سورة التوبة الآية ٨٤
سورة التوبة الآية ٨٤
وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰۤ أَحَدࣲ مِّنۡهُم مَّاتَ أَبَدࣰا وَلَا تَقُمۡ عَلَىٰ قَبۡرِهِۦۤۖ إِنَّهُمۡ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَمَاتُوا۟ وَهُمۡ فَـٰسِقُونَ ﴿٨٤﴾
تفسير السعدي
يقول تعالى " وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ " من المنافقين " وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ " بعد الدفن, لتدعو له, فإن صلاته, ووقوفه على قبورهم, شفاعة منه لهم, ولا تنفع فيهم الشفاعة. " إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ " ومن كان كافرا ومات على ذلك, فما تنفعه شفاعة الشافعين. وفي ذلك عبرة لغيرهم, وزجر, ونكال لهم. وهكذا كل من علم منه الكفر والنفاق, فإنه لا يصلي عليه. وفي هذه الآية, دليل على مشروعية الصلاة على المؤمنين, والوقوف عند قبورهم, للدعاء لهم, كما كان النبي صلى الله عليه وسلم, يفعل ذلك في المؤمنين. فإن تقييد اللّه بالمنافقين, يدل على أنه قد كان متقررا في المؤمنين.
التفسير الميسر
ولا تصلِّ -أيها الرسول- أبدًا على أحد مات من المنافقين، ولا تقم على قبره لتدعو له؛ لأنهم كفروا بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم وماتوا وهم فاسقون. وهذا حكم عام في كل من عُلِمَ نفاقه.
تفسير الجلالين
وَلَمَّا صَلَّى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ابْن أُبَيٍّ نَزَلَ "وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْره" لِدَفْنٍ أَوْ زِيَارَة "إنَّهُمْ كَفَرُوا بِاَللَّهِ وَرَسُوله وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ" كَافِرُونَ
تفسير ابن كثير
أَمَرَ اللَّه تَعَالَى رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبْرَأ مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَأَنْ لَا يُصَلِّي عَلَى أَحَد مِنْهُمْ إِذَا مَاتَ وَأَنْ لَا يَقُوم عَلَى قَبْره لِيَسْتَغْفِر لَهُ أَوْ يَدْعُو لَهُ لِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاَللَّهِ وَرَسُوله وَمَاتُوا عَلَيْهِ وَهَذَا حُكْم عَامّ فِي كُلّ مَنْ عُرِفَ نِفَاقه وَإِنْ كَانَ سَبَب نُزُول الْآيَة فِي عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ بْن سَلُول رَأْس الْمُنَافِقِينَ كَمَا قَالَ الْبُخَارِيّ : حَدَّثَنَا عُبَيْد بْن إِسْمَاعِيل عَنْ أَبِي أُسَامَة عَنْ عُبَيْد اللَّه عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ جَاءَ اِبْنه عَبْد اللَّه اِبْن عَبْد اللَّه إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيه قَمِيصه يُكَفِّن فِيهِ أَبَاهُ فَأَعْطَاهُ ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ فَقَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَقَامَ عُمَر فَأَخَذَ بِثَوْبِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه تُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاك رَبّك أَنْ تُصَلِّي عَلَيْهِ ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّه فَقَالَ " اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِر لَهُمْ إِنَّ تَسْتَغْفِر لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّة فَلَنْ يَغْفِر اللَّه لَهُمْ " وَسَأَزِيدُهُ عَلَى السَّبْعِينَ " قَالَ إِنَّهُ مُنَافِق . قَالَ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ آيَة " وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْره " وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ أَبِي أُسَامَة حَمَّاد بْن أُسَامَة بِهِ . ثُمَّ رَوَاهُ الْبُخَارِيّ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن الْمُنْذِر عَنْ أَنَس بْن عِيَاض عَنْ عُبَيْد اللَّه وَهُوَ اِبْن عُمَر الْعُمَرِيّ بِهِ . وَقَالَ فَصَلَّى عَلَيْهِ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ وَأَنْزَلَ اللَّه " وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا " الْآيَة . وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد الْقَطَّان عَنْ عُبَيْد اللَّه بِهِ وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيث عُمَر بْن الْخَطَّاب نَفْسه أَيْضًا بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا فَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا يَعْقُوب حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ اِبْن إِسْحَاق حَدَّثَنِي الزُّهْرِيّ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ سَمِعْت عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يَقُول : لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ دُعِيَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَقَامَ إِلَيْهِ فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِ يُرِيد الصَّلَاة تَحَوَّلْت حَتَّى قُمْت فِي صَدْره فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه أَعَلَى عَدُوّ اللَّه عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ الْقَائِل يَوْم كَذَا وَكَذَا وَكَذَا - يُعَدِّد أَيَّامه - ؟ قَالَ وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَبَسَّم حَتَّى إِذَا أَكْثَرْت عَلَيْهِ قَالَ " أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَر إِنِّي خُيِّرْت فَاخْتَرْت قَدْ قِيلَ لِي " اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ " الْآيَة . لَوْ أَعْلَم أَنَّى لَوْ زِدْت عَلَى السَّبْعِينَ غُفِرَ لَهُ لَزِدْت " قَالَ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ : وَمَشَى مَعَهُ وَقَامَ عَلَى قَبْره حَتَّى فَرَغَ مِنْهُ قَالَ فَعَجِبْت مِنْ جُرْأَتِي عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاللَّه وَرَسُوله أَعْلَم . قَالَ فَوَاَللَّهِ مَا كَانَ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتْ هَاتَانِ الْآيَتَانِ " وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا " الْآيَة . فَمَا صَلَّى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْده عَلَى مُنَافِق وَلَا قَامَ عَلَى قَبْره حَتَّى قَبَضَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير مِنْ حَدِيث مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ الزُّهْرِيّ بِهِ وَقَالَ حَسَن صَحِيح وَرَوَاهُ الْبُخَارِيّ عَنْ يَحْيَى بْن بُكَيْر عَنْ اللَّيْث عَنْ عُقَيْل عَنْ الزُّهْرِيّ بِهِ فَذَكَرَ مِثْله وَقَالَ " أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَر " فَلَمَّا أَكْثَرْت عَلَيْهِ قَالَ " إنِّي خُيِّرْت فَاخْتَرْت وَلَوْ أَعْلَم أَنَّى إِنْ زِدْت عَلَى السَّبْعِينَ غُفِرَ لَهُ لَزِدْت عَلَيْهَا " قَالَ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ اِنْصَرَفَ لَمْ يَلْبَث إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتْ الْآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَة " وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْره " الْآيَة . فَعَجِبْت بَعْد مِنْ جُرْأَتِي عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَم . وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عُبَيْد حَدَّثَنَا عَبْد الْمَلِك عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر قَالَ : لَمَّا مَاتَ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ أَتَى اِبْنه النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه إِنَّك إِنْ لَمْ تَأْتِهِ لَمْ نَزَلَ نُعَيَّر بِهَذَا فَأَتَاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدَهُ قَدْ أُدْخِل فِي حُفْرَته فَقَالَ " أَفَلَا قَبْل أَنْ تُدْخِلُوهُ ؟ " فَأُخْرِجَ مِنْ حُفْرَته وَتَفَلَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقه مِنْ قَرْنه إِلَى قَدَمه وَأَلْبَسَهُ قَمِيصه وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنْ أَبِي دَاوُد الْحَرَّانِيّ عَنْ يَعْلَى بْن عُبَيْد عَنْ عَبْد الْمَلِك وَهُوَ اِبْن أَبِي سُلَيْمَان بِهِ وَقَالَ الْبُخَارِيّ حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن عُثْمَان أَخْبَرَنَا اِبْن عُيَيْنَة عَنْ عَمْرو سَمِعَ جَابِر بْن عَبْد اللَّه قَالَ : أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ بَعْدَمَا أُدْخِلَ فِي قَبْره فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ وَوُضِعَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقه وَأَلْبَسَهُ قَمِيصه وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا فِي غَيْر مَوْضِع مُسْلِم وَالنَّسَائِيّ مِنْ غَيْر وَجْه عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة بِهِ وَقَالَ الْإِمَام أَبُو بَكْر أَحْمَد بْن عَمْرو بْن عَبْد الْخَالِق الْبَزَّار فِي مُسْنَده حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا مُجَالِد حَدَّثَنَا عَامِر حَدَّثَنَا جَابِر ح وَحَدَّثَنَا يُوسُف بْن مُوسَى حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَغْرَاء الدَّوْسِيّ حَدَّثَنَا مُجَالِد عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ جَابِر قَالَ لَمَّا مَاتَ رَأْس الْمُنَافِقِينَ - قَالَ يَحْيَى بْن سَعِيد بِالْمَدِينَةِ - فَأَوْصَى أَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ اِبْنه إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنَّ أَبِي أَوْصَى أَنْ يُكَفَّن بِقَمِيصِك - وَهَذَا الْكَلَام فِي حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن مَغْرَاء قَالَ يَحْيَى فِي حَدِيثه - فَصَلَّى عَلَيْهِ وَأَلْبَسَهُ قَمِيصه فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى " وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْره " - وَزَادَ عَبْد الرَّحْمَن - : وَخَلَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَمِيصه فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَمَشَى فَصَلَّى عَلَيْهِ وَقَامَ عَلَى قَبْره فَأَتَاهُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا وَلَّى قَالَ " وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْره " وَإِسْنَاده لَا بَأْس بِهِ وَمَا قَبْله شَاهِد لَهُ . وَقَالَ الْإِمَام أَبُو جَعْفَر الطَّبَرِيّ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إِسْحَاق حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ يَزِيد الرَّقَاشِيّ عَنْ أَنَس أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّي عَلَى عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ فَأَخَذَ جِبْرِيل بِثَوْبِهِ وَقَالَ وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْره . وَرَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَده مِنْ حَدِيث يَزِيد الرَّقَاشِيّ وَهُوَ ضَعِيف وَقَالَ قَتَادَة أَرْسَلَ عَبْد اللَّه اِبْن أُبَيّ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مَرِيض فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَكَك حُبّ يَهُود قَالَ يَا رَسُول اللَّه إِنَّمَا أَرْسَلْت إِلَيْك لِتَسْتَغْفِر لِي وَلَمْ أُرْسِل إِلَيْك لِتَؤَنِّبَنِي ثُمَّ سَأَلَهُ عَبْد اللَّه أَنْ يُعْطِيه قَمِيصه يُكَفِّن فِيهِ أَبَاهُ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ وَقَامَ عَلَى قَبْره فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا . الْآيَة . وَقَدْ ذَكَرَ بَعْض السَّلَف أَنَّمَا كَسَاهُ قَمِيصه لِأَنَّ عَبْد اللَّه اِبْن أُبَيّ لَمَّا قَدِمَ الْعَبَّاس طُلِبَ لَهُ قَمِيص فَلَمْ يُوجَد عَلَى تَفْصِيله إِلَّا ثَوْب عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ لِأَنَّهُ كَانَ ضَخْمًا طَوِيلًا فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُكَافَأَة لَهُ فَاَللَّه أَعْلَم وَلِهَذَا كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد نُزُول هَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة عَلَيْهِ لَا يُصَلِّي عَلَى أَحَد مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَلَا يَقُوم عَلَى قَبْره كَمَا قَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا يَعْقُوب حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ أَبِيهِ حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن أَبِي قَتَادَة عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دُعِيَ إِلَى جِنَازَة سَأَلَ عَنْهَا فَإِنْ اثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا قَامَ فَصَلَّى عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَ غَيْر ذَلِكَ قَالَ لِأَهْلِهَا شَأْنكُمْ بِهَا وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهَا وَكَانَ عُمَر بْن الْخَطَّاب لَا يُصَلِّي عَلَى جِنَازَة مَنْ جُهِلَ حَاله حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهَا حُذَيْفَة بْن الْيَمَان لِأَنَّهُ كَانَ يَعْلَم أَعْيَان الْمُنَافِقِينَ قَدْ أَخْبَرَهُ بِهِمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِهَذَا كَانَ يُقَال لَهُ صَاحِب السِّرّ الَّذِي لَا يَعْلَمهُ غَيْره أَيْ مِنْ الصَّحَابَة وَقَالَ أَبُو عُبَيْد فِي كِتَاب الْغَرِيب فِي حَدِيث عُمَر أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى جِنَازَة رَجُل فَمَرَزَهُ حُذَيْفَة كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَصُدّهُ عَنْ الصَّلَاة عَلَيْهَا ثُمَّ حُكِيَ عَنْ بَعْضهمْ أَنَّ الْمَرْز بِلُغَة أَهْل الْيَمَامَة هُوَ الْقَرْص بِأَطْرَافِ الْأَصَابِع وَلَمَّا نَهَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَنْ الصَّلَاة عَلَى الْمُنَافِقِينَ وَالْقِيَام عَلَى قُبُورهمْ لِلِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ كَانَ هَذَا الصَّنِيع مِنْ أَكْبَر الْقُرُبَات فِي حَقّ الْمُؤْمِنِينَ فَشُرِعَ ذَلِكَ وَفِي فِعْله الْأَجْر الْجَزِيل كَمَا ثَبَتَ فِي الصِّحَاح وَغَيْرهَا مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ شَهِدَ الْجِنَازَة حَتَّى يُصَلِّي عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاط وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَن فَلَهُ قِيرَاطَانِ قِيلَ وَمَا الْقِيرَاطَانِ ؟ قَالَ أَصْغَرهمَا مِثْل أُحُد وَأَمَّا الْقِيَام عِنْد قَبْر الْمُؤْمِن إِذَا مَاتَ فَرَوَى أَبُو دَاوُد حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُوسَى الرَّازِيّ أَخْبَرَنَا هِشَام عَنْ عَبْد اللَّه بْن بُحَيْر عَنْ هَانِئ وَهُوَ أَبُو سَعِيد الْبَرْبَرِيّ مَوْلَى عُثْمَان بْن عَفَّان عَنْ عُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْن الْمَيِّت وَقَفَ عَلَيْهِ وَقَالَ اِسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ وَاسْأَلُوا لَهُ التَّثْبِيت فَإِنَّهُ الْآن يُسْأَل . اِنْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ أَبُو دَاوُد رَحِمَهُ اللَّه.
تفسير القرطبي
رُوِيَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي شَأْن عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ ابْن سَلُول وَصَلَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ . ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرهمَا . وَتَظَاهَرَتْ الرِّوَايَات بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَيْهِ , وَأَنَّ الْآيَة نَزَلَتْ بَعْد ذَلِكَ . وَرُوِيَ عَنْ أَنَس بْن مَالِك أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا تَقَدَّمَ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ جَاءَهُ جِبْرِيل فَجَبَذَ ثَوْبه وَتَلَا عَلَيْهِ " وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا " الْآيَة ; فَانْصَرَفَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ . وَالرِّوَايَات الثَّابِتَة عَلَى خِلَاف هَذَا , فَفِي الْبُخَارِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ اِنْصَرَفَ ; فَلَمْ يَمْكُث إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتْ الْآيَتَانِ مِنْ [ بَرَاءَة ] " وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا " وَنَحْوه عَنْ اِبْن عُمَر ; خَرَّجَهُ مُسْلِم . قَالَ اِبْن عُمَر : لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ ابْن سَلُول جَاءَ اِبْنه عَبْد اللَّه إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيه قَمِيصه يُكَفِّن فِيهِ أَبَاهُ فَأَعْطَاهُ ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ , فَقَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ , فَقَامَ عُمَر وَأَخَذَ بِثَوْبِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه , أَتُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاك اللَّه أَنْ تُصَلِّي عَلَيْهِ ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّه تَعَالَى فَقَالَ : " اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِر لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِر لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّة " [ التَّوْبَة : 80 ] وَسَأَزِيدُ عَلَى سَبْعِينَ ) قَالَ : إِنَّهُ مُنَافِق . فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْره " فَتَرَكَ الصَّلَاة عَلَيْهِمْ . وَقَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : إِنَّمَا صَلَّى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ بِنَاء عَلَى الظَّاهِر مِنْ لَفْظ إِسْلَامه . ثُمَّ لَمْ يَكُنْ يَفْعَل ذَلِكَ لَمَّا نُهِيَ عَنْهُ . إِنْ قَالَ قَائِل فَكَيْفَ قَالَ عُمَر : أَتُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاك اللَّه أَنْ تُصَلِّي عَلَيْهِ ; وَلَمْ يَكُنْ تَقَدَّمَ نَهْي عَنْ الصَّلَاة عَلَيْهِمْ . قِيلَ لَهُ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ وَقَعَ لَهُ فِي خَاطِره , وَيَكُون مِنْ قَبِيل الْإِلْهَام وَالتَّحَدُّث الَّذِي شَهِدَ لَهُ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ كَانَ الْقُرْآن يَنْزِل عَلَى مُرَاده , كَمَا قَالَ : وَافَقْت رَبِّي فِي ثَلَاث . وَجَاءَ : فِي أَرْبَع . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَة . فَيَكُون هَذَا مِنْ ذَلِكَ . وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون فَهِمَ ذَلِكَ مِنْ قَوْله تَعَالَى : " اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِر لَهُمْ " [ التَّوْبَة : 80 ] الْآيَة . لَا أَنَّهُ كَانَ تَقَدَّمَ نَهْي عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم . وَاَللَّه أَعْلَم . قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون فَهِمَهُ مِنْ قَوْله تَعَالَى : " مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ " [ التَّوْبَة : 113 ] لِأَنَّهَا نَزَلَتْ بِمَكَّة . وَسَيَأْتِي الْقَوْل فِيهَا . وَاخْتُلِفَ فِي إِعْطَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَمِيصه لِعَبْدِ اللَّه ; فَقِيلَ : إِنَّمَا أَعْطَاهُ لِأَنَّ عَبْد اللَّه كَانَ قَدْ أَعْطَى الْعَبَّاس عَمّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَمِيصه يَوْم بَدْر . وَذَلِكَ أَنَّ الْعَبَّاس لَمَّا أُسِرَ يَوْم بَدْر - عَلَى مَا تَقَدَّمَ - وَسُلِبَ ثَوْبه رَآهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَلِكَ فَأَشْفَقَ عَلَيْهِ , فَطَلَبَ لَهُ قَمِيصًا فَمَا وَجَدَ لَهُ قَمِيص يُقَادِرهُ إِلَّا قَمِيص عَبْد اللَّه , لِتَقَارُبِهِمَا فِي طُول الْقَامَة ; فَأَرَادَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِعْطَاءِ الْقَمِيص أَنْ يَرْفَع الْيَد عَنْهُ فِي الدُّنْيَا , حَتَّى لَا يَلْقَاهُ فِي الْآخِرَة وَلَهُ عَلَيْهِ يَد يُكَافِئهُ بِهَا , وَقِيلَ : إِنَّمَا أَعْطَاهُ الْقَمِيص إِكْرَامًا لِابْنِهِ وَإِسْعَافًا لَهُ فِي طُلْبَته وَتَطْيِيبًا لِقَلْبِهِ . وَالْأَوَّل أَصَحّ ; خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْم بَدْر أُتِيَ بِأُسَارَى وَأُتِيَ بِالْعَبَّاسِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ثَوْب ; فَطَلَبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ قَمِيصًا فَوَجَدُوا قَمِيص عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ يَقْدِر عَلَيْهِ , فَكَسَاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهُ ; فَلِذَلِكَ نَزَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَمِيصه الَّذِي أَلْبَسَهُ . وَفِي الْحَدِيث أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : [ إِنَّ قَمِيصِي لَا يُغْنِي عَنْهُ مِنْ اللَّه شَيْئًا وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يُسْلِم بِفِعْلِي هَذَا أَلْف رَجُل مِنْ قَوْمِي ] كَذَا فِي بَعْض الرِّوَايَات ( مِنْ قَوْمِي ) يُرِيد مِنْ مُنَافِقِي الْعَرَب . وَالصَّحِيح أَنَّهُ قَالَ : ( رِجَال مِنْ قَوْمه ) . وَوَقَعَ فِي مَغَازِي اِبْن إِسْحَاق وَفِي بَعْض كُتُب التَّفْسِير : فَأَسْلَمَ وَتَابَ لِهَذِهِ الْفَعْلَة مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْف رَجُل مِنْ الْخَزْرَج . لَمَّا قَالَ تَعَالَى : " وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا " قَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذَا نَصّ فِي الِامْتِنَاع مِنْ الصَّلَاة عَلَى الْكُفَّار , وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيل عَلَى الصَّلَاة عَلَى الْمُؤْمِنِينَ . وَاخْتُلِفَ هَلْ يُؤْخَذ مِنْ مَفْهُومه وُجُوب الصَّلَاة عَلَى الْمُؤْمِنِينَ عَلَى قَوْلَيْنِ . يُؤْخَذ لِأَنَّهُ عَلَّلَ الْمَنْع مِنْ الصَّلَاة عَلَى الْكُفَّار لِكُفْرِهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاَللَّهِ وَرَسُوله " فَإِذَا زَالَ الْكُفْر وَجَبَتْ الصَّلَاة . وَيَكُون هَذَا نَحْو قَوْله تَعَالَى : " كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبّهمْ يَوْمئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ " [ الْمُطَفِّفِينَ : 15 ] يَعْنِي الْكُفَّار ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّ غَيْر الْكُفَّار يَرَوْنَهُ وَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ ; فَذَلِكَ مِثْله . وَاَللَّه أَعْلَم . أَوْ تُؤْخَذ الصَّلَاة مِنْ دَلِيل خَارِج عَنْ الْآيَة , وَهِيَ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الْبَاب , وَالْإِجْمَاع . وَمَنْشَأ الْخِلَاف الْقَوْل بِدَلِيلِ الْخِطَاب وَتَرْكه . رَوَى مُسْلِم عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ أَخًا لَكُمْ قَدْ مَاتَ فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ ) قَالَ : فَقُمْنَا فَصَفَفْنَا صَفَّيْنِ ; يَعْنِي النَّجَاشِيّ . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيّ فِي الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ , فَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى وَكَبَّرَ أَرْبَع تَكْبِيرَات . وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز تَرْك الصَّلَاة عَلَى جَنَائِز الْمُسْلِمِينَ , مِنْ أَهْل الْكَبَائِر كَانُوا أَوْ صَالِحِينَ , وِرَاثَة عَنْ نَبِيّهمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلًا وَعَمَلًا . وَالْحَمْد لِلَّهِ . وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى ذَلِكَ إِلَّا فِي الشَّهِيد كَمَا تَقَدَّمَ ; وَإِلَّا فِي أَهْل الْبِدَع وَالْبُغَاة . وَالْجُمْهُور مِنْ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ التَّكْبِير أَرْبَع . قَالَ اِبْن سِيرِينَ : كَانَ التَّكْبِير ثَلَاثًا فَزَادُوا وَاحِدَة . وَقَالَتْ طَائِفَة : يُكَبِّر خَمْسًا ; وَرُوِيَ عَنْ اِبْن مَسْعُود وَزَيْد بْن أَرْقَم . وَعَنْ عَلِيّ : سِتّ تَكْبِيرَات . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس وَأَنَس بْن مَالِك وَجَابِر بْن زَيْد : ثَلَاث تَكْبِيرَات وَالْمُعَوَّل عَلَيْهِ أَرْبَع . رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ الْمَلَائِكَة صَلَّتْ عَلَى آدَم فَكَبَّرَتْ عَلَيْهِ أَرْبَعًا وَقَالُوا هَذِهِ سُنَّتكُمْ يَا بَنِي آدَم ) . وَلَا قِرَاءَة فِي هَذِهِ الصَّلَاة فِي الْمَشْهُور مِنْ مَذْهَب مَالِك , وَكَذَلِكَ أَبُو حَنِيفَة وَالثَّوْرِيّ ; لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى الْمَيِّت فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاء ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة . وَذَهَبَ الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَمُحَمَّد بْن مَسْلَمَة وَأَشْهَب مِنْ عُلَمَائِنَا وَدَاوُد إِلَى أَنَّهُ يَقْرَأ بِالْفَاتِحَةِ ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَا صَلَاة إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَاب ) حَمْلًا لَهُ عَلَى عُمُومه . وَبِمَا خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَصَلَّى عَلَى جِنَازَة فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَاب وَقَالَ : لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّة . وَخَرَّجَ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَة قَالَ : السُّنَّة فِي الصَّلَاة عَلَى الْجَنَائِز أَنْ يَقْرَأ فِي التَّكْبِيرَة الْأُولَى بِأُمِّ الْقُرْآن مُخَافَتَة , ثُمَّ يُكَبِّر ثَلَاثًا , وَالتَّسْلِيم عِنْد الْآخِرَة . وَذَكَرَ مُحَمَّد بْن نَصْر الْمَرْوَزِيّ عَنْ أَبِي أُمَامَة أَيْضًا قَالَ : السُّنَّة فِي الصَّلَاة عَلَى الْجَنَائِز أَنْ تُكَبِّر , ثُمَّ تَقْرَأ بِأُمِّ الْقُرْآن , ثُمَّ تُصَلِّي عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ تُخْلِص الدُّعَاء لِلْمَيِّتِ . وَلَا يَقْرَأ إِلَّا فِي التَّكْبِيرَة الْأُولَى ثُمَّ يُسَلِّم . قَالَ شَيْخنَا أَبُو الْعَبَّاس : وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ صَحِيحَانِ , وَهُمَا مُلْحَقَانِ عِنْد الْأُصُولِيِّينَ بِالْمُسْنَدِ . وَالْعَمَل عَلَى حَدِيث أَبِي أُمَامَة أَوْلَى ; إِذْ فِيهِ جَمْع بَيْن قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَا صَلَاة ) وَبَيْن إِخْلَاص الدُّعَاء لِلْمَيِّتِ . وَقِرَاءَة الْفَاتِحَة فِيهَا إِنَّمَا هِيَ اِسْتِفْتَاح لِلدُّعَاءِ . وَاَللَّه أَعْلَم . وَسُنَّة الْإِمَام أَنْ يَقُوم عِنْد رَأْس الرَّجُل وَعَجِيزَة الْمَرْأَة , لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ أَنَس وَصَلَّى عَلَى جِنَازَة فَقَالَ لَهُ الْعَلَاء بْن زِيَاد : يَا أَبَا حَمْزَة , هَكَذَا كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَى الْجَنَائِز كَصَلَاتِك يُكَبِّر أَرْبَعًا وَيَقُوم عِنْد رَأْس الرَّجُل وَعَجِيزَة الْمَرْأَة ؟ قَالَ : نَعَمْ . وَرَوَاهُ مُسْلِم عَنْ سَمُرَة بْن جُنْدُب قَالَ : صَلَّيْت خَلْف النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَلَّى عَلَى أُمّ كَعْب مَاتَتْ وَهِيَ نُفَسَاء , فَقَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهَا وَسَطهَا . " وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْره " كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَفَنَ الْمَيِّت وَقَفَ عَلَى قَبْره وَدَعَا لَهُ بِالتَّثْبِيتِ , عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ [ فِي التَّذْكِرَة ] وَالْحَمْد لِلَّهِ .
| وَلَا تَقُمۡ عَلَىٰ قَبۡرِهِۦۤۖ | لأجلِ الدَّفْنِ، أو الزيارةِ، أو الدعاءِ له. |
|---|
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian