَقَدْ رَوَاهُ اِبْن جَرِير عَنْ اِبْن حُمَيْد عَنْ حَكَّام بْن سَالِم عَنْ عَمْرو بْن مَعْرُوف عَنْ لَيْث عَنْ مُجَاهِد قَوْله لَمْ يَذْكُر اِبْن عَبَّاس وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن مُحَمَّد الطَّنَافِسِيّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مَنْصُور حَدَّثَنَا نُوح الْمَعْرُوف عَنْ عَبْد الْوَهَّاب بْن مُجَاهِد عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ غِلَظ كُلّ أَرْض خَمْسمِائَةِ عَام وَبَيْن كُلّ أَرْض إِلَى أَرْض خَمْسمِائَةِ عَام فَذَلِكَ سَبْعَة آلَاف عَام وَغِلَظ كُلّ سَمَاء خَمْسمِائَةِ عَام وَبَيْن السَّمَاء إِلَى السَّمَاء خَمْسمِائَةِ عَام فَذَلِكَ أَرْبَعَة عَشَر أَلْف عَام وَبَيْن السَّمَاء السَّابِعَة وَبَيْن الْعَرْش مَسِيرَة سِتَّة وَثَلَاثِينَ أَلْف عَام فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى " فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة" . " الْقَوْل الثَّانِي " أَنَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ مُدَّة بَقَاء الدُّنْيَا مُنْذُ خَلَقَ اللَّه هَذَا الْعَالَم إِلَى قِيَام السَّاعَة قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُوسَى أَخْبَرَنَا اِبْن أَبِي زَائِدَة عَنْ اِبْن جُرَيْج عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى " فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة " قَالَ الدُّنْيَا عُمْرهَا خَمْسُونَ أَلْف سَنَة وَذَلِكَ عُمْرهَا يَوْم سَمَّاهَا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَوْمًا " تَعْرُج الْمَلَائِكَة وَالرُّوح إِلَيْهِ فِي يَوْم " قَالَ الْيَوْم الدُّنْيَا وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد عَنْ الْحَكَم بْن أَبَان عَنْ عِكْرِمَة " فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة " قَالَ الدُّنْيَا مِنْ أَوَّلهَا إِلَى آخِرهَا مِقْدَار خَمْسِينَ أَلْف سَنَة لَا يَدْرِي أَحَدٌ كَمْ مَضَى وَلَا كَمْ بَقِيَ إِلَّا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . " الْقَوْل الثَّالِث " أَنَّهُ الْيَوْم الْفَاصِل بَيْن الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَهُوَ قَوْل غَرِيب جِدًّا قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن سَعِيد الْقَطَّان حَدَّثَنَا بُهْلُول بْن الْمُوَرِّق حَدَّثَنَا مُوسَى بْن عُبَيْدَة أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن كَعْب " فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة " قَالَ هُوَ يَوْم الْفَصْل بَيْن الدُّنْيَا وَالْآخِرَة . " الْقَوْل الرَّابِع " أَنَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ يَوْم الْقِيَامَة قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن سِنَان الْوَاسِطِيّ حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عَنْ إِسْرَائِيل عَنْ سِمَاك عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس " فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة " قَالَ يَوْم الْقِيَامَة وَإِسْنَاده صَحِيح وَرَوَاهُ الثَّوْرِيّ عَنْ سِمَاك بْن حَرْب عَنْ عِكْرِمَة فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة يَوْم الْقِيَامَة وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاك وَابْن زَيْد وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى " تَعْرُج الْمَلَائِكَة وَالرُّوح إِلَيْهِ فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة " قَالَ هُوَ يَوْم الْقِيَامَة جَعَلَهُ اللَّه تَعَالَى عَلَى الْكَافِرِينَ مِقْدَار خَمْسِينَ أَلْف سَنَة وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيث فِي مَعْنَى ذَلِكَ قَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُوسَى حَدَّثَنَا اِبْن لَهِيعَة حَدَّثَنَا دَرَّاج عَنْ أَبِي الْهَيْثَم عَنْ أَبِي سَعِيد قَالَ : قِيلَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة " مَا أَطْوَل هَذَا الْيَوْم فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لَيُخَفَّف عَلَى الْمُؤْمِن حَتَّى يَكُون أَخَفّ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاة مَكْتُوبَة يُصَلِّيهَا فِي الدُّنْيَا" . وَرَوَاهُ اِبْن جَرِير عَنْ يُونُس عَنْ اِبْن وَهْب عَنْ عَمْرو بْن الْحَارِث عَنْ دَرَّاج بِهِ إِلَّا أَنَّ دَرَّاجًا وَشَيْخه أَبَا الْهَيْثَم ضَعِيفَانِ وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ قَتَادَة عَنْ أَبِي عَمْرو الْغُدَانِيّ قَالَ كُنْت عِنْد أَبِي هُرَيْرَة فَمَرَّ رَجُل مِنْ بَنِي عَامِر بْن صَعْصَعَة فَقِيلَ لَهُ هَذَا أَكْثَر عَامِرِيّ مَالًا فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة رُدُّوهُ إِلَيَّ فَرَدُّوهُ فَقَالَ نُبِّئْت أَنَّك ذُو مَال كَثِير فَقَالَ الْعَامِرِيّ أَيْ وَاَللَّه إِنَّ لِي لَمِائَة حَمْرَاء أَوْ مِائَة أَدْمَاء حَتَّى عَدَّ مِنْ أَلْوَان الْإِبِل وَأَفْنَان الرَّقِيق وَرِبَاط الْخَيْل فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة إِيَّاكَ وَأَخْفَاف الْإِبِل وَأَظْلَاف الْغَنَم يُرَدِّد ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى جَعَلَ لَوْن الْعَامِرِيّ يَتَغَيَّر فَقَالَ مَا ذَاكَ يَا أَبَا هُرَيْرَة ؟ قَالَ سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول " مَنْ كَانَتْ لَهُ إِبِل لَا يُعْطِي حَقّهَا فِي نَجْدَتهَا وَرِسْلهَا " قُلْنَا يَا رَسُول اللَّه مَا نَجْدَتهَا وَرِسْلهَا ؟ قَالَ " فِي عُسْرهَا وَيُسْرهَا فَإِنَّهَا تَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة كَأَغَذّ مَا كَانَتْ وَأَكْثَره وَأَسْمَنه وَأَشَرّه حَتَّى يُبْطَح لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَر فَتَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا فَإِذَا جَاوَزَتْهُ أُخْرَاهَا أُعِيدَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة حَتَّى يُقْضَى بَيْن النَّاس فَيَرَى سَبِيله وَإِذَا كَانَتْ لَهُ بَقَر لَا يُعْطِي حَقّهَا فِي نَجْدَتهَا وَرِسْلهَا فَإِنَّهَا تَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة كَأَغَذّ مَا كَانَتْ وَأَسْمَنه وَأَشَرّه ثُمَّ يُبْطَح لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَر فَتَطَؤُهُ كُلّ ذَات ظِلْف بِظِلْفِهَا وَتَنْطَحهُ كُلّ ذَات قَرْن بِقَرْنِهَا لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاء وَلَا عَضْبَاء إِذَا جَاوَزَتْهُ أُخْرَاهَا أُعِيدَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة حَتَّى يُقْضَى بَيْن النَّاس فَيَرَى سَبِيله وَإِذَا كَانَتْ لَهُ غَنَم لَا يُعْطِي حَقّهَا فِي نَجْدَتهَا وَرِسْلهَا فَإِنَّهَا تَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة كَأَغَذّ مَا كَانَتْ وَأَسْمَنه وَأَشَرّه حَتَّى يُبْطَح لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَر فَتَطَؤُهُ كُلّ ذَات ظِلْف بِظِلْفِهَا وَتَنْطَحهُ كُلّ ذَات قَرْن بِقَرْنِهَا لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاء وَلَا عَضْبَاء إِذَا جَاوَزَتْهُ أُخْرَاهَا أُعِيدَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة حَتَّى يُقْضَى بَيْن النَّاس فَيَرَى سَبِيله " قَالَ الْعَامِرِيّ وَمَا حَقّ الْإِبِل يَا أَبَا هُرَيْرَة ؟ قَالَ أَنْ تُعْطِي الْكَرِيمَة وَتَمْنَح الْغَزِيرَة وَتُفْقِر الظَّهْر وَتَسْقِي الْإِبِل وَتُطْرِق الْفَحْل . وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيث شُعْبَة وَالنَّسَائِيّ مِنْ حَدِيث سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَة بِهِ " طَرِيق أُخْرَى لِهَذَا الْحَدِيث " قَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا أَبُو كَامِل حَدَّثَنَا حَمَّاد عَنْ سَهْل بْن أَبِي صَالِح عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَا مِنْ صَاحِب كَنْز لَا يُؤَدِّي حَقّه إِلَّا جُعِلَ صَفَائِح يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم فَتُكْوَى بِهَا جَبْهَته وَجَنْبه وَظَهْره حَتَّى يَحْكُم اللَّه بَيْن عِبَاده" فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة " مِمَّا تَعُدُّونَ ثُمَّ يَرَى سَبِيله إِمَّا إِلَى الْجَنَّة وَإِمَّا إِلَى النَّار" وَذَكَرَ بَقِيَّة الْحَدِيث فِي الْغَنَم وَالْإِبِل كَمَا تَقَدَّمَ وَفِيهِ الْخَيْل الثَّلَاثَة : لِرَجُلٍ أَجْر وَلِرَجُلٍ سِتْر وَعَلَى رَجُل وِزْر " إِلَى آخِره وَرَوَاهُ مُسْلِم فِي صَحِيحه بِتَمَامِهِ مُنْفَرِدًا بِهِ دُون الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيث سُهَيْل عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَمَوْضِع اِسْتِقْصَاء طُرُقه وَأَلْفَاظه فِي كِتَاب الزَّكَاة مِنْ كِتَاب الْأَحْكَام وَالْغَرَض مِنْ إِيرَاده هَهُنَا قَوْله " حَتَّى يَحْكُم اللَّه بَيْن عِبَاده " فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة " وَقَدْ رَوَى اِبْن جَرِير عَنْ يَعْقُوب عَنْ اِبْن عُلَيَّة وَعَبْد الْوَهَّاب عَنْ أَيُّوب عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة قَالَ سَأَلَ رَجُل اِبْن عَبَّاس عَنْ قَوْله " فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة " فَقَالَ مَا يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة قَالَ فَاتَّهَمَهُ فَقَالَ إِنَّمَا سَأَلْتُك لِتُحَدِّثنِي . قَالَ هُمَا يَوْمَانِ ذَكَرَهمَا اللَّه , اللَّه أَعْلَم بِهِمَا وَأَكْرَه أَنْ أَقُول فِي كِتَاب اللَّه بِمَا لَا أَعْلَم.

تفسير الطبري

وَقَوْله : { تَعْرُج الْمَلَائِكَة وَالرُّوح إِلَيْهِ فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : تَصْعَد الْمَلَائِكَة وَالرُّوح , وَهُوَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام إِلَيْهِ , يَعْنِي إِلَى اللَّه جَلَّ وَعَزَّ ; وَالْهَاء فِي قَوْله : { إِلَيْهِ } عَائِدَة عَلَى اسْم اللَّه { فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة } يَقُول : كَانَ مِقْدَار صُعُودهمْ ذَلِكَ فِي يَوْم لِغَيْرِهِمْ مِنَ الْخَلْق خَمْسِينَ أَلْف سَنَة , وَذَلِكَ أَنَّهَا تَصْعَد مِنْ مُنْتَهَى أَمْره مِنْ أَسْفَل الْأَرْض السَّابِعَة إِلَى مُنْتَهَى أَمْره مِنْ فَوْق السَّمَوَات السَّبْع. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27027 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام بْن سَلْم , عَنْ عَمْرو بْن مَعْرُوف , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد { فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة } قَالَ : مُنْتَهَى أَمْره مِنْ أَسْفَل الْأَرَضِينَ إِلَى مُنْتَهَى أَمْره مِنْ فَوْق السَّمَوَات مِقْدَار خَمْسِينَ أَلْف سَنَة ; وَيَوْم كَانَ مِقْدَاره أَلْف سَنَة , يَعْنِي بِذَلِكَ نَزَلَ الْأَمْر مِنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْض , وَمِنَ الْأَرْض إِلَى السَّمَاء فِي يَوْم وَاحِد , فَذَلِكَ مِقْدَاره أَلْف سَنَة ; لِأَنَّ مَا بَيْن السَّمَاء إِلَى الْأَرْض , مَسِيرَة خَمْسمِائَة عَام . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : تَعْرُج الْمَلَائِكَة وَالرُّوح إِلَيْهِ فِي يَوْم يَفْرُغ فِيهِ مِنَ الْقَضَاء بَيْن خَلْقه , كَانَ قَدْر ذَلِكَ الْيَوْم الَّذِي فَرَغَ فِيهِ مِنْ الْقَضَاء بَيْنهمْ قَدْر خَمْسِينَ أَلْف سَنَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27028 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ سِمَاك بْن حَرْب , عَنْ عِكْرِمَة { فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة } قَالَ : فِي يَوْم وَاحِد يَفْرُغ فِي ذَلِكَ الْيَوْم مِنَ الْقَضَاء كَقَدْرِ خَمْسِينَ أَلْف سَنَة . 27029 -حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة { فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة } قَالَ : يَوْم الْقِيَامَة . * - حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة فِي هَذِهِ الْآيَة { خَمْسِينَ أَلْف سَنَة } قَالَ : يَوْم الْقِيَامَة . 27030 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { تَعْرُج الْمَلَائِكَة وَالرُّوح إِلَيْهِ فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة } : ذَاكُمْ يَوْم الْقِيَامَة . 27031 -حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ مَعْمَر : وَبَلَغَنِي أَيْضًا , عَنْ عِكْرِمَة , فِي قَوْله : { مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة } لَا يَدْرِي أَحَدٌ كَمْ مَضَى , وَلَا كَمْ بَقِيَ إِلَّا اللَّه . 27032 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { تَعْرُج الْمَلَائِكَة وَالرُّوح إِلَيْهِ فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة } فَهَذَا يَوْم الْقِيَامَة , جَعَلَهُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ مِقْدَار خَمْسِينَ أَلْف سَنَة . 27033 - حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة } يَعْنِي يَوْم الْقِيَامَة . 27034 -حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة } قَالَ : هَذَا يَوْم الْقِيَامَة. 27035 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن الْحَارِث أَنَّ دَرَّاجًا حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي الْهَيْثَم عَنْ سَعِيد , أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة } مَا أَطْوَل هَذَا فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ , إِنَّهُ لَيُخَفَّف عَلَى الْمُؤْمِن حَتَّى يَكُون أَخَفّ عَلَيْهِ مِنَ الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة يُصَلِّيهَا فِي الدُّنْيَا " . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْن عَبَّاس فِي ذَلِكَ غَيْر الْقَوْل الَّذِي ذَكَرْنَا عَنْهُ , وَذَلِكَ مَا : 27036 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ أَيُّوب , عَنِ ابْن أَبِي مُلَيْكَة , أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْن عَبَّاس عَنْ يَوْم كَانَ مِقْدَاره أَلْف سَنَة , فَقَالَ : مَا يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة ؟ قَالَ : إِنَّمَا سَأَلْتُك لِتُخْبِرَنِي , قَالَ : هُمَا يَوْمَانِ ذَكَرَهُمَا اللَّه فِي الْقُرْآن , اللَّه أَعْلَم بِهِمَا , فَكَرِهَ أَنْ يَقُول فِي كِتَاب اللَّه مَا لَا يَعْلَم . * - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَهَّاب , قَالَ : ثنا أَيُّوب , عَنِ ابْن أَبِي مُلَيْكَة , قَالَ : سَأَلَ رَجُل ابْن عَبَّاس عَنْ يَوْم كَانَ مِقْدَاره أَلْف سَنَة , قَالَ : فَاتَّهَمَهُ , فَقِيلَ لَهُ فِيهِ , فَقَالَ : مَا يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة ؟ فَقَالَ : إِنَّمَا سَأَلْتُك لِتُخْبِرَنِي , فَقَالَ : هُمَا يَوْمَانِ ذَكَرَهُمَا اللَّه جَلَّ وَعَزَّ , اللَّه أَعْلَم بِهِمَا , وَأَكْرَه أَنْ أَقُول فِي كِتَاب اللَّه بِمَا لَا أَعْلَم. وَقَرَأَتْ عَامَّة قُرَّاء الْأَمْصَار قَوْله : { تَعْرُج الْمَلَائِكَة وَالرُّوح } بِالتَّاءِ خَلَا الْكِسَائِيّ , فَإِنَّهُ كَانَ يَقْرَأ ذَلِكَ بِالْيَاءِ بِخَبَرٍ كَانَ يَرْوِيه عَنِ ابْن مَسْعُود أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ . وَالصَّوَاب مِنْ قِرَاءَة ذَلِكَ عِنْدنَا مَا عَلَيْهِ قُرَّاء الْأَمْصَار , وَهُوَ بِالتَّاءِ ; لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنَ الْقُرَّاء عَلَيْهِ .

تفسير القرطبي

أَيْ تَصْعَدُ فِي الْمَعَارِج الَّتِي جَعَلَهَا اللَّه لَهُمْ . وَقَرَأَ اِبْن مَسْعُود وَأَصْحَابه وَالسُّلَمِيّ وَالْكِسَائِيّ " يَعْرُج " بِالْيَاءِ عَلَى إِرَادَة الْجَمْع ; وَلِقَوْلِهِ : ذَكِّرُوا الْمَلَائِكَةَ وَلَا تُؤَنِّثُوهُمْ . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ عَلَى إِرَادَة الْجَمَاعَة . " وَالرُّوح " جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس . دَلِيله قَوْله تَعَالَى : " نَزَلَ بِهِ الرُّوح الْأَمِين " [ الشُّعَرَاء : 193 ] . وَقِيلَ : هُوَ مَلَك آخَر عَظِيم الْخِلْقَة . وَقَالَ أَبُو صَالِح : إِنَّهُ خَلْق مِنْ خَلْق اللَّه كَهَيْئَةِ النَّاس وَلَيْسَ بِالنَّاسِ . قَالَ قَبِيصَة بْن ذُؤَيْب : إِنَّهُ رُوح الْمَيِّت حِينَ يُقْبَض . " إِلَيْهِ " أَيْ إِلَى الْمَكَان الَّذِي هُوَ مَحَلّهمْ وَهُوَ فِي السَّمَاء ; لِأَنَّهَا مَحَلّ بِرّه وَكَرَامَته . وَقِيلَ : هُوَ كَقَوْلِ إِبْرَاهِيم " إِنِّي ذَاهِب إِلَى رَبِّي " [ الصَّافَّات : 99 ] . أَيْ إِلَى الْمَوْضِع الَّذِي أَمَرَنِي بِهِ . وَقِيلَ : أَيْ إِلَى عَرْشه . قَالَ وَهْب وَالْكَلْبِيّ وَمُحَمَّد بْن إِسْحَاق : أَيْ عُرُوج الْمَلَائِكَة إِلَى الْمَكَان الَّذِي هُوَ مَحَلّهمْ فِي وَقْت كَانَ مِقْدَاره عَلَى غَيْرهمْ لَوْ صَعِدَ خَمْسِينَ أَلْف سَنَة . وَقَالَ وَهْب أَيْضًا : مَا بَيْنَ أَسْفَل الْأَرْض إِلَى الْعَرْش مَسِيرَة خَمْسِينَ أَلْف سَنَة . وَهُوَ قَوْل مُجَاهِد . وَجَمَعَ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَة وَبَيْنَ قَوْله : " فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره أَلْفَ سَنَة " فِي سُورَة السَّجْدَة , فَقَالَ : " فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة " مِنْ مُنْتَهَى أَمْره مِنْ أَسْفَل الْأَرْضِينَ إِلَى مُنْتَهَى أَمْره مِنْ فَوْق السَّمَوَات خَمْسُونَ أَلْف سَنَة . وَقَوْله تَعَالَى فِي ( الم تَنْزِيل ) : " فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره أَلْفَ سَنَة " [ السَّجْدَة : 5 ] يَعْنِي بِذَلِكَ نُزُول الْأَمْر مِنْ سَمَاء الدُّنْيَا إِلَى الْأَرْض , وَمِنْ الْأَرْض إِلَى السَّمَاء فِي يَوْم وَاحِد فَذَلِكَ مِقْدَار أَلْف سَنَة لِأَنَّ مَا بَيْنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْض مَسِيرَة خَمْسمِائَةِ عَام . وَعَنْ مُجَاهِد أَيْضًا وَالْحَكَم وَعِكْرِمَة : هُوَ مُدَّة عُمُر الدُّنْيَا مِنْ أَوَّل مَا خُلِقَتْ إِلَى آخِر مَا بَقِيَ خَمْسُونَ أَلْف سَنَة . لَا يَدْرِي أَحَد كَمْ مَضَى وَلَا كَمْ بَقِيَ إِلَّا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . وَقِيلَ : الْمُرَاد يَوْم الْقِيَامَة , أَيْ مِقْدَار الْحُكْم فِيهِ لَوْ تَوَلَّاهُ مَخْلُوق خَمْسُونَ أَلْف سَنَة , قَالَهُ عِكْرِمَة أَيْضًا وَالْكَلْبِيّ وَمُحَمَّد بْن كَعْب . يَقُول سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَأَنَا أَفْرُغ مِنْهُ فِي سَاعَة . وَقَالَ الْحَسَن : هُوَ يَوْم الْقِيَامَة , وَلَكِنْ يَوْم الْقِيَامَة لَا نُفَاد لَهُ فَالْمُرَاد ذِكْر مَوْقِفهمْ لِلْحِسَابِ فَهُوَ فِي خَمْسِينَ أَلْف سَنَة مِنْ سِنِي الدُّنْيَا , ثُمَّ حِينَئِذٍ يَسْتَقِرّ أَهْل الدَّارَيْنِ فِي الدَّارَيْنِ . وَقَالَ يَمَان : هُوَ يَوْم الْقِيَامَة , فِيهِ خَمْسُونَ مَوْطِنًا كُلّ مَوْطِن أَلْف سَنَة . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : هُوَ يَوْم الْقِيَامَة , جَعَلَهُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ مِقْدَار خَمْسِينَ أَلْف سَنَة , ثُمَّ يَدْخُلُونَ النَّارَ لِلِاسْتِقْرَارِ . قُلْت : وَهَذَا الْقَوْل أَحْسَن مَا قِيلَ فِي الْآيَة إِنْ شَاءَ اللَّه , بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ قَاسِم بْن أَصْبَغَ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة " . فَقُلْت : مَا أَطْوَلَ هَذَا ! فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لَيُخَفَّف عَنْ الْمُؤْمِن حَتَّى يَكُونَ أَخَفّ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاة الْمَكْتُوبَة يُصَلِّيهَا فِي الدُّنْيَا ) . وَاسْتَدَلَّ النَّحَّاس عَلَى صِحَّة هَذَا الْقَوْل بِمَا رَوَاهُ سُهَيْل عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( مَا مِنْ رَجُل لَمْ يُؤَدِّ زَكَاةَ مَال إِلَّا جُعِلَ شُجَاعًا مِنْ نَار تُكْوَى بِهِ جَبْهَته وَظَهْره وَجَنْبَاهُ فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة حَتَّى يَقْضِيَ اللَّه بَيْنَ النَّاسِ ) . قَالَ : فَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ يَوْم الْقِيَامَة . وَقَالَ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ : مَا قَدْر ذَلِكَ الْيَوْم عَلَى الْمُؤْمِن إِلَّا قَدْر مَا بَيْنَ الظُّهْر وَالْعَصْر . وَرُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيث مُعَاذ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( يُحَاسِبكُمْ اللَّه تَعَالَى بِمِقْدَارِ مَا بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَلِذَلِكَ سَمَّى نَفْسَهُ سَرِيعَ الْحِسَاب وَأَسْرَعَ الْحَاسِبِينَ ) . ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ . وَقِيلَ : بَلْ يَكُون الْفَرَاغ لِنِصْفِ يَوْم , كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " أَصْحَاب الْجَنَّة يَوْمئِذٍ خَيْر مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَن مَقِيلًا " [ الْفُرْقَان : 24 ] . وَهَذَا عَلَى قَدْر فَهْم الْخَلَائِق , وَإِلَّا فَلَا يَشْغَلهُ شَأْن عَنْ شَأْن . وَكَمَا يَرْزُقهُمْ فِي سَاعَة كَذَا يُحَاسِبهُمْ فِي لَحْظَة , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " مَا خَلْقكُمْ وَلَا بَعْثكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَة " [ لُقْمَان : 28 ] . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَة وَعَنْ قَوْله تَعَالَى : " فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره أَلْفَ سَنَة " [ السَّجْدَة : 5 ] فَقَالَ : أَيَّام سَمَّاهَا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ هُوَ أَعْلَم بِهَا كَيْفَ تَكُون , وَأَكْرَهُ أَنْ أَقُولَ فِيهَا مَا لَا أَعْلَم . وَقِيلَ : مَعْنَى ذَكَرَ خَمْسِينَ أَلْف سَنَة تَمْثِيل , وَهُوَ تَعْرِيف طُول مُدَّة الْقِيَامَة فِي الْمَوْقِف , وَمَا يَلْقَى النَّاس فِيهِ مِنْ الشَّدَائِد . وَالْعَرَب تَصِف أَيَّام الشِّدَّة بِالطُّولِ , وَأَيَّام الْفَرَح بِالْقِصَرِ ; قَالَ الشَّاعِر : وَيَوْم كَظِلِّ الرُّمْح قَصَّرَ طُولَهُ دَم الزِّقّ عَنَّا وَاصْطِفَاق الْمَزَاهِر وَقِيلَ : فِي الْكَلَام تَقْدِيم وَتَأْخِير ; وَالْمَعْنَى : سَأَلَ سَائِل بِعَذَابٍ وَاقِع لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ مِنْ اللَّه دَافِع , فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة تَعْرُج الْمَلَائِكَة وَالرُّوح إِلَيْهِ . وَهَذَا الْقَوْل هُوَ مَعْنَى مَا اِخْتَرْنَاهُ , وَالْمُوَفِّق الْإِلَه .

غريب الآية
تَعۡرُجُ ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَیۡهِ فِی یَوۡمࣲ كَانَ مِقۡدَارُهُۥ خَمۡسِینَ أَلۡفَ سَنَةࣲ ﴿٤﴾
تَعۡرُجُتَصْعَدُ.
وَٱلرُّوحُجِبْرِيلُ.
خَمۡسِینَ أَلۡفَ سَنَةࣲأي مِن سَنَواتِ الدُّنيا عَلَى الكَافِرِ.
الإعراب
(تَعْرُجُ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(الْمَلَائِكَةُ)
فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَالرُّوحُ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الرُّوحُ) : مَعْطُوفٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(إِلَيْهِ)
(إِلَى) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(فِي)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(يَوْمٍ)
اسْمٌ ظَرْفِيٌّ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(كَانَ)
فِعْلٌ مَاضٍ نَاسِخٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(مِقْدَارُهُ)
اسْمُ كَانَ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(خَمْسِينَ)
خَبَرُ كَانَ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ مُلْحَقٌ بِجَمْعِ الْمُذَكَّرِ السَّالِمِ، وَالْجُمْلَةُ مِنْ كَانَ وَمَعْمُولَيْهَا فِي مَحَلِّ جَرٍّ نَعْتٌ لِـ(يَوْمٍ) :.
(أَلْفَ)
تَمْيِيزٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(سَنَةٍ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.