صفحات الموقع

سورة التوبة الآية ١٠١

سورة التوبة الآية ١٠١

وَمِمَّنۡ حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مُنَـٰفِقُونَۖ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡمَدِینَةِ مَرَدُوا۟ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعۡلَمُهُمۡۖ نَحۡنُ نَعۡلَمُهُمۡۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَیۡنِ ثُمَّ یُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِیمࣲ ﴿١٠١﴾

التفسير

تفسير السعدي

يقول تعالى: " وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ " أيضا منافقون " مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ " أي: تمرنوا عليه, وأزدادوا فيه طغيانا. " لَا تَعْلَمُهُمْ " بأعيانهم, فتعاقبهم, أو تعاملهم بمقتضى نفاقهم, لما للّه في ذلك من الحكمة الباهرة. " نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ " يحتمل أن التثنية على بابها, وأن عذابهم عذاب في الدنيا, وعذاب في الآخرة. ففي الدنيا, ما ينالهم من الهم والغم, والكراهة, لما يصيب المؤمنين, من الفتح والنصر. وفي الآخرة عذاب النار, وبئس القرار. ويحتمل أن المراد, سنغلظ عليهم العذاب, ونضاعفه عليهم, ونكرره.

التفسير الميسر

ومن القوم الذين حول (المدينة) أعراب منافقون، ومن أهل (المدينة) منافقون أقاموا على النفاق، وازدادوا فيه طغيانًا، بحيث يخفى عليك -أيها الرسول- أمرهم، نحن نعلمهم، سنعذبهم مرتين: بالقتل والسبي والفضيحة في الدنيا، وبعذاب القبر بعد الموت، ثم يُرَدُّون يوم القيامة إلى عذاب عظيم في نار جهنم.

تفسير الجلالين

"وَمِمَّنْ حَوْلكُمْ" يَا أَهْل الْمَدِينَة "مِنْ الْأَعْرَاب مُنَافِقُونَ" كَأَسْلَم وَأَشْجَع وَغِفَار "وَمِنْ أَهْل الْمَدِينَة" مُنَافِقُونَ أَيْضًا "مَرَدُوا عَلَى النِّفَاق" لَجُّوا فِيهِ وَاسْتَمَرُّوا "لَا تَعْلَمهُمْ" بِالْفَضِيحَةِ أَوْ الْقَتْل فِي الدُّنْيَا وَعَذَاب الْقَبْر " ثُمَّ يُرَدُّونَ" فِي الْآخِرَة "إلَى عَذَاب عَظِيم" هُوَ النَّار

