صفحات الموقع

سورة الجاثية تفسير الجلالين

حمۤ ﴿١﴾
"حم" اللَّه أَعْلَم بِمُرَادِهِ بِهِ
تَنزِیلُ ٱلۡكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِیزِ ٱلۡحَكِیمِ ﴿٢﴾
"تَنْزِيل الْكِتَاب" الْقُرْآن مُبْتَدَأ "مِنَ اللَّه" خَبَره "الْعَزِيز" فِي مُلْكه "الْحَكِيم" فِي صُنْعه
إِنَّ فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ لَـَٔایَـٰتࣲ لِّلۡمُؤۡمِنِینَ ﴿٣﴾
"إنَّ فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض" أَيْ فِي خَلْقهمَا "لَآيَات" دَالَّة عَلَى قُدْرَة اللَّه وَوَحْدَانِيّته تَعَالَى
وَفِی خَلۡقِكُمۡ وَمَا یَبُثُّ مِن دَاۤبَّةٍ ءَایَـٰتࣱ لِّقَوۡمࣲ یُوقِنُونَ ﴿٤﴾
"وَفِي خَلْقكُمْ" أَيْ فِي خَلْق كُلّ مِنْكُمْ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ عَلَقَة ثُمَّ مُضْغَة إلَى أَنْ صَارَ إنْسَانًا "وَمَا يَبُثّ" يُفَرَّق فِي الْأَرْض "مِنْ دَابَّة" هِيَ مَا يَدِبّ عَلَى الْأَرْض مِنْ النَّاس وَغَيْرهمْ "آيَات لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ" بِالْبَعْثِ
وَٱخۡتِلَـٰفِ ٱلَّیۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ مِن رِّزۡقࣲ فَأَحۡیَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَتَصۡرِیفِ ٱلرِّیَـٰحِ ءَایَـٰتࣱ لِّقَوۡمࣲ یَعۡقِلُونَ ﴿٥﴾
"وَ" فِي "اخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار" ذَهَابهمَا وَمَجِيئُهُمَا "وَمَا أَنْزَلَ اللَّه مِنَ السَّمَاء مِنْ رِزْق" مَطَر لِأَنَّهُ سَبَب الرِّزْق "فَأَحْيَا الْأَرْض بَعْد مَوْتهَا وَتَصْرِيف الرِّيَاح" تَقْلِيبهَا مَرَّة جَنُوبًا وَمَرَّة شِمَالًا وَبَارِدَة وَحَارَّة "آيَات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" الدَّلِيل فَيُؤْمِنُونَ
تِلۡكَ ءَایَـٰتُ ٱللَّهِ نَتۡلُوهَا عَلَیۡكَ بِٱلۡحَقِّۖ فَبِأَیِّ حَدِیثِۭ بَعۡدَ ٱللَّهِ وَءَایَـٰتِهِۦ یُؤۡمِنُونَ ﴿٦﴾
"تِلْكَ" الْآيَات الْمَذْكُورَة "آيَات اللَّه" حُجَجه الدَّالَّة عَلَى وَحْدَانِيّته "نَتْلُوهَا" نَقُصّهَا "عَلَيْك بِالْحَقِّ" مُتَعَلِّق بِنَتْلُو "فَبِأَيِّ حَدِيث بَعْد اللَّه" أَيْ حَدِيثه وَهُوَ الْقُرْآن "وَآيَاته" حُجَجه "يُؤْمِنُونَ" أَيْ كُفَّار مَكَّة أَيْ لَا يُؤْمِنُونَ وَفِي قِرَاءَة بِالتَّاءِ
وَیۡلࣱ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِیمࣲ ﴿٧﴾
"وَيْل" كَلِمَة عَذَاب "لِكُلِّ أَفَّاك" كَذَّاب "أَثِيم" كَثِير الْإِثْم
یَسۡمَعُ ءَایَـٰتِ ٱللَّهِ تُتۡلَىٰ عَلَیۡهِ ثُمَّ یُصِرُّ مُسۡتَكۡبِرࣰا كَأَن لَّمۡ یَسۡمَعۡهَاۖ فَبَشِّرۡهُ بِعَذَابٍ أَلِیمࣲ ﴿٨﴾
"يَسْمَع آيَات اللَّه" الْقُرْآن "تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرّ" عَلَى كُفْره "مُسْتَكْبِرًا" مُتَكَبِّرًا عَنْ الْإِيمَان "كَأَنْ لَمْ يَسْمَعهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيم" مُؤْلِم
وَإِذَا عَلِمَ مِنۡ ءَایَـٰتِنَا شَیۡـًٔا ٱتَّخَذَهَا هُزُوًاۚ أُوْلَـٰۤىِٕكَ لَهُمۡ عَذَابࣱ مُّهِینࣱ ﴿٩﴾
"وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتنَا" أَيْ الْقُرْآن "شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا" أَيْ مَهْزُوءًا بِهَا "أُولَئِكَ" أَيْ الْأَفَّاكُونَ "لَهُمْ عَذَاب مُهِين" ذُو إهَانَة
مِّن وَرَاۤىِٕهِمۡ جَهَنَّمُۖ وَلَا یُغۡنِی عَنۡهُم مَّا كَسَبُواْ شَیۡـࣰٔا وَلَا مَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِیَاۤءَۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِیمٌ ﴿١٠﴾
"مِنْ وَرَائِهِمْ" أَيْ أَمَامهمْ لِأَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا "جَهَنَّم وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا" مِنْ الْمَال وَالْفِعَال "شَيْئًا وَلَا اتَّخَذُوا مِنْ دُون اللَّه" أَيْ الْأَصْنَام
هَـٰذَا هُدࣰىۖ وَٱلَّذِینَ كَفَرُواْ بِـَٔایَـٰتِ رَبِّهِمۡ لَهُمۡ عَذَابࣱ مِّن رِّجۡزٍ أَلِیمٌ ﴿١١﴾
"هَذَا" أَيْ الْقُرْآن "هُدًى" مِنْ الضَّلَالَة "وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبّهمْ لَهُمْ عَذَاب" حَظّ "مِنْ رِجْز" أَيْ عَذَاب "أَلِيم" مُوجِع
۞ ٱللَّهُ ٱلَّذِی سَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡبَحۡرَ لِتَجۡرِیَ ٱلۡفُلۡكُ فِیهِ بِأَمۡرِهِۦ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ﴿١٢﴾
"اللَّه الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْر لِتَجْرِيَ الْفُلْك" السُّفُن "فِيهِ بِأَمْرِهِ" بِإِذْنِهِ "وَلِتَبْتَغُوا" تَطْلُبُوا بِالتِّجَارَةِ
وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَمَا فِی ٱلۡأَرۡضِ جَمِیعࣰا مِّنۡهُۚ إِنَّ فِی ذَ ٰ⁠لِكَ لَـَٔایَـٰتࣲ لِّقَوۡمࣲ یَتَفَكَّرُونَ ﴿١٣﴾
"وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَات" مِنْ شَمْس وَقَمَر وَنُجُوم وَمَاء وَغَيْره "وَمَا فِي الْأَرْض" مِنْ دَابَّة وَشَجَر وَنَبَات وَأَنْهَار وَغَيْرهَا أَيْ خَلَقَ ذَلِكَ لِمَنَافِعِكُمْ "جَمِيعًا" تَأْكِيد "مِنْهُ" حَال أَيْ سَخَّرَهَا كَائِنَة مِنْهُ تَعَالَى "إنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" فِيهَا فَيُؤْمِنُونَ
قُل لِّلَّذِینَ ءَامَنُواْ یَغۡفِرُواْ لِلَّذِینَ لَا یَرۡجُونَ أَیَّامَ ٱللَّهِ لِیَجۡزِیَ قَوۡمَۢا بِمَا كَانُواْ یَكۡسِبُونَ ﴿١٤﴾
"قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ" يَخَافُونَ "أَيَّام اللَّه" وَقَائِعه أَيْ اغْفِرُوا لِلْكُفَّارِ مَا وَقَعَ مِنْهُمْ مِنْ الْأَذَى لَكُمْ وَهَذَا قَبْل الْأَمْر بِجِهَادِهِمْ "لِيَجْزِيَ" أَيْ اللَّه وَفِي قِرَاءَة بِالنُّونِ "قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ" مِنْ الْغَفْر لِلْكُفَّارِ أَذَاهُمْ
مَنۡ عَمِلَ صَـٰلِحࣰا فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَسَاۤءَ فَعَلَیۡهَاۖ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ تُرۡجَعُونَ ﴿١٥﴾
"مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ" عَمِلَ "وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا" أَسَاءَ "ثُمَّ إلَى رَبّكُمْ تُرْجَعُونَ" تَصِيرُونَ فَيُجَازِي الْمُصْلِح وَالْمُسِيء
وَلَقَدۡ ءَاتَیۡنَا بَنِیۤ إِسۡرَ ٰ⁠ۤءِیلَ ٱلۡكِتَـٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ وَرَزَقۡنَـٰهُم مِّنَ ٱلطَّیِّبَـٰتِ وَفَضَّلۡنَـٰهُمۡ عَلَى ٱلۡعَـٰلَمِینَ ﴿١٦﴾
"وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إسْرَائِيل الْكِتَاب" التَّوْرَاة "وَالْحُكْم" بِهِ بَيْن النَّاس "وَالنُّبُوَّة" لِمُوسَى وَهَارُونَ مِنْهُمْ "وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَات" الْحَلَالَاتِ كَالْمَنِّ وَالسَّلْوَى "وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ" عَالِمِي زَمَانهمْ الْعُقَلَاء
وَءَاتَیۡنَـٰهُم بَیِّنَـٰتࣲ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِۖ فَمَا ٱخۡتَلَفُوۤاْ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَاۤءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡیَۢا بَیۡنَهُمۡۚ إِنَّ رَبَّكَ یَقۡضِی بَیۡنَهُمۡ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ فِیمَا كَانُواْ فِیهِ یَخۡتَلِفُونَ ﴿١٧﴾
"وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَات مِنَ الْأَمْر" أَمْر الدِّين مِنْ الْحَلَال وَالْحَرَام وَبَعْثَة مُحَمَّد عَلَيْهِ أَفَضْل الصَّلَاة وَالسَّلَام "فَمَا اخْتَلَفُوا" فِي بَعَثْته "إلَّا مِنْ بَعْد مَا جَاءَهُمُ الْعِلْم بَغْيًا بَيْنهمْ" أَيْ لِبَغْيٍ حَدَثَ بَيْنهمْ حَسَدًا لَهُ
ثُمَّ جَعَلۡنَـٰكَ عَلَىٰ شَرِیعَةࣲ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ فَٱتَّبِعۡهَا وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَاۤءَ ٱلَّذِینَ لَا یَعۡلَمُونَ ﴿١٨﴾
"ثُمَّ جَعَلْنَاك" يَا مُحَمَّد "عَلَى شَرِيعَة" طَرِيقَة "مِنَ الْأَمْر" أَمْر الدِّين "فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِع أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ" فِي عِبَادَة غَيْر اللَّه
إِنَّهُمۡ لَن یُغۡنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَیۡـࣰٔاۚ وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِینَ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ بَعۡضࣲۖ وَٱللَّهُ وَلِیُّ ٱلۡمُتَّقِینَ ﴿١٩﴾
"إنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا" يَدْفَعُوا "عَنْك مِنَ اللَّه" مِنْ عَذَابه "شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ" الْكَافِرِينَ
هَـٰذَا بَصَـٰۤىِٕرُ لِلنَّاسِ وَهُدࣰى وَرَحۡمَةࣱ لِّقَوۡمࣲ یُوقِنُونَ ﴿٢٠﴾
"هَذَا" الْقُرْآن "بَصَائِر لِلنَّاسِ" مَعَالِم يَتَبَصَّرُونَ بِهَا فِي الْأَحْكَام وَالْحُدُود "وَهُدًى وَرَحْمَة لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ" بِالْبَعْثِ
أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِینَ ٱجۡتَرَحُواْ ٱلسَّیِّـَٔاتِ أَن نَّجۡعَلَهُمۡ كَٱلَّذِینَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَوَاۤءࣰ مَّحۡیَاهُمۡ وَمَمَاتُهُمۡۚ سَاۤءَ مَا یَحۡكُمُونَ ﴿٢١﴾
"أَمْ" بِمَعْنَى هَمْزَة الْإِنْكَار "حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا" اكْتَسَبُوا "السَّيِّئَات" الْكُفْر وَالْمَعَاصِي "أَنْ نَجْعَلهُمْ كَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات سَوَاء" خَبَر "مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتهمْ" مُبْتَدَأ وَمَعْطُوف وَالْجُمْلَة بَدَل مِنْ الْكَاف وَالضَّمِيرَانِ لِلْكُفَّارِ الْمَعْنَى : أَحَسِبُوا أَنْ نَجْعَلهُمْ فِي الْآخِرَة فِي خَيْر كَالْمُؤْمِنِينَ فِي رَغَد مِنْ الْعَيْش مُسَاوٍ لِعَيْشِهِمْ فِي الدُّنْيَا حَيْثُ قَالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ : لَئِنْ بُعِثْنَا لَنُعْطَى مِنْ الْخَيْر مِثْل مَا تُعْطُونَ قَالَ تَعَالَى عَلَى وَفْق إنْكَاره بِالْهَمْزَةِ "سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ" أَيْ لَيْسَ الْأَمْر كَذَلِكَ فَهُمْ فِي الْآخِرَة فِي الْعَذَاب عَلَى خِلَاف عَيْشهمْ فِي الدُّنْيَا وَالْمُؤْمِنُونَ فِي الْآخِرَة فِي الثَّوَاب بِعَمَلِهِمْ الصَّالِحَات فِي الدُّنْيَا مِنْ الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصِّيَام وَغَيْر ذَلِكَ وَمَا مَصْدَرِيَّة أَيْ بِئْسَ حُكْمًا حُكْمهمْ هَذَا
وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّ وَلِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا یُظۡلَمُونَ ﴿٢٢﴾
"وَخَلَقَ اللَّه السَّمَوَات وَالْأَرْض بِالْحَقِّ" مُتَعَلِّق بِخَلَقَ لِيَدُلّ عَلَى قُدْرَته وَوَحْدَانِيّته "وَلِتُجْزَى كُلّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ" مِنْ الْمَعَاصِي وَالطَّاعَات فَلَا يُسَاوِي الْكَافِر الْمُؤْمِن
أَفَرَءَیۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلۡمࣲ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمۡعِهِۦ وَقَلۡبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَـٰوَةࣰ فَمَن یَهۡدِیهِ مِنۢ بَعۡدِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿٢٣﴾
"أَفَرَأَيْت" أَخْبِرْنِي "مَنِ اتَّخَذَ إلَهه هَوَاهُ" مَا يَهْوَاهُ مِنْ حَجَر بَعْد حَجَر يَرَاهُ أَحْسَن "وَأَضَلَّهُ اللَّه عَلَى عِلْم" مِنْهُ تَعَالَى : أَيْ عَالِمًا بِأَنَّهُ مِنْ أَهْل الضَّلَالَة قَبْل خَلْقه "وَخَتَمَ عَلَى سَمْعه وَقَلْبه" فَلَمْ يَسْمَع الْهُدَى وَلَمْ يَعْقِلهُ "وَجَعَلَ عَلَى بَصَره غِشَاوَة" ظُلْمَة فَلَمْ يُبْصِر الْهُدَى وَيُقَدَّر هُنَا الْمَفْعُول الثَّانِي لِرَأَيْت أَيَهْتَدِي "فَمَنْ يَهْدِيه مِنْ بَعْد اللَّه" أَيْ بَعْد إضْلَاله إيَّاهُ أَيْ لَا يَهْتَدِي "أَفَلَا تَذَكَّرُونَ" تَتَّعِظُونَ فِيهِ إدْغَام إحْدَى التَّاءَيْنِ فِي الذَّال
وَقَالُواْ مَا هِیَ إِلَّا حَیَاتُنَا ٱلدُّنۡیَا نَمُوتُ وَنَحۡیَا وَمَا یُهۡلِكُنَاۤ إِلَّا ٱلدَّهۡرُۚ وَمَا لَهُم بِذَ ٰ⁠لِكَ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِنۡ هُمۡ إِلَّا یَظُنُّونَ ﴿٢٤﴾
"وَقَالُوا" أَيْ مُنْكِرُو الْبَعْث "مَا هِيَ" أَيْ الْحَيَاة "إلَّا حَيَاتنَا" الَّتِي فِي "الدُّنْيَا نَمُوت وَنَحْيَا" أَيْ يَمُوت بَعْض وَيَحْيَا بَعْض بِأَنْ يُولَدُوا "وَمَا يُهْلِكنَا إلَّا الدَّهْر" أَيْ مُرُور الزَّمَان "وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ" الْمَقُول "مِنْ عِلْم إنْ" مَا
وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَیۡهِمۡ ءَایَـٰتُنَا بَیِّنَـٰتࣲ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمۡ إِلَّاۤ أَن قَالُواْ ٱئۡتُواْ بِـَٔابَاۤىِٕنَاۤ إِن كُنتُمۡ صَـٰدِقِینَ ﴿٢٥﴾
"وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتنَا" مِنْ الْقُرْآن الدَّالَّة عَلَى قُدْرَتنَا عَلَى الْبَعْث "بَيِّنَات" وَاضِحَات حَال "مَا كَانَ حُجَّتهمْ إلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا" أَحْيَاء "إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" أَنَّا نُبْعَث
قُلِ ٱللَّهُ یُحۡیِیكُمۡ ثُمَّ یُمِیتُكُمۡ ثُمَّ یَجۡمَعُكُمۡ إِلَىٰ یَوۡمِ ٱلۡقِیَـٰمَةِ لَا رَیۡبَ فِیهِ وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا یَعۡلَمُونَ ﴿٢٦﴾
"قُلِ اللَّه يُحْيِيكُمْ" حِين كُنْتُمْ نُطَفًا "ثُمَّ يُمِيتكُمْ ثُمَّ يَجْمَعكُمْ" أَحْيَاء "إلَى يَوْم الْقِيَامَة لَا رَيْب" شَكّ "فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَر النَّاس" وَهُمْ الْقَائِلُونَ مَا ذُكِرَ
وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَیَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ یَوۡمَىِٕذࣲ یَخۡسَرُ ٱلۡمُبۡطِلُونَ ﴿٢٧﴾
"وَلِلَّهِ مُلْك السَّمَوَات وَالْأَرْض وَيَوْم تَقُوم السَّاعَة" يُبْدَل مِنْهُ "يَوْمئِذٍ يَخْسَر الْمُبْطِلُونَ" الْكَافِرُونَ أَيْ يَظْهَر خُسْرَانهمْ بِأَنْ يَصِيرُوا إلَى النَّار
وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةࣲ جَاثِیَةࣰۚ كُلُّ أُمَّةࣲ تُدۡعَىٰۤ إِلَىٰ كِتَـٰبِهَا ٱلۡیَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ﴿٢٨﴾
"وَتَرَى كُلّ أُمَّة" أَيْ أَهْل دِين "جَاثِيَة" عَلَى الرُّكَب أَوْ مُجْتَمِعَة "كُلّ أُمَّة تُدْعَى إلَى كِتَابهَا" كِتَاب أَعْمَالهَا وَيُقَال لَهُمْ "الْيَوْم تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" أَيْ جَزَاءَهُ
هَـٰذَا كِتَـٰبُنَا یَنطِقُ عَلَیۡكُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّا كُنَّا نَسۡتَنسِخُ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ﴿٢٩﴾
"هَذَا كِتَابنَا" دِيوَان الْحَفَظَة "يَنْطِق عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخ" نُثْبِت وَنَحْفَظ
فَأَمَّا ٱلَّذِینَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَیُدۡخِلُهُمۡ رَبُّهُمۡ فِی رَحۡمَتِهِۦۚ ذَ ٰ⁠لِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡمُبِینُ ﴿٣٠﴾
"فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات فَيُدْخِلهُمْ رَبّهمْ فِي رَحْمَته" جَنَّته "ذَلِكَ هُوَ الْفَوْز الْمُبِين" الْبَيِّن الظَّاهِر
وَأَمَّا ٱلَّذِینَ كَفَرُوۤاْ أَفَلَمۡ تَكُنۡ ءَایَـٰتِی تُتۡلَىٰ عَلَیۡكُمۡ فَٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ وَكُنتُمۡ قَوۡمࣰا مُّجۡرِمِینَ ﴿٣١﴾
"وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا" فَيُقَال لَهُمْ "أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي" الْقُرْآن "تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ" تَكَبَّرْتُمْ "وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ" كَافِرِينَ
وَإِذَا قِیلَ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقࣱّ وَٱلسَّاعَةُ لَا رَیۡبَ فِیهَا قُلۡتُم مَّا نَدۡرِی مَا ٱلسَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنࣰّا وَمَا نَحۡنُ بِمُسۡتَیۡقِنِینَ ﴿٣٢﴾
"وَإِذَا قِيلَ" لَكُمْ أَيّهَا الْكُفَّار "إنَّ وَعْد اللَّه" بِالْبَعْثِ "حَقّ وَالسَّاعَة" بِالرَّفْعِ وَالنَّصْب "لَا رَيْب" شَكّ "فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَة إنْ" مَا "نَظُنّ إلَّا ظَنًّا" قَالَ الْمُبَرِّد : أَصْله إنْ نَحْنُ إلَّا نَظُنّ ظَنًّا "وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ" أَنَّهَا آتِيَة
وَبَدَا لَهُمۡ سَیِّـَٔاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ یَسۡتَهۡزِءُونَ ﴿٣٣﴾
"وَبَدَا" ظَهَرَ "لَهُمْ" فِي الْآخِرَة "سَيِّئَات مَا عَمِلُوا" فِي الدُّنْيَا أَيْ جَزَاؤُهَا "وَحَاقَ" نَزَلَ "بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ" أَيْ الْعَذَاب
وَقِیلَ ٱلۡیَوۡمَ نَنسَىٰكُمۡ كَمَا نَسِیتُمۡ لِقَاۤءَ یَوۡمِكُمۡ هَـٰذَا وَمَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّـٰصِرِینَ ﴿٣٤﴾
"وَقِيلَ الْيَوْم نَنْسَاكُمْ" نَتْرُككُمْ فِي النَّار "كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمكُمْ هَذَا" أَيْ تَرَكْتُمْ الْعَمَل لِلِقَائِهِ "وَمَأْوَاكُمْ النَّار وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ" مَانِعِينَ مِنْهُ
ذَ ٰ⁠لِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذۡتُمۡ ءَایَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوࣰا وَغَرَّتۡكُمُ ٱلۡحَیَوٰةُ ٱلدُّنۡیَاۚ فَٱلۡیَوۡمَ لَا یُخۡرَجُونَ مِنۡهَا وَلَا هُمۡ یُسۡتَعۡتَبُونَ ﴿٣٥﴾
"ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمْ اتَّخَذْتُمْ آيَات اللَّه" الْقُرْآن "هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاة الدُّنْيَا" حَتَّى قُلْتُمْ لَا بَعْث وَلَا حِسَاب "فَالْيَوْم لَا يُخْرَجُونَ" بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ وَلِلْمَفْعُولِ "مِنْهَا" مِنَ النَّار "وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ" لَا يُطْلَب مِنْهُمْ أَنْ يُرْضُوا رَبّهمْ بِالتَّوْبَةِ وَالطَّاعَة لِأَنَّهَا لَا تَنْفَع يَوْمئِذٍ
فَلِلَّهِ ٱلۡحَمۡدُ رَبِّ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَرَبِّ ٱلۡأَرۡضِ رَبِّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ ﴿٣٦﴾
"فَلِلَّهِ الْحَمْد" الْوَصْف بِالْجَمِيلِ عَلَى وَفَاء وَعْده فِي الْمُكَذِّبِينَ "رَبّ السَّمَاوَات وَرَبّ الْأَرْض رَبّ الْعَالَمِينَ" خَالِق مَا ذُكِرَ وَالْعَالَم مَا سِوَى اللَّه وَجُمِعَ لِاخْتِلَافِ أَنْوَاعه وَرَبّ بَدَل
وَلَهُ ٱلۡكِبۡرِیَاۤءُ فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡحَكِیمُ ﴿٣٧﴾
"وَلَهُ الْكِبْرِيَاء" الْعَظَمَة "فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض" حَال أَيْ كَائِنَة فِيهِمَا "وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم" تَقَدَّمَ