وَأَنَّهُۥ تَعَـٰلَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا ٱتَّخَذَ صَـٰحِبَةࣰ وَلَا وَلَدࣰا ﴿٣﴾
التفسير
تفسير السعدي
وأنه تعالت عظمة ربنا وجلاله, ما اتخذ زوجة ولا ولدا.
التفسير الميسر
وأنه تعالَتْ عظمة ربنا وجلاله، ما اتخذ زوجة ولا ولدًا.
تفسير الجلالين
"وَأَنَّهُ" الضَّمِير لِلشَّأْنِ فِيهِ وَفِي الْمَوْضِعَيْنِ بَعْده "تَعَالَى جَدّ رَبّنَا" تَنَزَّهَ جَلَاله وَعَظَمَته عَمَّا نُسِبَ إلَيْهِ "مَا اتَّخَذَ صَاحِبَة" زَوْجَة
تفسير ابن كثير
قَوْله تَعَالَى " وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدّ رَبّنَا " قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى " جَدّ رَبّنَا " أَيْ فِعْله وَأَمْره وَقُدْرَته وَقَالَ الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس جَدّ اللَّه آلَاؤُهُ وَقُدْرَته وَنِعْمَته عَلَى خَلْقه وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة جَلَال رَبّنَا وَقَالَ قَتَادَة تَعَالَى جَلَاله وَعَظَمَته وَأَمْره وَقَالَ السُّدِّيّ تَعَالَى أَمْر رَبّنَا وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاء وَمُجَاهِد أَيْضًا وَابْن جُرَيْج تَعَالَى ذِكْره وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر " تَعَالَى جَدّ رَبّنَا " أَيْ تَعَالَى رَبّنَا فَأَمَّا مَا رَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن يَزِيد الْكُوفِيّ حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ عَمْرو عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : الْجَدّ أَب وَلَوْ عَلِمَتْ الْجِنّ أَنَّ فِي الْإِنْس جَدًّا مَا قَالُوا تَعَالَى جَدّ رَبّنَا فَهَذَا إِسْنَاد جَيِّد وَلَكِنْ لَسْت أَفْهَم مَا مَعْنَى هَذَا الْكَلَام وَلَعَلَّهُ قَدْ سَقَطَ شَيْء وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَوْله تَعَالَى " مَا اِتَّخَذَ صَاحِبَة وَلَا وَلَدًا " أَيْ تَعَالَى عَنْ اِتِّخَاذ الصَّاحِبَة وَالْأَوْلَاد أَيْ قَالَتْ الْجِنّ تَنَزَّهَ الرَّبّ جَلَّ جَلَاله حِين أَسْلَمُوا وَآمَنُوا بِالْقُرْآنِ عَنْ اِتِّخَاذ الصَّاحِبَة وَالْوَلَد .
تفسير الطبري
وَقَوْله : { وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدّ رَبّنَا } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِك بِرَبِّنَا أَحَدًا , وَآمَنَّا بِأَنَّهُ تَعَالَى أَمْر رَبّنَا وَسُلْطَانه وَقُدْرَته . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27170 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثنا مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدّ رَبّنَا } يَقُول : فِعْله وَأَمْره وَقُدْرَته . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثنا أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله { وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدّ رَبّنَا } يَقُول : تَعَالَى أَمْر رَبّنَا . 27171 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار وَمُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى قَالَا : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ قَتَادَة فِي هَذِهِ الْآيَة : { تَعَالَى جَدّ رَبّنَا } قَالَ : أَمْر رَبّنَا. 27172 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ السُّدِّيّ : { تَعَالَى جَدّ رَبّنَا } قَالَ : أَمْر رَبّنَا . 27173 -حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { تَعَالَى جَدّ رَبّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَة وَلَا وَلَدًا } قَالَ : تَعَالَى أَمْره أَنْ يَتَّخِذ وَلَا يَكُون الَّذِي قَالُوا : صَاحِبَة وَلَا وَلَدًا , وَقَرَأَ : { قُلْ هُوَ اللَّه أَحَد اللَّه الصَّمَد لَمْ يَلِد وَلَمْ يُولَد وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد } 112 1 : 4 قَالَ : لَا يَكُون ذَلِكَ مِنْهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : عُنِيَ بِذَلِكَ جَلَال رَبّنَا وَذِكْره . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27174 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : قَالَ عِكْرِمَة , فِي قَوْله : { جَدّ رَبّنَا } قَالَ : جَلَال رَبّنَا . 27175 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُمَارَة , قَالَ : ثني خَالِد بْن يَزِيد , قَالَ : ثنا أَبُو إِسْرَائِيل , عَنْ فُضَيْل , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدّ رَبّنَا } قَالَ : جَلَال رَبّنَا . * - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا مِهْرَان عَنْ سُفْيَان , عَنْ سُلَيْمَان التَّمِيمِيّ قَالَ : قَالَ عِكْرِمَة : { تَعَالَى جَدّ رَبّنَا } جَلَال رَبّنَا . 27176 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدّ رَبّنَا } : أَيْ تَعَالَى جَلَاله وَعَظَمَته وَأَمْره . * - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله تَعَالَى { جَدّ رَبّنَا } قَالَ تَعَالَى : أَمْر رَبّنَا تَعَالَتْ عَظَمَته. وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : تَعَالَى غِنَى رَبّنَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27177 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : قَالَ الْحَسَن , فِي قَوْله تَعَالَى : { جَدّ رَبّنَا } قَالَ : غِنَى رَبّنَا. * - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ , عَنِ الْحَسَن { تَعَالَى جَدّ رَبّنَا } قَالَ : غِنَى رَبّنَا. * حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ أَبِي رَجَاء , عَنِ الْحَسَن , فِي قَوْله : { تَعَالَى جَدّ رَبّنَا } قَالَ : غِنَى رَبّنَا . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن عَرَفَة , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ , عَنِ الْحَسَن وَعِكْرِمَة , فِي قَوْل اللَّه : { وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدّ رَبّنَا } قَالَ أَحَدهمَا : غِنَاهُ , وَقَالَ الْآخَر : عَظَمَته. وَقَالَ آخَرُونَ : عُنِيَ بِذَلِكَ الْجَدّ الَّذِي هُوَ أَبُو الْأَب , قَالُوا : ذَلِكَ كَانَ مِنْ كَلَام جَهَلَة الْجِنّ. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27178 - حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِب , قَالَ : ثني أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي سَارَة , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي جَعْفَر : { تَعَالَى جَدّ رَبّنَا } قَالَ : كَانَ كَلَامًا مِنْ جَهَلَة الْجِنّ . وَقَالَ آخَرُونَ : عُنِيَ بِذَلِكَ : ذِكْره . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27179 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { تَعَالَى جَدّ رَبّنَا } قَالَ : ذِكْره . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ عِنْدنَا بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : عُنِيَ بِذَلِكَ : تَعَالَتْ عَظَمَة رَبّنَا وَقُدْرَته وَسُلْطَانه . وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ لِأَنَّ لِلْجَدِّ فِي كَلَام الْعَرَب مَعْنَيَيْنِ : أَحَدهمَا الْجَدّ الَّذِي هُوَ أَبُو الْأَب , أَوْ أَبُو الْأُمّ , وَذَلِكَ غَيْر جَائِز أَنْ يُوصَف بِهِ هَؤُلَاءِ النَّفَر الَّذِينَ وَصَفَهُمْ اللَّه بِهَذِهِ الصِّفَة , وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَدْ قَالُوا : { فَآمَنَّا لَهُ وَلَنْ نُشْرِك بِرَبِّنَا أَحَدًا } وَمَنْ وَصَفَ اللَّه بِأَنَّ لَهُ وَلَدًا أَوْ جَدًّا أَوْ هُوَ أَبُو أَب أَوْ أَبُو أُمّ , فَلَا شَكّ أَنَّهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . وَالْمَعْنَى الْآخَر : الْجَدّ الَّذِي بِمَعْنَى الْحَظّ ; يُقَال : فُلَان ذُو جَدّ فِي هَذَا الْأَمْر : إِذَا كَانَ لَهُ حَظّ فِيهِ , وَهُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ " البخت " , وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي قَصَدَهُ هَؤُلَاءِ النَّفَر مِنَ الْجِنّ بِقِيلِهِمْ : { وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدّ رَبّنَا } إِنْ شَاءَ اللَّه . وَإِنَّمَا عَنَوْا أَنَّ حُظْوَته مِنْ الْمُلْك وَالسُّلْطَان وَالْقُدْرَة وَالْعَظَمَة عَالِيَة , فَلَا يَكُون لَهُ صَاحِبَة وَلَا وَلَد ; لِأَنَّ الصَّاحِبَة إِنَّمَا تَكُون لِلضَّعِيفِ الْعَاجِز الَّذِي تَضْطَرّهُ الشَّهْوَة الْبَاعِثَة إِلَى اتِّخَاذهَا , وَأَنَّ الْوَلَد إِنَّمَا يَكُون عَنْ شَهْوَة أَزْعَجَتْهُ إِلَى الْوِقَاع الَّذِي يَحْدُث مِنْهُ الْوَلَد , فَقَالَ النَّفَر مِنَ الْجِنّ : عَلَا مُلْك رَبّنَا وَسُلْطَانه وَقُدْرَته وَعَظَمَته أَنْ يَكُون ضَعِيفًا ضَعْف خَلْقه الَّذِينَ تَضْطَرّهُمْ الشَّهْوَة إِلَى اتِّخَاذ صَاحِبَة , أَوْ وِقَاع شَيْء يَكُون مِنْهُ وَلَد . وَقَدْ بَيَّنَ عَنْ صِحَّة مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ إِخْبَار اللَّه عَنْهُمْ أَنَّهُمْ إِنَّمَا نَزَّهُوا اللَّه عَنْ اتِّخَاذ الصَّاحِبَة وَالْوَلَد بِقَوْلِهِ : { وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدّ رَبّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَة وَلَا وَلَدًا } يُقَال مِنْهُ : رَجُل جَدِّيّ وَجَدِيد وَمَجْدُود : أَيْ ذُو حَظّ فِيمَا هُوَ فِيهِ ; وَمِنْهُ قَوْل حَاتِم الطَّائِيّ : اغْزُوا بَنِي ثُعْل فَالْغَزْو جَدُّكُمُ عُدُّوا الرَّوَابِي وَلَا تَبْكُوا لِمَنْ قُتِلَا وَقَالَ آخَر : يُرَفَّع جَدّك إِنِّي امْرُؤٌ سُقْتنِي إِلَيْك الْأَعَادِي سِجَالَا وَقَوْله : { مَا اتَّخَذَ صَاحِبَة } يَعْنِي زَوْجَة { وَلَا وَلَدًا } . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله { وَأَنَّهُ تَعَالَى } فَقَرَأَهُ أَبُو جَعْفَر الْقَارِئ وَسِتَّة أَحْرُف أُخَر بِالْفَتْحِ , مِنْهَا : { إِنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَر } { وَأَنَّ الْمَسَاجِد لِلَّهِ } { وَأَنَّهُ كَانَ يَقُول سَفِيهنَا } { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَال مِنَ الْإِنْس } { وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْد اللَّه يَدْعُوهُ } { وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَة } وَكَانَ نَافِع يَكْسِرهَا إِلَّا ثَلَاثَة أَحْرُف : أَحَدهَا : { قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَر } وَالثَّانِيَة { وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا } وَالثَّالِثَة { وَأَنَّ الْمَسَاجِد لِلَّهِ } . وَأَمَّا قُرَّاء الْكُوفَة غَيْر عَاصِم , فَإِنَّهُمْ يَفْتَحُونَ جَمِيع مَا فِي آخِر سُورَة النَّجْم وَأَوَّل سُورَة الْجِنّ إِلَّا قَوْله { فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا } وَقَوْله : { قَالَ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي } وَمَا بَعْده إِلَى آخِر السُّورَة , وَأَنَّهُمْ يَكْسِرُونَ ذَلِكَ غَيْر قَوْله : { لِيَعْلَم أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَات رَبّهمْ } . وَأَمَّا عَاصِم فَإِنَّهُ كَانَ يَكْسِر جَمِيعهَا إِلَّا قَوْله : { وَأَنَّ الْمَسَاجِد لِلَّهِ } فَإِنَّهُ كَانَ يَفْتَحهَا , وَأَمَّا أَبُو عَمْرو , فَإِنَّهُ كَانَ يَكْسِر جَمِيعهَا إِلَّا قَوْله : { وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَة } فَإِنَّهُ كَانَ يَفْتَح هَذِهِ وَمَا بَعْدهَا ; فَأَمَّا الَّذِينَ فَتَحُوا جَمِيعهَا إِلَّا فِي مَوْضِع الْقَوْل , كَقَوْلِهِ : { فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا } وَقَوْله : { قَالَ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي } وَنَحْو ذَلِكَ , فَإِنَّهُمْ عَطَفُوا أَنَّ فِي كُلّ السُّورَة عَلَى قَوْله فَآمَنَّا بِهِ , وَآمَنَّا بِك ذَلِكَ , فَفَتَحُوهَا بِوُقُوعِ الْإِيمَان عَلَيْهَا , وَكَانَ الْفَرَّاء يَقُول : لَا يَمْنَعَنك أَنْ تَجِد الْإِيمَان يَقْبُح فِي بَعْض ذَلِكَ مِنَ الْفَتْح , وَأَنَّ الَّذِي يَقْبُح مَعَ ظُهُور الْإِيمَان قَدْ يَحْسُن فِيهِ فِعْل مُضَارِع لِلْإِيمَانِ , فَوَجَبَ فَتْح أَنَّ كَمَا قَالَتِ الْعَرَب : إِذَا مَا الْغَانِيَات بَرَزْنَ يَوْمًا وَزَجَّجْنَ الْحَوَاجِب وَالْعُيُونَا فَنَصَبَ الْعُيُون لِإِتْبَاعِهَا الْحَوَاجِب , وَهِيَ لَا تُزَجَّج , وَإِنَّمَا تُكَحَّل , فَأَضْمَرَ لَهَا الْكُحْل , كَذَلِكَ يُضْمَر فِي الْمَوْضِع الَّذِي لَا يُحْسِن فِيهِ آمَنَّا صَدَّقْنَا وَآمَنَّا وَشَهِدْنَا . قَالَ : وَبِقَوْلِ النَّصْب قَوْله : { وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَة } فَيَنْبَغِي لِمَنْ كَسَرَ أَنْ يَحْذِف " أَنْ " مِنْ " لَوْ " لِأَنَّ " أَنْ " إِذَا خُفِّفَتْ لَمْ تَكُنْ حِكَايَة . أَلَا تَرَى أَنَّك تَقُول : أَقُول لَوْ فَعَلْت لَفَعَلْت , وَلَا تَدْخُل " أَنْ " . وَأَمَّا الَّذِينَ كَسَرُوهَا كُلّهمْ وَهُمْ فِي ذَلِكَ يَقُولُونَ : { وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا } فَكَأَنَّهُمْ أَضْمَرُوا يَمِينًا مَعَ " لَوْ " وَقَطَعُوهَا عَنِ النَّسَق عَلَى أَوَّل الْكَلَام , فَقَالُوا : وَاللَّه أَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا ; قَالَ : وَالْعَرَب تُدْخِل " أَنْ " فِي هَذَا الْمَوْضِع مَعَ الْيَمِين وَتَحْذِفهَا , قَالَ الشَّاعِر : فَأُقْسِم لَوْ شَيْء أَتَانَا رَسُوله سِوَاك وَلَكِنْ لَمْ نَجِد لَك مَدْفَعَا قَالُوا : وَأَنْشَدَنَا آخَر : أَمَا وَاللَّه أَنْ لَوْ كُنْت حُرًّا وَمَا بِالْحُرِّ أَنْتَ وَلَا الْعَتِيق وَأَدْخَلَ " أَنْ " مَنْ كَسَرَهَا كُلّهَا , وَنُصِبَ { وَأَنَّ الْمَسَاجِد لِلَّهِ } فَإِنَّهُ خُصَّ ذَلِكَ بِالْوَحْيِ , وَجُعِلَ { وَأَنْ لَوْ } مُضْمَرَة فِيهَا الْيَمِين عَلَى مَا وَصَفْت , وَأَمَّا نَافِع فَإِنَّ مَا فَتَحَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ رَدَّهُ عَلَى قَوْله : { أُوحِيَ إِلَيَّ } وَمَا كَسَرَهُ فَإِنَّهُ جَعَلَهُ مِنْ قَوْل الْجِنّ . وَأَحَبّ ذَلِكَ إِلَيَّ أَنْ أَقْرَأ بِهِ الْفَتْح فِيمَا كَانَ وَحْيًا , وَالْكَسْر فِيمَا كَانَ مِنْ قَوْل الْجِنّ ; لِأَنَّ ذَلِكَ أَفْصَحهَا فِي الْعَرَبِيَّة , وَأَبْيَنهَا فِي الْمَعْنَى , وَإِنْ كَانَ لِلْقِرَاءَاتِ الْأُخَر وُجُوه غَيْر مَدْفُوعَة صِحَّتهَا .
تفسير القرطبي
قَوْله تَعَالَى : " وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدّ رَبّنَا " كَانَ عَلْقَمَة وَيَحْيَى وَالْأَعْمَش وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ وَابْن عَامِر وَخَلَف وَحَفْص وَالسُّلَمِيّ يَنْصِبُونَ " أَنَّ " فِي جَمِيع السُّورَة فِي اِثْنَيْ عَشَرَ مَوْضِعًا , وَهُوَ : " أَنَّهُ تَعَالَى جَدّ رَبّنَا " , " وَأَنَّهُ كَانَ يَقُول " , " وَأَنَّا ظَنَنَّا " , " وَأَنَّهُ كَانَ رِجَال " , " وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا " , " وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء " , " وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُد " , " وَأَنَّا لَا نَدْرِي " , " وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ " , " وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ نُعْجِز اللَّه فِي الْأَرْض " , " وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى " , " وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ " عَطْفًا عَلَى قَوْله : " أَنَّهُ اِسْتَمَعَ نَفَر " , " وَأَنَّهُ اِسْتَمَعَ " لَا يَجُوز فِيهِ إِلَّا الْفَتْح ; لِأَنَّهَا فِي مَوْضِع اِسْم فَاعِل " أُوحِيَ " فَمَا بَعْده مَعْطُوف عَلَيْهِ . وَقِيلَ : هُوَ مَحْمُول عَلَى الْهَاء فِي " آمَنَّا بِهِ " , أَيْ و " بِأَنَّهُ تَعَالَى جَدّ رَبّنَا " وَجَازَ ذَلِكَ وَهُوَ مُضْمَر مَجْرُور لِكَثْرَةِ حَرْف الْجَارّ مَعَ " أَنَّ " .
وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَيْ وَصَدَّقْنَا أَنَّهُ جَدّ رَبّنَا . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ كُلّهَا بِالْكَسْرِ وَهُوَ الصَّوَاب , وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدَة وَأَبُو حَاتِم عَطْفًا عَلَى قَوْله : " فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا " لِأَنَّهُ كُلّه مِنْ كَلَام الْجِنّ . وَأَمَّا أَبُو جَعْفَر وَشَيْبَة فَإِنَّهُمَا فَتَحَا ثَلَاثَة مَوَاضِع ; وَهِيَ قَوْله تَعَالَى : " وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدّ رَبّنَا " , " وَأَنَّهُ كَانَ يَقُول " , " وَأَنَّهُ كَانَ رِجَال " , قَالَا : لِأَنَّهُ مِنْ الْوَحْي , وَكَسَرَا مَا بَقِيَ ; لِأَنَّهُ مِنْ كَلَام الْجِنّ . وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : " وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْد اللَّه " [ الْجِنّ : 19 ] . فَكُلّهمْ فَتَحُوا إِلَّا نَافِعًا وَشَيْبَة وَزِرّ بْن حُبَيْش وَأَبَا بَكْر وَالْمُفَضَّل عَنْ عَاصِم , فَإِنَّهُمْ كَسَرُوا لَا غَيْر . وَلَا خِلَاف فِي فَتْح هَمْزَة " أَنَّهُ اِسْتَمَعَ نَفَر مِنْ الْجِنّ " , " وَأَنْ لَوْ اِسْتَقَامُوا " " وَأَنَّ الْمَسَاجِد لِلَّهِ " , " وَأَنْ قَدْ أَبْلَغُوا " . وَكَذَلِكَ لَا خِلَاف فِي كَسْر مَا بَعْد الْقَوْل ; نَحْو قَوْله تَعَالَى : " فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا " و " قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي " [ الْجِنّ : 20 ] و " قُلْ إِنْ أَدْرِي " [ الْجِنّ : 25 ] . و " قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِك " [ الْجِنّ : 21 ] . وَكَذَلِكَ لَا خِلَاف فِي كَسْر مَا كَانَ بَعْد فَاء الْجَزَاء ; نَحْو قَوْله تَعَالَى : " فَإِنَّ لَهُ نَار جَهَنَّم " [ الْجِنّ : 23 ] و " فَإِنَّهُ يَسْلُك مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ " [ الْجِنّ : 27 ] . لِأَنَّهُ مَوْضِع اِبْتِدَاء .
" وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدّ رَبّنَا " الْجَدّ فِي اللُّغَة : الْعَظَمَة وَالْجَلَال ; وَمِنْهُ قَوْل أَنَس : كَانَ الرَّجُل إِذَا حَفِظَ الْبَقَرَة وَآل عِمْرَان جَدَّ فِي عُيُوننَا ; أَيْ عَظُمَ وَجَلَّ . فَمَعْنَى : " جَدّ رَبّنَا " أَيْ عَظَمَته وَجَلَاله ; قَالَ عِكْرِمَة وَمُجَاهِد وَقَتَادَة . وَعَنْ مُجَاهِد أَيْضًا : ذَكَرَهُ . وَقَالَ أَنَس بْن مَالِك وَالْحَسَن وَعِكْرِمَة أَيْضًا : غِنَاهُ . وَمِنْهُ قِيلَ لِلْحَظِّ جَدّ , وَرَجُل مَجْدُود أَيْ مَحْظُوظ ; وَفِي الْحَدِيث : [ وَلَا يَنْفَع ذَا الْجَدّ مِنْك الْجَدّ ] قَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَالْخَلِيل : أَيْ ذَا الْغِنَى , مِنْك الْغِنَى , إِنَّمَا تَنْفَعهُ الطَّاعَة . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : قُدْرَته . الضَّحَّاك : فِعْله . وَقَالَ الْقُرَظِيّ وَالضَّحَّاك أَيْضًا : آلَاؤُهُ وَنِعَمه عَلَى خَلْقه . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَالْأَخْفَش مُلْكه وَسُلْطَانه . وَقَالَ السُّدِّيّ : أَمْره . وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : " وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدّ رَبّنَا " أَيْ تَعَالَى رَبّنَا . وَقِيلَ : إِنَّهُمْ عَنَوْا بِذَلِكَ الْجَدّ الَّذِي هُوَ أَب الْأَب , وَيَكُون هَذَا مِنْ قَوْل الْجِنّ . وَقَالَ مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن الْحُسَيْن وَابْنه جَعْفَر الصَّادِق وَالرَّبِيع : لَيْسَ لِلَّهِ تَعَالَى جَدّ , وَإِنَّمَا قَالَتْهُ الْجِنّ لِلْجَهَالَةِ , فَلَمْ يُؤَاخَذُوا بِهِ . وَقَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَيَجُوز إِطْلَاق لَفْظ الْجَدّ فِي حَقّ اللَّه تَعَالَى ; إِذْ لَوْ لَمْ يَجُزْ لَمَا ذُكِرَ فِي الْقُرْآن , غَيْر أَنَّهُ لَفْظ مُوهِم , فَتَجَنُّبه أَوْلَى . وَقِرَاءَة عِكْرِمَة " جِدّ " بِكَسْرِ الْجِيم : عَلَى ضِدّ الْهَزْل . وَكَذَلِكَ قَرَأَ أَبُو حَيْوَةَ وَمُحَمَّد بْن السَّمَيْقَع . وَيُرْوَى عَنْ اِبْن السَّمَيْقَع أَيْضًا وَأَبِي الْأَشْهَب " جَدَا رَبّنَا " , وَهُوَ الْجَدْوَى وَالْمَنْفَعَة . وَقَرَأَ عِكْرِمَة أَيْضًا " جَدًّا " بِالتَّنْوِينِ " رَبُّنَا " بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ مَرْفُوع , " بِتَعَالَى " , و " جَدًّا " مَنْصُوب عَلَى التَّمْيِيز . وَعَنْ عِكْرِمَة أَيْضًا " جَدٌّ " بِالتَّنْوِينِ وَالرَّفْع " رَبُّنَا " بِالرَّفْعِ عَلَى تَقْدِير : تَعَالَى جَدّ جَدّ رَبّنَا ; فَجَدّ الثَّانِي بَدَل مِنْ الْأَوَّل وَحُذِفَ وَأُقِيمَ الْمُضَاف إِلَيْهِ مُقَامه . وَمَعْنَى الْآيَة : وَأَنَّهُ تَعَالَى جَلَال رَبّنَا أَنْ يَتَّخِذ صَاحِبَة وَوَلَدًا لِلِاسْتِئْنَاسِ بِهِمَا وَالْحَاجَة إِلَيْهِمَا , وَالرَّبّ يَتَعَالَى عَنْ الْأَنْدَاد وَالنُّظَرَاء .
غريب الآية
وَأَنَّهُۥ تَعَـٰلَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا ٱتَّخَذَ صَـٰحِبَةࣰ وَلَا وَلَدࣰا ﴿٣﴾
| تَعَـٰلَىٰ | عَلَتْ وارْتَفَعَتْ.
|
|---|
| جَدُّ رَبِّنَا | عَظَمَةُ رَبِّنا وَجَلَالُهُ.
|
|---|
| صَـٰحِبَةࣰ | زَوْجةً.
|
|---|
الإعراب
(وَأَنَّهُ) "الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(أَنَّ) : حَرْفُ تَوْكِيدٍ وَنَصْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ اسْمُ (أَنَّ) :.
(تَعَالَى) فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ الْمُقَدَّرِ لِلتَّعَذُّرِ.
(جَدُّ) فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(رَبِّنَا) مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(مَا) حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(اتَّخَذَ) فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ"، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ (أَنَّ) :.
(صَاحِبَةً) مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَلَا) "الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَا) : حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(وَلَدًا) مَعْطُوفٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.