تفسير ابن كثير

يُخْبِر تَعَالَى رَسُوله صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِ أَنَّ فِي أَحْيَاء الْعَرَب مِمَّنْ حَوْل الْمَدِينَة مُنَافِقِينَ وَفِي أَهْل الْمَدِينَة أَيْضًا مُنَافِقُونَ " مَرَدُوا عَلَى النِّفَاق " أَيْ مُرِّنُوا وَاسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ وَمِنْهُ يُقَال شَيْطَان مَرِيد وَمَارِد وَيُقَال تَمَرَّدَ فُلَان عَلَى اللَّه أَيْ عَتَا وَتَجَبَّرَ وَقَوْله " لَا تَعْلَمهُمْ نَحْنُ نَعْلَمهُمْ " لَا يُنَافِي قَوْله تَعَالَى " وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكُمْ فَلَعَرَفْتُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُم فِي لَحْن الْقَوْل " لِأَنَّ هَذَا مِنْ بَاب التَّوَسُّم فِيهِمْ بِصِفَاتٍ يُعْرَفُونَ بِهَا لَا أَنَّهُ يَعْرِف جَمِيع مَنْ عِنْده مِنْ أَهْل النِّفَاق وَالرَّيْب عَلَى التَّعْيِين وَقَدْ كَانَ يَعْلَم أَنَّ فِي بَعْض مَنْ يُخَالِطهُ مِنْ أَهْل الْمَدِينَة نِفَاقًا وَإِنْ كَانَ يَرَاهُ صَبَاحًا وَمَسَاء وَشَاهِد هَذَا بِالصِّحَّةِ مَا رَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد فِي مُسْنَده حَيْثُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ النُّعْمَان بْن سَالِم عَنْ رَجُل عَنْ جُبَيْر بْن مُطْعَم رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قُلْت يَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَيْسَ لَنَا أَجْر بِمَكَّة فَقَالَ " لَتَأْتِيَنَّكُمْ أُجُوركُمْ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي جُحْر ثَعْلَب " وَأَصْغَى إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَأْسِهِ فَقَالَ " إِنَّ فِي أَصْحَابِي مُنَافِقِينَ " وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ قَدْ يَبُوح بَعْض الْمُنَافِقِينَ وَالْمُرْجِفِينَ مِنْ الْكَلَام بِمَا لَا صِحَّة لَهُ وَمِنْ مِثْلهمْ صَدَرَ هَذَا الْكَلَام الَّذِي سَمِعَهُ جُبَيْر بْن مُطْعِم وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِير قَوْله " وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا " أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمَ حُذَيْفَة بِأَعْيَانِ أَرْبَعَة عَشَر أَوْ خَمْسَة عَشَر مُنَافِقًا وَهَذَا تَخْصِيص لَا يَقْتَضِي أَنَّهُ اِطَّلَعَ عَلَى أَسْمَائِهِمْ وَأَعْيَانهمْ كُلّهمْ وَاَللَّه أَعْلَم وَرَوَى الْحَافِظ اِبْن عَسَاكِر فِي تَرْجَمَة أَبِي عُمَر الْبَيْرُوتِيّ مِنْ طَرِيق هِشَام بْن عَمَّار حَدَّثَنَا صَدَقَة بْن خَالِد حَدَّثَنَا بْن جَابِر حَدَّثَنِي شَيْخ بِبَيْرُوت يُكَنَّى أَبَا عُمَر أَظُنّهُ حَدَّثَنِي عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء أَنَّ رَجُلًا يُقَال لَهُ حَرْمَلَة أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ فَقَالَ : الْإِيمَان هَهُنَا وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى لِسَانه . وَالنِّفَاق هَهُنَا وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى قَلْبه وَلَمْ يَذْكُر اللَّه إِلَّا قَلِيلًا فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " اللَّهُمَّ اِجْعَلْ لَهُ لِسَانًا ذَاكِرًا وَقَلْبًا شَاكِرًا وَارْزُقْهُ حُبِّي وَحُبّ مَنْ يُحِبّنِي وَصَيِّرْ أَمْره إِلَى خَيْر " . فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه : إِنَّهُ كَانَ لِي أَصْحَاب مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَكُنْت رَأْسًا فِيهِمْ أَفَلَا آتِيك بِهِمْ ؟ قَالَ " مَنْ أَتَانَا اِسْتَغْفَرْنَا لَهُ وَمَنْ أَصَرَّ فَاَللَّه أَوْلَى بِهِ وَلَا تَخْرِقَنَّ عَلَى أَحَد سِتْرًا " . قَالَ وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو أَحْمَد الْحَاكِم عَنْ أَبِي بَكْر الْبَاغَنْدِيّ عَنْ هِشَام بْن عَمَّار بِهِ وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ قَتَادَة فِي هَذِهِ الْآيَة أَنَّهُ قَالَ مَا بَال أَقْوَام يَتَكَلَّفُونَ عِلْم النَّاس فُلَان فِي الْجَنَّة وَفُلَان فِي النَّار فَإِذَا سَأَلْت أَحَدهمْ عَنْ نَفْسه قَالَ لَا أَدْرِي لَعَمْرِي أَنْتَ بِنَصِيبِك أَعْلَم مِنْك بِأَحْوَالِ النَّاس وَلَقَدْ تَكَلَّفْت شَيْئًا مَا تَكَلَّفَهُ الْأَنْبِيَاء قَبْلك قَالَ نَبِيّ اللَّه نُوح عَلَيْهِ السَّلَام " وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ " وَقَالَ نَبِيّ اللَّه شُعَيْب عَلَيْهِ السَّلَام " بَقِيَّة اللَّه خَيْر لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ " وَقَالَ اللَّه تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ " لَا تَعْلَمهُمْ نَحْنُ نَعْلَمهُمْ " وَقَالَ السُّدِّيّ عَنْ أَبِي مَالِك عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي هَذِهِ الْآيَة قَالَ : قَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا يَوْم الْجُمُعَة فَقَالَ " اُخْرُجْ يَا فُلَان إِنَّك مُنَافِق وَاخْرُجْ يَا فُلَان فَإِنَّك مُنَافِق " فَأَخْرَجَ مِنْ الْمَسْجِد نَاسًا مِنْهُمْ فَضَحَهُمْ فَجَاءَ عُمَر وَهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ الْمَسْجِد فَاخْتَبَأَ مِنْهُمْ حَيَاء أَنَّهُ لَمْ يَشْهَد الْجُمُعَة وَظَنَّ أَنَّ النَّاس قَدْ اِنْصَرَفُوا , وَاخْتَبَئُوا هُمْ مِنْ عُمَر ظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ بِأَمْرِهِمْ فَجَاءَ عُمَر فَدَخَلَ الْمَسْجِد فَإِذَا النَّاس لَمْ يُصَلُّوا فَقَالَ لَهُ رَجُل مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَبْشِرْ يَا عُمَر قَدْ فَضَحَ اللَّه الْمُنَافِقِينَ الْيَوْم . قَالَ اِبْن عَبَّاس فَهَذَا الْعَذَاب الْأَوَّل حِين أَخْرَجَهُمْ مِنْ الْمَسْجِد وَالْعَذَاب الثَّانِي عَذَاب الْقَبْر وَكَذَا قَالَ الثَّوْرِيّ عَنْ السُّدِّيّ عَنْ أَبِي مَالِك نَحْو هَذَا وَقَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله " سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ " " يَعْنِي الْقَتْل وَالسَّبْي وَقَالَ فِي رِوَايَة بِالْجُوعِ وَعَذَاب الْقَبْر ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَاب عَظِيم وَقَالَ اِبْن جُرَيْج عَذَاب الدُّنْيَا وَعَذَاب الْقَبْر ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَاب عَظِيم النَّار وَقَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ عَذَاب فِي الدُّنْيَا وَعَذَاب فِي الْقَبْر وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد : أَمَّا عَذَاب فِي الدُّنْيَا فَالْأَمْوَال وَالْأَوْلَاد وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى " فَلَا تُعْجِبك أَمْوَالهمْ وَلَا أَوْلَادهمْ إِنَّمَا يُرِيد اللَّه لِيُعَذِّبهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا " فَهَذِهِ الْمَصَائِب لَهُمْ عَذَاب وَهِيَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَجْر وَعَذَاب فِي الْآخِرَة فِي النَّار " ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَاب عَظِيم " قَالَ النَّار وَقَالَ مُحَمَّد بْن إسْحَاق " سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ " قَالَ هُوَ فِيمَا بَلَغَنِي مَا هُمْ فِيهِ مِنْ أَمْر الْإِسْلَام وَمَا يَدْخُل عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْظ ذَلِكَ عَلَى غَيْر حِسْبَة ثُمَّ عَذَابهمْ فِي الْقُبُور إِذَا صَارُوا إِلَيْهَا ثُمَّ الْعَذَاب الْعَظِيم الَّذِي يُرَدُّونَ إِلَيْهِ عَذَاب الْآخِرَة وَالْخُلْد فِيهِ وَقَالَ سَعِيد عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله " سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ " عَذَاب الدُّنْيَا وَعَذَاب الْقَبْر " ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَاب عَظِيم " وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسَرَّ إِلَى حُذَيْفَة بِاثْنَيْ عَشَر رَجُلًا مِنْ الْمُنَافِقِينَ فَقَالَ سِتَّة مِنْهُمْ تَكْفِيهِمْ الدُّبَيْلَة سِرَاج مِنْ نَار جَهَنَّم يَأْخُذ فِي كَتِف أَحَدهمْ حَتَّى يُفْضِي إِلَى صَدْره وَسِتَّة يَمُوتُونَ مَوْتًا . وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ كَانَ إِذَا مَاتَ رَجُل مِمَّنْ يَرَى أَنَّهُ مِنْهُمْ نَظَرَ إِلَى حُذَيْفَة فَإِنْ صَلَّى عَلَيْهِ وَإِلَّا تَرَكَهُ , وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ عُمَر قَالَ لِحُذَيْفَة أَنْشُدك اللَّه أَمِنْهُمْ أَنَا ؟ قَالَ لَا وَلَا أُومِن مِنْهَا أَحَدًا بَعْدك .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمِمَّنْ حَوْلكُمْ مِنْ الْأَعْرَاب مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْل الْمَدِينَة مَرَدُوا عَلَى النِّفَاق لَا تَعْلَمهُمْ نَحْنُ نَعْلَمهُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمِنْ الْقَوْم الَّذِينَ حَوْل مَدِينَتكُمْ مِنْ الْأَعْرَاب الْمُنَافِقُونَ , وَمِنْ أَهْل مَدِينَتكُمْ أَيْضًا أَمْثَالهمْ أَقْوَام مُنَافِقُونَ . وَقَوْله : { مَرَدُوا عَلَى النِّفَاق } يَقُول : مَرَنُوا عَلَيْهِ وَدَرِبُوا بِهِ , وَمِنْهُ شَيْطَان مَارِد وَمَرِيد : وَهُوَ الْخَبِيث الْعَاتِي , وَمِنْهُ قِيلَ : تَمَرَّدَ فُلَان عَلَى رَبّه : أَيْ عَتَا وَمَرَدَ عَلَى مَعْصِيَته وَاعْتَادَهَا . وَقَالَ اِبْن زَيْد فِي ذَلِكَ , مَا : 13306 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَمِنْ أَهْل الْمَدِينَة مَرَدُوا عَلَى النِّفَاق } قَالَ : أَقَامُوا عَلَيْهِ لَمْ يَتُوبُوا كَمَا تَابَ الْآخَرُونَ . 13307 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { وَمِنْ أَهْل الْمَدِينَة مَرَدُوا عَلَى النِّفَاق } أَيْ لَجُّوا فِيهِ وَأَبَوْا غَيْره . { لَا تَعْلَمهُمْ } يَقُول لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَعْلَم يَا مُحَمَّد أَنْتَ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ وَصَفْت لَك صِفَتهمْ مِمَّنْ حَوْلكُمْ مِنْ الْأَعْرَاب وَمِنْ أَهْل الْمَدِينَة , وَلَكِنَّا نَحْنُ نَعْلَمهُمْ . كَمَا : 13308 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { وَمِمَّنْ حَوْلكُمْ مِنْ الْأَعْرَاب مُنَافِقُونَ } إِلَى قَوْله : { نَحْنُ نَعْلَمهُمْ } قَالَ : فَمَا بَال أَقْوَام يَتَكَلَّفُونَ عِلْم النَّاس فُلَان فِي الْجَنَّة وَفُلَان فِي النَّار , فَإِذَا سَأَلْت أَحَدهمْ عَنْ نَفْسه قَالَ لَا أَدْرِي ! لَعَمْرِي أَنْتَ بِنَفْسِك أَعْلَم مِنْك بِأَعْمَالِ النَّاس , وَلَقَدْ تَكَلَّفْت شَيْئًا مَا تَكَلَّفَتْهُ الْأَنْبِيَاء قَبْلكُمْ ! قَالَ نَبِيّ اللَّه نُوح عَلَيْهِ السَّلَام : { وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } , 26 112 وَقَالَ نَبِيّ اللَّه شُعَيْب عَلَيْهِ السَّلَام : { بَقِيَّتُ اللَّه خَيْر لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } , 11 86 وَقَالَ اللَّه لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : { لَا تَعْلَمهُمْ نَحْنُ نَعْلَمهُمْ } . وَقَوْله : { سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ } يَقُول : سَنُعَذِّبُ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ مَرَّتَيْنِ : إِحْدَاهُمَا فِي الدُّنْيَا , وَالْأُخْرَى فِي الْقَبْر . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الَّتِي فِي الدُّنْيَا مَا هِيَ ; فَقَالَ بَعْضهمْ : هِيَ فَضِيحَتهمْ فَضَحَهُمْ اللَّه بِكَشْفِ أُمُورهمْ وَتَبْيِين سَرَائِرهمْ لِلنَّاسِ عَلَى لِسَان رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13309 - حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن عَمْرو الْعَنْقَزِيّ , قَالَ : ثنا أَبِي , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي مَالِك , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْل اللَّه : { وَمِمَّنْ حَوْلكُمْ مِنْ الْأَعْرَاب مُنَافِقُونَ مِنْ أَهْل الْمَدِينَة مَرَدُوا عَلَى النِّفَاق } إِلَى قَوْله : { عَذَاب عَظِيم } قَالَ : قَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا يَوْم الْجُمْعَة , فَقَالَ " اُخْرُجْ يَا فُلَان فَإِنَّك مُنَافِق ! اُخْرُجْ يَا فُلَان فَإِنَّك مُنَافِق ! " فَأَخْرُج مِنْ الْمَسْجِد نَاسًا مِنْهُمْ فَضَحَهُمْ . فَلَقِيَهُمْ عُمَر وَهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ الْمَسْجِد , فَاخْتَبَأَ مِنْهُمْ حَيَاء أَنَّهُ لَمْ يَشْهَد الْجُمْعَة , وَظَنَّ أَنَّ النَّاس قَدْ اِنْصَرَفُوا وَاخْتَبَئُوا هُمْ مِنْ عُمَر , ظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ بِأَمْرِهِمْ. فَجَاءَ عُمَر فَدَخَلَ الْمَسْجِد , فَإِذَا النَّاس لَمْ يُصَلُّوا , فَقَالَ لَهُ رَجُل مِنْ الْمُسْلِمِينَ : أَبْشِرْ يَا عُمَر , فَقَدْ فَضَحَ اللَّه الْمُنَافِقِينَ الْيَوْم ! فَهَذَا الْعَذَاب الْأَوَّل حِين أَخْرَجَهُمْ مِنْ الْمَسْجِد , وَالْعَذَاب الثَّانِي : عَذَاب الْقَبْر . 13310 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي مَالِك : { سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ } قَالَ : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُب , فَيَذْكُر الْمُنَافِقِينَ فَيُعَذِّبهُمْ بِلِسَانِهِ , قَالَ : وَعَذَاب الْقَبْر . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13311 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ } قَالَ : الْقَتْل وَالسَّبَاء . 13312 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ } بِالْجُوعِ , وَعَذَاب الْقَبْر . قَالَ : { ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَاب عَظِيم } يَوْم الْقِيَامَة . 13313 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا جَعْفَر بْن عَوْن وَالْقَاسِم وَيَحْيَى بْن آدَم , عَنْ سُفْيَان , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ } قَالَ : بِالْجُوعِ وَالْقَتْل , وَقَالَ يَحْيَى : بِالْخَوْفِ وَالْقَتْل. * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا اِبْن يَمَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : بِالْجُوعِ وَالْقَتْل . 13314 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن يَمَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي مَالِك : { سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ } قَالَ : بِالْجُوعِ , وَعَذَاب الْقَبْر. * - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ } قَالَ : بِالْجُوعِ وَالْقَتْل . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : سَنُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا فِي الدُّنْيَا وَعَذَابًا فِي الْآخِرَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13315 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ } عَذَاب الدُّنْيَا وَعَذَاب الْقَبْر . { ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَاب عَظِيم } ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُسِرَ إِلَى حُذَيْفَة بِاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ الْمُنَافِقِينَ , فَقَالَ : " سِتَّة مِنْهُمْ تَكْفِيكَهُمْ الدُّبَيْلَة , سِرَاج مِنْ نَار جَهَنَّم يَأْخُذ فِي كَتِف أَحَدهمْ حَتَّى يُفْضِي إِلَى صَدْره , وَسِتَّة يَمُوتُونَ مَوْتًا " ذُكِرَ لَنَا أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَحِمَهُ اللَّه كَانَ إِذَا مَاتَ رَجُل يَرَى أَنَّهُ مِنْهُمْ نَظَرَ إِلَى حُذَيْفَة , فَإِنْ صَلَّى عَلَيْهِ وَإِلَّا تَرَكَهُ . وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ عُمَر قَالَ لِحُذَيْفَة : أَنْشُدك اللَّه أَمِنْهُمْ أَنَا ؟ قَالَ : لَا وَاَللَّه , وَلَا أُؤَمِّن مِنْهَا أَحَدًا بَعْدك ! 13316 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ الْحَسَن : { سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ } قَالَ : عَذَاب الدُّنْيَا وَعَذَاب الْقَبْر . 13317 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار وَمُحَمَّد بْن الْعَلَاء , قَالَا : ثنا بَدَل بْن الْمُحَبَّر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ قَتَادَة : { سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ } قَالَ : عَذَابًا فِي الدُّنْيَا وَعَذَابًا فِي الْقَبْر . 13318 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : عَذَاب الدُّنْيَا وَعَذَاب الْقَبْر ; ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَاب النَّار. وَقَالَ آخَرُونَ : كَانَ عَذَابهمْ إِحْدَى الْمَرَّتَيْنِ مَصَائِبهمْ فِي أَمْوَالهمْ وَأَوْلَادهمْ , وَالْمَرَّة الْأُخْرَى فِي جَهَنَّم . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13319 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : { سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ } قَالَ : أَمَّا عَذَاب فِي الدُّنْيَا : فَالْأَمْوَال وَالْأَوْلَاد , وَقَرَأَ قَوْل اللَّه : { فَلَا تُعْجِبك أَمْوَالهمْ وَلَا أَوْلَادهمْ إِنَّمَا يُرِيد اللَّه لِيُعَذِّبهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا } 9 55 بِالْمَصَائِبِ فِيهِمْ , هِيَ لَهُمْ عَذَاب وَهِيَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَجْر. قَالَ : وَعَذَاب فِي الْآخِرَة فِي النَّار . { ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَاب عَظِيم } قَالَ : النَّار . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ إِحْدَى الْمَرَّتَيْنِ : الْحُدُود , وَالْأُخْرَى : عَذَاب الْقَبْر . ذِكْر ذَلِكَ عَنْ اِبْن عَبَّاس مِنْ وَجْه غَيْر مَرْضِيّ. وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ إِحْدَى الْمَرَّتَيْنِ : أَخْذ الزَّكَاة مِنْ أَمْوَالهمْ , وَالْأُخْرَى : عَذَاب الْقَبْر . ذُكِرَ ذَلِكَ عَنْ سُلَيْمَان بْن أَرْقَمَ , عَنْ الْحَسَن . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ إِحْدَى الْمَرَّتَيْنِ عَذَابهمْ بِمَا يُدْخِل عَلَيْهِمْ مِنْ الْغَيْظ فِي أَمْر الْإِسْلَام. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13320 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ } قَالَ : الْعَذَاب الَّذِي وَعَدَهُمْ مَرَّتَيْنِ فِيمَا بَلَغَنِي عَنْهُمْ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ أَمْر الْإِسْلَام وَمَا يُدْخِل عَلَيْهِمْ ذَلِكَ عَلَى غَيْر حِسْبَة , ثُمَّ عَذَابهمْ فِي الْقَبْر إِذْ صَارُوا إِلَيْهِ , ثُمَّ الْعَذَاب الْعَظِيم الَّذِي يُرَدُّونَ إِلَيْهِ عَذَاب الْآخِرَة وَيَخْلُدُونَ فِيهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدِي أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه أَخْبَرَ أَنَّهُ يُعَذِّب هَؤُلَاءِ الَّذِينَ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاق مَرَّتَيْنِ , وَلَمْ يَضَع لَنَا دَلِيلًا نَتَوَصَّل بِهِ إِلَى عِلْم صِفَة ذَيْنك الْعَذَابَيْنِ ; وَجَائِز أَنْ يَكُون بَعْض مَا ذَكَرْنَا عَنْ الْقَائِلِينَ مَا أُنْبِئْنَا عَنْهُمْ , وَلَيْسَ عِنْدنَا عِلْم بِأَيِّ ذَلِكَ مِنْ أَيّ . عَلَى أَنَّ فِي قَوْله جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَاب عَظِيم } دَلَالَة عَلَى أَنَّ الْعَذَاب فِي الْمَرَّتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا قَبْل دُخُولهمْ النَّار , وَالْأَغْلَب مِنْ إِحْدَى الْمَرَّتَيْنِ أَنَّهَا فِي الْقَبْر . وَقَوْله : { ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَاب عَظِيم } يَقُول : ثُمَّ يُرَدّ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ بَعْد تَعْذِيب اللَّه إِيَّاهُمْ مَرَّتَيْنِ إِلَى عَذَاب عَظِيم , وَذَلِكَ عَذَاب جَهَنَّم .

