سورة التوبة الآية ١١٧
سورة التوبة الآية ١١٧
لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِیِّ وَٱلۡمُهَـٰجِرِینَ وَٱلۡأَنصَارِ ٱلَّذِینَ ٱتَّبَعُوهُ فِی سَاعَةِ ٱلۡعُسۡرَةِ مِنۢ بَعۡدِ مَا كَادَ یَزِیغُ قُلُوبُ فَرِیقࣲ مِّنۡهُمۡ ثُمَّ تَابَ عَلَیۡهِمۡۚ إِنَّهُۥ بِهِمۡ رَءُوفࣱ رَّحِیمࣱ ﴿١١٧﴾
تفسير السعدي
يخبر تعالى, أنه من لطفه وإحسانه " تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ " صلى الله عليه وسلم, " وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ " فغفر لهم الزلات, ووفر لهم الحسنات, ورقاهم إلى أعلى الدرجات, وذلك بسبب قيامهم بالأعمال الصعبة الشاقات, ولهذا قال: " الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ " أي: خرجوا معه لقتال الأعداء, في غزوة " تبوك " وكانت في حر شديد, وضيق من الزاد والركوب, وكثرة عدد مما يدعو إلى التخلف. فاستعانوا اللّه تعالى, وقاموا بذلك " مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ " أي: تنقلب قلوبهم, ويميلوا إلى الدعة والسكون, ولكن اللّه ثبتهم, وأيدهم وقواهم. وزَيْغُ القلب, هو: انحرافه عن الصراط المستقيم. فإن كان الانحراف في أصل الدين, كان كفرا. وإن كان في شرائعه, كان بحسب تلك الشريعة, التي زاغ عنها. إما قصر عن فعلها, أو فعلها على غير الوجه الشرعي. وقوله " ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ " أي: قبل توبتهم " إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ " . " وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ " ومن رأفته ورحمته, أن مَنَّ عليهم بالتوبة, وقبلها منهم, وثبتهم عليها. وكذلك لقد تاب " وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا " عن الخروج مع المسلمين, في تلك الغزوة, وهم " كعب بن مالك " وصاحباه, وقصتهم مشهورة معروفة, في الصحاح والسنن. " حَتَّى إِذَا " حزنوا حزنا عظيما, و " ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ " أي: على سعتها ورحبها " وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ " التي هي أحب إليهم من كل شيء. فضاق عليهم الفضاء الواسع, والمحبوب الذي لم تجر العادة بالضيق منهم. وذلك لا يكون إلا من أمر مزعج, بلغ من الشدة والمشقة, ما لا يمكن التعبير عنه. وذلك لأنهم قدموا رضا اللّه ورضا رسوله على كل شيء. " وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ " أي: تيقنوا, وعرفوا بحالهم, أنه لا ينجي من الشدائد, ويلجأ إليه, إلا اللّه وحده لا شريك له. فانقطع تعلقهم بالمخلوقين, وتعلقوا باللّه ربهم, وفروا منه إليه. فمكثوا بهذه الشدة نحو خمسين ليلة. " ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ " أي أذن في توبتهم, ووفقهم لها " لِيَتُوبُوا " لتقع منهم, فيتوب اللّه عليهم. " إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ " أي: كثير التوبة والعفو, والغفران عن الزلات والنقصان. " الرَّحِيمِ " وصفه الرحمة العظيمة, التي لا تزال تنزل على العباد, في كل وقت وحين, في جميع اللحظات, ما تقوم به أمورهم الدينية والدنيوية. وفي هذه الآيات, دليل على أن توبة اللّه على العبد, أجل الغايات, وأعلى النهايات, فإن اللّه جعلها نهاية خواص عباده, وامتن عليهم بها, حين عملوا الأعمال التي يحبها ويرضاها: ومنها: لطف الله بهم, وتثبيتهم في إيمانهم, عند الشدائد, والنوازل المزعجة. ومنها: أن العبادة الشاقة على النفس, لها فضل ومزية, ليست لغيرها. وكلما عظمت المشقة, عظم الأجر. ومنها: أن توبة اللّه على عبده, بحسب ندمه وأسفه الشديد. وأن من لا يبالي بالذنب, ولا يحرج إذا فعله, فإن توبته مدخولة, وإن زعم أنها مقبولة. ومنها: أن علامة الخير وزوال الشدة, إذا تعلق القلب بالله تعالى, تعلقا تاما, وانقطع عن المخلوقين. ومنها: أن من لطف اللّه بالثلاثة, أن وسمهم بوسم, ليس بعار عليهم فقال: " خُلِّفُوا " إشارة إلى أن المؤمنين خلفوهم, أو خلفوا عن من بث في قبول عذرهم, أو في رده, وأنهم لم يكن تخلفهم, رغبة عن الخير, ولهذا لم يقل " تخلفوا " . ومنها: أن اللّه تعالى, من عليهم بالصدق, ولهذا أمر بالاقتداء بهم فقال: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا " الآية.
التفسير الميسر
لقد وفَّق الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الإنابة إليه وطاعته، وتاب الله على المهاجرين الذين هجروا ديارهم وعشيرتهم إلى دار الإسلام، وتاب على أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين خرجوا معه لقتال الأعداء في غزوة (تبوك) في حرٍّ شديد، وضيق من الزاد والظَّهْر، لقد تاب الله عليهم من بعد ما كاد يَميل قلوب بعضهم عن الحق، فيميلون إلى الدَّعة والسكون، لكن الله ثبتهم وقوَّاهم وتاب عليهم، إنه بهم رؤوف رحيم. ومن رحمته بهم أنْ مَنَّ عليهم بالتوبة، وقَبِلَها منهم، وثبَّتهم عليها.
تفسير الجلالين
"لَقَدْ تَابَ اللَّه" أَيْ أَدَامَ تَوْبَته "عَلَى النَّبِيّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَة الْعُسْرَة" أَيْ وَقْتهَا وَهِيَ حَالهمْ فِي غَزْوَة تَبُوك كَانَ الرَّجُلَانِ يَقْتَسِمَانِ تَمْرَة وَالْعَشَرَة يَعْتَقِبُونَ الْبَعِير الْوَاحِد وَاشْتَدَّ الْحَرّ حَتَّى شَرِبُوا الْفَرْث "مِنْ بَعْد مَا كَادَ يَزِيغ" بِالتَّاءِ وَالْيَاء تَمِيل "قُلُوب فَرِيق مِنْهُمْ" عَنْ اتِّبَاعه إلَى التَّخَلُّف لِمَا هُمْ فِيهِ مِنْ الشِّدَّة "ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ" بِالثَّبَاتِ
تفسير ابن كثير
قَالَ مُجَاهِد وَغَيْر وَاحِد نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي غَزْوَة تَبُوك وَذَلِكَ أَنَّهُمْ خَرَجُوا إِلَيْهَا فِي شِدَّة مِنْ الْأَمْر فِي سَنَة مُجْدِبَة وَحَرّ شَدِيد وَعُسْر مِنْ الزَّاد وَالْمَاء . قَالَ قَتَادَة خَرَجُوا إِلَى الشَّام عَام تَبُوك فِي لَهَبَان الْحَرّ عَلَى مَا يَعْلَم اللَّه مِنْ الْجَهْد مَا أَصَابَهُمْ فِيهَا جَهْد شَدِيد حَتَّى لَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الرَّجُلَيْنِ كَانَا يَشُقَّانِ التَّمْرَة بَيْنهمَا وَكَانَ النَّفَر يَتَدَاوَلُونَ التَّمْرَة بَيْنهمْ يَمُصّهَا هَذَا ثُمَّ يَشْرَب عَلَيْهَا ثُمَّ يَمُصّهَا هَذَا ثُمَّ يَشْرَب عَلَيْهَا فَتَابَ اللَّه عَلَيْهِمْ وَأَقْفَلَهُمْ مِنْ غَزْوَتهمْ , وَقَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن الْحَارِث عَنْ سَعِيد بْن أَبِي هِلَال عَنْ عُتْبَة بْن أَبِي عُتْبَة عَنْ نَافِع بْن جُبَيْر بْن مُطْعِم عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس أَنَّهُ قِيلَ لِعُمَر بْن الْخَطَّاب فِي شَأْن الْعُسْرَة فَقَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى تَبُوك فِي قَيْظ شَدِيد فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فَأَصَابَنَا فِيهِ عَطَش حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّ رِقَابنَا سَتَنْقَطِعُ وَحَتَّى إِنْ كَانَ الرَّجُل لَيَذْهَب يَلْتَمِس الْمَاء فَلَا يَرْجِع حَتَّى يَظُنّ أَنَّ رَقَبَته سَتَنْقَطِعُ وَحَتَّى إِنَّ الرَّجُل لِيَنْحَر بَعِيره فَيَعْصِر فَرْثه فَيَشْرَبهُ وَيَجْعَل مَا بَقِيَ عَلَى كَبِده فَقَالَ أَبُو بَكْر الصِّدِّيق يَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قَدْ عَوَّدَك فِي الدُّعَاء خَيْرًا فَادْعُ لَنَا فَقَالَ " تُحِبّ ذَلِكَ ؟ " قَالَ نَعَمْ فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَلَمْ يُرْجِعهُمَا حَتَّى سَالَتْ السَّمَاء فَأَهْطَلَتْ ثُمَّ سَكَنَتْ فَمَلَئُوا مَا مَعَهُمْ ثُمَّ ذَهَبْنَا نَنْظُر فَلَمْ نَجِدهَا جَاوَزَتْ الْعَسْكَر وَقَالَ اِبْن جَرِير فِي قَوْله " لَقَدْ تَابَ اللَّه عَلَى النَّبِيّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار الَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ فِي سَاعَة الْعُسْرَة " أَيْ مِنْ النَّفَقَة وَالطُّهْر وَالزَّاد وَالْمَاء " مِنْ بَعْد مَا كَادَ يَزِيغ قُلُوب فَرِيق مِنْهُمْ " أَيْ عَنْ الْحَقّ وَيَشُكّ فِي دِين الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَرْتَاب لِلَّذِي نَالَهُمْ مِنْ الْمَشَقَّة وَالشِّدَّة فِي سَفَرهمْ وَغَزْوهمْ " ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ " يَقُول ثُمَّ رَزَقَهُمْ الْإِنَابَة " إِلَى رَبّهمْ وَالرُّجُوع إِلَى الثَّبَات عَلَى دِينه " إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوف رَحِيم " .
تفسير القرطبي
رَوَى التِّرْمِذِيّ : حَدَّثَنَا عَبْد بْن حُمَيْد حَدَّثَنَا عَبْد الرَّزَّاق أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن كَعْب بْن مَالِك عَنْ أَبِيهِ قَالَ : لَمْ أَتَخَلَّف عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَة غَزَاهَا حَتَّى كَانَتْ غَزْوَة تَبُوك إِلَّا بَدْرًا وَلَمْ يُعَاتِب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدًا تَخَلَّفَ عَنْ بَدْر إِنَّمَا خَرَجَ يُرِيد الْعِير فَخَرَجَتْ قُرَيْش مُغْوِثِينَ لِعِيرِهِمْ فَالْتَقَوْا عَنْ غَيْر مَوْعِد كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى وَلَعَمْرِي إِنَّ أَشْرَفَ مَشَاهِد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّاس لَبَدْر وَمَا أُحِبُّ أَنِّي كُنْت شَهِدْتهَا مَكَان بَيْعَتِي لَيْلَة الْعَقَبَة حِين تَوَاثَقْنَا عَلَى الْإِسْلَام ثُمَّ لَمْ أَتَخَلَّف بَعْد عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى كَانَتْ غَزْوَة تَبُوك وَهِيَ آخِر غَزْوَة غَزَاهَا وَآذَنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالرَّحِيلِ فَذَكَرَ الْحَدِيث بِطُولِهِ قَالَ : ( فَانْطَلَقْت إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا هُوَ جَالِس فِي الْمَسْجِد وَحَوْله الْمُسْلِمُونَ وَهُوَ يَسْتَنِير كَاسْتِنَارَةِ الْقَمَر وَكَانَ إِذَا سُرَّ بِالْأَمْرِ اِسْتَنَارَ فَجِئْت فَجَلَسْت بَيْن يَدَيْهِ فَقَالَ : ( أَبْشِرْ يَا كَعْب بْن مَالِك بِخَيْرِ يَوْم أَتَى عَلَيْك مُنْذُ وَلَدَتْك أُمّك ) فَقُلْت : يَا نَبِيّ اللَّه أَمِنْ عِنْد اللَّه أَمْ مِنْ عِنْدك ؟ قَالَ : ( بَلْ مِنْ عِنْد اللَّه - ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَة - " لَقَدْ تَابَ اللَّه عَلَى النَّبِيّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار الَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ فِي سَاعَة الْعُسْرَة - حَتَّى بَلَغَ - إِنَّ اللَّه هُوَ التَّوَّاب الرَّحِيم " قَالَ : وَفِينَا أُنْزِلَتْ أَيْضًا " اِتَّقُوا اللَّه وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ " [ التَّوْبَة : 119 ] ... ) وَذَكَرَ الْحَدِيث . وَسَيَأْتِي بِكَمَالِهِ مِنْ صَحِيح مُسْلِم فِي قِصَّة الثَّلَاثَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي هَذِهِ التَّوْبَة الَّتِي تَابَهَا اللَّه عَلَى النَّبِيّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار عَلَى أَقْوَال فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : كَانَتْ التَّوْبَة عَلَى النَّبِيّ لِأَجْلِ إِذْنه لِلْمُنَافِقِينَ فِي الْقُعُود دَلِيله قَوْله : " عَفَا اللَّه عَنْك لِمَ أَذِنْت لَهُمْ " [ التَّوْبَة : 43 ] وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنْ مَيْل قُلُوب بَعْضهمْ إِلَى التَّخَلُّف عَنْهُ . وَقِيلَ : تَوْبَة اللَّه عَلَيْهِمْ اِسْتِنْقَاذهمْ مِنْ شِدَّة الْعُسْرَة . وَقِيلَ : خَلَاصهمْ مِنْ نِكَايَة الْعَدُوّ , وَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالتَّوْبَةِ وَإِنْ خَرَجَ عَنْ عُرْفهَا لِوُجُودِ مَعْنَى التَّوْبَة فِيهِ وَهُوَ الرُّجُوع إِلَى الْحَالَة الْأُولَى . وَقَالَ أَهْل الْمَعَانِي : إِنَّمَا ذُكِرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّوْبَة لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ سَبَب تَوْبَتهمْ ذُكِرَ مَعَهُمْ كَقَوْلِهِ : " فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسه وَلِلرَّسُولِ " [ الْأَنْفَال : 41 ] . أَيْ فِي وَقْت الْعُسْرَة , وَالْمُرَاد جَمِيع أَوْقَات تِلْكَ الْغَزَاة وَلَمْ يُرِدْ سَاعَة بِعَيْنِهَا . وَقِيلَ : سَاعَة الْعُسْرَة أَشَدّ السَّاعَات الَّتِي مَرَّتْ بِهِمْ فِي تِلْكَ الْغَزَاة . وَالْعُسْرَة صُعُوبَة الْأَمْر . قَالَ جَابِر : اِجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ عُسْرَة الظَّهْر وَعُسْرَة الزَّاد وَعُسْرَة الْمَاء . قَالَ الْحَسَن : كَانَتْ الْعُسْرَة مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَخْرُجُونَ عَلَى بَعِير يَعْتَقِبُونَهُ بَيْنهمْ وَكَانَ زَادَهُمْ التَّمْر الْمُتَسَوِّس وَالشَّعِير الْمُتَغَيِّر وَالْإِهَالَة الْمُنْتِنَة وَكَانَ النَّفَر يُخْرِجُونَ مَا مَعَهُمْ - إِلَّا التَّمَرَات - بَيْنهمْ فَإِذَا بَلَغَ الْجُوع مِنْ أَحَدهمْ أَخَذَ التَّمْرَة فَلَاكَهَا حَتَّى يَجِد طَعْمهَا ثُمَّ يُعْطِيهَا صَاحِبه حَتَّى يَشْرَب عَلَيْهَا جَرْعَة مِنْ مَاء كَذَلِكَ حَتَّى تَأْتِي عَلَى آخِرهمْ فَلَا يَبْقَى مِنْ التَّمْرَة إِلَّا النَّوَاة فَمَضَوْا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صِدْقهمْ وَيَقِينهمْ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ . وَقَالَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ سَاعَة الْعُسْرَة : ( خَرَجْنَا فِي قَيْظ شَدِيد فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا أَصَابَنَا فِيهِ عَطَش شَدِيد حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّ رِقَابنَا سَتَنْقَطِعُ مِنْ الْعَطَش , وَحَتَّى أَنَّ الرَّجُل لَيَنْحَر بَعِيره فَيَعْصِر فَرْثه فَيَشْرَبهُ وَيَجْعَل مَا بَقِيَ عَلَى كَبِده . فَقَالَ أَبُو بَكْر : يَا رَسُول اللَّه , إِنَّ اللَّه قَدْ عَوَّدَك فِي الدُّعَاء خَيْرًا فَادْعُ لَنَا . قَالَ : ( أَتُحِبُّ ذَلِكَ ) ؟ قَالَ : نَعَمْ فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَلَمْ يُرْجِعهُمَا حَتَّى أَظَلَّتْ السَّمَاء ثُمَّ سَكَبَتْ فَمَلَئُوا مَا مَعَهُمْ ثُمَّ ذَهَبْنَا نَنْظُر فَلَمْ نَجِدهَا جَاوَزَتْ الْعَسْكَر ) . وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَة وَأَبُو سَعِيد قَالَا : كُنَّا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَة تَبُوك فَأَصَابَ النَّاس مَجَاعَة وَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , لَوْ أَذِنْت لَنَا فَنَحَرْنَا نَوَاضِحنَا فَأَكَلْنَا وَادَّهَنَّا . فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( اِفْعَلُوا ) فَجَاءَ عُمَر وَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنْ فَعَلُوا قَلَّ الظَّهْر وَلَكِنْ اُدْعُهُمْ بِفَضْلِ أَزْوَادهمْ فَادْعُ اللَّه عَلَيْهَا بِالْبَرَكَةِ لَعَلَّ اللَّه أَنْ يَجْعَل فِي ذَلِكَ الْبَرَكَة . قَالَ : ( نَعَمْ ) ثُمَّ دَعَا بِنِطَعٍ فَبُسِطَ ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ الْأَزْوَاد فَجَعَلَ الرَّجُل يَجِيء بِكَفِّ ذُرَة وَيَجِيء الْآخَر بِكَفِّ تَمْر وَيَجِيء الْآخَر بِكِسْرَةٍ حَتَّى اِجْتَمَعَ عَلَى النِّطَع مِنْ ذَلِكَ شَيْء يَسِير . قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : فَحَزَرْته فَإِذَا هُوَ قَدْر رَبْضَة الْعَنْز فَدَعَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبَرَكَةِ . ثُمَّ قَالَ : ( خُذُوا فِي أَوْعِيَتكُمْ ) فَأَخَذُوا فِي أَوْعِيَتهمْ حَتَّى - وَاَلَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ - مَا بَقِيَ فِي الْعَسْكَر وِعَاء إِلَّا مَلَئُوهُ , وَأَكَلَ الْقَوْم حَتَّى شَبِعُوا وَفَضَلَتْ فَضْلَة فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنِّي رَسُول اللَّه لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْر شَاكّ فِيهِمَا فَيُحْجَب عَنْ الْجَنَّة ) . خَرَّجَهُ مُسْلِم فِي صَحِيحه بِلَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ , وَالْحَمْد لِلَّهِ . وَقَالَ اِبْن عَرَفَة : سُمِّيَ جَيْش تَبُوك جَيْش الْعُسْرَة لِأَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَدَبَ النَّاس إِلَى الْغَزْو فِي حَمَارَة الْقَيْظ , فَغَلَّظَ عَلَيْهِمْ وَعَسَّرَ , وَكَانَ إِبَّان اِبْتِيَاع الثَّمَرَة . قَالَ : وَإِنَّمَا ضُرِبَ الْمَثَل بِجَيْشِ الْعُسْرَة لِأَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَغْزُ قَبْله فِي عَدَد مِثْله لِأَنَّ أَصْحَابه يَوْم بَدْر كَانُوا ثَلَاثمِائَةٍ وَبِضْعَة عَشَر وَيَوْم أُحُد سَبْعمِائَةٍ وَيَوْم خَيْبَر أَلْفًا وَخَمْسمِائَةٍ وَيَوْم الْفَتْح عَشَرَة آلَاف وَيَوْم حُنَيْن اِثْنَيْ عَشَر أَلْفًا وَكَانَ جَيْشه فِي غَزْوَة تَبُوك ثَلَاثِينَ أَلْفًا وَزِيَادَة , وَهِيَ آخِر مَغَازِيه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَخَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَجَب وَأَقَامَ بِتَبُوك شَعْبَان وَأَيَّامًا مِنْ رَمَضَان وَبَثَّ سَرَايَاهُ وَصَالَحَ أَقْوَامًا عَلَى الْجِزْيَة . وَفِي هَذِهِ الْغَزَاة خَلَّفَ عَلِيًّا عَلَى الْمَدِينَة فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ : خَلَّفَهُ بُغْضًا لَهُ ; فَخَرَجَ خَلْفَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْبَرَهُ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُون مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُون مِنْ مُوسَى ) وَبَيَّنَ أَنَّ قُعُوده بِأَمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلَام يُوَازِي فِي الْأَجْر خُرُوجه مَعَهُ ; لِأَنَّ الْمَدَار عَلَى أَمْر الشَّارِع . وَإِنَّمَا قِيلَ لَهَا : غَزْوَة تَبُوك لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى قَوْمًا مِنْ أَصْحَابه يَبُوكُونَ حِسْي تَبُوك أَيْ يُدْخِلُونَ فِيهِ الْقَدَح وَيُحَرِّكُونَهُ لِيَخْرُج الْمَاء , فَقَالَ : ( مَا زِلْتُمْ تَبُوكُونَهَا بَوْكًا ) فَسُمِّيَتْ تِلْكَ الْغَزْوَة غَزْوَة تَبُوك . الْحِسْي بِالْكَسْرِ مَا تُنَشِّفهُ الْأَرْض مِنْ الرَّمَل فَإِذَا صَارَ إِلَى صَلَابَة أَمْسَكَتْهُ فَتَحْفِر عَنْهُ الرَّمَل فَتَسْتَخْرِجهُ وَهُوَ الِاحْتِسَاء قَالَهُ الْجَوْهَرِيّ . " قُلُوبُ " رُفِعَ ب " تَزِيغ " عِنْد سِيبَوَيْهِ . وَيُضْمَر فِي " كَادَ " الْحَدِيث تَشْبِيهًا بِكَانَ ; لِأَنَّ الْخَبَر يَلْزَمهَا كَمَا يَلْزَم كَانَ . وَإِنْ شِئْت رَفَعْتهَا بِكَادَ , وَيَكُون التَّقْدِير : مِنْ بَعْد مَا كَانَ قُلُوب فَرِيق مِنْهُمْ تَزِيغ . وَقَرَأَ الْأَعْمَش وَحَمْزَة وَحَفْص " يَزِيغ " بِالْيَاءِ , وَزَعَمَ أَبُو حَاتِم أَنَّ مَنْ قَرَأَ " يَزِيغ " بِالْيَاءِ فَلَا يَجُوز لَهُ أَنْ يَرْفَع الْقُلُوب بِكَادَ . قَالَ النَّحَّاس : وَاَلَّذِي لَمْ يُجِزْهُ جَائِز عِنْد غَيْره عَلَى تَذْكِير الْجَمِيع . حَكَى الْفَرَّاء رَحُبَ الْبِلَاد وَأَرْحَبَتْ , وَرَحُبَتْ لُغَة أَهْل الْحِجَاز وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى تَزِيغ , فَقِيلَ : تَتْلَف بِالْجَهْدِ وَالْمَشَقَّة وَالشِّدَّة . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : تَعْدِل - أَيْ تَمِيل - عَنْ الْحَقّ فِي الْمُمَانَعَة وَالنُّصْرَة . وَقِيلَ : مِنْ بَعْد مَا هَمَّ فَرِيق مِنْهُمْ بِالتَّخَلُّفِ وَالْعِصْيَان ثُمَّ لَحِقُوا بِهِ وَقِيلَ : هَمُّوا بِالْقُفُولِ فَتَابَ اللَّه عَلَيْهِمْ وَأَمَرَهُمْ بِهِ . قِيلَ : تَوْبَته عَلَيْهِمْ أَنْ تَدَارَكَ قُلُوبهمْ حَتَّى لَمْ تَزِغْ , وَكَذَلِكَ سُنَّة الْحَقّ مَعَ أَوْلِيَائِهِ إِذَا أَشْرَفُوا عَلَى الْعَطَب , وَوَطَّنُوا أَنْفُسهمْ عَلَى الْهَلَاك أَمْطَرَ عَلَيْهِمْ سَحَائِب الْجُود فَأَحْيَا قُلُوبهمْ . وَيُنْشَد : مِنْك أَرْجُو وَلَسْت أَعْرِف رَبًّا يُرْتَجَى مِنْهُ بَعْض مَا مِنْك أَرْجُو وَإِذَا اِشْتَدَّتْ الشَّدَائِد فِي الْأَرْ ضِ عَلَى الْخَلْق فَاسْتَغَاثُوا وَعَجُّوا وَابْتَلَيْت الْعِبَاد بِالْخَوْفِ وَالْجُو عِ وَصَرُّوا عَلَى الذُّنُوب وَلَجُّوا لَمْ يَكُنْ لِي سِوَاك رَبِّي مَلَاذ فَتَيَقَّنْت أَنَّنِي بِك أَنْجُو وَقَالَ فِي حَقّ الثَّلَاثَة : " ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا " فَقِيلَ : مَعْنَى " ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ " أَيْ وَفَّقَهُمْ لِلتَّوْبَةِ لِيَتُوبُوا . وَقِيلَ : الْمَعْنَى تَابَ عَلَيْهِمْ ; أَيْ فَسَّحَ لَهُمْ وَلَمْ يُعَجِّل عِقَابهمْ لِيَتُوبُوا . وَقِيلَ : تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَثْبُتُوا عَلَى التَّوْبَة . وَقِيلَ : الْمَعْنَى تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَرْجِعُوا إِلَى حَال الرِّضَا عَنْهُمْ . وَبِالْجُمْلَةِ فَلَوْلَا مَا سَبَقَ لَهُمْ فِي عِلْمه أَنَّهُ قَضَى لَهُمْ بِالتَّوْبَةِ مَا تَابُوا ; دَلِيله قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( اِعْمَلُوا فَكُلّ مُيَسَّر لِمَا خُلِقَ لَهُ ) .
| ٱلۡمُهَـٰجِرِینَ | الذين هَجَرُوا قومَهم، وانتقلُوا من بلدِ الفتنةِ إلى دارِ الإسلامِ. |
|---|---|
| وَٱلۡأَنصَارِ | الذين نصرُوا النبي ﷺ، وآوَوا المهاجرين. |
| سَاعَةِ ٱلۡعُسۡرَةِ | وقتِ الشِّدةِ، وهي غزوةُ «تبوكَ». |
| یَزِیغُ قُلُوبُ | تميلُ إلى التخَلُّفِ عن الجهادِ. |
| بِهِمۡ رَءُوفࣱ | كثيرُ الرأفةِ والرحمةِ بهم في عاجِلِهم وآجِلِهم. |
| ثُمَّ تَابَ عَلَیۡهِمۡ | وَفَّقهم اللهُ للتوبةِ. |
| رَءُوفࣱ | عظيمُ الرحمةِ شفيقٌ. |
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian