صفحات الموقع

سورة التوبة الآية ١٩

سورة التوبة الآية ١٩

۞ أَجَعَلۡتُمۡ سِقَایَةَ ٱلۡحَاۤجِّ وَعِمَارَةَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ كَمَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِ وَجَـٰهَدَ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِۚ لَا یَسۡتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ ﴿١٩﴾

التفسير

تفسير السعدي

لما اختلف بعض المسلمين, أو بعض المسلمين وبعض المشركين, في تفضيل عمارة المسجد الحرام, بالبناء, والصلاة, والعبادة فيه, وسقاية الحاج, على الإيمان باللّه, والجهاد في سبيله - أخبر اللّه تعالى بالتفاوت بينهما, فقال: " أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ " أي: سقيهم الماء من زمزم, كما هو المعروف, إذا أطلق هذا الاسم, أنه هو المراد " وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ " . فالجهاد والإيمان باللّه, أفضل من سقاية الحاج, وعمارة المسجد الحرام, بدرجات كثيرة, لأن الإيمان, أصل الدين, وبه تقبل الأعمال, وتزكو الخصال. وأما الجهاد في سبيل اللّه, فهو ذروة سنام الدين, به يحفظ الدين الإسلامي, ويتسع, وينصر الحق, ويخذل الباطل. وأما عمارة المسجد الحرام, وسقاية الحاج, فهي, وإن كانت أعمالا صالحة, فهي متوقفة على الإيمان, وليس فيها من المصالح, ما في الإيمان والجهاد, فلذلك قال: " لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ " أي: الذين وصفهم الظلم, الذين لا يصلحون لقبول شيء من الخير, بل لا يليق بهم إلا الشر.

التفسير الميسر

أجعلتم -أيها القوم- ما تقومون به من سقي الحجيج وعِمارة المسجد الحرام كإيمان من آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله؟ لا تتساوى حال المؤمنين وحال الكافرين عند الله، لأن الله لا يقبل عملا بغير الإيمان. والله سبحانه لا يوفق لأعمال الخير القوم الظالمين لأنفسهم بالكفر.

تفسير الجلالين

"أَجَعَلْتُمْ سِقَايَة الْحَاجّ وَعِمَارَة الْمَسْجِد الْحَرَام" أَيْ أَهْل ذَلِكَ "كَمَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر وَجَاهَدَ فِي سَبِيل اللَّه لَا يَسْتَوُونَ عِنْد اللَّه" فِي الْفَضْل "وَاَللَّه لَا يَهْدِي الْقَوْم الظَّالِمِينَ" الْكَافِرِينَ نَزَلَتْ رَدًّا عَلَى مَنْ قَالَ ذَلِكَ وَهُوَ الْعَبَّاس أَوْ غَيْره

تفسير ابن كثير

قَالَ الْعَوْفِيّ فِي تَفْسِيره عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي تَفْسِيره هَذِهِ الْآيَة قَالَ : إِنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا عِمَارَة بَيْت اللَّه وَقِيَام عَلَى السِّقَايَة خَيْر مِمَّنْ آمَنَ وَجَاهَدَ وَكَانُوا يَفْخَرُونَ بِالْحَرَمِ وَيَسْتَكْبِرُونَ بِهِ مِنْ أَجْل أَنَّهُمْ أَهْله وَعُمَّاره فَذَكَرَ اللَّه اِسْتِكْبَارهمْ وَإِعْرَاضهمْ فَقَالَ لِأَهْلِ الْحَرَم مِنْ الْمُشْرِكِينَ " قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابكُمْ تَنْكِصُونَ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ " يَعْنِي أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَكْبِرُونَ بِالْحَرَمِ قَالَ " بِهِ سَامِرًا " كَانُوا يَسْمُرُونَ بِهِ وَيَهْجُرُونَ الْقُرْآن وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَيَّرَ اللَّه الْإِيمَان وَالْجِهَاد مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عِمَارَة الْمُشْرِكِينَ الْبَيْت وَقِيَامهمْ عَلَى السِّقَايَة وَلَمْ يَكُنْ يَنْفَعهُمْ عِنْد اللَّه مَعَ الشِّرْك بِهِ وَإِنْ كَانُوا يَعْمُرُونَ بَيْته وَيُحْرِمُونَ بِهِ . قَالَ اللَّه تَعَالَى " لَا يَسْتَوُونَ عِنْد اللَّه وَاَللَّه لَا يَهْدِي الْقَوْم الظَّالِمِينَ " يَعْنِي الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ أَهْل الْعِمَارَة فَسَمَّاهُمْ اللَّه ظَالِمِينَ بِشِرْكِهِمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْهُمْ الْعِمَارَة شَيْئًا . وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي تَفْسِير هَذِهِ الْآيَة قَالَ : قَدْ نَزَلَتْ فِي الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمُطَّلِب حِين أُسِرَ بِبَدْرٍ قَالَ لَئِنْ كُنْتُمْ سَبَقْتُمُونَا بِالْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَة وَالْجِهَاد لَقَدْ كُنَّا نَعْمُر الْمَسْجِد الْحَرَام نَسْقِي وَنَفُكّ الْعَانِي قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " أَجَعَلْتُمْ سِقَايَة الْحَاجّ " - إِلَى قَوْله - " وَاَللَّه لَا يَهْدِي الْقَوْم الظَّالِمِينَ " يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ كُلّه كَانَ فِي الشِّرْك وَلَا أَقْبَل مَا كَانَ فِي الشِّرْك وَقَالَ الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم أَقْبَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْعَبَّاس وَأَصْحَابه الَّذِينَ أُسِرُوا يَوْم بَدْر يُعَيِّرُونَهُمْ بِالشِّرْكِ فَقَالَ الْعَبَّاس أَمَا وَاَللَّه لَقَدْ كُنَّا نَعْمُر الْمَسْجِد الْحَرَام وَنَفُكّ الْعَانِي وَنَحْجُب الْبَيْت وَنَسْقِي الْحَاجّ فَأَنْزَلَ اللَّه " أَجَعَلْتُمْ سِقَايَة الْحَاجّ " الْآيَة . وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق : أَخْبَرَنَا اِبْن عُيَيْنَة عَنْ إِسْمَاعِيل عَنْ الشَّعْبِيّ قَالَ : نَزَلَتْ فِي عَلِيّ وَالْعَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا بِمَا تَكَلَّمَا فِي ذَلِكَ . وَقَالَ اِبْن جَرِير : حَدَّثَنَا يُونُس أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب أَخْبَرَنِي اِبْن لَهِيعَة عَنْ أَبِي صَخْر قَالَ : سَمِعْت مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ يَقُول : اِفْتَخَرَ طَلْحَة بْن شَيْبَة مِنْ بَنِي عَبْد الدَّار وَعَبَّاس بْن عَبْد الْمُطَّلِب وَعَلِيّ بْن أَبِي طَالِب فَقَالَ طَلْحَة أَنَا صَاحِب الْبَيْت مَعِي مِفْتَاحه وَلَوْ أَشَاء بِتّ فِيهِ وَقَالَ الْعَبَّاس أَنَا صَاحِب السِّقَايَة وَالْقَائِم عَلَيْهَا وَلَوْ أَشَاء بِتّ فِي الْمَسْجِد فَقَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ مَا أَدْرِي مَا تَقُولَانِ لَقَدْ صَلَّيْت إِلَى الْقِبْلَة سِتَّة أَشْهُر قَبْل النَّاس وَأَنَا صَاحِب الْجِهَاد فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " أَجَعَلْتُمْ سِقَايَة الْحَاجّ " الْآيَة كُلّهَا وَهَكَذَا قَالَ السُّدِّيّ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : اِفْتَخَرَ عَلِيّ وَالْعَبَّاس وَشَيْبَة بْن عُثْمَان وَذَكَرَ نَحْوه وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق : أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ عَمْرو عَنْ الْحَسَن قَالَ : نَزَلَتْ فِي عَلِيّ وَعَبَّاس وَشَيْبَة تَكَلَّمُوا فِي ذَلِكَ فَقَالَ الْعَبَّاس مَا أُرَانِي إِلَّا أَنِّي تَارِك سِقَايَتنَا فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَقِيمُوا عَلَى سِقَايَتكُمْ فَإِنَّ لَكُمْ فِيهَا خَيْرًا " وَرَوَاهُ مُحَمَّد بْن ثَوْر عَنْ مَعْمَر عَنْ الْحَسَن فَذَكَرَ نَحْوه وَقَدْ وَرَدَ فِي تَفْسِير هَذِهِ الْآيَة حَدِيث مَرْفُوع فَلَا بُدّ مِنْ ذِكْره هُنَا قَالَ عَبْد الرَّزَّاق أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ النُّعْمَان بْن بَشِير رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ : مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَعْمَل عَمَلًا بَعْد الْإِسْلَام إِلَّا أَنْ أَسْقِي الْحَاجّ . وَقَالَ آخَر : مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَعْمَل عَمَلًا بَعْد الْإِسْلَام إِلَّا أَنْ أَعْمُر الْمَسْجِد الْحَرَام . وَقَالَ آخَر : الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه أَفْضَل مِمَّا قُلْتُمْ . فَزَجَرَهُمْ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَقَالَ : لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتكُمْ عِنْد مِنْبَر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ يَوْم الْجُمُعَة وَلَكِنْ إِذَا صَلَّيْنَا الْجُمُعَة دَخَلْنَا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْنَاهُ . فَنَزَلَتْ " أَجَعَلْتُمْ سِقَايَة الْحَاجّ وَعِمَارَة الْمَسْجِد الْحَرَام " - إِلَى قَوْله - " لَا يَسْتَوُونَ عِنْد اللَّه " . " طَرِيق أُخْرَى " قَالَ الْوَلِيد بْن مُسْلِم : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَة بْن سَلَامٍ عَنْ جَدّه أَبِي سَلَام الْأَسْوَد عَنْ النُّعْمَان بْن بَشِير الْأَنْصَارِيّ قَالَ : كُنْت عِنْد مِنْبَر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفَر مِنْ أَصْحَابه فَقَالَ رَجُل مِنْهُمْ : مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَعْمَل لِلَّهِ عَمَلًا بَعْد الْإِسْلَام إِلَّا أَنْ أَسْقِي الْحَاجّ . وَقَالَ آخَر : بَلْ عِمَارَة الْمَسْجِد الْحَرَام . وَقَالَ آخَر : بَلْ الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه خَيْر مِمَّا قُلْتُمْ فَزَجَرَهُ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَقَالَ : لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتكُمْ عِنْد مِنْبَر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ يَوْم الْجُمُعَة وَلَكِنْ إِذَا صَلَّيْت الْجُمُعَة دَخَلْت عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَفْتَيْته فِيمَا اِخْتَلَفْتُمْ فِيهِ . قَالَ فَفَعَلَ فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " أَجَعَلْتُمْ سِقَايَة الْحَاجّ وَعِمَارَة الْمَسْجِد الْحَرَام " - إِلَى قَوْله - " وَاَللَّه لَا يَهْدِي الْقَوْم الظَّالِمِينَ " وَرَوَاهُ مُسْلِم فِي صَحِيحه وَأَبُو دَاوُد وَابْن جَرِير وَهَذَا لَفْظه وَابْن مَرْدَوَيْهِ وَابْن أَبِي حَاتِم فِي تَفَاسِيرهمْ وَابْن حِبَّان فِي صَحِيحه .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَجَعَلْتُمْ سِقَايَة الْحَاجّ وَعِمَارَة الْمَسْجِد الْحَرَام كَمَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر وَجَاهَدَ فِي سَبِيل اللَّه لَا يَسْتَوُونَ عِنْد اللَّه وَاَللَّه لَا يَهْدِي الْقَوْم الظَّالِمِينَ } وَهَذَا تَوْبِيخ مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره لِقَوْمٍ اِفْتَخَرُوا بِالسِّقَايَةِ وَسَدَانَة الْبَيْت , فَأَعْلَمَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ الْفَخْر فِي الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر وَالْجِهَاد فِي سَبِيله لَا فِي الَّذِي اِفْتَخَرُوا بِهِ مِنْ السَّدَانَة وَالسِّقَايَة. وَبِذَلِكَ جَاءَتْ الْآثَار وَتَأْوِيل أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 12860 - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيد الدِّمَشْقِيّ أَحْمَد بْن عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا الْوَلِيد بْن مُسْلِم , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن سَلَّام , عَنْ جَدّه أَبِي سَلَام الْأَسْوَد , عَنْ النُّعْمَان بْن بَشِير الْأَنْصَارِيّ , قَالَ : كُنْت عِنْد مِنْبَر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفَر مِنْ أَصْحَابه , فَقَالَ رَجُل مِنْهُمْ : مَا أُبَالِي أَلَّا أَعْمَل عَمَلًا بَعْد الْإِسْلَام , إِلَّا أَنْ أَسْقِي الْحَاجّ ! وَقَالَ آخَر : بَلْ عِمَارَة الْمَسْجِد الْحَرَام ! وَقَالَ آخَر : بَلْ الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه خَيْر مِمَّا قُلْتُمْ ! فَزَجَرَهُمْ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , وَقَالَ : لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتكُمْ عِنْد مِنْبَر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَلِكَ يَوْم الْجُمْعَة - وَلَكِنْ إِذَا صَلَّيْت الْجُمْعَة دَخَلْت عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَاسْتَفْتَيْته فِيمَا اِخْتَلَفْتُمْ فِيهِ ! قَالَ : فَفَعَلَ , فَأَنْزَلَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { أَجَعَلْتُمْ سِقَايَة الْحَاجّ } إِلَى قَوْله : { وَاَللَّه لَا يَهْدِي الْقَوْم الظَّالِمِينَ } 12861 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { أَجَعَلْتُمْ سِقَايَة الْحَاجّ وَعِمَارَة الْمَسْجِد الْحَرَام كَمَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر } قَالَ الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمُطَّلِب حِين أُسِرَ يَوْم بَدْر : لَئِنْ كُنْتُمْ سَبَقْتُمُونَا بِالْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَة وَالْجِهَاد , لَقَدْ كُنَّا نَعْمُر الْمَسْجِد الْحَرَام , وَنَسْقِي الْحَاجّ , وَنَفُكّ الْعَانِي ! قَالَ اللَّه : { أَجَعَلْتُمْ سِقَايَة الْحَاجّ } إِلَى قَوْله : { الظَّالِمِينَ } يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الشِّرْك , وَلَا أَقْبَل مَا كَانَ فِي الشِّرْك . 12862 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله : { أَجَعَلْتُمْ سِقَايَة الْحَاجّ } إِلَى قَوْله : { الظَّالِمِينَ } وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا : عِمَارَة بَيْت اللَّه وَقِيَام عَلَى السِّقَايَة خَيْر مِمَّنْ آمَنَ وَجَاهَدَ ! وَكَانُوا يَفْخَرُونَ بِالْحَرَمِ وَيَسْتَكْبِرُونَ بِهِ مِنْ أَجْل أَنَّهُمْ أَهْله وَعُمَّاره . فَذَكَرَ اللَّه اِسْتِكْبَارهمْ وَإِعْرَاضهمْ , فَقَالَ لِأَهْلِ الْحَرَم مِنْ الْمُشْرِكِينَ : { قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابكُمْ تَنْكُصُونَ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ } يَعْنِي أَنَّهُمْ يَسْتَكْبِرُونَ بِالْحَرَمِ , وَقَالَ : " بِهِ سَامِرًا " لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْمُرُونَ وَيَهْجُرُونَ الْقُرْآن وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَخَيْر الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَالْجِهَاد مَعَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عُمْرَان الْمُشْرِكِينَ الْبَيْت وَقِيَامهمْ عَلَى السِّقَايَة . وَلَمْ يَكُنْ يَنْفَعهُمْ عِنْد اللَّه مَعَ الشِّرْك بِهِ أَنْ كَانُوا يَعْمُرُونَ بَيْته وَيَخْدُمُونَهُ , قَالَ اللَّه : { لَا يَسْتَوُونَ عِنْد اللَّه وَاَللَّه لَا يَهْدِي الْقَوْم الظَّالِمِينَ } يَعْنِي : الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ أَهْل الْعِمَارَة , فَسَمَّاهُمْ اللَّه " ظَالِمِينَ " بِشِرْكِهِمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْهُمْ الْعِمَارَة شَيْئًا. * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير , عَنْ النُّعْمَان بْن بَشِير , أَنَّ رَجُلًا قَالَ : مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَعْمَل عَمَلًا بَعْد الْإِسْلَام إِلَّا أَنْ أَسْقِي الْحَاجّ ! وَقَالَ آخَر : مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَعْمَل عَمَلًا بَعْد الْإِسْلَام إِلَّا أَنْ أَعْمُر الْمَسْجِد الْحَرَام ! وَقَالَ آخَر : الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه أَفْضَل مِمَّا قُلْتُمْ . فَزَجَرَهُمْ عُمَر وَقَالَ : لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتكُمْ عِنْد مِنْبَر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَلِكَ يَوْم الْجُمْعَة - وَلَكِنْ إِذَا صَلَّى الْجُمْعَة دَخَلْنَا عَلَيْهِ . فَنَزَلَتْ : { أَجَعَلْتُمْ سِقَايَة الْحَاجّ وَعِمَارَة الْمَسْجِد الْحَرَام } إِلَى قَوْله : { لَا يَسْتَوُونَ عِنْد اللَّه } 12863 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ عَمْرو , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : نَزَلَتْ فِي عَلِيّ وَعَبَّاس وَعُثْمَان وَشَيْبَة , تَكَلَّمُوا فِي ذَلِكَ ; فَقَالَ الْعَبَّاس : مَا أَرَانِي إِلَّا تَارِك سِقَايَتنَا ! فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَقِيمُوا عَلَى سِقَايَتكُمْ فَإِنَّ لَكُمْ فِيهَا خَيْرًا " . 12864 - قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ إِسْمَاعِيل , عَنْ الشَّعْبِيّ . قَالَ : نَزَلَتْ فِي عَلِيّ وَالْعَبَّاس , تَكَلَّمَا فِي ذَلِكَ . 12865 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : أُخْبِرْت عَنْ أَبِي صَخْر , قَالَ : سَمِعْت مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ يَقُول : اِفْتَخَرَ طَلْحَة بْن شَيْبَة مِنْ بَنِي عَبْد الدَّار , وَعَبَّاس بْن عَبْد الْمُطَّلِب , وَعَلِيّ بْن أَبِي طَالِب . فَقَالَ طَلْحَة : أَنَا صَاحِب الْبَيْت مَعِي مِفْتَاحه , لَوْ أَشَاء بِتّ فِيهِ ! وَقَالَ عَبَّاس : أَنَا صَاحِب السِّقَايَة وَالْقَائِم عَلَيْهَا , وَلَوْ أَشَاء بِتّ فِي الْمَسْجِد ! وَقَالَ عَلِيّ : مَا أَدْرِي مَا تَقُولَانِ , لَقَدْ صَلَّيْت إِلَى الْقِبْلَة سِتَّة أَشْهُر قَبْل النَّاس , وَأَنَا صَاحِب الْجِهَاد ! فَأَنْزَلَ اللَّه : { أَجَعَلْتُمْ سِقَايَة الْحَاجّ وَعِمَارَة الْمَسْجِد الْحَرَام } الْآيَة كُلّهَا . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ { أَجَعَلْتُمْ سِقَايَة الْحَاجّ } قَالَ الْعَبَّاس : مَا أَرَانِي إِلَّا تَارِك سِقَايَتنَا , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَقِيمُوا عَلَى سِقَايَتكُمْ فَإِنَّ لَكُمْ فِيهَا خَيْرًا " . 12866 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحَسَن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { أَجَعَلْتُمْ سِقَايَة الْحَاجّ وَعِمَارَة الْمَسْجِد الْحَرَام كَمَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر وَجَاهَدَ فِي سَبِيل اللَّه لَا يَسْتَوُونَ عِنْد اللَّه } قَالَ : اِفْتَخَرَ عَلِيّ وَعَبَّاس وَشَيْبَة بْن عُثْمَان , فَقَالَ لِلْعَبَّاسِ : أَنَا أَفْضَلكُمْ , أَنَا أَسْقِي حُجَّاج بَيْت اللَّه ! وَقَالَ شَيْبَة : أَنَا أَعْمُر مَسْجِد اللَّه ! وَقَالَ عَلِيّ : أَنَا هَاجَرْت مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُجَاهِد مَعَهُ فِي سَبِيل اللَّه ! فَأَنْزَلَ اللَّه : { الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيل اللَّه } إِلَى : { نَعِيم مُقِيم } 12867 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ . سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : ثنا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { أَجَعَلْتُمْ سِقَايَة الْحَاجّ } الْآيَة , أَقْبَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْعَبَّاس وَأَصْحَابه الَّذِينَ أُسِرُوا يَوْم بَدْر يُعَيِّرُونَهُمْ بِالشِّرْكِ , فَقَالَ الْعَبَّاس : أَمَا وَاَللَّه لَقَدْ كُنَّا نَعْمُر الْمَسْجِد الْحَرَام , وَنَفُكّ الْعَانِي , وَنَحْجُب الْبَيْت , وَنَسْقِي الْحَاجّ ! فَأَنْزَلَ اللَّه : { أَجَعَلْتُمْ سِقَايَة الْحَاجّ } الْآيَة. فَتَأْوِيل الْكَلَام إِذَنْ : أَجَعَلْتُمْ أَيّهَا الْقَوْم سِقَايَة الْحَاجّ , وَعِمَارَة الْمَسْجِد الْحَرَام كَإِيمَانِ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر وَجَاهَدَ فِي سَبِيل اللَّه , لَا يَسْتَوُونَ هَؤُلَاءِ وَأُولَئِكَ , وَلَا تَعْتَدِل أَحْوَالهمَا عِنْد اللَّه وَمَنَازِلهمَا ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى لَا يَقْبَل بِغَيْرِ الْإِيمَان بِهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر عَمَلًا . { وَاَللَّه لَا يَهْدِي الْقَوْم الظَّالِمِينَ } يَقُول : وَاَللَّه لَا يُوَفِّق لِصَالِحِ الْأَعْمَال مَنْ كَانَ بِهِ كَافِرًا وَلِتَوْحِيدِهِ جَاحِدًا . وَوَضَعَ الِاسْم مَوْضِع الْمَصْدَر فِي قَوْله : { كَمَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ } إِذْ كَانَ مَعْلُومًا مَعْنَاهُ , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : لَعَمْرك مَا الْفِتْيَان أَنْ تَنْبُت اللِّحَى وَلَكِنَّمَا الْفِتْيَان كُلّ فَتًى نَدِيّ فَجَعَلَ خَبَر الْفِتْيَان " أَنْ " , وَهُوَ كَمَا يُقَال : إِنَّمَا السَّخَاء حَاتِم وَالشِّعْر زُهَيْر .

تفسير القرطبي

" أَجَعَلْتُمْ سِقَايَة الْحَاجّ " التَّقْدِير فِي الْعَرَبِيَّة : أَجَعَلْتُمْ أَصْحَاب سِقَايَة الْحَاجّ أَوْ أَهْل سِقَايَة الْحَاجّ مِثْل مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيله . وَيَصِحّ أَنْ يُقَدَّر الْحَذْف فِي " مَنْ آمَنَ " أَيْ أَجَعَلْتُمْ عَمَل سَقْي الْحَاجّ كَعَمَلِ مَنْ آمَنَ . وَقِيلَ : التَّقْدِير كَإِيمَانِ مَنْ آمَنَ . وَالسِّقَايَة مَصْدَر كَالسِّعَايَةِ وَالْحِمَايَة . فَجَعَلَ الِاسْم بِمَوْضِعِ الْمَصْدَر إِذْ عُلِمَ مَعْنَاهُ , مِثْل إِنَّمَا السَّخَاء حَاتِم , وَإِنَّمَا الشِّعْر زُهَيْر . وَعِمَارَة الْمَسْجِد الْحَرَام مِثْل " وَاسْأَلْ الْقَرْيَة " [ يُوسُف : 82 ] . وَقَرَأَ أَبُو وَجْزَة " أَجَعَلْتُمْ سُقَاة الْحَاجّ وَعَمَرَة الْمَسْجِد الْحَرَام " سُقَاة جَمْع سَاقٍ وَالْأَصْل سُقْيَة عَلَى فُعْلَة , كَذَا يُجْمَع الْمُعْتَلّ مِنْ هَذَا , نَحْو قَاضٍ وَقُضَاة وَنَاسٍ وَنُسَاة . فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَلًّا جُمِعَ عَلَى فُعَلَة , نَحْو نَاسِئ وَنُسَأَة , لِلَّذِينَ كَانُوا يُنْسِئُونَ الشُّهُور . وَكَذَا قَرَأَ اِبْن الزُّبَيْر وَسَعِيد بْن جُبَيْر " سُقَاة وَعَمَرَة " إِلَّا أَنَّ اِبْن جُبَيْر نَصَبَ " الْمَسْجِد " عَلَى إِرَادَة التَّنْوِين فِي " عَمَرَة " وَقَالَ الضَّحَّاك : سِقَايَة بِضَمِّ السِّين , وَهِيَ لُغَة . وَالْحَاجّ اِسْم جِنْس الْحُجَّاج . وَعِمَارَة الْمَسْجِد الْحَرَام : مُعَاهَدَته وَالْقِيَام بِمَصَالِحِهِ . وَظَاهِر هَذِهِ الْآيَة أَنَّهَا مُبْطِلَة قَوْل مَنْ اِفْتَخَرَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِسِقَايَةِ الْحَاجّ وَعِمَارَة الْمَسْجِد الْحَرَام , كَمَا ذَكَرَهُ السُّدِّيّ . قَالَ : اِفْتَخَرَ عَبَّاس بِالسِّقَايَةِ , وَشَيْبَة بِالْعِمَارَةِ , وَعَلِيّ بِالْإِسْلَامِ وَالْجِهَاد , فَصَدَّقَ اللَّهُ عَلِيًّا وَكَذَّبَهُمَا , وَأَخْبَرَ أَنَّ الْعِمَارَة لَا تَكُون بِالْكُفْرِ , وَإِنَّمَا تَكُون بِالْإِيمَانِ وَالْعِبَادَة وَأَدَاء الطَّاعَة . وَهَذَا بَيِّنٌ لَا غُبَار عَلَيْهِ . وَيُقَال : إِنَّ الْمُشْرِكِينَ سَأَلُوا الْيَهُود وَقَالُوا : نَحْنُ سُقَاة الْحَاجّ وَعُمَّار الْمَسْجِد الْحَرَام , أَفَنَحْنُ أَفْضَل أَمْ مُحَمَّد وَأَصْحَابه ؟ فَقَالَتْ لَهُمْ الْيَهُود عِنَادًا لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنْتُمْ أَفْضَل . وَقَدْ اِعْتَرَضَ هُنَا إِشْكَال وَهُوَ مَا جَاءَ فِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ النُّعْمَان بْن بَشِير قَالَ : كُنْت عِنْد مِنْبَر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَجُل : مَا أُبَالِي أَلَّا أَعْمَلَ عَمَلًا بَعْد الْإِسْلَام إِلَّا أَنْ أَسْقِي الْحَاجّ . وَقَالَ آخَر : مَا أُبَالِي أَلَّا أَعْمَلَ عَمَلًا بَعْد الْإِسْلَام إِلَّا أَنْ أَعْمُر الْمَسْجِد الْحَرَام . وَقَالَ آخَر : الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه أَفْضَل مِمَّا قُلْتُمْ . فَزَجَرَهُمْ عُمَر وَقَالَ : لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتكُمْ عِنْد مِنْبَر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَوْم الْجُمُعَة - وَلَكِنْ إِذَا صَلَّيْت الْجُمُعَة دَخَلْت وَاسْتَفْتَيْته فِيمَا اِخْتَلَفْتُمْ فِيهِ . فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " أَجَعَلْتُمْ سِقَايَة الْحَاجّ وَعِمَارَة الْمَسْجِد الْحَرَام كَمَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر " إِلَى آخِر الْآيَة . وَهَذَا الْمَسَاق يَقْتَضِي أَنَّهَا إِنَّمَا نَزَلَتْ عِنْد اِخْتِلَاف الْمُسْلِمِينَ فِي الْأَفْضَل مِنْ هَذِهِ الْأَعْمَال . وَحِينَئِذٍ لَا يَلِيق أَنْ يُقَال لَهُمْ فِي آخِر الْآيَة : " وَاَللَّه لَا يَهْدِي الْقَوْم الظَّالِمِينَ " فَتَعَيَّنَ الْإِشْكَال . وَإِزَالَته بِأَنْ يُقَال : إِنَّ بَعْض الرُّوَاة تَسَامَحَ فِي قَوْله , فَأَنْزَلَ اللَّه الْآيَة . وَإِنَّمَا قَرَأَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْآيَة عَلَى عُمَر حِين سَأَلَهُ فَظَنَّ الرَّاوِي أَنَّهَا نَزَلَتْ حِينَئِذٍ . وَاسْتَدَلَّ بِهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ الْجِهَاد أَفْضَل مِمَّا قَالَ أُولَئِكَ الَّذِينَ سَمِعَهُمْ عُمَر , فَاسْتَفْتَى لَهُمْ فَتَلَا عَلَيْهِ مَا قَدْ كَانَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ , لَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي هَؤُلَاءِ . وَاَللَّه أَعْلَم . فَإِنْ قِيلَ : فَعَلَى هَذَا يَجُوز الِاسْتِدْلَال عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِمَا أُنْزِلَ فِي الْكَافِرِينَ , وَمَعْلُوم أَنَّ أَحْكَامهمْ مُخْتَلِفَة . قِيلَ لَهُ : لَا يُسْتَبْعَد أَنْ يُنْتَزَع مِمَّا أَنْزَلَ اللَّه فِي الْمُشْرِكِينَ أَحْكَام تَلِيق بِالْمُسْلِمِينَ . وَقَدْ قَالَ عُمَر : إِنَّا لَوْ شِئْنَا لَاتَّخَذْنَا سَلَائِق وَشِوَاء وَتُوضَع صَحْفَة وَتُرْفَع أُخْرَى وَلَكِنَّا سَمِعْنَا قَوْل اللَّه تَعَالَى : " أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتكُمْ فِي حَيَاتكُمْ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا " [ الْأَحْقَاف : 20 ] . وَهَذِهِ الْآيَة نَصّ فِي الْكُفَّار , وَمَعَ ذَلِكَ فَفَهِمَ مِنْهَا عُمَر الزَّجْر عَمَّا يُنَاسِب أَحْوَالهمْ بَعْض الْمُنَاسَبَة , وَلَمْ يُنْكِر عَلَيْهِ أَحَد مِنْ الصَّحَابَة . فَيُمْكِن أَنْ تَكُون هَذِهِ الْآيَة مِنْ هَذَا النَّوْع . وَهَذَا نَفِيس وَبِهِ يَزُول الْإِشْكَال وَيَرْتَفِع الْإِبْهَام , وَاَللَّه أَعْلَم .

غريب الآية
۞ أَجَعَلۡتُمۡ سِقَایَةَ ٱلۡحَاۤجِّ وَعِمَارَةَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ كَمَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِ وَجَـٰهَدَ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِۚ لَا یَسۡتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ ﴿١٩﴾
سِقَایَةَ ٱلۡحَاۤجِّسَقْيَ الحُجَّاجِ الماءَ.
لَا یَهۡدِیلا يُوَفِّقُ
ٱلظَّـٰلِمِینَالكافرين.
لَا یَهۡدِیلا يُوَفِّقُ.
فِی سَبِیلِ ٱللَّهِإلى الجهادِ لإعلاءِ كلمةِ اللهِ.
لَا یَهۡدِیلا يُوَفِّقُ.
لَا یَهۡدِیلا يُوَفِّقُ.
الإعراب
(أَجَعَلْتُمْ)
"الْهَمْزَةُ" حَرْفُ اسْتِفْهَامٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(جَعَلْتُمْ) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِتَاءِ الْفَاعِلِ، وَ"تَاءُ الْفَاعِلِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(سِقَايَةَ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(الْحَاجِّ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَعِمَارَةَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(عِمَارَةَ) : مَعْطُوفٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(الْمَسْجِدِ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(الْحَرَامِ)
نَعْتٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(كَمَنْ)
"الْكَافُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(مَنْ) : اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(آمَنَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ"، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(بِاللَّهِ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَاسْمُ الْجَلَالَةِ اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَالْيَوْمِ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الْيَوْمِ) : مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(الْآخِرِ)
نَعْتٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَجَاهَدَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(جَاهَدَ) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(فِي)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(سَبِيلِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(اللَّهِ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(لَا)
حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(يَسْتَوُونَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(عِنْدَ)
ظَرْفُ مَكَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(اللَّهِ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَاللَّهُ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(اللَّهُ) : اسْمُ الْجَلَالَةِ مُبْتَدَأٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(لَا)
حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(يَهْدِي)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلثِّقَلِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ"، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ الْمُبْتَدَإِ.
(الْقَوْمَ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(الظَّالِمِينَ)
نَعْتٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ.