صفحات الموقع

سورة إبراهيم تفسير الجلالين

الۤرۚ كِتَـٰبٌ أَنزَلۡنَـٰهُ إِلَیۡكَ لِتُخۡرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِ رَبِّهِمۡ إِلَىٰ صِرَ ٰ⁠طِ ٱلۡعَزِیزِ ٱلۡحَمِیدِ ﴿١﴾
"الر" اللَّه أَعْلَم بِمُرَادِهِ بِذَلِكَ "كِتَاب" هَذَا الْقُرْآن "أَنْزَلْنَاهُ إلَيْك" يَا مُحَمَّد "لِتُخْرِج النَّاس مِنَ الظُّلُمَات" الْكُفْر "إلَى النُّور" الْإِيمَان "بِإِذْنِ" بِأَمْرِ "رَبّهمْ" وَيُبْدَل مِنْ : إلَى النُّور "إلَى صِرَاط" طَرِيق "الْعَزِيز" الْغَالِب "الْحَمِيد" الْمَحْمُود
ٱللَّهِ ٱلَّذِی لَهُۥ مَا فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَمَا فِی ٱلۡأَرۡضِۗ وَوَیۡلࣱ لِّلۡكَـٰفِرِینَ مِنۡ عَذَابࣲ شَدِیدٍ ﴿٢﴾
"اللَّه" بِالْجَرِّ بَدَل أَوْ عَطْف بَيَان وَمَا بَعْده صِفَة وَالرَّفْع مُبْتَدَأ خَبَره "الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الْأَرْض" مُلْكًا وَخَلْقًا وَعَبِيدًا
ٱلَّذِینَ یَسۡتَحِبُّونَ ٱلۡحَیَوٰةَ ٱلدُّنۡیَا عَلَى ٱلۡـَٔاخِرَةِ وَیَصُدُّونَ عَن سَبِیلِ ٱللَّهِ وَیَبۡغُونَهَا عِوَجًاۚ أُوْلَـٰۤىِٕكَ فِی ضَلَـٰلِۭ بَعِیدࣲ ﴿٣﴾
"الَّذِينَ" نَعْت "يَسْتَحِبُّونَ" يَخْتَارُونَ "الْحَيَاة الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَة وَيَصُدُّونَ" النَّاس "عَنْ سَبِيل اللَّه" دِين الْإِسْلَام "وَيَبْغُونَهَا" أَيْ السَّبِيل "عِوَجًا" مُعْوَجَّة "أُولَئِكَ فِي ضَلَال بَعِيد" عَنِ الْحَقّ
وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ لِیُبَیِّنَ لَهُمۡۖ فَیُضِلُّ ٱللَّهُ مَن یَشَاۤءُ وَیَهۡدِی مَن یَشَاۤءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡحَكِیمُ ﴿٤﴾
"وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إلَّا بِلِسَانِ" بِلُغَةِ "قَوْمه لِيُبَيِّن لَهُمْ" لِيُفَهِّمهُمْ مَا أَتَى بِهِ "فَيُضِلّ اللَّه مَنْ يَشَاء وَيَهْدِي مَنْ يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيز" فِي مُلْكه "الْحَكِيم" فِي صُنْعه
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔایَـٰتِنَاۤ أَنۡ أَخۡرِجۡ قَوۡمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرۡهُم بِأَیَّىٰمِ ٱللَّهِۚ إِنَّ فِی ذَ ٰ⁠لِكَ لَـَٔایَـٰتࣲ لِّكُلِّ صَبَّارࣲ شَكُورࣲ ﴿٥﴾
"وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا" التِّسْع وَقُلْنَا لَهُ "أَنْ أَخْرِجْ قَوْمك" بَنِي إسْرَائِيل "مِنَ الظُّلُمَات" الْكُفْر "إلَى النُّور" الْإِيمَان "وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّه" بِنِعَمِهِ "إنَّ فِي ذَلِكَ" التَّذْكِير "لَآيَات لِكُلِّ صَبَّار" عَلَى الطَّاعَة "شَكُور" لِلنِّعَمِ
وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَیۡكُمۡ إِذۡ أَنجَىٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ یَسُومُونَكُمۡ سُوۤءَ ٱلۡعَذَابِ وَیُذَبِّحُونَ أَبۡنَاۤءَكُمۡ وَیَسۡتَحۡیُونَ نِسَاۤءَكُمۡۚ وَفِی ذَ ٰ⁠لِكُم بَلَاۤءࣱ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِیمࣱ ﴿٦﴾
"و" اُذْكُرْ "إذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اُذْكُرُوا نِعْمَة اللَّه عَلَيْكُمْ إذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آل فِرْعَوْن يَسُومُونَكُمْ سُوء الْعَذَاب وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ" الْمَوْلُودِينَ "وَيَسْتَحْيُونَ" يَسْتَبْقُونَ "نِسَاءَكُمْ" لِقَوْلِ بَعْض الْكَهَنَة إنَّ مَوْلُودًا يُولَد فِي بَنِي إسْرَائِيل يَكُون سَبَب ذَهَاب مُلْك فِرْعَوْن "وَفِي ذَلِكُمْ" الْإِنْجَاء أَوْ الْعَذَاب "بَلَاء" إنْعَام أَوْ ابْتِلَاء
وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكُمۡ لَىِٕن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِیدَنَّكُمۡۖ وَلَىِٕن كَفَرۡتُمۡ إِنَّ عَذَابِی لَشَدِیدࣱ ﴿٧﴾
"وَإِذْ تَأَذَّنَ" أَعْلَمَ "رَبّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ" نِعْمَتِي بِالتَّوْحِيدِ وَالطَّاعَة "لَأَزِيدَنكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ" جَحَدْتُمْ النِّعْمَة بِالْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَة لَأُعَذِّبَنكُمْ دَلَّ عَلَيْهِ "إنَّ عَذَابِي لَشَدِيد"
وَقَالَ مُوسَىٰۤ إِن تَكۡفُرُوۤاْ أَنتُمۡ وَمَن فِی ٱلۡأَرۡضِ جَمِیعࣰا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِیٌّ حَمِیدٌ ﴿٨﴾
"وَقَالَ مُوسَى" لِقَوْمِهِ "إنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْض جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّه لَغَنِيّ" عَنْ خَلْقه "حَمِيد" مَحْمُود فِي صُنْعه بِهِمْ
أَلَمۡ یَأۡتِكُمۡ نَبَؤُاْ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِكُمۡ قَوۡمِ نُوحࣲ وَعَادࣲ وَثَمُودَ وَٱلَّذِینَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لَا یَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا ٱللَّهُۚ جَاۤءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَیِّنَـٰتِ فَرَدُّوۤاْ أَیۡدِیَهُمۡ فِیۤ أَفۡوَ ٰ⁠هِهِمۡ وَقَالُوۤاْ إِنَّا كَفَرۡنَا بِمَاۤ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ وَإِنَّا لَفِی شَكࣲّ مِّمَّا تَدۡعُونَنَاۤ إِلَیۡهِ مُرِیبࣲ ﴿٩﴾
"أَلَمْ يَأْتِكُمْ" اسْتِفْهَام تَقْرِير "نَبَأ" خَبَر "الَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ قَوْم نُوح وَعَادٍ" قَوْم هُود "وَثَمُود" قَوْم صَالِح "وَاَلَّذِينَ مِنْ بَعْدهمْ لَا يَعْلَمهُمْ إلَّا اللَّه" لِكَثْرَتِهِمْ "جَاءَتْهُمْ رُسُلهمْ بِالْبَيِّنَاتِ" بِالْحُجَجِ الْوَاضِحَة عَلَى صِدْقهمْ "فَرَدُّوا" أَيْ الْأُمَم "أَيْدِيهمْ فِي أَفْوَاههمْ" أَيْ إلَيْهَا لِيَعَضُّوا عَلَيْهَا مِنْ شِدَّة الْغَيْظ "وَقَالُوا إنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ" فِي زَعْمكُمْ "وَإِنَّا لَفِي شَكّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إلَيْهِ مُرِيب" مُوقِع فِي الرِّيبَة
۞ قَالَتۡ رُسُلُهُمۡ أَفِی ٱللَّهِ شَكࣱّ فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِۖ یَدۡعُوكُمۡ لِیَغۡفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَیُؤَخِّرَكُمۡ إِلَىٰۤ أَجَلࣲ مُّسَمࣰّىۚ قَالُوۤاْ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرࣱ مِّثۡلُنَا تُرِیدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ یَعۡبُدُ ءَابَاۤؤُنَا فَأۡتُونَا بِسُلۡطَـٰنࣲ مُّبِینࣲ ﴿١٠﴾
"قَالَتْ رُسُلهمْ أَفِي اللَّه شَكّ" اسْتِفْهَام إنْكَار أَيْ لَا شَكّ فِي تَوْحِيده لِلدَّلَائِلِ الظَّاهِرَة عَلَيْهِ "فَاطِر" خَالِق "السَّمَاوَات وَالْأَرْض يَدْعُوكُمْ" إلَى طَاعَته . "لِيَغْفِر لَكُمْ مِنْ ذُنُوبكُمْ" مِنْ زَائِدَة فَإِنَّ الْإِسْلَام يُغْفَر بِهِ مَا قَبْله أَوْ تَبْعِيضِيَّةٌ لِإِخْرَاجِ حُقُوق الْعِبَاد "وَيُؤَخِّركُمْ" بِلَا عَذَاب "إلَى أَجَل مُسَمًّى" أَجَل الْمَوْت "قَالُوا إنْ" مَا "أَنْتُمْ إلَّا بَشَر مِثْلنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُد آبَاؤُنَا" مِنْ الْأَصْنَام "فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِين" حُجَّة ظَاهِرَة عَلَى صِدْقكُمْ
قَالَتۡ لَهُمۡ رُسُلُهُمۡ إِن نَّحۡنُ إِلَّا بَشَرࣱ مِّثۡلُكُمۡ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ یَمُنُّ عَلَىٰ مَن یَشَاۤءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَمَا كَانَ لَنَاۤ أَن نَّأۡتِیَكُم بِسُلۡطَـٰنٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡیَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ﴿١١﴾
"قَالَتْ لَهُمْ رُسُلهمْ إنْ" مَا "نَحْنُ إلَّا بَشَر مِثْلكُمْ" كَمَا قُلْتُمْ "وَلَكِنَّ اللَّه يَمُنّ عَلَى مَنْ يَشَاء مِنْ عِبَاده" بِالنُّبُوَّةِ "وَمَا كَانَ" مَا يَنْبَغِي "لَنَا أَنْ نَأْتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ إلَّا بِإِذْنِ اللَّه" بِأَمْرِهِ لِأَنَّنَا عَبِيد مَرْبُوبُونَ "وَعَلَى اللَّه فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ" يَثِقُوا بِهِ
وَمَا لَنَاۤ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنَا سُبُلَنَاۚ وَلَنَصۡبِرَنَّ عَلَىٰ مَاۤ ءَاذَیۡتُمُونَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡیَتَوَكَّلِ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ ﴿١٢﴾
"وَمَا لَنَا أَلَّا أَ" نْ "لَا نَتَوَكَّل عَلَى اللَّه" أَيْ لَا مَانِع لَنَا مِنْ ذَلِكَ "وَقَدْ هَدَانَا سُبُلنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا" عَلَى أَذَاكُمْ
وَقَالَ ٱلَّذِینَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمۡ لَنُخۡرِجَنَّكُم مِّنۡ أَرۡضِنَاۤ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِی مِلَّتِنَاۖ فَأَوۡحَىٰۤ إِلَیۡهِمۡ رَبُّهُمۡ لَنُهۡلِكَنَّ ٱلظَّـٰلِمِینَ ﴿١٣﴾
"وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ" لَتَصِيرُنَّ "فِي مِلَّتنَا" دِيننَا "فَأَوْحَى إلَيْهِمْ رَبّهمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ" الْكَافِرِينَ
وَلَنُسۡكِنَنَّكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۚ ذَ ٰ⁠لِكَ لِمَنۡ خَافَ مَقَامِی وَخَافَ وَعِیدِ ﴿١٤﴾
"ولنُسْكِنَنّكُم الْأَرْض" أَرْضهمْ "مِنْ بَعْدهمْ" بَعْد هَلَاكهمْ "ذَلِكَ" النَّصْر وَإِيرَاث الْأَرْض "لِمَنْ خَافَ مَقَامِي" أَيْ مَقَامه بَيْن يَدَيَّ "وَخَافَ وَعِيد" بِالْعَذَابِ
وَٱسۡتَفۡتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِیدࣲ ﴿١٥﴾
"وَاسْتَفْتَحُوا" اسْتَنْصَرَ الرُّسُل بِاَللَّهِ عَلَى قَوْمهمْ "وَخَابَ" خَسِرَ "كُلّ جَبَّار" مُتَكَبِّر عَنْ طَاعَة اللَّه "عَنِيد" مُعَانِد لِلْحَقِّ
مِّن وَرَاۤىِٕهِۦ جَهَنَّمُ وَیُسۡقَىٰ مِن مَّاۤءࣲ صَدِیدࣲ ﴿١٦﴾
"مِنْ وَرَائِهِ" أَيْ أَمَامه "جَهَنَّم" يَدْخُلهَا "وَيُسْقَى" فِيهَا "مِنْ مَاء صَدِيد" هُوَ مَا يَسِيل مِنْ جَوْف أَهْل النَّار مُخْتَلِطًا بِالْقَيْحِ وَالدَّم
یَتَجَرَّعُهُۥ وَلَا یَكَادُ یُسِیغُهُۥ وَیَأۡتِیهِ ٱلۡمَوۡتُ مِن كُلِّ مَكَانࣲ وَمَا هُوَ بِمَیِّتࣲۖ وَمِن وَرَاۤىِٕهِۦ عَذَابٌ غَلِیظࣱ ﴿١٧﴾
"يَتَجَرَّعهُ" يَبْتَلِعهُ مَرَّة بَعْد مَرَّة لِمَرَارَتِهِ "وَلَا يَكَاد يُسِيغهُ" يَزْدَرِدُهُ لِقُبْحِهِ وَكَرَاهَته "وَيَأْتِيه الْمَوْت" أَيْ أَسْبَابه الْمُقْتَضِيَة لَهُ مِنْ أَنْوَاع الْعَذَاب "مِنْ كُلّ مَكَان وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ" بَعْد ذَلِكَ الْعَذَاب "عَذَاب غَلِيظ" قَوِيّ مُتَّصِل
مَّثَلُ ٱلَّذِینَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡۖ أَعۡمَـٰلُهُمۡ كَرَمَادٍ ٱشۡتَدَّتۡ بِهِ ٱلرِّیحُ فِی یَوۡمٍ عَاصِفࣲۖ لَّا یَقۡدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَیۡءࣲۚ ذَ ٰ⁠لِكَ هُوَ ٱلضَّلَـٰلُ ٱلۡبَعِیدُ ﴿١٨﴾
"مَثَل" صِفَة "الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ" مُبْتَدَأ وَيُبْدَل مِنْهُ "أَعْمَالهمْ" الصَّالِحَة كَصِلَةٍ وَصَدَقَة فِي عَدَم الِانْتِفَاع بِهَا "كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيح فِي يَوْم عَاصِف" شَدِيد هُبُوب الرِّيح فَجَعَلَتْهُ هَبَاء مَنْثُورًا لَا يَقْدِر عَلَيْهِ وَالْمَجْرُور خَبَر الْمُبْتَدَأ "لَا يَقْدِرُونَ" أَيْ الْكُفَّار "مِمَّا كَسَبُوا" عَمِلُوا فِي الدُّنْيَا "عَلَى شَيْء" أَيْ لَا يَجِدُونَ لَهُ ثَوَابًا لِعَدَمِ شَرْطه "ذَلِكَ هُوَ الضَّلَال" الْهَلَاك
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۚ إِن یَشَأۡ یُذۡهِبۡكُمۡ وَیَأۡتِ بِخَلۡقࣲ جَدِیدࣲ ﴿١٩﴾
"أَلَمْ تَرَ" تَنْظُر يَا مُخَاطَب اسْتِفْهَام تَقْرِير "أَنَّ اللَّه خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض بِالْحَقِّ" مُتَعَلِّق بِخَلَقَ "إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ" أَيّهَا النَّاس "وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيد" بَدَلكُمْ
وَمَا ذَ ٰ⁠لِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِیزࣲ ﴿٢٠﴾
"وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّه بِعَزِيزٍ" شَدِيد
وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِیعࣰا فَقَالَ ٱلضُّعَفَـٰۤؤُاْ لِلَّذِینَ ٱسۡتَكۡبَرُوۤاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعࣰا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا مِنۡ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَیۡءࣲۚ قَالُواْ لَوۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَهَدَیۡنَـٰكُمۡۖ سَوَاۤءٌ عَلَیۡنَاۤ أَجَزِعۡنَاۤ أَمۡ صَبَرۡنَا مَا لَنَا مِن مَّحِیصࣲ ﴿٢١﴾
"وَبَرَزُوا" أَيْ الْخَلَائِق وَالتَّعْبِير فِيهِ وَفِيمَا بَعْده بِالْمَاضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعه . "لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاء" الْأَتْبَاع "لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا" الْمَتْبُوعِينَ "إنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا" جَمْع تَابِع "فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ" دَافِعُونَ "عَنَّا مِنْ عَذَاب اللَّه مِنْ شَيْء" مِنْ الْأُولَى لِلتَّبْيِينِ وَالثَّانِيَة لِلتَّبْعِيضِ "قَالُوا" الْمَتْبُوعُونَ "لَوْ هَدَانَا اللَّه لَهَدَيْنَاكُمْ" لَدَعَوْنَاكُمْ إلَى الْهُدَى "سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزَعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ" زَائِدَة "مَحِيص" مَلْجَأ
وَقَالَ ٱلشَّیۡطَـٰنُ لَمَّا قُضِیَ ٱلۡأَمۡرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمۡ وَعۡدَ ٱلۡحَقِّ وَوَعَدتُّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُكُمۡۖ وَمَا كَانَ لِیَ عَلَیۡكُم مِّن سُلۡطَـٰنٍ إِلَّاۤ أَن دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِیۖ فَلَا تَلُومُونِی وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمۖ مَّاۤ أَنَا۠ بِمُصۡرِخِكُمۡ وَمَاۤ أَنتُم بِمُصۡرِخِیَّ إِنِّی كَفَرۡتُ بِمَاۤ أَشۡرَكۡتُمُونِ مِن قَبۡلُۗ إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِینَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِیمࣱ ﴿٢٢﴾
"وَقَالَ الشَّيْطَان" إبْلِيس "لَمَّا قُضِيَ الْأَمْر" وَأُدْخِلَ أَهْل الْجَنَّة الْجَنَّة وَأَهْل النَّار النَّار وَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ "إنَّ اللَّه وَعَدَكُمْ وَعْد الْحَقّ" بِالْبَعْثِ وَالْجَزَاء فَصَدَقَكُمْ "وَوَعَدْتُكُمْ" أَنَّهُ غَيْر كَائِن "فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ" زَائِدَة "سُلْطَان" قُوَّة وَقُدْرَة أَقْهَركُمْ عَلَى مُتَابَعَتِي "إلَّا" لَكِنْ "أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسكُمْ" عَلَى إجَابَتِي "مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ" بِمُغِيثِكُمْ "وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ" بِفَتْحِ الْيَاء وَكَسْرهَا "إنِّي كَفَرْت بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي" بِإِشْرَاكِكُمْ إيَّايَ مَعَ اللَّه "مِنْ قَبْل" فِي الدُّنْيَا "إنَّ الظَّالِمِينَ" الْكَافِرِينَ "لَهُمْ عَذَاب أَلِيم" مُؤْلِم
وَأُدۡخِلَ ٱلَّذِینَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَّـٰتࣲ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَـٰرُ خَـٰلِدِینَ فِیهَا بِإِذۡنِ رَبِّهِمۡۖ تَحِیَّتُهُمۡ فِیهَا سَلَـٰمٌ ﴿٢٣﴾
"وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار خَالِدِينَ" حَال مُقَدَّرَة "فِيهَا بِإِذْنِ رَبّهمْ تَحِيَّتهمْ فِيهَا" مِنْ اللَّه وَمِنْ الْمَلَائِكَة وَفِيمَا بَيْنهمْ
أَلَمۡ تَرَ كَیۡفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلࣰا كَلِمَةࣰ طَیِّبَةࣰ كَشَجَرَةࣲ طَیِّبَةٍ أَصۡلُهَا ثَابِتࣱ وَفَرۡعُهَا فِی ٱلسَّمَاۤءِ ﴿٢٤﴾
"أَلَمْ تَرَ" تَنْظُر "كَيْفَ ضَرَبَ اللَّه مَثَلًا" وَيُبْدَل مِنْهُ "كَلِمَة طَيِّبَة" أَيْ لَا إلَه إلَّا اللَّه "كَشَجَرَةٍ طَيِّبَة" هِيَ النَّخْلَة "أَصْلهَا ثَابِت" فِي الْأَرْض "وَفَرْعهَا" غُصْنهَا
تُؤۡتِیۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِینِۭ بِإِذۡنِ رَبِّهَاۗ وَیَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ یَتَذَكَّرُونَ ﴿٢٥﴾
"تُؤْتِي" تُعْطِي "أُكُلهَا" ثَمَرهَا "كُلّ حِين بِإِذْنِ رَبّهَا" بِإِرَادَتِهِ كَذَلِك كَلِمَة الْإِيمَان ثَابِتَة فِي قَلْب الْمُؤْمِن وَعَمَله يَصْعَد إلَى السَّمَاء وَيَنَالهُ بَرَكَته وَثَوَابه كُلّ وَقْت "وَيَضْرِب" يُبَيِّن "اللَّه الْأَمْثَال لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ" يَتَّعِظُونَ فَيُؤْمِنُونَ
وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِیثَةࣲ كَشَجَرَةٍ خَبِیثَةٍ ٱجۡتُثَّتۡ مِن فَوۡقِ ٱلۡأَرۡضِ مَا لَهَا مِن قَرَارࣲ ﴿٢٦﴾
"وَمَثَل كَلِمَة خَبِيثَة" هِيَ كَلِمَة الْكُفْر "كَشَجَرَةٍ خَبِيثَة" هِيَ الْحَنْظَل "اُجْتُثَّتْ" اُسْتُؤْصِلَتْ "مِنْ فَوْق الْأَرْض مَا لَهَا مِنْ قَرَار" مُسْتَقَرّ وَثَبَات كَذَلِك كَلِمَة الْكُفْر لَا ثَبَات لَهَا وَلَا فَرْع وَلَا بَرَكَة
یُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُواْ بِٱلۡقَوۡلِ ٱلثَّابِتِ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَفِی ٱلۡـَٔاخِرَةِۖ وَیُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّـٰلِمِینَۚ وَیَفۡعَلُ ٱللَّهُ مَا یَشَاۤءُ ﴿٢٧﴾
"يُثَبِّت اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِت" هِيَ كَلِمَة التَّوْحِيد "فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة" أَيْ فِي الْقَبْر لَمَّا يَسْأَلهُمْ الْمَلَكَانِ عَنْ رَبّهمْ وَدِينهمْ وَنَبِيّهمْ فَيُجِيبُونَ بِالصَّوَابِ كَمَا فِي حَدِيث الشَّيْخَيْنِ "وَيُضِلّ اللَّه الظَّالِمِينَ" الْكُفَّار فَلَا يَهْتَدُونَ لِلْجَوَابِ بِالصَّوَابِ بَلْ يَقُولُونَ لَا نَدْرِي كَمَا فِي الْحَدِيث
۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِینَ بَدَّلُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ كُفۡرࣰا وَأَحَلُّواْ قَوۡمَهُمۡ دَارَ ٱلۡبَوَارِ ﴿٢٨﴾
"أَلَمْ تَرَ" تَنْظُر "إلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَة اللَّه" أَيْ شُكْرهَا "كُفْرًا" هُمْ كُفَّار قُرَيْش "وَأَحَلُّوا" أَنْزَلُوا "قَوْمهمْ" بِإِضْلَالِهِمْ إيَّاهُمْ "دَار الْبَوَار" الْهَلَاك
جَهَنَّمَ یَصۡلَوۡنَهَاۖ وَبِئۡسَ ٱلۡقَرَارُ ﴿٢٩﴾
"جَهَنَّم" عَطْف بَيَان "يَصْلَوْنَهَا" يَدْخُلُونَهَا "وَبِئْسَ الْقَرَار" الْمَقَرّ هِيَ
وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادࣰا لِّیُضِلُّواْ عَن سَبِیلِهِۦۗ قُلۡ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِیرَكُمۡ إِلَى ٱلنَّارِ ﴿٣٠﴾
"وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا" شُرَكَاء "لِيُضِلُّوا" بِفَتْحِ الْيَاء وَضَمّهَا "عَنْ سَبِيله" دِين الْإِسْلَام "قُلْ" لَهُمْ "تَمَتَّعُوا" بِدُنْيَاكُمْ قَلِيلًا "فَإِنَّ مَصِيركُمْ" مَرْجِعكُمْ
قُل لِّعِبَادِیَ ٱلَّذِینَ ءَامَنُواْ یُقِیمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَیُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَـٰهُمۡ سِرࣰّا وَعَلَانِیَةࣰ مِّن قَبۡلِ أَن یَأۡتِیَ یَوۡمࣱ لَّا بَیۡعࣱ فِیهِ وَلَا خِلَـٰلٌ ﴿٣١﴾
"قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاة وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَة مِنْ قَبْل أَنْ يَأْتِي يَوْم لَا بَيْع" فِدَاء "فِيهِ وَلَا خِلَال" مُخَالَّة أَيْ صَدَاقَة تَنْفَع هُوَ يَوْم الْقِيَامَة
ٱللَّهُ ٱلَّذِی خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ مَاۤءࣰ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَ ٰ⁠تِ رِزۡقࣰا لَّكُمۡۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ لِتَجۡرِیَ فِی ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡأَنۡهَـٰرَ ﴿٣٢﴾
"اللَّه الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَات رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْك" السُّفُن "لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْر" بِالرُّكُوبِ وَالْحَمْل "بِأَمْرِهِ" بِإِذْنِهِ
وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ دَاۤىِٕبَیۡنِۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّیۡلَ وَٱلنَّهَارَ ﴿٣٣﴾
"وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْس وَالْقَمَر دَائِبَيْنِ" جَارِيَيْنِ فِي فَلَكهمَا لَا يَفْتُرَانِ "وَسَخَّرَ لَكُمُ الليل" لِتَسْكُنُوا فِيهِ "وَالنَّهَار" لِتَبْتَغُوا فِيهِ مِنْ فَضْله
وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلۡتُمُوهُۚ وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَاۤۗ إِنَّ ٱلۡإِنسَـٰنَ لَظَلُومࣱ كَفَّارࣱ ﴿٣٤﴾
"وَآتَاكُمْ مِنْ كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ" عَلَى حَسَب مَصَالِحكُمْ "وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَة اللَّه" بِمَعْنَى إنْعَامه "لَا تُحْصُوهَا" لَا تُطِيقُوا عَدَّهَا "إنَّ الْإِنْسَان" الْكَافِر "لَظَلُوم كَفَّار" كَثِير الظُّلْم لِنَفْسِهِ بِالْمَعْصِيَةِ وَالْكُفْر لِنِعْمَةِ رَبّه
وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَ ٰ⁠هِیمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَـٰذَا ٱلۡبَلَدَ ءَامِنࣰا وَٱجۡنُبۡنِی وَبَنِیَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ ﴿٣٥﴾
"و" اُذْكُرْ "إذْ قَالَ إبْرَاهِيم رَبّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَد" مَكَّة "آمِنًا" ذَا أَمْن وَقَدْ أَجَابَ اللَّه دُعَاءَهُ فَجَعَلَهُ حَرَمًا لَا يُسْفَك فِيهِ دَم إنْسَان وَلَا يُظْلَم فِيهِ أَحَد وَلَا يُصَاد صَيْده وَلَا يُتَخَلَّى خَلَاهُ "وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ" بَعِّدْنِي عَنْ
رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضۡلَلۡنَ كَثِیرࣰا مِّنَ ٱلنَّاسِۖ فَمَن تَبِعَنِی فَإِنَّهُۥ مِنِّیۖ وَمَنۡ عَصَانِی فَإِنَّكَ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ ﴿٣٦﴾
"رَبّ إنَّهُنَّ" أَيْ الْأَصْنَام "أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاس" بِعِبَادَتِهِمْ لَهَا "فَمَنْ تَبِعَنِي" عَلَى التَّوْحِيد "فَإِنَّهُ مِنِّي" مِنْ أَهْل دِينِي "وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّك غَفُور رَحِيم" هَذَا قَبْل عِلْمه أَنَّهُ تَعَالَى لَا يَغْفِر الشِّرْك
رَّبَّنَاۤ إِنِّیۤ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّیَّتِی بِوَادٍ غَیۡرِ ذِی زَرۡعٍ عِندَ بَیۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِیُقِیمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةࣰ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِیۤ إِلَیۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَ ٰ⁠تِ لَعَلَّهُمۡ یَشۡكُرُونَ ﴿٣٧﴾
"رَبّنَا إنِّي أَسْكَنْت مِنْ ذُرِّيَّتِي" أَيْ بَعْضهَا وَهُوَ إسْمَاعِيل مَعَ أُمّه هَاجَر "بِوَادٍ غَيْر ذِي زَرْع" هُوَ مَكَّة "عِنْد بَيْتك الْمُحَرَّم" الَّذِي كَانَ قَبْل الطُّوفَان "رَبّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاة فَاجْعَلْ أَفْئِدَة" قُلُوبًا "مِنَ النَّاس تَهْوِي" تَمِيل وَتَحِنّ "إلَيْهِمْ" قَالَ ابْن عَبَّاس لَوْ قَالَ أَفْئِدَة النَّاس لَحَنَّتْ إلَيْهِ فَارِس وَالرُّوم وَالنَّاس كُلّهمْ "وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَات لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ" وَقَدْ فَعَلَ بِنَقْلِ الطَّائِف إلَيْهِ
رَبَّنَاۤ إِنَّكَ تَعۡلَمُ مَا نُخۡفِی وَمَا نُعۡلِنُۗ وَمَا یَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَیۡءࣲ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِی ٱلسَّمَاۤءِ ﴿٣٨﴾
"رَبّنَا إنَّك تَعْلَم مَا نُخْفِي" نُسِرّ "وَمَا نُعْلِن وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّه مِنْ" زَائِدَة "شَيْء فِي الْأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء" يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ كَلَامه تَعَالَى أَوْ كَلَام إبْرَاهِيم
ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِی وَهَبَ لِی عَلَى ٱلۡكِبَرِ إِسۡمَـٰعِیلَ وَإِسۡحَـٰقَۚ إِنَّ رَبِّی لَسَمِیعُ ٱلدُّعَاۤءِ ﴿٣٩﴾
"الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي" أَعْطَانِي "عَلَى" مَعَ "الْكِبَر إسْمَاعِيل" وُلِدَ وَلَهُ تِسْع وَتِسْعُونَ سَنَة "وَإِسْحَاق" وُلِدَ وَلَهُ مِائَة وَاثْنَتَا عَشْرَة سَنَة
رَبِّ ٱجۡعَلۡنِی مُقِیمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّیَّتِیۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَاۤءِ ﴿٤٠﴾
"رَبّ اجْعَلْنِي مُقِيم الصَّلَاة وَ" اجْعَلْ "مِنْ ذُرِّيَّتِي" مِنْ يُقِيمهَا وَأَتَى بِمَنْ لِإِعْلَامِ اللَّه تَعَالَى لَهُ أَنَّ مِنْهُمْ كُفَّارًا "رَبّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء" الْمَذْكُور
رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِی وَلِوَ ٰ⁠لِدَیَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِینَ یَوۡمَ یَقُومُ ٱلۡحِسَابُ ﴿٤١﴾
"رَبّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدِيَّ" هَذَا قَبْل أَنْ يَتَبَيَّن لَهُ عَدَاوَتهمَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَقِيلَ أَسْلَمَتْ أُمّه وَقُرِئَ وَالِدِي مُفْرَدًا وَوَلَدِي "وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْم يَقُوم" يَثْبُت
وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱللَّهَ غَـٰفِلًا عَمَّا یَعۡمَلُ ٱلظَّـٰلِمُونَۚ إِنَّمَا یُؤَخِّرُهُمۡ لِیَوۡمࣲ تَشۡخَصُ فِیهِ ٱلۡأَبۡصَـٰرُ ﴿٤٢﴾
"وَلَا تَحْسَبَن اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَل الظَّالِمُونَ" الْكَافِرُونَ مِنْ أَهْل مَكَّة "إنَّمَا يُؤَخِّرهُمْ" بِلَا عَذَاب "لِيَوْمٍ تَشْخَص فِيهِ الْأَبْصَار" لِهَوْلِ مَا تَرَى يُقَال شَخَصَ بَصَرُ فُلَانٍ أَيْ فَتَحَهُ فَلَمْ يُغْمِضهُ
مُهۡطِعِینَ مُقۡنِعِی رُءُوسِهِمۡ لَا یَرۡتَدُّ إِلَیۡهِمۡ طَرۡفُهُمۡۖ وَأَفۡـِٔدَتُهُمۡ هَوَاۤءࣱ ﴿٤٣﴾
"مُهْطِعِينَ" مُسْرِعِينَ حَال "مُقْنِعِي" رَافِعِي "رُءُوسهمْ" إلَى السَّمَاء "لَا يَرْتَدّ إلَيْهِمْ طَرْفهمْ" بَصَرهمْ "وَأَفْئِدَتهمْ" قُلُوبهمْ "هَوَاء" خَالِيَة مِنْ الْعَقْل لِفَزَعِهِمْ
وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ یَوۡمَ یَأۡتِیهِمُ ٱلۡعَذَابُ فَیَقُولُ ٱلَّذِینَ ظَلَمُواْ رَبَّنَاۤ أَخِّرۡنَاۤ إِلَىٰۤ أَجَلࣲ قَرِیبࣲ نُّجِبۡ دَعۡوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَۗ أَوَلَمۡ تَكُونُوۤاْ أَقۡسَمۡتُم مِّن قَبۡلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالࣲ ﴿٤٤﴾
"وَأَنْذِرْ" خَوِّفْ يَا مُحَمَّد "النَّاس" الْكُفَّار "يَوْم يَأْتِيهِمْ الْعَذَاب" هُوَ يَوْم الْقِيَامَة "فَيَقُول الَّذِينَ ظَلَمُوا" كَفَرُوا "رَبّنَا أَخِّرْنَا" بِأَنْ تَرُدّنَا إلَى الدُّنْيَا "إلَى أَجَل قَرِيب نُجِبْ دَعْوَتك" بِالتَّوْحِيدِ "وَنَتَّبِع الرُّسُل" فَيُقَال لَهُمْ تَوْبِيخًا : "أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ" حَلَفْتُمْ "مِنْ قَبْل" فِي الدُّنْيَا "مَا لَكُمْ مِنْ" زَائِدَة "زَوَال" عَنْهَا إلَى الْآخِرَة
وَسَكَنتُمۡ فِی مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِینَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمۡ وَتَبَیَّنَ لَكُمۡ كَیۡفَ فَعَلۡنَا بِهِمۡ وَضَرَبۡنَا لَكُمُ ٱلۡأَمۡثَالَ ﴿٤٥﴾
"وَسَكَنْتُمْ" فِيهَا "فِي مَسَاكِن الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ" بِالْكُفْرِ مِنْ الْأُمَم السَّابِقَة "وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ" مِنْ الْعُقُوبَة فَلَمْ تَنْزَجِرُوا "وَضَرَبْنَا" بَيَّنَّا "لَكُمُ الْأَمْثَال" فِي الْقُرْآن فَلَمْ تَعْتَبِرُوا
وَقَدۡ مَكَرُواْ مَكۡرَهُمۡ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكۡرُهُمۡ وَإِن كَانَ مَكۡرُهُمۡ لِتَزُولَ مِنۡهُ ٱلۡجِبَالُ ﴿٤٦﴾
"وَقَدْ مَكَرُوا" بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "مَكْرهمْ" حَيْثُ أَرَادُوا قَتْله أَوْ تَقْيِيده أَوْ إخْرَاجه "وَعِنْد اللَّه مَكْرهمْ" أَيْ عِلْمه أَوْ جَزَاؤُهُ "وَإِنْ" مَا "كَانَ مَكْرهمْ" وَإِنْ عَظُمَ "لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال" الْمَعْنَى لَا يَعْبَأ بِهِ وَلَا يَضُرّ إلَّا أَنْفُسهمْ وَالْمُرَاد بِالْجِبَالِ هُنَا قِيلَ حَقِيقَتهَا وَقِيلَ شَرَائِع الْإِسْلَام الْمُشَبَّهَة بِهَا فِي الْقَرَار وَالثَّبَات وَفِي قِرَاءَةٍ بِفَتْحِ لَامِ لِتَزُولَ وَرَفْع الْفِعْل فَإِنْ مُخَفَّفَة وَالْمُرَاد تَعْظِيم مَكْرهمْ وَقِيلَ الْمُرَاد بِالْمَكْرِ كُفْرهمْ وَيُنَاسِبهُ عَلَى الثَّانِيَة "تَكَاد السَّمَاوَات يَتَفَطَّرَن مِنْهُ وَتَنْشَقّ الْأَرْض وَتَخِرّ الْجِبَال هَدًّا" وَعَلَى الْأَوَّل مَا قُرِئَ وَمَا كَانَ
فَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخۡلِفَ وَعۡدِهِۦ رُسُلَهُۥۤۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِیزࣱ ذُو ٱنتِقَامࣲ ﴿٤٧﴾
"فَلَا تَحْسَبَنّ اللَّهَ مُخْلِف وَعْده رُسُله" بِالنَّصْرِ "إنَّ اللَّه عَزِيز" غَالِب لَا يَعْجِزهُ شَيْء "ذُو انْتِقَام" مِمَّنْ عَصَاهُ
یَوۡمَ تُبَدَّلُ ٱلۡأَرۡضُ غَیۡرَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تُۖ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلۡوَ ٰ⁠حِدِ ٱلۡقَهَّارِ ﴿٤٨﴾
اذْكُر "يَوْم تُبَدَّل الْأَرْض غَيْر الْأَرْض وَالسَّمَاوَات" هُوَ يَوْم الْقِيَامَة فَيُحْشَر النَّاس عَلَى أَرْض بَيْضَاء نَقِيَّة كَمَا فِي حَدِيث الصَّحِيحَيْنِ وَرَوَى مُسْلِم حَدِيث : سُئِلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْنَ النَّاس يَوْمئِذٍ قَالَ : "عَلَى الصِّرَاط" "وَبَرَزُوا" خَرَجُوا مِنْ الْقُبُور
وَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِینَ یَوۡمَىِٕذࣲ مُّقَرَّنِینَ فِی ٱلۡأَصۡفَادِ ﴿٤٩﴾
"وَتَرَى" يَا مُحَمَّد تُبْصِر "الْمُجْرِمِينَ" الْكَافِرِينَ "يَوْمئِذٍ مُقَرَّنِينَ" مَشْدُودِينَ مَعَ شَيَاطِينهمْ "فِي الْأَصْفَاد" الْقُيُود أَوْ الْأَغْلَال
سَرَابِیلُهُم مِّن قَطِرَانࣲ وَتَغۡشَىٰ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ ﴿٥٠﴾
"سَرَابِيلهمْ" قُمُصُهُمْ "مِنْ قَطِرَان" لِأَنَّهُ أَبْلَغ لِاشْتِعَالِ النَّار "وَتَغْشَى" تَعْلُو
لِیَجۡزِیَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفۡسࣲ مَّا كَسَبَتۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِیعُ ٱلۡحِسَابِ ﴿٥١﴾
"لِيَجْزِيَ" مُتَعَلِّق بِبَرَزُوا "اللَّه كُلّ نَفْس مَا كَسَبَتْ" مِنْ خَيْر وَشَرّ "إنَّ اللَّه سَرِيع الْحِسَاب" يُحَاسِب جَمِيع الْخَلْق فِي قَدْر نِصْف نَهَار مِنْ أَيَّام الدُّنْيَا لِحَدِيثٍ بِذَلِكَ
هَـٰذَا بَلَـٰغࣱ لِّلنَّاسِ وَلِیُنذَرُواْ بِهِۦ وَلِیَعۡلَمُوۤاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهࣱ وَ ٰ⁠حِدࣱ وَلِیَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَـٰبِ ﴿٥٢﴾
"هَذَا" الْقُرْآن "بَلَاغ لِلنَّاسِ" أَيْ أُنْزِلَ لِتَبْلِيغِهِمْ "وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا" بِمَا فِيهِ مِنْ الْحُجَج "أَنَّمَا هُوَ" أَيْ اللَّه "إلَه وَاحِد وَلِيَذَّكَّرَ" بِإِدْغَامِ التَّاء فِي الْأَصْل فِي الذَّال يَتَّعِظ "أُولُو الْأَلْبَاب" أَصْحَاب الْعُقُول