سورة القلم تفسير السعدي
نۤۚ وَٱلۡقَلَمِ وَمَا یَسۡطُرُونَ ﴿١﴾
(ن) سبق الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة البقرة.
أقسم الله بالقلم الذي يكتب به الملائكة والناس, وبما يكتبون من الخير والنفع والعلم.
أقسم الله بالقلم الذي يكتب به الملائكة والناس, وبما يكتبون من الخير والنفع والعلم.
مَاۤ أَنتَ بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ بِمَجۡنُونࣲ ﴿٢﴾
ما أنت- يا محمد- بسبب نعمة الله عليك بالنبوة والرسالة بضعيف العقل, ولا سفيه الرأى,
وَإِنَّ لَكَ لَأَجۡرًا غَیۡرَ مَمۡنُونࣲ ﴿٣﴾
وإن لك على ما تلقاه من شدائد على تبليغ الرسالة لثوابا عظيما غير منقوص ولا مقطوع,
وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِیمࣲ ﴿٤﴾
وإنك- يا محمد- لعلى خلق عظيم, وهو ما اشتمل عليه القرآن من مكارم الأخلاق.
فقد كان امتثال القرآن سجية له يأتمر بأمره, وينتهي عما ينهى عنه-.
فقد كان امتثال القرآن سجية له يأتمر بأمره, وينتهي عما ينهى عنه-.
فَسَتُبۡصِرُ وَیُبۡصِرُونَ ﴿٥﴾
فعن قريب سترى يا محمد ,
بِأَییِّكُمُ ٱلۡمَفۡتُونُ ﴿٦﴾
ويرى الكافرون في أيكم الفتنة والجنون؟
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِیلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِینَ ﴿٧﴾
إن ربك- سبحانه- هو أعلم بالشقي المنحرف عن دين الله وطريق الهدى, وهو أعلم بالتقي المهتدي إلى دين الحق.
فَلَا تُطِعِ ٱلۡمُكَذِّبِینَ ﴿٨﴾
فاثبت على ما أنت عليه- يا محمد- من مخالفة المكذبين ولا تطعهم.
وَدُّواْ لَوۡ تُدۡهِنُ فَیُدۡهِنُونَ ﴿٩﴾
تمنوا وأحبوا لو تلاينهم, وتصانعهم بعض الشيء, فيلينون لك.
وَلَا تُطِعۡ كُلَّ حَلَّافࣲ مَّهِینٍ ﴿١٠﴾
ولا تطع -يا محمد- كل كثير الحلف كذاب حقير,
هَمَّازࣲ مَّشَّاۤءِۭ بِنَمِیمࣲ ﴿١١﴾
مغتاب للناس , نقال للحديث على وجه الإفساد بينهم,
مَّنَّاعࣲ لِّلۡخَیۡرِ مُعۡتَدٍ أَثِیمٍ ﴿١٢﴾
بخيل بالمال ضنين به عن الحق, شديد المنع للخير, متجاوز حده في العدوان على الناس وتناول المحرمات , كثير الآثام, شديد في كفره,
عُتُلِّۭ بَعۡدَ ذَ ٰلِكَ زَنِیمٍ ﴿١٣﴾
فاحش لئيم, منسوب لغير أبيه,
أَن كَانَ ذَا مَالࣲ وَبَنِینَ ﴿١٤﴾
من أجل أنه كان صاحب مال وبنين.
إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَیۡهِ ءَایَـٰتُنَا قَالَ أَسَـٰطِیرُ ٱلۡأَوَّلِینَ ﴿١٥﴾
إذا قرأ عليه أحد آيات القرآن كذب بها , وقال: هذا أباطيل الأولين وخرافاتهم وفي هذه الآيات تحذير المسلم من موافقة من اتصف بهذه الصفات الذميمة.
سَنَسِمُهُۥ عَلَى ٱلۡخُرۡطُومِ ﴿١٦﴾
سنجعل على أنفه علامة لازمة لا تفارقه; ليكون مفتضحا بها أمام الناس.
إِنَّا بَلَوۡنَـٰهُمۡ كَمَا بَلَوۡنَاۤ أَصۡحَـٰبَ ٱلۡجَنَّةِ إِذۡ أَقۡسَمُواْ لَیَصۡرِمُنَّهَا مُصۡبِحِینَ ﴿١٧﴾
إنا اختبرنا أهل " مكة " بالجوع والقحط , كما اختبرنا أصحاب الحديقة حين حلفوا فيما بينهم, ليقطعن ثمار حديقتهم مبكرين في الصباح, فلا يطعم منها غيرهم,
وَلَا یَسۡتَثۡنُونَ ﴿١٨﴾
ولم يقولوا: إن شاء الله.
فَطَافَ عَلَیۡهَا طَاۤىِٕفࣱ مِّن رَّبِّكَ وَهُمۡ نَاۤىِٕمُونَ ﴿١٩﴾
فأنزل الله عليها نارا أحرقتها ليلا, وهم نائمون,
فَأَصۡبَحَتۡ كَٱلصَّرِیمِ ﴿٢٠﴾
فأصبحت محترقة سوداء كالليل المظلم.
فَتَنَادَوۡاْ مُصۡبِحِینَ ﴿٢١﴾
فنادى بعضهم بعضا وقت الصباح:
أَنِ ٱغۡدُواْ عَلَىٰ حَرۡثِكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَـٰرِمِینَ ﴿٢٢﴾
أن اذهبوا مبكرين إلى زرعكم , إن كنتم مصرين على قطع الثمار.
فَٱنطَلَقُواْ وَهُمۡ یَتَخَـٰفَتُونَ ﴿٢٣﴾
فاندفعوا مسرعين , وهم يتسارون بالحديث فيما بينهم:
أَن لَّا یَدۡخُلَنَّهَا ٱلۡیَوۡمَ عَلَیۡكُم مِّسۡكِینࣱ ﴿٢٤﴾
بأن لا تمكنوا اليوم أحدا من المساكين من دخول حديقتكم.
وَغَدَوۡاْ عَلَىٰ حَرۡدࣲ قَـٰدِرِینَ ﴿٢٥﴾
وصاروا في أول النهار إلى حديقتهم على قصدهم السيء في منع المساكين من ثمار الحديقة, وهم في غاية القدرة على تنفيذه في زعمهم.
فَلَمَّا رَأَوۡهَا قَالُوۤاْ إِنَّا لَضَاۤلُّونَ ﴿٢٦﴾
فلما رأوا حديقتهم محترقة أنكروها, وقالوا: لقد أخطأنا الطريق إليها,
بَلۡ نَحۡنُ مَحۡرُومُونَ ﴿٢٧﴾
فلما عرفها أنها هي جنتهم , قالوا: بل نحن محرومون خيرها; بسبب عزمنا على البخل ومنع المساكين.
قَالَ أَوۡسَطُهُمۡ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ لَوۡلَا تُسَبِّحُونَ ﴿٢٨﴾
قال أعدلهم: ألم أقل لكم هلا تستثنون وتقولون: إن شاء الله؟
قَالُواْ سُبۡحَـٰنَ رَبِّنَاۤ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِینَ ﴿٢٩﴾
قالوا بعد أن عادوا إلى رشدهم: تنزه الله ربنا عن الظلم فيما أصابنا, بل نحن كنا الظالمين لأنفسنا بترك الاستثناء وقصدنا السيئ.
فَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضࣲ یَتَلَـٰوَمُونَ ﴿٣٠﴾
فأقبل بعضهم على بعض, يلوم كل منهم الآخر على تركهم الاستثناء وعلى قصدهم السيئ,
قَالُواْ یَـٰوَیۡلَنَاۤ إِنَّا كُنَّا طَـٰغِینَ ﴿٣١﴾
قالوا: يا ويلنا إنا كنا متجاوزين الحد في منعنا الفقراء ومخالفة أمر الله ,
عَسَىٰ رَبُّنَاۤ أَن یُبۡدِلَنَا خَیۡرࣰا مِّنۡهَاۤ إِنَّاۤ إِلَىٰ رَبِّنَا رَ ٰغِبُونَ ﴿٣٢﴾
عسى ربنا أن يعطينا أفضل من حديقتنا; بسبب توبتنا واعترافنا بخطيئتنا إنا إلى ربنا وحده راغبون, راجون العفو, طالبون الخير.
كَذَ ٰلِكَ ٱلۡعَذَابُۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡـَٔاخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ یَعۡلَمُونَ ﴿٣٣﴾
مثل ذلك العقاب الذي عاقبنا به أهل الحديقة يكون عقابنا في الدنيا لكل من خالف أمر الله, وبخل بما أتاه الله من النعم, ولعذاب الآخرة أعظم وأشد من عذاب الدنيا, لو كانوا يعلمون لانزجروا عن كل سبب يوجب العقاب.
إِنَّ لِلۡمُتَّقِینَ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِیمِ ﴿٣٤﴾
إن الذين اتقوا عقاب الله بفعل ما أمرهم به وترك ما نهاهم عنه, لهم عند ربهم في الآخرة جنات فيها النعيم المقيم.
أَفَنَجۡعَلُ ٱلۡمُسۡلِمِینَ كَٱلۡمُجۡرِمِینَ ﴿٣٥﴾
أفنجعل الخاضعين لله بالطاعة كالكافرين؟
مَا لَكُمۡ كَیۡفَ تَحۡكُمُونَ ﴿٣٦﴾
ما لكم كيف حكمتم هذا الحكم الجائر , فساويتم بينهم في الثواب؟
أَمۡ لَكُمۡ كِتَـٰبࣱ فِیهِ تَدۡرُسُونَ ﴿٣٧﴾
أم لكم كتاب منزل من السماء تجدون فيه المطيع كالعاصي, فأنتم تدرسون فيه ما تقولون؟
إِنَّ لَكُمۡ فِیهِ لَمَا تَخَیَّرُونَ ﴿٣٨﴾
إن لكم في هذا الكتاب إذا ما تشتهون, ليس لكم ذلك.
أَمۡ لَكُمۡ أَیۡمَـٰنٌ عَلَیۡنَا بَـٰلِغَةٌ إِلَىٰ یَوۡمِ ٱلۡقِیَـٰمَةِ إِنَّ لَكُمۡ لَمَا تَحۡكُمُونَ ﴿٣٩﴾
أم لكم عهود ومواثيق علينا في أنه سيحصل لكم ما تريدون وتشتهون؟
سَلۡهُمۡ أَیُّهُم بِذَ ٰلِكَ زَعِیمٌ ﴿٤٠﴾
سل المشركين- يا محمد-: أيهم بذلك الحكم كفيل وضامن بأن يكون له ذلك؟
أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَاۤءُ فَلۡیَأۡتُواْ بِشُرَكَاۤىِٕهِمۡ إِن كَانُواْ صَـٰدِقِینَ ﴿٤١﴾
أم لهم آلهة تكفل لهم ما يقولون , وتعينهم على إدراك ما طلبوا , فليأتوا بها إن كانوا صادقين في دعواهم؟
یَوۡمَ یُكۡشَفُ عَن سَاقࣲ وَیُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلَا یَسۡتَطِیعُونَ ﴿٤٢﴾
يوم القيامة يشتد الأمر ويصعب هوله, ويأتي الله تعالى لفصل القضاء بين الخلائق , فيكشف عن ساقه الكريمة التي لا يشبهها شيء, قال صلى الله عليه وسلم: " يكشف ربنا عن ساقه, فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة, ويبقى من كان يسجد في الدنيا.
رياء وسمعة, فيذهب ليسجد, فيعود ظهره طبقا واحدا " رواه البخاري ومسلم.
رياء وسمعة, فيذهب ليسجد, فيعود ظهره طبقا واحدا " رواه البخاري ومسلم.
خَـٰشِعَةً أَبۡصَـٰرُهُمۡ تَرۡهَقُهُمۡ ذِلَّةࣱۖ وَقَدۡ كَانُواْ یُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمۡ سَـٰلِمُونَ ﴿٤٣﴾
منكسرة أبصارهم لا يرفعونها , تغشاهم ذلة شديدة من عذاب الله, وقد كانوا في الدنيا يدعون إلى الصلاة لله وعبادته, وهم أصحاء قادرون عليه فلا يسجدون; تعظما واستكبارا.
فَذَرۡنِی وَمَن یُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلۡحَدِیثِۖ سَنَسۡتَدۡرِجُهُم مِّنۡ حَیۡثُ لَا یَعۡلَمُونَ ﴿٤٤﴾
فذرني- يا محمد- ومن يكذب بهذا القرآن, فإن علي جزاءهم والانتقام منهم, سنمدهم بالأموال والأولاد والنعم.
استدراجا لهم من حيث لا يشعرون أنه سبب لإهلاكهم,
استدراجا لهم من حيث لا يشعرون أنه سبب لإهلاكهم,
وَأُمۡلِی لَهُمۡۚ إِنَّ كَیۡدِی مَتِینٌ ﴿٤٥﴾
وأمهلهم وأطيل أعمارهم; ليزدادوا إثما إن كيدي بأهل الكفر قوي شديد.
أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ أَجۡرࣰا فَهُم مِّن مَّغۡرَمࣲ مُّثۡقَلُونَ ﴿٤٦﴾
أم نسأل- يا محمد- هؤلاء المشركين أجرا دنيويا على تبليغ الرسالة فهم من غرامة ذلك مكلفون حملا ثقيلا؟
أَمۡ عِندَهُمُ ٱلۡغَیۡبُ فَهُمۡ یَكۡتُبُونَ ﴿٤٧﴾
بل أعندهم علم الغيب, فهم يكتبون عنه ما يحكمون به لأنفسهم من أنهم أفضل منزلة عند الله من أهل الإيمان به؟
فَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ ٱلۡحُوتِ إِذۡ نَادَىٰ وَهُوَ مَكۡظُومࣱ ﴿٤٨﴾
فاصبر- يا محمد- لما حكم به ربك وقضاه, ومن ذلك إمهالهم وتأخير نصرتك عليهم, ولا تكن كصاحب الحوت, وهو يونس عليه السلام- في العجلة والغضب , حين نادى ربه, وهو مملوء غما طالبا تعجيل العذاب لهم,
لَّوۡلَاۤ أَن تَدَ ٰرَكَهُۥ نِعۡمَةࣱ مِّن رَّبِّهِۦ لَنُبِذَ بِٱلۡعَرَاۤءِ وَهُوَ مَذۡمُومࣱ ﴿٤٩﴾
لولا أن تداركه نعمة من ربه بتوفيقه للتوبة وقبولها لطرح من بطن الحوت بالأرض الفضاء المهلكة, وهو آت بما يلام عليه,
فَٱجۡتَبَـٰهُ رَبُّهُۥ فَجَعَلَهُۥ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِینَ ﴿٥٠﴾
فاصطفاه ربه لرسالته, فجعله من الصالحين الذين صلحت نياتهم وأعمالهم وأقوالهم.
وَإِن یَكَادُ ٱلَّذِینَ كَفَرُواْ لَیُزۡلِقُونَكَ بِأَبۡصَـٰرِهِمۡ لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكۡرَ وَیَقُولُونَ إِنَّهُۥ لَمَجۡنُونࣱ ﴿٥١﴾
وإن يكاد الكفار- يا محمد- ليسقطونك عن مكانك بنظرهم إليك عدواة وبغضا حين سمعوا القرآن, ويقولون: إنك لمجنون.
وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكۡرࣱ لِّلۡعَـٰلَمِینَ ﴿٥٢﴾
وما القرآن إلا موعظة وتذكير للعالمين من الإنس والجن.
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian