صفحات الموقع

سورة العلق الآية ١٩

سورة العلق الآية ١٩

كَلَّا لَا تُطِعۡهُ وَٱسۡجُدۡ وَٱقۡتَرِب ۩ ﴿١٩﴾

التفسير

تفسير السعدي

‏[‏أي‏:‏‏]‏ فإنه لا يأمر إلا بما فيه خسارة الدارين، ‏{‏وَاسْجُد‏}‏ لربك ‏{‏وَاقْتَرَبَ‏}‏ منه في السجود وغيره من أنواع الطاعات والقربات، فإنها كلها تدني من رضاه وتقرب منه‏.‏ وهذا عام لكل ناه عن الخير ومنهي عنه، وإن كانت نازلة في شأن أبي جهل حين نهى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الصلاة، وعبث به وآذاه‏.‏ تمت ولله الحمد‏.

التفسير الميسر

أرأيت أعجب مِن طغيان هذا الرجل (وهو أبو جهل) الذي ينهى عبدًا لنا إذا صلَّى لربه (وهو محمد صلى الله عليه وسلم)؟ أرأيت إن كان المنهي عن الصلاة على الهدى فكيف ينهاه؟ أو إن كان آمرًا غيره بالتقوى أينهاه عن ذلك؟ أرأيت إن كذَّب هذا الناهي بما يُدعى إليه، وأعرض عنه، ألم يعلم بأن الله يرى كل ما يفعل؟ ليس الأمر كما يزعم أبو جهل، لئن لم يرجع هذا عن شقاقه وأذاه لنأخذنَّ بمقدَّم رأسه أخذًا عنيفًا، ويُطرح في النار، ناصيته ناصية كاذبة في مقالها، خاطئة في أفعالها. فليُحْضِر هذا الطاغية أهل ناديه الذين يستنصر بهم، سندعو ملائكة العذاب. ليس الأمر على ما يظن أبو جهل، إنه لن ينالك -أيها الرسول- بسوء، فلا تطعه فيما دعاك إليه مِن تَرْك الصلاة، واسجد لربك واقترب منه بالتحبب إليه بطاعته.

تفسير الجلالين

" كَلَّا " رَدْع لَهُ " لَا تُطِعْهُ " يَا مُحَمَّد فِي تَرْك الصَّلَاة " وَاسْجُدْ " صَلِّ لِلَّهِ " وَاقْتَرِبْ " مِنْهُ بِطَاعَتِهِ .

تفسير ابن كثير

وَقَوْله تَعَالَى " كَلَّا لَا تُطِعْهُ " يَعْنِي يَا مُحَمَّد لَا تُطِعْهُ فِيمَا يَنْهَاك عَنْهُ مِنْ الْمُدَاوَمَة عَلَى الْعِبَادَة وَكَثْرَتهَا وَصَلِّ حَيْثُ شِئْت وَلَا تُبَالِهِ فَإِنَّ اللَّه حَافِظُك وَنَاصِرُك وَهُوَ يَعْصِمُك مِنْ النَّاس " وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ " كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيح عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن وَهْب عَنْ عَمْرو بْن الْحَارِث عَنْ عُمَارَة بْن غَزِيَّة عَنْ سُمَيّ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ" أَقْرَب مَا يَكُون الْعَبْد مِنْ رَبّه وَهُوَ سَاجِد فَأَكْثِرُوا الدُّعَاء " وَتَقَدَّمَ أَيْضًا أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْجُد فِي " إِذَا السَّمَاء اِنْشَقَّتْ" وَ " اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك الَّذِي خَلَقَ " . آخِر تَفْسِير سُورَة اِقْرَأْ وَلِلَّهِ الْحَمْد وَالْمِنَّة وَبِهِ التَّوْفِيق وَالْعِصْمَة.

تفسير الطبري

وَقَوْله : { كَلَّا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَيْسَ الْأَمْر كَمَا يَقُول أَبُو جَهْل , إِذْ يَنْهَى مُحَمَّدًا عَنْ عِبَادَة رَبّه , وَالصَّلَاة لَهُ { لَا تُطِعْهُ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تُطِعْ أَبَا جَهْل فِيمَا أَمَرَك بِهِ مِنْ تَرْك الصَّلَاة لِرَبِّك { وَاسْجُدْ لِرَبِّك وَاقْتَرِبْ } مِنْهُ , بِالتَّحَبُّبِ إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِ , فَإِنَّ أَبَا جَهْل لَنْ يَقْدِر عَلَى ضُرّك , وَنَحْنُ نَمْنَعك مِنْهُ . 29176 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ } ذُكِرَ لَنَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْل , قَالَ : لَئِنْ رَأَيْت مُحَمَّدًا يُصَلِّي لَأَطَأَنَّ عُنُقه , فَأَنْزَلَ اللَّه : { كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ } قَالَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين بَلَغَهُ الَّذِي قَالَ أَبُو جَهْل , قَالَ : " لَوْ فَعَلَ لَاخْتَطَفَتْهُ الزَّبَانِيَة " . آخِر تَفْسِير سُورَة اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبّك , وَالْحَمْد لِلَّهِ وَحْده .

تفسير القرطبي

أَيْ لَيْسَ الْأَمْر عَلَى مَا يَظُنّهُ أَبُو جَهْل . أَيْ فِيمَا دَعَاك إِلَيْهِ مِنْ تَرْك الصَّلَاة . أَيْ صَلِّ لِلَّهِ " وَاقْتَرِبْ " أَيْ تَقَرَّبْ إِلَى اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالطَّاعَةِ وَالْعِبَادَة . وَقِيلَ : الْمَعْنَى : إِذَا سَجَدْت فَاقْتَرِبْ مِنْ اللَّه بِالدُّعَاءِ . رَوَى عَطَاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : [ أَقْرَب مَا يَكُون الْعَبْد مِنْ رَبّه , وَأَحَبّه إِلَيْهِ , جَبْهَته فِي الْأَرْض سَاجِدًا لِلَّهِ ] . ‎قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّهَا نِهَايَة الْعُبُودِيَّة وَالذِّلَّة ; وَلِلَّهِ غَايَة الْعِزَّة , وَلَهُ الْعِزَّة الَّتِي لَا مِقْدَار لَهَا ; فَكُلَّمَا بَعُدْت مِنْ صِفَته , قَرُبْت مِنْ جَنَّته , وَدَنَوْت مِنْ جِوَاره فِي دَاره . وَفِي الْحَدِيث الصَّحِيح : أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : [ أَمَّا الرُّكُوع فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبّ . وَأَمَّا السُّجُود فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاء , فَإِنَّهُ قَمِن أَنْ يُسْتَجَاب لَكُمْ ] . وَلَقَدْ أَحْسَنَ مَنْ قَالَ : وَإِذَا تَذَلَّلَتْ الرِّقَاب تَوَاضُعًا مِنَّا إِلَيْك فَعِزّهَا فِي ذُلّهَا وَقَالَ زَيْد بْن أَسْلَمَ : اُسْجُدْ أَنْتَ يَا مُحَمَّد مُصَلِّيًا , وَاقْتَرِبْ أَنْتَ يَا أَبَا جَهْل مِنْ النَّار . وَقَوْله تَعَالَى : " وَاسْجُدْ " هَذَا مِنْ السُّجُود . يَحْتَمِل أَنْ يَكُون بِمَعْنَى السُّجُود فِي الصَّلَاة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون سُجُود التِّلَاوَة فِي هَذِهِ السُّورَة . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : " وَالظَّاهِر أَنَّهُ سُجُود الصَّلَاة " لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " أَرَأَيْت الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى - إِلَى قَوْله - كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ " , لَوْلَا مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيح مِنْ رِوَايَة مُسْلِم وَغَيْره مِنْ الْأَئِمَّة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ قَالَ : سَجَدْت مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي " إِذَا السَّمَاء اِنْشَقَّتْ " [ الِانْشِقَاق : 1 ] , وَفِي " اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبّك الَّذِي خَلَقَ " [ الْعَلَق : 1 ] سَجْدَتَيْنِ , فَكَانَ هَذَا نَصًّا عَلَى أَنَّ الْمُرَاد سُجُود التِّلَاوَة . وَقَدْ رَوَى اِبْن وَهْب , عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد , عَنْ عَاصِم بْن بَهْدَلَة , عَنْ زِرّ بْن حُبَيْش , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , قَالَ : عَزَائِم السُّجُود أَرْبَع : " ألم " وَ " حم تَنْزِيل مِنْ الرَّحْمَن الرَّحِيم " وَ " النَّجْم " وَ " اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبّك " . وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَذَا إِنْ صَحَّ يَلْزَم عَلَيْهِ السُّجُود الثَّانِي مِنْ سُورَة " الْحَجّ " , وَإِنْ كَانَ مُقْتَرِنًا بِالرُّكُوعِ ; لِأَنَّهُ يَكُون مَعْنَاهُ اِرْكَعُوا فِي مَوْضِع الرُّكُوع , وَاسْجُدُوا فِي مَوْضِع السُّجُود . وَقَدْ قَالَ اِبْن نَافِع وَمُطَرِّف : وَكَانَ مَالِك يَسْجُد فِي خَاصَّة نَفْسه بِخَاتِمَةِ هَذِهِ السُّورَة مِنْ " اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبّك " وَابْن وَهْب يَرَاهَا مِنْ الْعَزَائِم . قُلْت : وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ حَدِيث مَالِك بْن أَنَس عَنْ رَبِيعَة بْن أَبِي عَبْد الرَّحْمَن عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : لَمَّا أَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى " اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبّك الَّذِي خَلَقَ " [ الْعَلَق : 1 ] قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذٍ : [ اُكْتُبْهَا يَا مُعَاذ ] فَأَخَذَ مُعَاذ اللَّوْح وَالْقَلَم وَالنُّون - وَهِيَ الدَّوَاة - فَكَتَبَهَا مُعَاذ ; فَلَمَّا بَلَغَ " كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ " سَجَدَ اللَّوْح , وَسَجَدَ الْقَلَم , وَسَجَدَتْ النُّون , وَهُمْ يَقُولُونَ : اللَّهُمَّ اِرْفَعْ بِهِ ذِكْرًا , اللَّهُمَّ اُحْطُطْ بِهِ وِزْرًا , اللَّهُمَّ اِغْفِرْ بِهِ ذَنْبًا . قَالَ مُعَاذ : سَجَدْت , وَأَخْبَرْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَسَجَدَ . خُتِمَتْ السُّورَة . وَالْحَمْد لِلَّهِ عَلَى مَا فَتَحَ وَمَنَحَ وَأَعْطَى وَلَهُ الْحَمْد وَالْمِنَّة

غريب الآية
كَلَّا لَا تُطِعۡهُ وَٱسۡجُدۡ وَٱقۡتَرِب ۩ ﴿١٩﴾
كَلَّالَيسَ الأمرُ كَما يَزْعُمُ أبو جَهْلٍ.
كَلَّالَيس الأمرُ على ما يَظُنُّ. إنُّه لَن يَنالَكَ -أيُّها الرَّسُولُ- بِسُوءٍ.
لَا تُطِعۡهُفلا تُطِعْهُ فيما دَعَاكَ إِلَيهِ.
وَٱقۡتَرِبواجْتَهِدْ في القُربِ مِن اللهِ.
الإعراب
(كَلَّا)
حَرْفُ رَدْعٍ وَزَجْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(لَا)
حَرْفُ نَهْيٍ وَجَزْمٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تُطِعْهُ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَجْزُومٌ وَعَلَامَةُ جَزْمِهِ السُّكُونُ الظَّاهِرُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ".
(وَاسْجُدْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(اسْجُدْ) : فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ".
(وَاقْتَرِبْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(اقْتَرِبْ) : فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ".