صفحات الموقع

سورة الإسراء تفسير الجلالين

سُبۡحَـٰنَ ٱلَّذِیۤ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَیۡلࣰا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِی بَـٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِیَهُۥ مِنۡ ءَایَـٰتِنَاۤۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡبَصِیرُ ﴿١﴾
"سُبْحَان" أَيْ تَنْزِيه "الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ" مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "لَيْلًا" نُصِبَ عَلَى الظَّرْف وَالْإِسْرَاء سَيْر اللَّيْل وَفَائِدَة ذِكْره الْإِشَارَة بِتَنْكِيرِهِ إلَى تَقْلِيل مُدَّته "مِنْ الْمَسْجِد الْحَرَام إلَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى" بَيْت الْمَقْدِس لِبُعْدِهِ مِنْهُ "الَّذِي بَارَكْنَا حَوْله" بِالثِّمَارِ وَالْأَنْهَار "لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتنَا" عَجَائِب قُدْرَتنَا "إنَّهُ هُوَ السَّمِيع الْبَصِير" أَيْ الْعَالِم بِأَقْوَالِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَفْعَاله فَأَنْعَمَ عَلَيْهِ بِالْإِسْرَاءِ الْمُشْتَمِل عَلَى اجْتِمَاعه بِالْأَنْبِيَاءِ وَعُرُوجه إلَى السَّمَاء وَرُؤْيَة عَجَائِب الْمَلَكُوت وَمُنَاجَاته لَهُ تَعَالَى فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :"أُتِيت بِالْبُرَاقِ وَهُوَ دَابَّة أَبْيَض فَوْق الْحِمَار وَدُون الْبَغْل يَضَع حَافِره عِنْد مُنْتَهَى طَرَفه فَرَكِبْته فَسَارَ بِي حَتَّى أَتَيْت بَيْت الْمَقْدِس فَرَبَطْت الدَّابَّة بِالْحَلْقَةِ الَّتِي تَرْبِط فِيهَا الْأَنْبِيَاء ثُمَّ دَخَلْت فَصَلَّيْت فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجْت فَجَاءَنِي جِبْرِيل بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْر وَإِنَاء مِنْ لَبَن فَاخْتَرْت اللَّبَن قَالَ جِبْرِيل : أَصَبْت الْفِطْرَة قَالَ : ثُمَّ عُرِجَ بِي إلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيل قِيلَ : مَنْ أَنْتَ قَالَ : جِبْرِيل قِيلَ : وَمَنْ مَعَك ؟ قَالَ : مُحَمَّد قِيلَ : أَوَ قَدْ أُرْسِلَ إلَيْهِ ؟ قَالَ : قَدْ أُرْسِلَ إلَيْهِ فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِآدَم فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِالْخَيْرِ ثُمَّ عُرِجَ بِي إلَى السَّمَاء الثَّانِيَة فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيل فَقِيلَ : مَنْ أَنْتَ فَقَالَ : جِبْرِيل قِيلَ : وَمَنْ مَعَك قَالَ : مُحَمَّد قِيلَ أَوَ قَدْ بُعِثَ إلَيْهِ قَالَ : قَدْ بُعِثَ إلَيْهِ فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا بِابْنَيْ الْخَالَة يَحْيَى وَعِيسَى فَرَحَّبَا بِي وَدَعَوَا لِي بِالْخَيْرِ ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إلَى السَّمَاء الثَّالِثَة فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيل فَقِيلَ : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : جِبْرِيل فَقِيلَ : وَمَنْ مَعَك قَالَ : مُحَمَّد فَقِيلَ : أَوَ قَدْ أُرْسِلَ إلَيْهِ قَالَ : قَدْ أُرْسِلَ إلَيْهِ فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِيُوسُف وَإِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِيَ شَطْر الْحُسْن فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إلَى السَّمَاء الرَّابِعَة فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيل فَقِيلَ : مَنْ أَنْتَ قَالَ جِبْرِيل فَقِيلَ : وَمَنْ مَعَك قَالَ : مُحَمَّد فَقِيلَ : أَوَ قَدْ بُعِثَ إلَيْهِ قَالَ : قَدْ بُعِثَ إلَيْهِ فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِإِدْرِيس فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إلَى السَّمَاء الْخَامِسَة فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيل فَقِيلَ : مَنْ أَنْتَ قَالَ : جِبْرِيل فَقِيلَ : وَمَنْ مَعَك قَالَ : مُحَمَّد فَقِيلَ : أَوَ قَدْ بُعِثَ إلَيْهِ قَالَ : قَدْ بُعِثَ إلَيْهِ فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بَهَارُونَ فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إلَى السَّمَاء السَّادِسَة فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيل فَقِيلَ : مَنْ أَنْتَ فَقَالَ : جِبْرِيل فَقِيلَ : وَمَنْ مَعَك قَالَ : مُحَمَّد فَقِيلَ : أَوَ قَدْ بُعِثَ إلَيْهِ قَالَ : قَدْ بُعِثَ إلَيْهِ فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إلَى السَّمَاء السَّابِعَة فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيل فَقِيلَ : مَنْ أَنْتَ فَقَالَ : جِبْرِيل قِيلَ وَمَنْ مَعَك فَقَالَ : مُحَمَّد قِيلَ : أَوَ قَدْ بُعِثَ إلَيْهِ قَالَ : قَدْ بُعِثَ إلَيْهِ فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيم فَإِذَا هُوَ مُسْتَنِد إلَى الْبَيْت الْمَعْمُور وَإِذَا هُوَ يَدْخُلهُ كُلّ يَوْم سَبْعُونَ أَلْف مَلَك ثُمَّ لَا يَعُودُونَ إلَيْهِ ; ثُمَّ ذَهَبَ إلَى سِدْرَة الْمُنْتَهَى فَإِذَا أَوْرَاقهَا كَآذَانِ الْفِيَلَة وَإِذَا ثَمَرهَا كَالْقِلَالِ فَلَمَّا غَشِيَهَا مِنْ أَمْر اللَّه مَا غَشِيَهَا تَغَيَّرَتْ فَمَا أَحَد مِنْ خَلْق اللَّه تَعَالَى يَسْتَطِيع أَنْ يَصِفَهَا مِنْ حُسْنهَا قَالَ : فَأَوْحَى اللَّه إلَيَّ مَا أَوْحَى وَفَرَضَ عَلَيَّ فِي كُلّ يَوْم وَلَيْلَة خَمْسِينَ صَلَاة فَنَزَلْت حَتَّى انْتَهَيْت إلَى مُوسَى فَقَالَ : مَا فَرَضَ رَبّك عَلَى أُمَّتك قُلْت : خَمْسِينَ صَلَاة فِي كُلّ يَوْم وَلَيْلَة قَالَ : ارْجِعْ إلَى رَبّك فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيف لِأُمَّتِك فَإِنَّ أُمَّتك لَا تُطِيق ذَلِكَ وَإِنِّي قَدْ بَلَوْت بَنِي إسْرَائِيل وَخَبَرْتهمْ قَالَ : فَرَجَعْت إلَى رَبِّي فَقُلْت : أَيْ رَبّ خَفِّفْ عَنْ أُمَّتِي فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا فَرَجَعْت إلَى مُوسَى قَالَ : مَا فَعَلْت فَقُلْت قَدْ حَطَّ عَنِّي خَمْسًا قَالَ : إنَّ أُمَّتك لَا تُطِيق ذَلِكَ فَارْجِعْ إلَى رَبّك فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيف لِأُمَّتِك قَالَ : فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِع بَيْن رَبِّي وَبَيْن مُوسَى وَيَحُطّ عَنِّي خَمْسًا خَمْسًا حَتَّى قَالَ : يَا مُحَمَّد هِيَ خَمْس صَلَوَات فِي كُلّ يَوْم وَلَيْلَة بِكُلِّ صَلَاة عَشْر فَتِلْكَ خَمْسُونَ صَلَاة وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَة فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ سَيِّئَة وَاحِدَة فَنَزَلْت حَتَّى انْتَهَيْت إلَى مُوسَى فَأَخْبَرْته فَقَالَ ارْجِعْ إلَى رَبّك فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيف فَإِنَّ أُمَّتك لَا تُطِيق ذَلِكَ فَقُلْت :"قَدْ رَجَعْت إلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْت" رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَاللَّفْظ لِمُسْلِمٍ وَرَوَى الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرَك عَنْ ابْن عَبَّاس قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"رَأَيْت رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ"
وَءَاتَیۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَـٰبَ وَجَعَلۡنَـٰهُ هُدࣰى لِّبَنِیۤ إِسۡرَ ٰ⁠ۤءِیلَ أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونِی وَكِیلࣰا ﴿٢﴾
"وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَاب" التَّوْرَاة "أَ" نْ "لَا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا" يُفَوِّضُونَ إلَيْهِ أَمْرهمْ وَفِي قِرَاءَة تَتَّخِذُوا بِالْفَوْقَانِيَّةِ الْتِفَاتًا فَأَنْ زَائِدَة وَالْقَوْل مُضْمَر"
ذُرِّیَّةَ مَنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٍۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَبۡدࣰا شَكُورࣰا ﴿٣﴾
"ذُرِّيَّة مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوح" فِي السَّفِينَة "شَكُورًا" كَثِير الشُّكْر لَنَا حَامِدًا فِي جَمِيع أَحْوَاله
وَقَضَیۡنَاۤ إِلَىٰ بَنِیۤ إِسۡرَ ٰ⁠ۤءِیلَ فِی ٱلۡكِتَـٰبِ لَتُفۡسِدُنَّ فِی ٱلۡأَرۡضِ مَرَّتَیۡنِ وَلَتَعۡلُنَّ عُلُوࣰّا كَبِیرࣰا ﴿٤﴾
"وَقَضَيْنَا" أَوْحَيْنَا "فِي الْكِتَاب" التَّوْرَاة "لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْض" أَرْض الشَّام بِالْمَعَاصِي "وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا" تَبْغُونَ بَغْيًا عَظِيمًا
فَإِذَا جَاۤءَ وَعۡدُ أُولَىٰهُمَا بَعَثۡنَا عَلَیۡكُمۡ عِبَادࣰا لَّنَاۤ أُوْلِی بَأۡسࣲ شَدِیدࣲ فَجَاسُواْ خِلَـٰلَ ٱلدِّیَارِۚ وَكَانَ وَعۡدࣰا مَّفۡعُولࣰا ﴿٥﴾
"فَإِذَا جَاءَ وَعْد أُولَاهُمَا" أُولَى مَرَّتَيْ الْفَسَاد "أُولِي بَأْس شَدِيد" أَصْحَاب قُوَّة فِي الْحَرْب وَالْبَطْش "فَجَاسُوا" تَرَدَّدُوا لِطَلَبِكُمْ "خِلَال الدِّيَار" وَسْط دِيَاركُمْ لِيَقْتُلُوكُمْ وَيَسْبُوكُمْ "وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا" وَقَدْ أَفْسَدُوا الْأُولَى بِقَتْلِ زَكَرِيَّا فَبَعَثَ عَلَيْهِمْ جَالُوت وَجُنُوده فَقَتَلُوهُمْ وَسَبَوْا أَوْلَادهمْ وَخَرَّبُوا بَيْت الْمَقْدِس
ثُمَّ رَدَدۡنَا لَكُمُ ٱلۡكَرَّةَ عَلَیۡهِمۡ وَأَمۡدَدۡنَـٰكُم بِأَمۡوَ ٰ⁠لࣲ وَبَنِینَ وَجَعَلۡنَـٰكُمۡ أَكۡثَرَ نَفِیرًا ﴿٦﴾
"الْكَرَّة" الدَّوْلَة وَالْغَلَبَة "عَلَيْهِمْ" بَعْد مِائَة سَنَة بِقَتْلِ جَالُوت "نَفِيرًا" عَشِيرَة
إِنۡ أَحۡسَنتُمۡ أَحۡسَنتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡۖ وَإِنۡ أَسَأۡتُمۡ فَلَهَاۚ فَإِذَا جَاۤءَ وَعۡدُ ٱلۡـَٔاخِرَةِ لِیَسُـࣳۤـُٔواْ وُجُوهَكُمۡ وَلِیَدۡخُلُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةࣲ وَلِیُتَبِّرُواْ مَا عَلَوۡاْ تَتۡبِیرًا ﴿٧﴾
"إنْ أَحْسَنْتُمْ" بِالطَّاعَةِ "أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ" لِأَنْ ثَوَابه لَهَا "وَإِنْ أَسَأْتُمْ" بِالْفَسَادِ "فَلَهَا" إسَاءَتكُمْ "وَعْد" الْمَرَّة "الْآخِرَة" بَعَثْنَاهُمْ "لِيَسُوءُوا وُجُوهكُمْ" يُحْزِنُوكُمْ بِالْقَتْلِ وَالسَّبْي حُزْنًا يَظْهَر فِي وُجُوهكُمْ "وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِد" بَيْت الْمَقْدِس فَيُخَرِّبُوهُ "كَمَا دَخَلُوهُ" وَخَرَّبُوهُ "أَوَّل مَرَّة وَلِيُتَبِّرُوا" يُهْلِكُوا "مَا عَلَوْا" غَلَبُوا عَلَيْهِ "تَتْبِيرًا" هَلَاكًا وَقَدْ أَفْسَدُوا ثَانِيًا بِقَتْلِ يَحْيَى فَبَعَثَ عَلَيْهِمْ بُخْتُنَصَّر فَقَتَلَ مِنْهُمْ أُلُوفًا وَسَبَى ذُرِّيَّتهمْ وَخَرَّبَ بَيْت الْمَقْدِس
مَّن كَانَ یُرِیدُ ٱلۡعَاجِلَةَ عَجَّلۡنَا لَهُۥ فِیهَا مَا نَشَاۤءُ لِمَن نُّرِیدُ ثُمَّ جَعَلۡنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ یَصۡلَىٰهَا مَذۡمُومࣰا مَّدۡحُورࣰا ﴿١٨﴾
"مَنْ كَانَ يُرِيد" بِعَمَلِهِ "الْعَاجِلَة" أَيْ الدُّنْيَا "عَجَّلْنَا لَهُ" التَّعْجِيل لَهُ بَدَل مِنْ لَهُ بِإِعَادَةِ الْجَارّ "ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ" فِي الْآخِرَة "جَهَنَّم يَصْلَاهَا" يَدْخُلهَا "مَذْمُومًا" مَلُومًا "مَدْحُورًا" مَطْرُودًا عَنْ الرَّحْمَة
وَمَنۡ أَرَادَ ٱلۡـَٔاخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعۡیَهَا وَهُوَ مُؤۡمِنࣱ فَأُوْلَـٰۤىِٕكَ كَانَ سَعۡیُهُم مَّشۡكُورࣰا ﴿١٩﴾
"وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَة وَسَعَى لَهَا سَعْيهَا" عَمِلَ عَمَلهَا اللَّائِق بِهَا "وَهُوَ مُؤْمِن" حَال "مَشْكُورًا" عِنْد اللَّه أَيْ مَقْبُولًا مُثَابًا عَلَيْهِ
كُلࣰّا نُّمِدُّ هَـٰۤؤُلَاۤءِ وَهَـٰۤؤُلَاۤءِ مِنۡ عَطَاۤءِ رَبِّكَۚ وَمَا كَانَ عَطَاۤءُ رَبِّكَ مَحۡظُورًا ﴿٢٠﴾
"كُلًّا" مِنْ الْفَرِيقَيْنِ "نُمِدّ" نُعْطِي "هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ" بَدَل "مِنْ" مُتَعَلِّق بِنُمِدّ "عَطَاء رَبّك" فِي الدُّنْيَا "وَمَا كَانَ عَطَاء رَبّك" فِيهَا "مَحْظُورًا" مَمْنُوعًا عَنْ أَحَد
ٱنظُرۡ كَیۡفَ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضࣲۚ وَلَلۡـَٔاخِرَةُ أَكۡبَرُ دَرَجَـٰتࣲ وَأَكۡبَرُ تَفۡضِیلࣰا ﴿٢١﴾
"اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضهمْ عَلَى بَعْض" فِي الرِّزْق وَالْجَاه "وَلَلْآخِرَة أَكْبَر" أَعْظَم "دَرَجَات وَأَكْبَر تَفْضِيلًا" مِنْ الدُّنْيَا فَيَنْبَغِي الِاعْتِنَاء بِهَا دُونهَا
لَّا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ فَتَقۡعُدَ مَذۡمُومࣰا مَّخۡذُولࣰا ﴿٢٢﴾
"مَخْذُولًا" لَا نَاصِر لَك
۞ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوۤاْ إِلَّاۤ إِیَّاهُ وَبِٱلۡوَ ٰ⁠لِدَیۡنِ إِحۡسَـٰنًاۚ إِمَّا یَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَاۤ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَاۤ أُفࣲّ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلࣰا كَرِیمࣰا ﴿٢٣﴾
"وَقَضَى" أَمَرَ "أَ" نْ أَيْ بِأَنْ "لَا تَعْبُدُوا إلَّا إيَّاهُ" أَنْ تُحْسِنُوا "وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا" بِأَنْ تَبَرُّوهُمَا "يَبْلُغَنَّ" فَاعِل وَفِي قِرَاءَة يَبْلُغَانِّ فَأَحَدهمَا بَدَل مِنْ أَلِفه "أُفّ" بِفَتْحِ الْفَاء وَكَسْرهَا مُنَوَّنًا وَغَيْر مُنَوَّن مَصْدَر بِمَعْنَى تَبًّا وَقُبْحًا "وَلَا تَنْهَرهُمَا" تَزْجُرهُمَا "وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا" جَمِيلًا لَيِّنًا
وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّیَانِی صَغِیرࣰا ﴿٢٤﴾
"وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاح الذُّلّ" أَلِنْ لَهُمَا جَانِبك الذَّلِيل "مِنْ الرَّحْمَة" أَيْ لِرِقَّتِك عَلَيْهِمَا "كَمَا" كَمَا رَحِمَانِي حِين "رَبَّيَانِي صَغِيرًا"
رَّبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا فِی نُفُوسِكُمۡۚ إِن تَكُونُواْ صَـٰلِحِینَ فَإِنَّهُۥ كَانَ لِلۡأَوَّ ٰ⁠بِینَ غَفُورࣰا ﴿٢٥﴾
"رَبّكُمْ أَعْلَم بِمَا فِي نُفُوسكُمْ" مِنْ إضْمَار الْبِرّ وَالْعُقُوق "إنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ" طَائِعِينَ لِلَّهِ "لِلْأَوَّابِينَ" الرَّجَّاعِينَ إلَى طَاعَته "غَفُورًا" لِمَا صَدَرَ مِنْهُمْ فِي حَقّ الْوَالِدَيْنِ مِنْ بَادِرَة وَهُمْ لَا يُضْمِرُونَ عُقُوقًا
وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِینَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِیلِ وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِیرًا ﴿٢٦﴾
"وَآتِ" أَعْطِ "ذَا الْقُرْبَى" الْقَرَابَة "حَقّه" مِنْ الْبِرّ وَالصِّلَة "وَلَا تُبَذِّر تَبْذِيرًا" بِالْإِنْفَاقِ فِي غَيْر طَاعَة اللَّه
إِنَّ ٱلۡمُبَذِّرِینَ كَانُوۤاْ إِخۡوَ ٰ⁠نَ ٱلشَّیَـٰطِینِۖ وَكَانَ ٱلشَّیۡطَـٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورࣰا ﴿٢٧﴾
"إنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إخْوَان الشَّيَاطِين" أَيْ عَلَى طَرِيقَتهمْ "كَفُورًا" شَدِيد الْكُفْر لِنِعَمِهِ فَكَذَلِكَ أَخُوهُ الْمُبَذِّر
عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن یَرۡحَمَكُمۡۚ وَإِنۡ عُدتُّمۡ عُدۡنَاۚ وَجَعَلۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَـٰفِرِینَ حَصِیرًا ﴿٨﴾
"يَرْحَمكُمْ" بَعْد الْمَرَّة الثَّانِيَة إنْ تُبْتُمْ "وَإِنْ عُدْتُمْ" إلَى الْفَسَاد "عُدْنَا" إلَى الْعُقُوبَة وَقَدْ عَادُوا بِتَكْذِيبِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسُلِّطَ عَلَيْهِمْ بِقَتْلِ قُرَيْظَة وَنَفْي النَّضِير وَضَرْب الْجِزْيَة عَلَيْهِمْ "حَصِيرًا" مَحْبِسًا وَسِجْنًا
إِنَّ هَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ یَهۡدِی لِلَّتِی هِیَ أَقۡوَمُ وَیُبَشِّرُ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ ٱلَّذِینَ یَعۡمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرࣰا كَبِیرࣰا ﴿٩﴾
"لِلَّتِي" أَيْ لِلطَّرِيقَةِ الَّتِي "هِيَ أَقْوَم" أَعْدَل وَأَصْوَب
وَأَنَّ ٱلَّذِینَ لَا یُؤۡمِنُونَ بِٱلۡـَٔاخِرَةِ أَعۡتَدۡنَا لَهُمۡ عَذَابًا أَلِیمࣰا ﴿١٠﴾
"وَ" يُخْبِر "أَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا" أَعْدَدْنَا "لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا" مُؤْلِمًا هُوَ النَّار
وَیَدۡعُ ٱلۡإِنسَـٰنُ بِٱلشَّرِّ دُعَاۤءَهُۥ بِٱلۡخَیۡرِۖ وَكَانَ ٱلۡإِنسَـٰنُ عَجُولࣰا ﴿١١﴾
"وَيَدْعُ الْإِنْسَان بِالشَّرِّ" عَلَى نَفْسه وَأَهْله إذَا ضَجِرَ "دُعَاءَهُ" أَيْ كَدُعَائِهِ لَهُ "بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَان" الْجِنْس "عَجُولًا" بِالدُّعَاءِ عَلَى نَفْسه وَعَدَم النَّظَر فِي عَاقِبَته
وَجَعَلۡنَا ٱلَّیۡلَ وَٱلنَّهَارَ ءَایَتَیۡنِۖ فَمَحَوۡنَاۤ ءَایَةَ ٱلَّیۡلِ وَجَعَلۡنَاۤ ءَایَةَ ٱلنَّهَارِ مُبۡصِرَةࣰ لِّتَبۡتَغُواْ فَضۡلࣰا مِّن رَّبِّكُمۡ وَلِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِینَ وَٱلۡحِسَابَۚ وَكُلَّ شَیۡءࣲ فَصَّلۡنَـٰهُ تَفۡصِیلࣰا ﴿١٢﴾
"وَجَعَلْنَا اللَّيْل وَالنَّهَار آيَتَيْنِ" دَالَّتَيْنِ عَلَى قُدْرَتنَا "فَمَحَوْنَا آيَة اللَّيْل" طَمَسْنَا نُورهَا بِالظَّلَامِ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالْإِضَافَة لِلْبَيَانِ "مُبْصِرَة" أَيْ مُبْصِرًا فِيهَا بِالضَّوْءِ "لِتَبْتَغُوا" فِيهِ "فَضْلًا مِنْ رَبّكُمْ" بِالْكَسْبِ "وَلِتَعْلَمُوا" بِهِمَا "عَدَد السِّنِينَ وَالْحِسَاب" لِلْأَوْقَاتِ "وَكُلّ شَيْء" . يُحْتَاج إلَيْهِ "فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا" بَيَّنَّاهُ تَبْيِينًا
وَكُلَّ إِنسَـٰنٍ أَلۡزَمۡنَـٰهُ طَـٰۤىِٕرَهُۥ فِی عُنُقِهِۦۖ وَنُخۡرِجُ لَهُۥ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ كِتَـٰبࣰا یَلۡقَىٰهُ مَنشُورًا ﴿١٣﴾
"وَكُلّ إنْسَان أَلْزَمْنَاهُ طَائِره" عَمَله يَحْمِلهُ "فِي عُنُقه" خُصَّ بِالذِّكْرِ لِأَنْ اللُّزُوم فِيهِ أَشَدّ وَقَالَ مُجَاهِد : مَا مِنْ مَوْلُود يُولَد إلَّا وَفِي عُنُقه وَرَقَة مَكْتُوب فِيهَا شَقِيّ أَوْ سَعِيد "كِتَابًا" مَكْتُوبًا فِيهِ عَمَله "يَلْقَاهُ مَنْشُورًا" صِفَتَانِ ل "كِتَابًا"
ٱقۡرَأۡ كِتَـٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفۡسِكَ ٱلۡیَوۡمَ عَلَیۡكَ حَسِیبࣰا ﴿١٤﴾
"حَسِيبًا" مُحَاسِبًا
مَّنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا یَهۡتَدِی لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا یَضِلُّ عَلَیۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةࣱ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِینَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولࣰا ﴿١٥﴾
"مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ" لِأَنْ ثَوَاب اهْتِدَائِهِ لَهُ "وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلّ عَلَيْهَا" لِأَنَّ إثْمه عَلَيْهَا "وَلَا تَزِر" لَا تَزِر نَفْس "وَازِرَة" آثِمَة أَيْ لَا تَحْمِل "وِزْر" نَفْس "أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ" أَحَدًا "حَتَّى نَبْعَث رَسُولًا" يُبَيِّن لَهُ مَا يَجِب عَلَيْهِ
وَإِذَاۤ أَرَدۡنَاۤ أَن نُّهۡلِكَ قَرۡیَةً أَمَرۡنَا مُتۡرَفِیهَا فَفَسَقُواْ فِیهَا فَحَقَّ عَلَیۡهَا ٱلۡقَوۡلُ فَدَمَّرۡنَـٰهَا تَدۡمِیرࣰا ﴿١٦﴾
"مُتْرَفِيهَا" مُنَعَّمِيهَا بِمَعْنَى رُؤَسَائِهَا بِالطَّاعَةِ عَلَى لِسَان رُسُلنَا "فَفَسَقُوا فِيهَا" فَخَرَجُوا عَنْ أَمْرنَا "فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْل" بِالْعَذَابِ "فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا" أَهْلَكْنَاهَا بِإِهْلَاكِ أَهْلهَا وَتَخْرِيبهَا
وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِنَ ٱلۡقُرُونِ مِنۢ بَعۡدِ نُوحࣲۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِیرَۢا بَصِیرࣰا ﴿١٧﴾
"وَكَمْ" أَيْ كَثِيرًا "أَهْلَكْنَا مِنْ الْقُرُون" الْأُمَم " خَبِيرًا بَصِيرًا" عَالِمًا بِبَوَاطِنِهَا وَظَوَاهِرهَا وَبِهِ يَتَعَلَّق بِذُنُوبٍ
وَإِمَّا تُعۡرِضَنَّ عَنۡهُمُ ٱبۡتِغَاۤءَ رَحۡمَةࣲ مِّن رَّبِّكَ تَرۡجُوهَا فَقُل لَّهُمۡ قَوۡلࣰا مَّیۡسُورࣰا ﴿٢٨﴾
"وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمْ" أَيْ الْمَذْكُورِينَ مِنْ ذِي الْقُرْبَى وَمَا بَعْدهمْ فَلَمْ تُعْطِهِمْ "ابْتِغَاء رَحْمَة مِنْ رَبّك تَرْجُوهَا" أَيْ لِطَلَبِ رِزْق تَنْتَظِرهُ يَأْتِيك فَتُعْطِيهِمْ مِنْهُ "قَوْلًا مَيْسُورًا" لَيِّنًا سَهْلًا بِأَنْ تَعِدهُمْ بِالْإِعْطَاءِ عِنْد مَجِيء الرِّزْق
وَلَا تَجۡعَلۡ یَدَكَ مَغۡلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبۡسُطۡهَا كُلَّ ٱلۡبَسۡطِ فَتَقۡعُدَ مَلُومࣰا مَّحۡسُورًا ﴿٢٩﴾
"وَلَا تَجْعَل يَدك مَغْلُولَة إلَى عُنُقك" أَيْ لَا تُمْسِكهَا عَنْ الْإِنْفَاق كُلّ الْمَسْك "وَلَا تَبْسُطهَا" فِي الْإِنْفَاق "كُلّ الْبَسْط فَتَقْعُد مَلُومًا" رَاجِع لِلْأَوَّلِ "مَحْسُورًا" مُنْقَطِعًا لَا شَيْء عِنْدك رَاجِع لِلثَّانِي
إِنَّ رَبَّكَ یَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن یَشَاۤءُ وَیَقۡدِرُۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِیرَۢا بَصِیرࣰا ﴿٣٠﴾
"إنَّ رَبّك يَبْسُط الرِّزْق" يُوَسِّعهُ "وَيَقْدِر" يُضَيِّقهُ لِمَنْ يَشَاء "إنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا" عَالِمًا بِبَوَاطِنِهِمْ وَظَوَاهِرهمْ فَيَرْزُقهُمْ عَلَى حَسَب مَصَالِحهمْ
وَلَا تَقۡتُلُوۤاْ أَوۡلَـٰدَكُمۡ خَشۡیَةَ إِمۡلَـٰقࣲۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُهُمۡ وَإِیَّاكُمۡۚ إِنَّ قَتۡلَهُمۡ كَانَ خِطۡـࣰٔا كَبِیرࣰا ﴿٣١﴾
"وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادكُمْ" بِالْوَأْدِ "خَشْيَة" مَخَافَة "إمْلَاق" فَقْر "خِطْئًا" إثْمًا "كَبِيرًا" عَظِيمًا
وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰۤۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَـٰحِشَةࣰ وَسَاۤءَ سَبِیلࣰا ﴿٣٢﴾
"تَقْرَبُوا" أَبْلَغ مِنْ لَا تَأْتُوهُ "فَاحِشَة" قَبِيحًا "وَسَاءَ" بِئْسَ "سَبِيلًا" طَرِيقًا هُوَ
وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِی حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَمَن قُتِلَ مَظۡلُومࣰا فَقَدۡ جَعَلۡنَا لِوَلِیِّهِۦ سُلۡطَـٰنࣰا فَلَا یُسۡرِف فِّی ٱلۡقَتۡلِۖ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورࣰا ﴿٣٣﴾
"لِوَلِيِّهِ" لِوَارِثِهِ "سُلْطَانًا" تَسَلُّطًا عَلَى الْقَاتِل "فَلَا يُسْرِف" يَتَجَاوَز الْحَدّ "فِي الْقَتْل" بِأَنْ يَقْتُل غَيْر قَاتِله أَوْ بِغَيْرِ مَا قُتِلَ بِهِ
وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡیَتِیمِ إِلَّا بِٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ یَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥۚ وَأَوۡفُواْ بِٱلۡعَهۡدِۖ إِنَّ ٱلۡعَهۡدَ كَانَ مَسۡـُٔولࣰا ﴿٣٤﴾
"وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ" إذَا عَاهَدْتُمْ اللَّه أَوْ النَّاس "مَسْئُولًا" مَسْئُولًا عَنْهُ
وَأَوۡفُواْ ٱلۡكَیۡلَ إِذَا كِلۡتُمۡ وَزِنُواْ بِٱلۡقِسۡطَاسِ ٱلۡمُسۡتَقِیمِۚ ذَ ٰ⁠لِكَ خَیۡرࣱ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِیلࣰا ﴿٣٥﴾
"وَأَوْفُوا الْكَيْل" أَتِمُّوهُ "بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيم" الْمِيزَان السَّوِيّ "ذَلِكَ خَيْر وَأَحْسَن تَأْوِيلًا" مَآلًا
وَلَا تَقۡفُ مَا لَیۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَـٰۤىِٕكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولࣰا ﴿٣٦﴾
"وَلَا تَقْفُ" تَتْبَع وَالْفُؤَاد الْقَلْب "كُلّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا" مَسْئُولًا عَنْهُ صَاحِبه مَاذَا فَعَلَ بِهِ
وَلَا تَمۡشِ فِی ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّكَ لَن تَخۡرِقَ ٱلۡأَرۡضَ وَلَن تَبۡلُغَ ٱلۡجِبَالَ طُولࣰا ﴿٣٧﴾
"وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْض مَرَحًا" أَيْ ذَا مَرَح بِالْكِبْرِ وَالْخُيَلَاء "إنَّك لَنْ تَخْرِق الْأَرْض" تَثْقُبهَا حَتَّى تَبْلُغ آخِرهَا بِكِبْرِك "وَلَنْ تَبْلُغ الْجِبَال طُولًا" الْمَعْنَى أَنَّك لَا تَبْلُغ هَذَا الْمَبْلَغ فَكَيْفَ تَخْتَال
كُلُّ ذَ ٰ⁠لِكَ كَانَ سَیِّئُهُۥ عِندَ رَبِّكَ مَكۡرُوهࣰا ﴿٣٨﴾
"كُلّ ذَلِكَ" الْمَذْكُور
ذَ ٰ⁠لِكَ مِمَّاۤ أَوۡحَىٰۤ إِلَیۡكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلۡحِكۡمَةِۗ وَلَا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ فَتُلۡقَىٰ فِی جَهَنَّمَ مَلُومࣰا مَّدۡحُورًا ﴿٣٩﴾
"ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إلَيْك" يَا مُحَمَّد "الْحِكْمَة" الْمَوْعِظَة "مَدْحُورًا" مَطْرُودًا عَنْ رَحْمَة اللَّه
أَفَأَصۡفَىٰكُمۡ رَبُّكُم بِٱلۡبَنِینَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ إِنَـٰثًاۚ إِنَّكُمۡ لَتَقُولُونَ قَوۡلًا عَظِیمࣰا ﴿٤٠﴾
"أَفَأَصْفَاكُمْ" أَخْلَصَكُمْ يَا أَهْل مَكَّة "إنَاثًا" بَنَات لِنَفْسِهِ بِزَعْمِكُمْ "إنَّكُمْ لَتَقُولُونَ" لَتَقُولُونَ بِذَلِكَ
وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِی هَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِیَذَّكَّرُواْ وَمَا یَزِیدُهُمۡ إِلَّا نُفُورࣰا ﴿٤١﴾
"وَلَقَدْ صَرَّفْنَا" بَيَّنَّا "فِي هَذَا الْقُرْآن" مِنْ الْأَمْثَال وَالْوَعْد وَالْوَعِيد "لِيَذَّكَّرُوا" يَتَّعِظُوا "وَمَا يَزِيدهُمْ" مَا يَزِيدهُمْ ذَلِكَ "إلَّا نُفُورًا" عَنْ الْحَقّ
قُل لَّوۡ كَانَ مَعَهُۥۤ ءَالِهَةࣱ كَمَا یَقُولُونَ إِذࣰا لَّٱبۡتَغَوۡاْ إِلَىٰ ذِی ٱلۡعَرۡشِ سَبِیلࣰا ﴿٤٢﴾
"قُلْ" لَهُمْ "لَوْ كَانَ مَعَهُ" أَيْ اللَّه "لَابْتَغَوْا" طَلَبُوا "إلَى ذِي الْعَرْش" أَيْ اللَّه "سَبِيلًا" لِيُقَاتِلُوهُ
سُبۡحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا یَقُولُونَ عُلُوࣰّا كَبِیرࣰا ﴿٤٣﴾
"سُبْحَانه" تَنْزِيهًا لَهُ "وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ" مِنْ الشُّرَكَاء
تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تُ ٱلسَّبۡعُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِیهِنَّۚ وَإِن مِّن شَیۡءٍ إِلَّا یُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِۦ وَلَـٰكِن لَّا تَفۡقَهُونَ تَسۡبِیحَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِیمًا غَفُورࣰا ﴿٤٤﴾
"تُسَبِّح لَهُ" تُنَزِّههُ "وَإِنْ" مَا "مِنْ شَيْء" مِنْ الْمَخْلُوقَات "إلَّا يُسَبِّح" مُتَلَبِّسًا بِحَمْدِهِ "بِحَمْدِهِ" أَيْ يَقُول سُبْحَان اللَّه وَبِحَمْدِهِ "وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ" تَفْهَمُونَ "تَسْبِيحهمْ" لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلُغَتِكُمْ "إنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا" حَيْثُ لَمْ يُعَاجِلكُمْ بِالْعُقُوبَةِ
وَإِذَا قَرَأۡتَ ٱلۡقُرۡءَانَ جَعَلۡنَا بَیۡنَكَ وَبَیۡنَ ٱلَّذِینَ لَا یُؤۡمِنُونَ بِٱلۡـَٔاخِرَةِ حِجَابࣰا مَّسۡتُورࣰا ﴿٤٥﴾
"مَسْتُورًا" أَيْ سَاتِرًا لَك عَنْهُمْ فَلَا يَرَوْنَك نَزَلَ فِيمَنْ أَرَادَ الْفَتْك بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَجَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن یَفۡقَهُوهُ وَفِیۤ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرࣰاۚ وَإِذَا ذَكَرۡتَ رَبَّكَ فِی ٱلۡقُرۡءَانِ وَحۡدَهُۥ وَلَّوۡاْ عَلَىٰۤ أَدۡبَـٰرِهِمۡ نُفُورࣰا ﴿٤٦﴾
"أَكِنَّة" أَغْطِيَة "أَنْ يَفْقَهُوهُ" مِنْ أَنْ يَفْهَمُوا الْقُرْآن أَيْ فَلَا يَفْهَمُونَهُ "وَفِي آذَانهمْ وَقْرًا" ثِقَلًا فَلَا يَسْمَعُونَهُ "نُفُورًا" نُفُورًا عَنْهُ
نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا یَسۡتَمِعُونَ بِهِۦۤ إِذۡ یَسۡتَمِعُونَ إِلَیۡكَ وَإِذۡ هُمۡ نَجۡوَىٰۤ إِذۡ یَقُولُ ٱلظَّـٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلࣰا مَّسۡحُورًا ﴿٤٧﴾
"بِهِ" بِسَبَبِهِ مِنْ الْهُزْء "إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْك" إلَى قِرَاءَتك "وَإِذْ هُمْ نَجْوَى" يَتَنَاجَوْنَ بَيْنهمْ أَيْ يَتَحَدَّثُونَ "إذْ" بَدَل مِنْ إذْ قَبْله "يَقُول الظَّالِمُونَ" فِي تَنَاجِيهمْ "إنْ" مَا "مَسْحُورًا" مَخْدُوعًا مَغْلُوبًا عَلَى عَقْله
ٱنظُرۡ كَیۡفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلۡأَمۡثَالَ فَضَلُّواْ فَلَا یَسۡتَطِیعُونَ سَبِیلࣰا ﴿٤٨﴾
"اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَك الْأَمْثَال" بِالْمَسْحُورِ وَالْكَاهِن وَالشَّاعِر "فَضَلُّوا" بِذَلِكَ عَنْ الْهُدَى "فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا" طَرِيقًا إلَيْهِ
وَقَالُوۤاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَـٰمࣰا وَرُفَـٰتًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ خَلۡقࣰا جَدِیدࣰا ﴿٤٩﴾
"وَقَالُوا" مُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ
۞ قُلۡ كُونُواْ حِجَارَةً أَوۡ حَدِیدًا ﴿٥٠﴾
"قُلْ" لَهُمْ
أَوۡ خَلۡقࣰا مِّمَّا یَكۡبُرُ فِی صُدُورِكُمۡۚ فَسَیَقُولُونَ مَن یُعِیدُنَاۖ قُلِ ٱلَّذِی فَطَرَكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةࣲۚ فَسَیُنۡغِضُونَ إِلَیۡكَ رُءُوسَهُمۡ وَیَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَۖ قُلۡ عَسَىٰۤ أَن یَكُونَ قَرِیبࣰا ﴿٥١﴾
"أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُر فِي صُدُوركُمْ" يَعْظُم عَنْ قَبُول الْحَيَاة فَضْلًا عَنْ الْعِظَام وَالرُّفَات فَلَا بُدّ مِنْ إيجَاد الرُّوح فِيكُمْ "فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدنَا" إلَى الْحَيَاة "فَطَرَكُمْ" خَلَقَكُمْ "أَوَّل مَرَّة" وَلَمْ تَكُونُوا شَيْئًا لِأَنَّ الْقَادِر عَلَى الْبَدْء قَادِر عَلَى الْإِعَادَة بَلْ هِيَ أَهْوَن "فَسَيُنْغِضُونَ" يُحَرِّكُونَ "إلَيْك رُءُوسهمْ" تَعَجُّبًا "وَيَقُولُونَ" اسْتِهْزَاء "مَتَى هُوَ" أَيْ الْبَعْث
یَوۡمَ یَدۡعُوكُمۡ فَتَسۡتَجِیبُونَ بِحَمۡدِهِۦ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا قَلِیلࣰا ﴿٥٢﴾
"يَوْم يَدْعُوكُمْ" يُنَادِيكُمْ مِنْ الْقُبُور عَلَى لِسَان إسْرَافِيل "فَتَسْتَجِيبُونَ" فَتُجِيبُونَ دَعْوَتَهُ مِنْ الْقُبُور "بِحَمْدِهِ" بِأَمْرِهِ وَقِيلَ وَلَهُ الْحَمْد "إنْ" مَا "لَبِثْتُمْ" فِي الدُّنْيَا "إلَّا قَلِيلًا" لِهَوْلِ مَا تَرَوْنَ
وَقُل لِّعِبَادِی یَقُولُواْ ٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ ٱلشَّیۡطَـٰنَ یَنزَغُ بَیۡنَهُمۡۚ إِنَّ ٱلشَّیۡطَـٰنَ كَانَ لِلۡإِنسَـٰنِ عَدُوࣰّا مُّبِینࣰا ﴿٥٣﴾
"وَقُلْ لِعِبَادِي" الْمُؤْمِنِينَ "يَقُولُوا" لِلْكُفَّارِ الْكَلِمَة "يَنْزَغ" يُفْسِد "إنَّ الشَّيْطَان كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا" بَيِّن الْعَدَاوَة وَالْكَلِمَة الَّتِي هِيَ أَحْسَن وَهِيَ
رَّبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِكُمۡۖ إِن یَشَأۡ یَرۡحَمۡكُمۡ أَوۡ إِن یَشَأۡ یُعَذِّبۡكُمۡۚ وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَـٰكَ عَلَیۡهِمۡ وَكِیلࣰا ﴿٥٤﴾
"رَبّكُمْ أَعْلَم بِكُمْ إنْ يَشَأْ يَرْحَمكُمْ" بِالتَّوْبَةِ وَالْإِيمَان "أَوْ إنْ يَشَأْ" تَعْذِيبكُمْ "يُعَذِّبكُمْ" بِالْمَوْتِ عَلَى الْكُفْر "وَمَا أَرْسَلْنَاك عَلَيْهِمْ وَكِيلًا" فَتُجْبِرهُمْ عَلَى الْإِيمَان وَهَذَا قَبْل الْأَمْر بِالْقِتَالِ
وَرَبُّكَ أَعۡلَمُ بِمَن فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَلَقَدۡ فَضَّلۡنَا بَعۡضَ ٱلنَّبِیِّـۧنَ عَلَىٰ بَعۡضࣲۖ وَءَاتَیۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورࣰا ﴿٥٥﴾
"وَرَبّك أَعْلَم بِمَنْ فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض" فَيَخُصّهُمْ بِمَا شَاءَ عَلَى قَدْر أَحْوَالهمْ "وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْض النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْض" بِتَخْصِيصِ كُلّ مِنْهُمْ بِفَضِيلَةٍ كَمُوسَى بِالْكَلَامِ وَإِبْرَاهِيم بِالْخُلَّةِ وَمُحَمَّد بِالْإِسْرَاءِ
قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِینَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِهِۦ فَلَا یَمۡلِكُونَ كَشۡفَ ٱلضُّرِّ عَنكُمۡ وَلَا تَحۡوِیلًا ﴿٥٦﴾
"قُلْ" لَهُمْ "اُدْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ" أَنَّهُمْ آلِهَة "مِنْ دُونه" كَالْمَلَائِكَةِ وَعِيسَى وَعُزَيْر "تَحْوِيلًا" لَهُ إلَى غَيْركُمْ
أُوْلَـٰۤىِٕكَ ٱلَّذِینَ یَدۡعُونَ یَبۡتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلۡوَسِیلَةَ أَیُّهُمۡ أَقۡرَبُ وَیَرۡجُونَ رَحۡمَتَهُۥ وَیَخَافُونَ عَذَابَهُۥۤۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحۡذُورࣰا ﴿٥٧﴾
"أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ" أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَهُمْ آلِهَة "يَبْتَغُونَ" يَطْلُبُونَ "إلَى رَبّهمْ الْوَسِيلَة" الْقُرْبَة بِالطَّاعَةِ "أَيّهمْ" بَدَل مِنْ وَاو يَبْتَغُونَ أَيْ يَبْتَغِيهَا الَّذِي هُوَ "أَقْرَب" إلَيْهِ فَكَيْفَ بِغَيْرِهِ "وَيَرْجُونَ رَحْمَته وَيَخَافُونَ عَذَابه" كَغَيْرِهِمْ فَكَيْفَ تَدْعُونَهُمْ آلِهَة
وَإِن مِّن قَرۡیَةٍ إِلَّا نَحۡنُ مُهۡلِكُوهَا قَبۡلَ یَوۡمِ ٱلۡقِیَـٰمَةِ أَوۡ مُعَذِّبُوهَا عَذَابࣰا شَدِیدࣰاۚ كَانَ ذَ ٰ⁠لِكَ فِی ٱلۡكِتَـٰبِ مَسۡطُورࣰا ﴿٥٨﴾
"وَإِنْ" مَا "مِنْ قَرْيَة" أُرِيدَ أَهْلهَا "مُهْلِكُوهَا" بِالْمَوْتِ "أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا" بِالْقَتْلِ وَغَيْره "كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَاب" اللَّوْح الْمَحْفُوظ "مَسْطُورًا" مَكْتُوبًا
وَمَا مَنَعَنَاۤ أَن نُّرۡسِلَ بِٱلۡـَٔایَـٰتِ إِلَّاۤ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلۡأَوَّلُونَۚ وَءَاتَیۡنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبۡصِرَةࣰ فَظَلَمُواْ بِهَاۚ وَمَا نُرۡسِلُ بِٱلۡـَٔایَـٰتِ إِلَّا تَخۡوِیفࣰا ﴿٥٩﴾
"وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِل بِالْآيَاتِ" الَّتِي اقْتَرَحَهَا أَهْل مَكَّة "إلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ" لَمَّا أَرْسَلْنَاهَا فَأَهْلَكْنَاهُمْ وَلَوْ أَرْسَلْنَاهَا إلَى هَؤُلَاءِ لَكَذَّبُوا بِهَا وَاسْتَحَقُّوا الْإِهْلَاك وَقَدْ حَكَمْنَا بِإِمْهَالِهِمْ لِإِتْمَامِ أَمْر مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "وَآتَيْنَا ثَمُود النَّاقَة" آيَة "مُبْصِرَة" بَيِّنَة وَاضِحَة "فَظَلَمُوا" كَفَرُوا "بِهَا" "بِالْآيَاتِ" الْمُعْجِزَات "إلَّا تَخْوِيفًا" لِلْعِبَادِ فَيُؤْمِنُوا
وَإِذۡ قُلۡنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِۚ وَمَا جَعَلۡنَا ٱلرُّءۡیَا ٱلَّتِیۤ أَرَیۡنَـٰكَ إِلَّا فِتۡنَةࣰ لِّلنَّاسِ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلۡمَلۡعُونَةَ فِی ٱلۡقُرۡءَانِۚ وَنُخَوِّفُهُمۡ فَمَا یَزِیدُهُمۡ إِلَّا طُغۡیَـٰنࣰا كَبِیرࣰا ﴿٦٠﴾
"وَ" وَاذْكُرْ "إِذْ قُلْنَا لَك إنَّ رَبّك أَحَاطَ بِالنَّاسِ" عِلْمًا وَقُدْرَة فَهُمْ فِي قَبْضَته فَبَلِّغْهُمْ وَلَا تَخَفْ أَحَدًا فَهُوَ يَعْصِمك مِنْهُمْ "أَرَيْنَاك" عِيَانًا لَيْلَة الْإِسْرَاء "إلَّا فِتْنَة لِلنَّاسِ" أَهْل مَكَّة إذْ كَذَّبُوا بِهَا وَارْتَدَّ بَعْضهمْ لَمَّا أَخْبَرَهُمْ بِهَا "وَالشَّجَرَة الْمَلْعُونَة فِي الْقُرْآن" وَهِيَ الزَّقُّوم الَّتِي تَنْبُت فِي أَصْل الْجَحِيم جَعَلْنَاهَا فِتْنَة لَهُمْ إذْ قَالُوا : النَّار تُحْرِق الشَّجَر فَكَيْفَ تُنْبِتهُ "وَنُخَوِّفهُمْ" بِهَا "فَمَا يَزِيدهُمْ" تَخْوِيفنَا
وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوۤاْ إِلَّاۤ إِبۡلِیسَ قَالَ ءَأَسۡجُدُ لِمَنۡ خَلَقۡتَ طِینࣰا ﴿٦١﴾
"وَ" اذْكُر "اُسْجُدُوا لِآدَم" سُجُود تَحِيَّة بِالِانْحِنَاءِ "طِينًا" نُصِبَ بِنَزْعِ الْخَافِض أَيْ مِنْ طِين
قَالَ أَرَءَیۡتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِی كَرَّمۡتَ عَلَیَّ لَىِٕنۡ أَخَّرۡتَنِ إِلَىٰ یَوۡمِ ٱلۡقِیَـٰمَةِ لَأَحۡتَنِكَنَّ ذُرِّیَّتَهُۥۤ إِلَّا قَلِیلࣰا ﴿٦٢﴾
"قَالَ أَرَأَيْتُك" أَيْ أَخْبِرْنِي "هَذَا الَّذِي كَرَّمْت" فَضَّلْت "عَلَيَّ" بِالْأَمْرِ بِالسُّجُودِ لَهُ "وَأَنَا خَيْر مِنْهُ خَلَقْتنِي مِنْ نَار" "لَئِنْ" لَام قَسَم "لَأَحْتَنِكَنَّ" لَأَسْتَأْصِلَنَّ "ذُرِّيَّته" بِالْإِغْوَاءِ "إلَّا قَلِيلًا" مِنْهُمْ مِمَّنْ عَصَمْته
قَالَ ٱذۡهَبۡ فَمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاۤؤُكُمۡ جَزَاۤءࣰ مَّوۡفُورࣰا ﴿٦٣﴾
"قَالَ" تَعَالَى لَهُ "اذْهَبْ" مُنْظَرًا إلَى وَقْت النَّفْخَة الْأُولَى "جَزَاؤُكُمْ" أَنْتَ وَهُمْ "جَزَاء مَوْفُورًا" وَافِرًا كَامِلًا
وَٱسۡتَفۡزِزۡ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتَ مِنۡهُم بِصَوۡتِكَ وَأَجۡلِبۡ عَلَیۡهِم بِخَیۡلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكۡهُمۡ فِی ٱلۡأَمۡوَ ٰ⁠لِ وَٱلۡأَوۡلَـٰدِ وَعِدۡهُمۡۚ وَمَا یَعِدُهُمُ ٱلشَّیۡطَـٰنُ إِلَّا غُرُورًا ﴿٦٤﴾
"وَاسْتَفْزِزْ" اسْتَخِفَّ "بِصَوْتِك" بِدُعَائِك بِالْغِنَاءِ وَالْمَزَامِير وَكُلّ دَاعٍ إلَى الْمَعْصِيَة "وَأَجْلِبْ" صِحْ "عَلَيْهِمْ بِخَيْلِك وَرَجِلك" وَهُمْ الرُّكَّاب وَالْمُشَاة فِي الْمَعَاصِي "وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَال" الْمُحَرَّمَة كَالرِّبَا وَالْغَصْب "وَالْأَوْلَاد" مِنْ الزِّنَى "وَعِدْهُمْ" بِأَنْ لَا بَعْث وَلَا جَزَاء "وَمَا يَعِدهُمْ الشَّيْطَان" بِذَلِكَ "إلَّا غُرُورًا" بَاطِلًا
إِنَّ عِبَادِی لَیۡسَ لَكَ عَلَیۡهِمۡ سُلۡطَـٰنࣱۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِیلࣰا ﴿٦٥﴾
"إنَّ عِبَادِي" الْمُؤْمِنِينَ "سُلْطَان" تَسَلُّط وَقُوَّة "وَكَفَى بِرَبِّك وَكِيلًا" حَافِظًا لَهُمْ مِنْك
رَّبُّكُمُ ٱلَّذِی یُزۡجِی لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ فِی ٱلۡبَحۡرِ لِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦۤۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِكُمۡ رَحِیمࣰا ﴿٦٦﴾
"يُزْجِي" يُجْرِي "لَكُمْ الْفُلْك" السُّفُن "لِتَبْتَغُوا" تَطْلُبُوا "مِنْ فَضْله" تَعَالَى بِالتِّجَارَةِ "إنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا" فِي تَسْخِيرهَا لَكُمْ
وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فِی ٱلۡبَحۡرِ ضَلَّ مَن تَدۡعُونَ إِلَّاۤ إِیَّاهُۖ فَلَمَّا نَجَّىٰكُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ أَعۡرَضۡتُمۡۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَـٰنُ كَفُورًا ﴿٦٧﴾
"الضُّرّ" الشِّدَّة "فِي الْبَحْر" خَوْف الْغَرَق "ضَلَّ" غَابَ عَنْكُمْ "مَنْ تَدْعُونَ" تَعْبُدُونَ مِنْ الْآلِهَة فَلَا تَدْعُونَهُ "إلَّا إيَّاهُ" تَعَالَى فَإِنَّكُمْ تَدْعُونَهُ وَحْده لِأَنَّكُمْ فِي شِدَّة لَا يَكْشِفهَا إلَّا هُوَ "فَلَمَّا نَجَّاكُمْ" مِنْ الْغَرَق وَأَوْصَلَكُمْ "أَعْرَضْتُمْ" عَنْ التَّوْحِيد "وَكَانَ الْإِنْسَان كَفُورًا" جَحُودًا لِلنِّعَمِ
أَفَأَمِنتُمۡ أَن یَخۡسِفَ بِكُمۡ جَانِبَ ٱلۡبَرِّ أَوۡ یُرۡسِلَ عَلَیۡكُمۡ حَاصِبࣰا ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ وَكِیلًا ﴿٦٨﴾
"جَانِب الْبَرّ" أَيْ الْأَرْض كَقَارُونَ "أَوْ يُرْسِل عَلَيْكُمْ حَاصِبًا" أَيْ يَرْمِيكُمْ بِالْحَصْبَاءِ كَقَوْمِ لُوط "وَكِيلًا" حَافِظًا مِنْهُ
أَمۡ أَمِنتُمۡ أَن یُعِیدَكُمۡ فِیهِ تَارَةً أُخۡرَىٰ فَیُرۡسِلَ عَلَیۡكُمۡ قَاصِفࣰا مِّنَ ٱلرِّیحِ فَیُغۡرِقَكُم بِمَا كَفَرۡتُمۡ ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ عَلَیۡنَا بِهِۦ تَبِیعࣰا ﴿٦٩﴾
"فِيهِ" أَيْ الْبَحْر "تَارَة" مَرَّة "قَاصِفًا مِنْ الرِّيح" أَيْ رِيحًا شَدِيدَة لَا تَمُرّ بِشَيْءٍ إلَّا قَصَفَتْهُ فَتَكْسِر فُلْككُمْ "فَيُغْرِقكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ" بِكُفْرِكُمْ "تَبِيعًا" نَاصِرًا وَتَابِعًا يُطَالِبنَا بِمَا فَعَلْنَا بِكُمْ
۞ وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِیۤ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَـٰهُمۡ فِی ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَـٰهُم مِّنَ ٱلطَّیِّبَـٰتِ وَفَضَّلۡنَـٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِیرࣲ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِیلࣰا ﴿٧٠﴾
"وَلَقَدْ كَرَّمْنَا" فَضَّلْنَا "بَنِي آدَم" بِالْعِلْمِ وَالنُّطْق وَاعْتِدَال الْخَلْق وَغَيْر ذَلِكَ وَمِنْهُ طَهَارَتهمْ بَعْد الْمَوْت "وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرّ" عَلَى الدَّوَابّ "وَالْبَحْر" عَلَى السُّفُن "كَثِير مِمَّنْ خَلَقْنَا" كَالْبَهَائِمِ وَالْوُحُوش "تَفْضِيلًا" فَمَنْ بِمَعْنَى مَا أَوْ عَلَى بَابهَا وَتَشْمَل الْمَلَائِكَة وَالْمُرَاد تَفْضِيل الْجِنْس وَلَا يَلْزَم تَفْضِيل أَفْرَاده إذْ هُمْ أَفْضَل مِنْ الْبَشَر غَيْر الْأَنْبِيَاء
یَوۡمَ نَدۡعُواْ كُلَّ أُنَاسِۭ بِإِمَـٰمِهِمۡۖ فَمَنۡ أُوتِیَ كِتَـٰبَهُۥ بِیَمِینِهِۦ فَأُوْلَـٰۤىِٕكَ یَقۡرَءُونَ كِتَـٰبَهُمۡ وَلَا یُظۡلَمُونَ فَتِیلࣰا ﴿٧١﴾
"بِإِمَامِهِمْ" نَبِيّهمْ فَيُقَال يَا أُمَّة فُلَان أَوْ بِكِتَابِ أَعْمَالهمْ فَيُقَال يَا صَاحِب الشَّرّ وَهُوَ يَوْم الْقِيَامَة "فَمَنْ أُوتِيَ" مِنْهُمْ "كِتَابه بِيَمِينِهِ" وَهُمْ السُّعَدَاء أُولُو الْبَصَائِر فِي الدُّنْيَا "يُظْلَمُونَ" يُنْقَصُونَ مِنْ أَعْمَالهمْ "فَتِيلًا" قَدْر قِشْرَة النَّوَاة
وَمَن كَانَ فِی هَـٰذِهِۦۤ أَعۡمَىٰ فَهُوَ فِی ٱلۡـَٔاخِرَةِ أَعۡمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِیلࣰا ﴿٧٢﴾
"وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ" أَيْ الدُّنْيَا "أَعْمَى" عَنْ الْحَقّ "فَهُوَ فِي الْآخِرَة أَعْمَى" عَنْ طَرِيق النَّجَاة وَقِرَاءَة الْقُرْآن "وَأَضَلّ سَبِيلًا" أَبْعَد طَرِيقًا عَنْهُ وَنَزَلَ فِي ثَقِيف وَقَدْ سَأَلُوهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُحَرِّم وَادِيَهُمْ وَأَلَحُّوا عَلَيْهِ
وَإِن كَادُواْ لَیَفۡتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِیۤ أَوۡحَیۡنَاۤ إِلَیۡكَ لِتَفۡتَرِیَ عَلَیۡنَا غَیۡرَهُۥۖ وَإِذࣰا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِیلࣰا ﴿٧٣﴾
"وَإِنْ" مُخَفَّفَة "كَادُوا" قَارَبُوا "لَيَفْتِنُونَك" لَيَسْتَنْزِلُونَك "وَإِذًا" لَوْ فَعَلْت ذَلِكَ
وَلَوۡلَاۤ أَن ثَبَّتۡنَـٰكَ لَقَدۡ كِدتَّ تَرۡكَنُ إِلَیۡهِمۡ شَیۡـࣰٔا قَلِیلًا ﴿٧٤﴾
"وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاك" عَلَى الْحَقّ بِالْعِصْمَةِ "لَقَدْ كِدْت" قَارَبْت "تَرْكَن" تَمِيل "إلَيْهِمْ شَيْئًا" رُكُونًا "قَلِيلًا" لِشِدَّةِ احْتِيَالهمْ وَإِلْحَاحهمْ وَهُوَ صَرِيح فِي أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَرْكَن وَلَا قَارَبَ
إِذࣰا لَّأَذَقۡنَـٰكَ ضِعۡفَ ٱلۡحَیَوٰةِ وَضِعۡفَ ٱلۡمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَیۡنَا نَصِیرࣰا ﴿٧٥﴾
"إذًا" لَوْ رَكَنْت "ضِعْف الْحَيَاة" أَيْ ضِعْف الْعَذَاب "وَضِعْف الْمَمَات" أَيْ مِثْلَيْ مَا يُعَذَّب غَيْرك فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة "نَصِيرًا" مَانِعًا مِنْهُ
وَإِن كَادُواْ لَیَسۡتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ لِیُخۡرِجُوكَ مِنۡهَاۖ وَإِذࣰا لَّا یَلۡبَثُونَ خِلَـٰفَكَ إِلَّا قَلِیلࣰا ﴿٧٦﴾
وَنَزَلَ لَمَّا قَالَ لَهُ الْيَهُود : إنْ كُنْت نَبِيًّا فَالْحَقْ بِالشَّامِ فَإِنَّهَا أَرْض الْأَنْبِيَاء "وَإِنْ" مُخَفَّفَة "كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَك مِنْ الْأَرْض" أَرْض الْمَدِينَة "وَإِذًا" لَوْ أَخْرَجُوك "لَا يَلْبَثُونَ خِلَافك" فِيهَا "إلَّا قَلِيلًا" ثُمَّ يَهْلِكُونَ
سُنَّةَ مَن قَدۡ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِن رُّسُلِنَاۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحۡوِیلًا ﴿٧٧﴾
"سُنَّة مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلك مِنْ رُسُلنَا" أَيْ كَسُنَّتِنَا فِيهِمْ مِنْ إهْلَاك مَنْ أَخْرَجَهُمْ "تَحْوِيلًا" تَبْدِيلًا
أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمۡسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّیۡلِ وَقُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِۖ إِنَّ قُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِ كَانَ مَشۡهُودࣰا ﴿٧٨﴾
"أَقِمْ الصَّلَاة لِدُلُوكِ الشَّمْس" أَيْ مِنْ وَقْت زَوَالهَا "إلَى غَسَق اللَّيْل" إقْبَال ظُلْمَته أَيْ الظُّهْر وَالْعَصْر وَالْمَغْرِب وَالْعِشَاء "وَقُرْآن الْفَجْر" صَلَاة الصُّبْح "إنَّ قُرْآن الْفَجْر كَانَ مَشْهُودًا" تَشْهَدهُ مَلَائِكَة اللَّيْل وَمَلَائِكَة النَّهَار
وَمِنَ ٱلَّیۡلِ فَتَهَجَّدۡ بِهِۦ نَافِلَةࣰ لَّكَ عَسَىٰۤ أَن یَبۡعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامࣰا مَّحۡمُودࣰا ﴿٧٩﴾
"فَتَهَجَّدْ" فَصَلِّ "بِهِ" بِالْقُرْآنِ "نَافِلَة لَك" فَرِيضَة زَائِدَة لَك دُون أُمَّتك أَوْ فَضِيلَة عَلَى الصَّلَوَات الْمَفْرُوضَة "عَسَى أَنْ يَبْعَثك" يُقِيمك "رَبّك" فِي الْآخِرَة "مَقَامًا مَحْمُودًا" يَحْمَدك فِيهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ وَهُوَ مَقَام الشَّفَاعَة فِي فَصْل الْقَضَاء وَنَزَلَ لَمَّا أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ
وَقُل رَّبِّ أَدۡخِلۡنِی مُدۡخَلَ صِدۡقࣲ وَأَخۡرِجۡنِی مُخۡرَجَ صِدۡقࣲ وَٱجۡعَل لِّی مِن لَّدُنكَ سُلۡطَـٰنࣰا نَّصِیرࣰا ﴿٨٠﴾
"أَدْخِلْنِي" الْمَدِينَة "مُدْخَل صِدْق" إدْخَالًا مَرْضِيًّا لَا أَرَى فِيهِ مَا أَكْرَه "وَأَخْرِجْنِي" مِنْ مَكَّة "مُخْرَج صِدْق" إخْرَاجًا لَا أَلْتَفِت بِقَلْبِي إلَيْهَا "وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْك سُلْطَانًا نَصِيرًا" قُوَّة تَنْصُرنِي بِهَا عَلَى أَعْدَائِك
وَقُلۡ جَاۤءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَـٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَـٰطِلَ كَانَ زَهُوقࣰا ﴿٨١﴾
"وَقُلْ" عِنْد دُخُولك مَكَّة "جَاءَ الْحَقّ" الْإِسْلَام "وَزَهَقَ الْبَاطِل" بَطَلَ الْكُفْر "إنَّ الْبَاطِل كَانَ زَهُوقًا" مُضْمَحِلًّا زَائِلًا "وَقَدْ دَخَلَهَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَوْل الْبَيْت ثَلَثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ صَنَمًا فَجَعَلَ يَطْعَنهَا بِعُودٍ فِي يَده وَيَقُول ذَلِكَ حَتَّى سَقَطَتْ" رَوَاهُ الشَّيْخَانِ
وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِ مَا هُوَ شِفَاۤءࣱ وَرَحۡمَةࣱ لِّلۡمُؤۡمِنِینَ وَلَا یَزِیدُ ٱلظَّـٰلِمِینَ إِلَّا خَسَارࣰا ﴿٨٢﴾
"وَنُنَزِّل" لِلْبَيَانِ "شِفَاء" مِنْ الضَّلَالَة "وَرَحْمَة لِلْمُؤْمِنِينَ" بِهِ "وَلَا يَزِيد الظَّالِمِينَ" الْكَافِرِينَ "إلَّا خَسَارًا" لِكُفْرِهِمْ بِهِ
وَإِذَاۤ أَنۡعَمۡنَا عَلَى ٱلۡإِنسَـٰنِ أَعۡرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ یَـُٔوسࣰا ﴿٨٣﴾
"الْإِنْسَان" الْكَافِر "أَعْرَضَ" عَنْ الشُّكْر "وَنَأَى بِجَانِبِهِ" ثَنَى عِطْفه مُتَبَخْتِرًا "وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرّ" الْفَقْر وَالشِّدَّة "كَانَ يَئُوسًا" قَنُوطًا مِنْ رَحْمَة اللَّه
قُلۡ كُلࣱّ یَعۡمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِۦ فَرَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَنۡ هُوَ أَهۡدَىٰ سَبِیلࣰا ﴿٨٤﴾
"قُلْ كُلّ" مِنَّا وَمِنْكُمْ "يَعْمَل عَلَى شَاكِلَته" طَرِيقَته "أَهْدَى سَبِيلًا" طَرِيقًا فَيُثِيبهُ
وَیَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنۡ أَمۡرِ رَبِّی وَمَاۤ أُوتِیتُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ إِلَّا قَلِیلࣰا ﴿٨٥﴾
"وَيَسْأَلُونَك" أَيْ الْيَهُود "عَنْ الرُّوح" الَّذِي يَحْيَا بِهِ الْبَدَن "قُلْ" لَهُمْ "الرُّوح مِنْ أَمْر رَبِّي" أَيْ عِلْمه لَا تَعْلَمُونَهُ "وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْم إلَّا قَلِيلًا" بِالنِّسْبَةِ إلَى عِلْمه تَعَالَى
وَلَىِٕن شِئۡنَا لَنَذۡهَبَنَّ بِٱلَّذِیۤ أَوۡحَیۡنَاۤ إِلَیۡكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِۦ عَلَیۡنَا وَكِیلًا ﴿٨٦﴾
"وَلَئِنْ" لَام قَسَم "أَوْحَيْنَا إلَيْك" أَيْ الْقُرْآن بِأَنْ نَمْحُوهُ مِنْ الصُّدُور وَالْمَصَاحِف
إِلَّا رَحۡمَةࣰ مِّن رَّبِّكَۚ إِنَّ فَضۡلَهُۥ كَانَ عَلَیۡكَ كَبِیرࣰا ﴿٨٧﴾
"إلَّا" لَكِنْ أَبْقَيْنَاهُ "رَحْمَة مِنْ رَبّك إنَّ فَضْله كَانَ عَلَيْك كَبِيرًا" عَظِيمًا حَيْثُ أَنْزَلَهُ عَلَيْك وَأَعْطَاك الْمَقَام الْمَحْمُود وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْفَضَائِل
قُل لَّىِٕنِ ٱجۡتَمَعَتِ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَىٰۤ أَن یَأۡتُواْ بِمِثۡلِ هَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لَا یَأۡتُونَ بِمِثۡلِهِۦ وَلَوۡ كَانَ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضࣲ ظَهِیرࣰا ﴿٨٨﴾
"بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآن" فِي الْفَصَاحَة وَالْبَلَاغَة "ظَهِيرًا" مُعِينًا نَزَلَ رَدًّا لِقَوْلِهِمْ "وَلَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْل هَذَا"
وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا لِلنَّاسِ فِی هَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلࣲ فَأَبَىٰۤ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورࣰا ﴿٨٩﴾
"وَلَقَدْ صَرَّفْنَا" بَيَّنَّا "كُلّ مَثَل" صِفَة لِمَحْذُوفٍ أَيْ مَثَلًا مِنْ جِنْس كُلّ مَثَل لِيَتَّعِظُوا "فَأَبَى أَكْثَر النَّاس" أَيْ أَهْل مَكَّة "إلَّا كُفُورًا" جُحُودًا لِلْحَقِّ
وَقَالُواْ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفۡجُرَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَرۡضِ یَنۢبُوعًا ﴿٩٠﴾
"وَقَالُوا" عَطْف عَلَى أَبَى "يَنْبُوعًا" عَيْنًا يَنْبُع مِنْهَا الْمَاء
أَوۡ تَكُونَ لَكَ جَنَّةࣱ مِّن نَّخِیلࣲ وَعِنَبࣲ فَتُفَجِّرَ ٱلۡأَنۡهَـٰرَ خِلَـٰلَهَا تَفۡجِیرًا ﴿٩١﴾
"جَنَّة" بُسْتَان "خِلَالهَا" وَسَطهَا
أَوۡ تُسۡقِطَ ٱلسَّمَاۤءَ كَمَا زَعَمۡتَ عَلَیۡنَا كِسَفًا أَوۡ تَأۡتِیَ بِٱللَّهِ وَٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ قَبِیلًا ﴿٩٢﴾
"كِسَفًا" قِطَعًا "قَبِيلًا" مُقَابَلَة وَعِيَانًا فَنَرَاهُمْ
أَوۡ یَكُونَ لَكَ بَیۡتࣱ مِّن زُخۡرُفٍ أَوۡ تَرۡقَىٰ فِی ٱلسَّمَاۤءِ وَلَن نُّؤۡمِنَ لِرُقِیِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَیۡنَا كِتَـٰبࣰا نَّقۡرَؤُهُۥۗ قُلۡ سُبۡحَانَ رَبِّی هَلۡ كُنتُ إِلَّا بَشَرࣰا رَّسُولࣰا ﴿٩٣﴾
"زُخْرُف" ذَهَب "أَوْ تَرْقَى" تَصْعَد "فِي السَّمَاء" بِسُلَّمٍ "وَلَنْ نُؤْمِن لِرُقِيِّك" لَوْ رَقِيت فِيهَا "حَتَّى تُنَزِّل عَلَيْنَا" مِنْهَا "كِتَابًا" فِيهِ تَصْدِيقك "قُلْ" لَهُمْ "سُبْحَان رَبِّي" تَعَجُّب "هَلْ" مَا "كُنْت إلَّا بَشَرًا رَسُولًا" كَسَائِرِ الرُّسُل وَلَمْ يَكُونُوا يَأْتُونَ بِآيَةٍ إلَّا بِإِذْنِ اللَّه
وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن یُؤۡمِنُوۤاْ إِذۡ جَاۤءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰۤ إِلَّاۤ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرࣰا رَّسُولࣰا ﴿٩٤﴾
"إلَّا أَنْ قَالُوا" أَيْ قَوْلهمْ مُنْكِرِينَ "أَبَعَثَ اللَّه بَشَرًا رَسُولًا" وَلَمْ يَبْعَث مَلَكًا
قُل لَّوۡ كَانَ فِی ٱلۡأَرۡضِ مَلَـٰۤىِٕكَةࣱ یَمۡشُونَ مُطۡمَىِٕنِّینَ لَنَزَّلۡنَا عَلَیۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِ مَلَكࣰا رَّسُولࣰا ﴿٩٥﴾
"قُلْ" لَهُمْ "لَوْ كَانَ فِي الْأَرْض مَلَائِكَة يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ" بَدَل الْبَشَر "لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاء مَلَكًا رَسُولًا" إذْ لَا يُرْسَل إلَى قَوْم رَسُول إلَّا مِنْ جِنْسهمْ لِيُمْكِنهُمْ مُخَاطَبَته وَالْفَهْم عَنْهُ
قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِیدَۢا بَیۡنِی وَبَیۡنَكُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِیرَۢا بَصِیرࣰا ﴿٩٦﴾
"شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنكُمْ" عَلَى صِدْقِي "خَبِيرًا بَصِيرًا" عَالِمًا بِبَوَاطِنِهِمْ وَظَوَاهِرهمْ
وَمَن یَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن یُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُمۡ أَوۡلِیَاۤءَ مِن دُونِهِۦۖ وَنَحۡشُرُهُمۡ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ عُمۡیࣰا وَبُكۡمࣰا وَصُمࣰّاۖ مَّأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ كُلَّمَا خَبَتۡ زِدۡنَـٰهُمۡ سَعِیرࣰا ﴿٩٧﴾
"فَلَنْ تَجِد لَهُمْ أَوْلِيَاء" يَهْدُونَهُمْ "وَنَحْشُرهُمْ يَوْم الْقِيَامَة" مَاشِينَ "مَأْوَاهُمْ جَهَنَّم كُلَّمَا خَبَتْ" سَكَنَ لَهَبهَا "زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا" تَلَهُّبًا وَاشْتِعَالًا
ذَ ٰ⁠لِكَ جَزَاۤؤُهُم بِأَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِـَٔایَـٰتِنَا وَقَالُوۤاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَـٰمࣰا وَرُفَـٰتًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ خَلۡقࣰا جَدِیدًا ﴿٩٨﴾
"بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا" مُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ "أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا"
۞ أَوَلَمۡ یَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِی خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضَ قَادِرٌ عَلَىٰۤ أَن یَخۡلُقَ مِثۡلَهُمۡ وَجَعَلَ لَهُمۡ أَجَلࣰا لَّا رَیۡبَ فِیهِ فَأَبَى ٱلظَّـٰلِمُونَ إِلَّا كُفُورࣰا ﴿٩٩﴾
"أَوَلَمْ يَرَوْا" يَعْلَمُوا "أَنَّ اللَّه الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض" مَعَ عِظَمهمَا "قَادِر عَلَى أَنْ يَخْلُق مِثْلهمْ" أَيْ الْأَنَاسِيّ فِي الصِّغَر "وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا" لِلْمَوْتِ وَالْبَعْث "فَأَبَى الظَّالِمُونَ إلَّا كُفُورًا" جُحُودًا لَهُ
قُل لَّوۡ أَنتُمۡ تَمۡلِكُونَ خَزَاۤىِٕنَ رَحۡمَةِ رَبِّیۤ إِذࣰا لَّأَمۡسَكۡتُمۡ خَشۡیَةَ ٱلۡإِنفَاقِۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَـٰنُ قَتُورࣰا ﴿١٠٠﴾
"قُلْ" لَهُمْ "لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِن رَحْمَة رَبِّي" مِنْ الرِّزْق وَالْمَطَر "إذًا لَأَمْسَكْتُمْ" لَبَخِلْتُمْ "خَشْيَة الْإِنْفَاق" خَوْف نَفَادهَا بِالْإِنْفَاقِ فَتُقَتِّرُوا "قَتُورًا" بَخِيلًا
وَلَقَدۡ ءَاتَیۡنَا مُوسَىٰ تِسۡعَ ءَایَـٰتِۭ بَیِّنَـٰتࣲۖ فَسۡـَٔلۡ بَنِیۤ إِسۡرَ ٰ⁠ۤءِیلَ إِذۡ جَاۤءَهُمۡ فَقَالَ لَهُۥ فِرۡعَوۡنُ إِنِّی لَأَظُنُّكَ یَـٰمُوسَىٰ مَسۡحُورࣰا ﴿١٠١﴾
"وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْع آيَات بَيِّنَات" وَهِيَ الْيَد وَالْعَصَا وَالطُّوفَان وَالْجَرَاد وَالْقُمَّل وَالضَّفَادِع وَالدَّم أَوْ الطَّمْس وَنَقْص الثَّمَرَات "فَاسْأَلْ" يَا مُحَمَّد "بَنِي إسْرَائِيل" عَنْهُ سُؤَال تَقْرِير لِلْمُشْرِكِينَ عَلَى صِدْقك أَوْ فَقُلْنَا لَهُ : اسْأَلْ وَفِي قِرَاءَة بِلَفْظِ الْمَاضِي "مَسْحُورًا" مَخْدُوعًا مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلك
قَالَ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَاۤ أَنزَلَ هَـٰۤؤُلَاۤءِ إِلَّا رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ بَصَاۤىِٕرَ وَإِنِّی لَأَظُنُّكَ یَـٰفِرۡعَوۡنُ مَثۡبُورࣰا ﴿١٠٢﴾
"قَالَ لَقَدْ عَلِمْت مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ" الْآيَات "إلَّا رَبّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض بَصَائِر" عِبَرًا وَلَكِنَّك تُعَانِد وَفِي قِرَاءَة بِضَمِّ التَّاء "وَإِنِّي لَأَظُنّك يَا فِرْعَوْن مَثْبُورًا" هَالِكًا أَوْ مَصْرُوفًا عَنْ الْخَيْر
فَأَرَادَ أَن یَسۡتَفِزَّهُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ فَأَغۡرَقۡنَـٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ جَمِیعࣰا ﴿١٠٣﴾
"فَأَرَادَ" فِرْعَوْن "أَنْ يَسْتَفِزّهُمْ" يُخْرِج مُوسَى وَقَوْمه "مِنْ الْأَرْض" أَرْض مِصْر
وَقُلۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ لِبَنِیۤ إِسۡرَ ٰ⁠ۤءِیلَ ٱسۡكُنُواْ ٱلۡأَرۡضَ فَإِذَا جَاۤءَ وَعۡدُ ٱلۡـَٔاخِرَةِ جِئۡنَا بِكُمۡ لَفِیفࣰا ﴿١٠٤﴾
"وَعْد الْآخِرَة" أَيْ السَّاعَة "جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا" جَمِيعًا أَنْتُمْ وَهُمْ
وَبِٱلۡحَقِّ أَنزَلۡنَـٰهُ وَبِٱلۡحَقِّ نَزَلَۗ وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَـٰكَ إِلَّا مُبَشِّرࣰا وَنَذِیرࣰا ﴿١٠٥﴾
"وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ" أَيْ الْقُرْآن "وَبِالْحَقِّ" الْمُشْتَمِل عَلَيْهِ "نَزَلَ" كَمَا أُنْزِلَ لَمْ يَعْتَرِهِ تَبْدِيل "وَمَا أَرْسَلْنَاك" يَا مُحَمَّد "إلَّا مُبَشِّرًا" مَنْ آمَنَ بِالْجَنَّةِ "وَنَذِيرًا" مَنْ كَفَرَ بِالنَّارِ
وَقُرۡءَانࣰا فَرَقۡنَـٰهُ لِتَقۡرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكۡثࣲ وَنَزَّلۡنَـٰهُ تَنزِیلࣰا ﴿١٠٦﴾
"وَقُرْآنًا" مَنْصُوب بِفِعْلٍ يُفَسِّرهُ "فَرَقْنَاهُ" نَزَّلْنَاهُ مُفَرَّقًا فِي عِشْرِينَ سَنَة أَوْ وَثَلَاث "مُكْث" مَهْل وَتُؤَدَة لِيَفْهَمُوهُ "وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا" شَيْئًا بَعْد شَيْء عَلَى حَسَب الْمَصَالِح
قُلۡ ءَامِنُواْ بِهِۦۤ أَوۡ لَا تُؤۡمِنُوۤاْۚ إِنَّ ٱلَّذِینَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ مِن قَبۡلِهِۦۤ إِذَا یُتۡلَىٰ عَلَیۡهِمۡ یَخِرُّونَ لِلۡأَذۡقَانِ سُجَّدࣰا ﴿١٠٧﴾
"قُلْ" لِكُفَّارِ مَكَّة "آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا" تَهْدِيد لَهُمْ "مِنْ قَبْله" قَبْل نُزُوله وَهُمْ مُؤْمِنُو أَهْل الْكِتَاب
وَیَقُولُونَ سُبۡحَـٰنَ رَبِّنَاۤ إِن كَانَ وَعۡدُ رَبِّنَا لَمَفۡعُولࣰا ﴿١٠٨﴾
"وَيَقُولُونَ سُبْحَان رَبّنَا" تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ خُلْف الْوَعْد "إنْ" مُخَفَّفَة "كَانَ وَعْد رَبّنَا" بِنُزُولِهِ وَبَعْث النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَیَخِرُّونَ لِلۡأَذۡقَانِ یَبۡكُونَ وَیَزِیدُهُمۡ خُشُوعࣰا ۩ ﴿١٠٩﴾
"وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ" عَطْف بِزِيَادَةِ صِفَة "وَيَزِيدهُمْ" الْقُرْآن "خُشُوعًا" تَوَاضُعًا لِلَّهِ
قُلِ ٱدۡعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدۡعُواْ ٱلرَّحۡمَـٰنَۖ أَیࣰّا مَّا تَدۡعُواْ فَلَهُ ٱلۡأَسۡمَاۤءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَلَا تَجۡهَرۡ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتۡ بِهَا وَٱبۡتَغِ بَیۡنَ ذَ ٰ⁠لِكَ سَبِیلࣰا ﴿١١٠﴾
وَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : "يَا اللَّه يَا رَحْمَن" فَقَالُوا : يَنْهَانَا أَنْ نَعْبُد إلَهَيْنِ وَهُوَ يَدْعُو إلَهًا آخَرَ مَعَهُ فَنَزَلَ "قُلْ" لَهُمْ "اُدْعُوا اللَّه أَوْ اُدْعُوا الرَّحْمَن" أَيْ سَمُّوهُ بِأَيِّهِمَا أَوْ نَادُوهُ بِأَنْ تَقُولُوا : يَا اللَّه يَا رَحْمَن "أَيًّا" شَرْطِيَّة "مَا" زَائِدَة أَيْ أَيّ هَذَيْنِ "تَدْعُوا" فَهُوَ حَسَن دَلَّ عَلَى هَذَا "فَلَهُ" أَيْ لِمُسَمَّاهُمَا "الْأَسْمَاء الْحُسْنَى" وَهَذَانِ مِنْهَا فَإِنَّهَا كَمَا فِي الْحَدِيث "اللَّه الَّذِي لَا إلَه إلَّا هُوَ الرَّحْمَن الرَّحِيم الْمَلِك الْقُدُّوس السَّلَام الْمُؤْمِن الْمُهَيْمِن الْعَزِيز الْجَبَّار الْمُتَكَبِّر الْخَالِق الْبَارِئ الْمُصَوِّر الْغَفَّار الْقَهَّار الْوَهَّاب الرَّزَّاق الْفَتَّاح الْعَلِيم الْقَابِض الْبَاسِط الْخَافِض الرَّافِع الْمُعِزّ الْمُذِلّ السَّمِيع الْبَصِير الْحَكَم الْعَدْل اللَّطِيف الْخَبِير الْحَلِيم الْعَظِيم الْغَفُور الشَّكُور الْعَلِيّ الْكَبِير الْحَفِيظ الْمَقِيت الْحَسِيب الْجَلِيل الْكَرِيم الرَّقِيب الْمُجِيب الْوَاسِع الْحَكِيم الْوَدُود الْمَجِيد الْبَاعِث الشَّهِيد الْحَقّ الْوَكِيل الْقَوِيّ الْمَتِين الْوَلِيّ الْحَمِيد الْمُحْصِي الْمُبْدِئ الْمُعِيد الْمُحْيِي الْمُمِيت الْحَيّ الْقَيُّوم الْوَاجِد الْمَاجِد الْوَاحِد الْأَحَد الصَّمَد الْقَادِر الْمُقْتَدِر الْمُقَدِّم الْمُؤَخِّر الْأَوَّل الْآخِر الظَّاهِر الْبَاطِن الْوَالِي الْمُتَعَالِي الْبَرّ التَّوَّاب الْمُنْتَقِم الْعَفُوّ الرَّءُوف مَالِك الْمُلْك ذُو الْجَلَال وَالْإِكْرَام الْمُقْسِط الْجَامِع الْغَنِيّ الْمُغْنِي الْمَانِع الضَّارّ النَّافِع النُّور الْهَادِي الْبَدِيع الْبَاقِي الْوَارِث الرَّشِيد الصَّبُور" رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ "وَلَا تَجْهَر بِصَلَاتِك" بِقِرَاءَتِك بِهَا فَيَسْمَعك الْمُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوك وَيَسُبُّوا الْقُرْآن وَمَنْ أَنْزَلَهُ "وَلَا تُخَافِت" تُسِرّ "بِهَا" لِيَنْتَفِع أَصْحَابك "وَابْتَغِ" اقْصِدْ "بَيْن ذَلِكَ" الْجَهْر وَالْمُخَافَتَة "سَبِيلًا" طَرِيقًا وَسَطًا
وَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِی لَمۡ یَتَّخِذۡ وَلَدࣰا وَلَمۡ یَكُن لَّهُۥ شَرِیكࣱ فِی ٱلۡمُلۡكِ وَلَمۡ یَكُن لَّهُۥ وَلِیࣱّ مِّنَ ٱلذُّلِّۖ وَكَبِّرۡهُ تَكۡبِیرَۢا ﴿١١١﴾
"شَرِيك فِي الْمُلْك" فِي الْأُلُوهِيَّة "وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيّ" يَنْصُرهُ "مِنْ" أَجْل "الذُّلّ" أَيْ لَمْ يُذَلّ فَيَحْتَاج إلَى نَاصِر "وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا" عَظِّمْهُ عَظَمَة تَامَّة عَنْ اتِّخَاذ الْوَلَد الشَّرِيك وَالذُّلّ وَكُلّ مَا لَا يَلِيق بِهِ وَتَرْتِيب الْحَمْد عَلَى ذَلِكَ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ الْمُسْتَحِقّ لِجَمِيعِ الْمَحَامِد لِكَمَالِ ذَاته وَتَفَرُّده فِي صِفَاته وَرَوَى الْإِمَام أَحْمَد فِي مُسْنَده عَنْ مُعَاذ الْجُهَنِيّ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُول : "آيَة الْعِزّ الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيك فِي الْمُلْك" إلَى آخِر السُّورَة وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم قَالَ مُؤَلِّفه هَذَا آخِر مَا كَمَّلْت بِهِ تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم الَّذِي أَلَّفَهُ الشَّيْخ الْإِمَام الْعَالِم الْمُحَقِّق جَلَال الدِّين الْمُحَلَّى الشَّافِعِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَقَدْ أَفْرَغْت لِمُكْمِلٍ وَعَلَيْهِ فِي الْآي الْمُتَشَابِهَة الِاعْتِمَاد وَالْمُعَوَّل فَرَحِمَ اللَّه امْرَأً نَظَرَ بِعَيْنِ الْإِنْصَاف إلَيْهِ وَوَقَفَ فِيهِ عَلَى خَطَأ فَأَطْلَعَنِي عَلَيْهِ وَقَدْ قُلْت : حَمِدْت اللَّه رَبِّي إذْ هَدَانِي لِمَا أَبْدَيْت مَعَ عَجْزِي وَضَعْفِي فَمَنْ لِي بِالْخَطَأِ فَأَرُدّ عَنْهُ وَمَنْ لِي بِالْقَبُولِ وَلَوْ بِحَرْفِ هَذَا وَلَمْ يَكُنْ قَطّ فِي خَلَدِي أَنْ أَتَعَرَّض لِذَلِكَ لِعِلْمِي بِالْعَجْزِ عَنْ الْخَوْض فِي هَذِهِ الْمَسَالِك وَعَسَى اللَّه أَنْ يَنْفَع بِهِ نَفْعًا جَمًّا وَيَفْتَح بِهِ قُلُوبًا غُلْفًا وَأَعْيُنًا وَآذَانًا صُمًّا وَكَأَنِّي بِمَنْ اعْتَادَ الْمُطَوَّلَات وَقَدْ أَضْرَبَ عَنْ هَذِهِ التَّكْمِلَة وَأَصْلهَا حَسْمًا وَعَدَلَ إلَى صَرِيح الْعِنَاد وَلَمْ يُوَجِّه إلَى دَقَائِقهَا فَهْمًا "وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَة أَعْمَى" رَزَقَنَا اللَّه بِهِ هِدَايَة إلَى سَبِيل الْحَقّ وَتَوْفِيقًا وَاطِّلَاعًا عَلَى دَقَائِق كَلِمَاته وَتَحْقِيقًا وَجَعَلَنَا بِهِ "مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا" وَفَرَغَ مِنْ تَأْلِيفه يَوْم الْأَحَد عَاشِر شَوَّال سَنَة سَبْعِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ وَكَانَ الِابْتِدَاء فِي يَوْم الْأَرْبِعَاء مُسْتَهَلّ رَمَضَان مِنْ السَّنَة الْمَذْكُورَة وَفَرَغَ مِنْ تَبْيِيضه يَوْم الْأَرْبِعَاء سَادِس صَفَر سَنَة إحْدَى وَسَبْعِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ وَاَللَّه أَعْلَم قَالَ الشَّيْخ شَمْس الدِّين مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر الْخَطِيب الطُّوخِيّ أَخْبَرَنِي صَدِيقِي الشَّيْخ الْعَلَّامَة كَمَال الدِّين الْمُحَلَّى أَخُو شَيْخنَا الشَّيْخ جَلَال الدِّين الْمُحَلَّى رَحِمَهُمَا اللَّه تَعَالَى أَنَّهُ رَأَى أَخَاهُ الشَّيْخ جَلَال الدِّين الْمَذْكُور فِي النَّوْم وَبَيْن يَدَيْهِ صَدِيقنَا الشَّيْخ الْعَلَّامَة الْمُحَقِّق جَلَال الدِّين السُّيُوطِيّ مُصَنِّف هَذِهِ التَّكْمِلَة وَقَدْ أَخَذَ الشَّيْخ هَذِهِ التَّكْمِلَة فِي يَده وَتَصَفَّحَهَا وَيَقُول لِمُصَنِّفِهَا الْمَذْكُور أَيّهمَا أَحْسَن وَضْعِي أَوْ وَضْعك فَقَالَ : وَضْعِي فَقَالَ : اُنْظُرْ وَعَرَضَ عَلَيْهِ مَوَاضِع فِيهَا وَكَأَنَّهُ يُشِير إلَى اعْتِرَاض فِيهَا بِلُطْفٍ وَمُصَنِّف هَذِهِ التَّكْمِلَة كُلَّمَا أَوْرَدَ عَلَيْهِ شَيْئًا يُجِيبهُ وَالشَّيْخ يَبْتَسِم وَيَضْحَك قَالَ شَيْخنَا الْإِمَام الْعَلَّامَة جَلَال الدِّين عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْر السُّيُوطِيّ مُصَنِّف هَذِهِ التَّكْمِلَة : الَّذِي أَعْتَقِدهُ وَأَجْزِم بِهِ أَنَّ الْوَضَع الَّذِي وَضَعَهُ الشَّيْخ جَلَال الدِّين الْمُحَلَّى رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى فِي قِطْعَته أَحْسَن مِنْ وَضْعِي أَنَا بِطَبَقَاتٍ كَثِيرَة كَيْفَ وَغَالِب مَا وَضَعْته هُنَا مُقْتَبَس مِنْ وَضْعه وَمُسْتَفَاد مِنْهُ لَا مِرْيَة عِنْدِي فِي ذَلِكَ وَأَمَّا الَّذِي رُئِيَ فِي الْمَنَام الْمَكْتُوب أَعْلَاهُ فَلَعَلَّ الشَّيْخ أَشَارَ بِهِ إلَى الْمَوَاضِع الْقَلِيلَة الَّتِي خَالَفْت وَضْعه فِيهَا لِنُكْتَةٍ وَهِيَ يَسِيرَةٌ جِدًّا مَا أَظُنّهَا تَبْلُغ عَشَرَةَ مَوَاضِع مِنْهَا أَنَّ الشَّيْخ قَالَ فِي سُورَة ص : وَالرُّوح جِسْم لَطِيف يَحْيَا بِهِ الْإِنْسَان بِنُفُوذِهِ فِيهِ وَكُنْت تَبِعْته أَوَّلًا فَذَكَرْت هَذَا الْحَدّ فِي سُورَة الْحِجْر ثُمَّ ضَرَبْت عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى "وَيَسْأَلُونَك عَنْ الرُّوح قُلْ الرُّوح مِنْ أَمْر رَبِّي" الْآيَة فَهِيَ صَرِيحَة أَوْ كَالصَّرِيحَةِ فِي أَنَّ الرُّوح مِنْ عِلْم اللَّه تَعَالَى لَا نَعْلَمهُ فَالْإِمْسَاك عَنْ تَعْرِيفهَا أَوْلَى وَلِذَا قَالَ الشَّيْخ تَاج الدِّين بْن السُّبْكِيّ فِي جَمْع الْجَوَامِع : وَالرُّوح لَمْ يَتَكَلَّم عَلَيْهَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنُمْسِك عَنْهَا وَمِنْهَا أَنَّ الشَّيْخ قَالَ فِي سُورَة الْحَجّ : الصَّابِئُونَ فِرْقَة مِنْ الْيَهُود فَذَكَرْت ذَلِكَ فِي سُورَة الْبَقَرَة وَزِدْت أَوْ النَّصَارَى بَيَانًا لِقَوْلٍ ثَانٍ فَإِنَّهُ الْمَعْرُوف خُصُوصًا عِنْد أَصْحَابنَا الْفُقَهَاء وَفِي الْمِنْهَاج وَإِنْ خَالَفَتْ السَّامِرَة الْيَهُود وَالصَّابِئَة النَّصَارَى فِي أَصْل دِينهمْ وَفِي شَرْحه أَنَّ الشَّافِعِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ نَصَّ عَلَى أَنَّ الصَّابِئِينَ فِرْقَة مِنْ النَّصَارَى وَلَا أَسْتَحْضِر الْآن مَوْضِعًا ثَالِثًا فَكَأَنَّ الشَّيْخ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى يُشِير إلَى مِثْل هَذَا وَاَللَّه أَعْلَم بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِع وَالْمَآب .