تفسير القرطبي

اِبْتِدَاء وَخَبَر . أَيْ قَوْم مُنَافِقُونَ ; يَعْنِي مُزَيْنَة وَجُهَيْنَة وَأَسْلَم وَغِفَار وَأَشْجَع . أَيْ قَوْم مَرَدُوا عَلَى النِّفَاق . وَقِيلَ : " مَرَدُوا " مِنْ نَعْت الْمُنَافِقِينَ ; فَيَكُون فِي الْكَلَام تَقْدِيم وَتَأْخِير , الْمَعْنَى . وَمِنْ حَوْلكُمْ مِنْ الْأَعْرَاب مُنَافِقُونَ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاق , وَمِنْ أَهْل الْمَدِينَة مِثْل ذَلِكَ . وَمَعْنَى : " مَرَدُوا " أَقَامُوا وَلَمْ يَتُوبُوا ; عَنْ اِبْن زَيْد . وَقَالَ غَيْره : لَجُّوا فِيهِ وَأَبَوْا غَيْره ; وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب . وَأَصْل الْكَلِمَة مِنْ اللِّين وَالْمُلَامَسَة وَالتَّجَرُّد . فَكَأَنَّهُمْ تَجَرَّدُوا لِلنِّفَاقِ . وَمِنْهُ رَمْلَة مَرْدَاء لَا نَبْت فِيهَا . وَغُصْن أَمْرَد لَا وَرَق عَلَيْهِ . وَفَرَس أَمْرَد لَا شَعْر عَلَى ثُنَّته . وَغُلَام أَمْرَد بَيِّن الْمَرَد ; وَلَا يُقَال : جَارِيَة مَرْدَاء . وَتَمْرِيد الْبِنَاء تَمْلِيسه ; وَمِنْهُ قَوْله : " صَرْح مُمَرَّد " [ النَّمْل : 44 ] . وَتَمْرِيد الْغُصْن تَجْرِيده مِنْ الْوَرَق ; يُقَال : مَرَدَ يَمْرُد مُرُودًا وَمُرَادَة . هُوَ مِثْل قَوْله : " لَا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّه يَعْلَمهُمْ " [ الْأَنْفَال : 60 ] عَلَى مَا تَقَدَّمَ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى لَا تَعْلَم يَا مُحَمَّد عَاقِبَة أُمُورهمْ وَإِنَّمَا نَخْتَصّ نَحْنُ بِعِلْمِهَا ; وَهَذَا يَمْنَع أَنْ يُحْكَم عَلَى أَحَد بِجَنَّةٍ أَوْ نَار . " قَالَ اِبْن عَبَّاس : بِالْأَمْرَاضِ فِي الدُّنْيَا وَعَذَاب الْآخِرَة . فَمَرَض الْمُؤْمِن كَفَّارَة , وَمَرَض الْكَافِر عُقُوبَة . وَقِيلَ : الْعَذَاب الْأَوَّل الْفَضِيحَة بِاطِّلَاعِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ ; عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي الْمُنَافِقِينَ . وَالْعَذَاب الثَّانِي عَذَاب الْقَبْر . الْحَسَن وَقَتَادَة : عَذَاب الدُّنْيَا وَعَذَاب الْقَبْر . اِبْن زَيْد : الْأَوَّل بِالْمَصَائِبِ فِي أَمْوَالهمْ وَأَوْلَادهمْ , وَالثَّانِي عَذَاب الْقَبْر . مُجَاهِد : الْجُوع وَالْقَتْل . الْفَرَّاء : الْقَتْل وَعَذَاب الْقَبْر . وَقِيلَ : السَّبَاء وَالْقَتْل . وَقِيلَ : الْأَوَّل أَخْذ الزَّكَاة مِنْ أَمْوَالهمْ وَإِجْرَاء الْحُدُود عَلَيْهِمْ , وَالثَّانِي عَذَاب الْقَبْر . وَقِيلَ : أَحَد الْعَذَابَيْنِ مَا قَالَ تَعَالَى : " فَلَا تُعْجِبك أَمْوَالهمْ - إِلَى قَوْله - إِنَّمَا يُرِيد اللَّه لِيُعَذِّبهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا " [ التَّوْبَة : 55 ] . وَالْغَرَض مِنْ الْآيَة اِتِّبَاع الْعَذَاب , أَوْ تَضْعِيف الْعَذَاب عَلَيْهِمْ .

غريب الآية
وَمِمَّنۡ حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مُنَـٰفِقُونَۖ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡمَدِینَةِ مَرَدُوا۟ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعۡلَمُهُمۡۖ نَحۡنُ نَعۡلَمُهُمۡۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَیۡنِ ثُمَّ یُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِیمࣲ ﴿١٠١﴾
ٱلۡأَعۡرَابِسُكَّانِ الباديةِ.
مَرَدُوا۟ عَلَى ٱلنِّفَاقِمَهَرُوا فيه واستمَرُّوا عليه.
سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَیۡنِالأولى: في الدنيا بفضيحتِهم، أو بأنواعِ المكارِهِ التي تنالُهم، والثانية: بعذابِ القبرِ.
عَذَابٍ عَظِیمࣲنارِ جهنمَ.
الإعراب
(وَمِمَّنْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(مِنْ) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ(مَنْ) : اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ.
(حَوْلَكُمْ)
ظَرْفُ مَكَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(مِنَ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
(الْأَعْرَابِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ حَالٌ مِنَ الْمَوْصُولِ (مَنْ) :.
(مُنَافِقُونَ)
مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الْوَاوُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ.
(وَمِنْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(مِنْ) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(أَهْلِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(الْمَدِينَةِ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(مَرَدُوا)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(عَلَى)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(النِّفَاقِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(لَا)
حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تَعْلَمُهُمْ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ"، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ (مَرَدُوا) :.
(نَحْنُ)
ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(نَعْلَمُهُمْ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "نَحْنُ"، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ الْمُبْتَدَإِ (نَحْنُ) :.
(سَنُعَذِّبُهُمْ)
"السِّينُ" حَرْفُ اسْتِقْبَالٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(نُعَذِّبُ) : فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "نَحْنُ".
(مَرَّتَيْنِ)
مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ مُثَنًّى.
(ثُمَّ)
حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحٍ.
(يُرَدُّونَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَعْطُوفٌ مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ نَائِبُ فَاعِلٍ.
(إِلَى)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(عَذَابٍ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(عَظِيمٍ)
نَعْتٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.