صفحات الموقع

سورة طه تفسير الطبري

الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { طَه } . قَالَ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بْن جَرير : اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْويل في تَأْويل قَوْله : { طَه } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ يَا رَجُل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18076 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا أَبُو تُمَيْلَة , عَنْ الْحَسَن بْن وَاقد , عَنْ يَزيد النَّحْويّ , عَنْ عكْرمَة , عَنْ ابْن عَبَّاس : طَه : بالنَّبَطيَّة : يَا رَجُل . 18077 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , قَالَ : ثني أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { طَه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْك الْقُرْآن لتَشْقَى } فَإنَّ قَوْمه قَالُوا : لَقَدْ شَقيَ هَذَا الرَّجُل برَبّه , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذكْره { طَه } يَعْني : يَا رَجُل { مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْك الْقُرْآن لتَشْقَى } . 18078 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , قَالَ : أَخْبَرَني عَبْد اللَّه بْن مُسْلم , أَوْ يَعْلَى بْن مُسْلم , عَنْ سَعيد بْن جُبَيْر أَنَّهُ قَالَ : طَه : يَا رَجُل بالسُّرْيَانيَّة . * - قَالَ ابْن جُرَيْج : وَأَخْبَرَني زَمْعَة بْن صَالح , عَنْ سَلَمَة بْن وَهْرَام , عَنْ عكْرمَة , عَنْ ابْن عَبَّاس , بذَلكَ أَيْضًا . قَالَ ابْن جُرَيْج , وَقَالَ مُجَاهد , ذَلكَ أَيْضًا . 18079 - حَدَّثَنَا عمْرَان بْن مُوسَى الْقَزَّاز , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَارث بْن سَعيد , قَالَ : ثنا عُمَارَة عَنْ عكْرمَة , في قَوْله : { طَه } قَالَ : يَا رَجُل , كَلَّمَهُ بالنَّبَطيَّة . * - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضح , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , عَنْ عكْرمَة , في قَوْله { طَه } قَالَ : بالنَّبَطيَّة : يَا إنْسَان . 18080 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , عَنْ قُرَّة بْن خَالد , عَنْ الضَّحَّاك , في قَوْله { طَه } قَالَ : يَا رَجُل بالنَّبَطيَّة . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ حُصَيْن , عَنْ عكْرمَة في قَوْله { طَه } قَالَ : يَا رَجُل . 18081 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { طَه } قَالَ : يَا رَجُل , وَهيَ بالسُّرْيَانيَّة . 18082 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة وَالْحَسَن في قَوْله : { طَه } قَالَا : يَا رَجُل . * - حَدَّثَنَا عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمعْت أَبَا مُعَاذ , يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , يَعْني ابْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمعْت الضَّحَّاك يَقُول في قَوْله { طَه } قَالَ : يَا رَجُل . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ اسْم منْ أَسْمَاء اللَّه , وَقَسَم أَقْسَمَ اللَّه به . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18083 - حَدَّثَنَا عَليّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثَنَى مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , في قَوْله : { طَه } قَالَ : فَإنَّهُ قَسَم أَقْسَمَ اللَّه به , وَهُوَ اسْم منْ أَسْمَاء اللَّه . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ حُرُوف هجَاء . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ حُرُوف مُقَطَّعَة يَدُلّ كُلّ حَرْف منْهَا عَلَى مَعْنَى , وَاخْتَلَفُوا في ذَلكَ اخْتلَافهمْ في الم , وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلكَ في مَوَاضعه , وَبَيَّنَّا ذَلكَ بشَوَاهده . وَاَلَّذي هُوَ أَوْلَى بالصَّوَاب عنْدي منْ الْأَقْوَال فيه : قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : يَا رَجُل , لأَنَّهَا كَلمَة مَعْرُوفَة في عَكّ فيمَا بَلَغَني , وَأَنَّ مَعْنَاهَا فيهمْ : يَا رَجُل , أَنْشَدْت لمُتَمّم بْن نُوَيْرَة : هَتَفْت بطَهَ في الْقتَال فَلَمْ يُجبْ فَخفْت عَلَيْه أَنْ يَكُون مُوَائلَا وَقَالَ آخَر : إنَّ السَّفَاهَة طَه منْ خَلَائقكُمْ لَا بَارَكَ اللَّه في الْقَوْم الْمَلَاعين فَإذَا كَانَ ذَلكَ مَعْرُوفًا فيهمْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا , فَالْوَاجب أَنْ يُوَجَّه تَأْويله إلَى الْمَعْرُوف فيهمْ منْ مَعْنَاهُ , وَلَا سيَّمَا إذَا وَافَقَ ذَلكَ تَأْويل أَهْل الْعلْم منْ الصَّحَابَة وَالتَّابعينَ . فَتَأْويل الْكَلَام إذَنْ : يَا رَجُل مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْك الْقُرْآن لتَشْقَى , مَا أَنْزَلْنَاهُ عَلَيْك فَنُكَلّفك مَا لَا طَاقَة لَك به منْ الْعَمَل . وَذُكرَ أَنَّهُ قيلَ لَهُ ذَلكَ بسَبَب مَا كَانَ يَلْقَى منْ النَّصَب وَالْعَنَاء وَالسَّهَر في قيَام اللَّيْل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18084 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد { مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْك الْقُرْآن لتَشْقَى } قَالَ : هيَ مثْل قَوْله : { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ منْهُ } 73 20 فَكَانُوا يُعَلّقُونَ الْحبَال في صُدُورهمْ في الصَّلَاة . 18085 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد { مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْك الْقُرْآن لتَشْقَى } قَالَ : في الصَّلَاة كَقَوْله : { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ منْهُ } 73 20 فَكَانُوا يُعَلّقُونَ الْحبَال بصُدُورهمْ في الصَّلَاة . 18086 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة { مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْك الْقُرْآن لتَشْقَى } لَا وَاَللَّه مَا جَعَلَهُ اللَّه شَقيًّا , وَلَكنْ جَعَلَهُ رَحْمَة وَنُورًا , وَدَليلًا إلَى الْجَنَّة .
مَاۤ أَنزَلۡنَا عَلَیۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لِتَشۡقَىٰۤ ﴿٢﴾
قَالَ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بْن جَرير : اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْويل في تَأْويل قَوْله : { طَه } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ يَا رَجُل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18076 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا أَبُو تُمَيْلَة , عَنْ الْحَسَن بْن وَاقد , عَنْ يَزيد النَّحْويّ , عَنْ عكْرمَة , عَنْ ابْن عَبَّاس : طَه : بالنَّبَطيَّة : يَا رَجُل . 18077 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , قَالَ : ثني أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { طَه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْك الْقُرْآن لتَشْقَى } فَإنَّ قَوْمه قَالُوا : لَقَدْ شَقيَ هَذَا الرَّجُل برَبّه , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذكْره { طَه } يَعْني : يَا رَجُل { مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْك الْقُرْآن لتَشْقَى } . 18078 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , قَالَ : أَخْبَرَني عَبْد اللَّه بْن مُسْلم , أَوْ يَعْلَى بْن مُسْلم , عَنْ سَعيد بْن جُبَيْر أَنَّهُ قَالَ : طَه : يَا رَجُل بالسُّرْيَانيَّة . * - قَالَ ابْن جُرَيْج : وَأَخْبَرَني زَمْعَة بْن صَالح , عَنْ سَلَمَة بْن وَهْرَام , عَنْ عكْرمَة , عَنْ ابْن عَبَّاس , بذَلكَ أَيْضًا . قَالَ ابْن جُرَيْج , وَقَالَ مُجَاهد , ذَلكَ أَيْضًا . 18079 - حَدَّثَنَا عمْرَان بْن مُوسَى الْقَزَّاز , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَارث بْن سَعيد , قَالَ : ثنا عُمَارَة عَنْ عكْرمَة , في قَوْله : { طَه } قَالَ : يَا رَجُل , كَلَّمَهُ بالنَّبَطيَّة . * - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضح , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , عَنْ عكْرمَة , في قَوْله { طَه } قَالَ : بالنَّبَطيَّة : يَا إنْسَان . 18080 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , عَنْ قُرَّة بْن خَالد , عَنْ الضَّحَّاك , في قَوْله { طَه } قَالَ : يَا رَجُل بالنَّبَطيَّة . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ حُصَيْن , عَنْ عكْرمَة في قَوْله { طَه } قَالَ : يَا رَجُل . 18081 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { طَه } قَالَ : يَا رَجُل , وَهيَ بالسُّرْيَانيَّة . 18082 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة وَالْحَسَن في قَوْله : { طَه } قَالَا : يَا رَجُل . * - حَدَّثَنَا عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمعْت أَبَا مُعَاذ , يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , يَعْني ابْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمعْت الضَّحَّاك يَقُول في قَوْله { طَه } قَالَ : يَا رَجُل . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ اسْم منْ أَسْمَاء اللَّه , وَقَسَمَ أَقْسَمَ اللَّه به . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18083 - حَدَّثَنَا عَليّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثَنَى مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , في قَوْله : { طَه } قَالَ : فَإنَّهُ قَسَم أَقْسَمَ اللَّه به , وَهُوَ اسْم منْ أَسْمَاء اللَّه . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ حُرُوف هجَاء . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ حُرُوف مُقَطَّعَة يَدُلّ كُلّ حَرْف منْهَا عَلَى مَعْنًى , وَاخْتَلَفُوا في ذَلكَ اخْتلَافهمْ في الم , وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلكَ في مَوَاضعه , وَبَيَّنَّا ذَلكَ بشَوَاهده . وَاَلَّذي هُوَ أَوْلَى بالصَّوَاب عنْدي منْ الْأَقْوَال فيه : قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : يَا رَجُل , لأَنَّهَا كَلمَة مَعْرُوفَة في عَكّ فيمَا بَلَغَني , وَأَنَّ مَعْنَاهَا فيهمْ : يَا رَجُل , أَنْشَدْت لمُتَمّم بْن نُوَيْرَة : هَتَفْت بطَهَ في الْقتَال فَلَمْ يُجبْ فَخفْت عَلَيْه أَنْ يَكُون مُوَائلَا وَقَالَ آخَر : إنَّ السَّفَاهَة طَه منْ خَلَائقكُمْ لَا بَارَكَ اللَّه في الْقَوْم الْمَلَاعين فَإذَا كَانَ ذَلكَ مَعْرُوفًا فيهمْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا , فَالْوَاجب أَنْ يُوَجَّه تَأْويله إلَى الْمَعْرُوف فيهمْ منْ مَعْنَاهُ , وَلَا سيَّمَا إذَا وَافَقَ ذَلكَ تَأْويل أَهْل الْعلْم منْ الصَّحَابَة وَالتَّابعينَ . فَتَأْويل الْكَلَام إذَنْ : يَا رَجُل مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْك الْقُرْآن لتَشْقَى , مَا أَنْزَلْنَاهُ عَلَيْك فَنُكَلّفك مَا لَا طَاقَة لَك به منْ الْعَمَل . وَذُكرَ أَنَّهُ قيلَ لَهُ ذَلكَ بسَبَب مَا كَانَ يَلْقَى منْ النَّصَب وَالْعَنَاء وَالسَّهَر في قيَام اللَّيْل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18084 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد { مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْك الْقُرْآن لتَشْقَى } قَالَ : هيَ مثْل قَوْله : { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ منْهُ } 73 20 فَكَانُوا يُعَلّقُونَ الْحبَال في صُدُورهمْ في الصَّلَاة . 18085 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد { مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْك الْقُرْآن لتَشْقَى } قَالَ : في الصَّلَاة كَقَوْله : { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ منْهُ } 73 20 فَكَانُوا يُعَلّقُونَ الْحبَال بصُدُورهمْ في الصَّلَاة . 18086 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة { مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْك الْقُرْآن لتَشْقَى } لَا وَاَللَّه مَا جَعَلَهُ اللَّه شَقيًّا , وَلَكنْ جَعَلَهُ رَحْمَة وَنُورًا , وَدَليلًا إلَى الْجَنَّة .
إِلَّا تَذۡكِرَةࣰ لِّمَن یَخۡشَىٰ ﴿٣﴾
وَقَوْله : { إلَّا تَذْكرَة لمَنْ يَخْشَى } يَقُول تَعَالَى ذكْره : مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْك هَذَا الْقُرْآن إلَّا تَذْكرَة لمَنْ يَخْشَى عقَاب اللَّه , فَيَتَّقيه بأَدَاء فَرَائض رَبّه وَاجْتنَاب مَحَارمه , كَمَا : 18087 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إلَّا تَذْكرَة لمَنْ يَخْشَى } وَإنَّ اللَّه أَنْزَلَ كُتُبه , وَبَعَثَ رُسُله رَحْمَة رَحمَ اللَّه بهَا الْعبَاد , ليَتَذَكَّر ذَاكر , وَيَنْتَفع رَجُل بمَا سَمعَ منْ كتَاب اللَّه , وَهُوَ ذكْر لَهُ أَنْزَلَ اللَّه فيه حَلَاله وَحَرَامه , فَقَالَ : { تَنْزيلًا ممَّنْ خَلَقَ الْأَرْض وَالسَّمَوَات الْعُلَى } . 18088 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله : { إلَّا تَذْكرَة لمَنْ يَخْشَى } قَالَ : الَّذي أَنْزَلْنَاهُ عَلَيْك تَذْكرَة لمَنْ يَخْشَى . فَمَعْنَى الْكَلَام إذَنْ : يَا رَجُل مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْك هَذَا الْقُرْآن لتَشْقَى به , مَا أَنْزَلْنَاهُ إلَّا تَذْكرَة لمَنْ يَخْشَى . وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبيَّة في وَجْه نَصْب تَذْكرَة , فَكَانَ بَعْض نَحْويّي الْبَصْرَة يَقُول : قَالَ : إلَّا تَذْكرَة بَدَلًا منْ قَوْله لتَشْقَى , فَجَعَلَهُ . مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْك الْقُرْآن إلَّا تَذْكرَة . وَكَانَ بَعْض نَحْويّي الْكُوفَة يَقُول : نُصبَتْ عَلَى قَوْله . مَا أَنْزَلْنَاهُ إلَّا تَذْكرَة . وَكَانَ بَعْضهمْ يُنْكر قَوْل الْقَائل : نُصبَتْ بَدَلًا منْ قَوْله { لتَشْقَى } وَيَقُول : ذَلكَ غَيْر جَائز , لأَنَّ { لتَشْقَى } في الْجَحْد , و { إلَّا تَذْكرَة } في التَّحْقيق , وَلَكنَّهُ تَكْرير . وَكَانَ بَعْضهمْ يَقُول : مَعْنَى الْكَلَام : مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْك الْقُرْآن إلَّا تَذْكرَة لمَنْ يَخْشَى , لَا لتَشْقَى .
تَنزِیلࣰا مِّمَّنۡ خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ وَٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ ٱلۡعُلَى ﴿٤﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { تَنْزيلًا ممَّنْ خَلَقَ الْأَرْض وَالسَّمَوَات الْعُلَى } . يَقُول تَعَالَى ذكْره لنَبيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ : هَذَا الْقُرْآن تَنْزيل منْ الرَّبّ الَّذي خَلَقَ الْأَرْض وَالسَّمَوَات الْعُلَى . وَالْعُلَى : جَمْع عُلْيَا . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبيَّة في وَجْه نَصْب قَوْله : { تَنْزيلًا } فَقَالَ بَعْض نَحْويّي الْبَصْرَة : نُصبَ ذَلكَ بمَعْنَى : نَزَّلَ اللَّه تَنْزيلًا . وَقَالَ بَعْض مَنْ أَنْكَرَ ذَلكَ منْ قيله هَذَا منْ كَلَامَيْن , وَلَكنَّ الْمَعْنَى : هُوَ تَنْزيل , ثُمَّ أَسْقَطَ هُوَ , وَاتَّصَلَ بالْكَلَام الَّذي قَبْله , فَخَرَجَ منْهُ , وَلَمْ يَكُنْ منْ لَفْظه . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالْقَوْلَان جَميعًا عنْدي غَيْر خَطَأ .
ٱلرَّحۡمَـٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ ﴿٥﴾
وَقَوْله : { الرَّحْمَن عَلَى الْعَرْش اسْتَوَى } يَقُول تَعَالَى ذكْره : الرَّحْمَن عَلَى عَرْشه ارْتَفَعَ وَعَلَا . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الاسْتوَاء بشَوَاهده فيمَا مَضَى وَذَكَرْنَا اخْتلَاف الْمُخْتَلفينَ فيه فَأَغْنَى ذَلكَ عَنْ إعَادَته في هَذَا الْمَوْضع . وَللرَّفْع في الرَّحْمَن وَجْهَان : أَحَدهمَا بمَعْنَى قَوْله : تَنْزيلًا , فَيَكُون مَعْنَى الْكَلَام : نَزَّلَهُ مَنْ خَلَقَ الْأَرْض وَالسَّمَوَات , نَزَّلَهُ الرَّحْمَن الَّذي عَلَى الْعَرْش اسْتَوَى . وَالْآخَر بقَوْله : { عَلَى الْعَرْش اسْتَوَى } لأَنَّ في قَوْله اسْتَوَى , ذكْرًا منْ الرَّحْمَن .
لَهُۥ مَا فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَمَا فِی ٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَیۡنَهُمَا وَمَا تَحۡتَ ٱلثَّرَىٰ ﴿٦﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { لَهُ مَا في السَّمَوَات وَمَا في الْأَرْض وَمَا بَيْنهمَا وَمَا تَحْت الثَّرَى } . يَقُول تَعَالَى ذكْره : للَّه مَا في السَّمَوَات وَمَا في الْأَرْض وَمَا بَيْنهمَا , وَمَا تَحْت الثَّرَى , مُلْكًا لَهُ , وَهُوَ مُدَبّر ذَلكَ كُلّه , وَمُصَرّف جَميعه . وَيَعْني بالثَّرَى : النَّدَى . يُقَال للتُّرَاب الرَّطْب الْمُبْتَلّ : ثَرَى مَنْقُوص , يُقَال منْهُ : ثَريَتْ الْأَرْض تَثْرَى , ثَرَى مَنْقُوص , وَالثَّرَى : مَصْدَر . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ , قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18089 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَمَا تَحْت الثَّرَى } وَالثَّرَى : كُلّ شَيْء مُبْتَلّ . 18090 - حُدّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمعْت الضَّحَّاك يَقُول في قَوْله : { وَمَا تَحْت الثَّرَى } مَا حُفرَ منْ التُّرَاب مُبْتَلًّا . وَإنَّمَا عَنَى بذَلكَ : وَمَا تَحْت الْأَرَضينَ السَّبْع . كَاَلَّذي : 18091 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن إبْرَاهيم السُّلَيْميّ الْمَعْرُوف بابْن صَدْرَانَ , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن رفَاعَة , عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب { وَمَا تَحْت الثَّرَى } قَالَ : الثَّرَى : سَبْع أَرَضينَ .
وَإِن تَجۡهَرۡ بِٱلۡقَوۡلِ فَإِنَّهُۥ یَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخۡفَى ﴿٧﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { وَإنْ تَجْهَر بالْقَوْل فَإنَّهُ يَعْلَم السّرّ وَأَخْفَى } يَقُول تَعَالَى ذكْره : وَإنْ تَجْهَر يَا مُحَمَّد بالْقَوْل , أَوْ تَخْفَ به , فَسَوَاء عنْد رَبّك الَّذي لَهُ مَا في السَّمَوَات وَمَا في الْأَرْض { فَإنَّهُ يَعْلَم السّرّ } يَقُول : فَإنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْه مَا اسْتَسْرَرْتهُ في نَفْسك , فَلَمْ تُبْده بجَوَارحك وَلَمْ تَتَكَلَّم بلسَانك , وَلَمْ تَنْطق به وَأَخْفَى . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْويل في الْمَعْنيّ بقَوْله { وَأَخْفَى } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : وَأَخْفَى منْ السّرّ , قَالَ : وَاَلَّذي هُوَ أَخْفَى منْ السّرّ مَا حَدَّثَ به الْمَرْء نَفْسه وَلَمْ يَعْمَلهُ . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18092 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَمْرو , عَنْ عَطَاء , عَنْ سَعيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس { يَعْلَم السّرّ وَأَخْفَى } قَالَ : السّرّ : مَا عَملْته أَنْتَ وَأَخْفَى : مَا قَذَفَ اللَّه في قَلْبك ممَّا لَمْ تَعْمَلهُ . * - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , قَالَ : ثَنَى أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله { يَعْلَم السّرّ وَأَخْفَى } يَعْني بأَخْفَى : مَا لَمْ يَعْمَلهُ , وَهُوَ عَامله ; وَأَمَّا السّرّ : فَيَعْني مَا أَسَرَّ في نَفْسه . * - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله { يَعْلَم السّرّ وَأَخْفَى } قَالَ : السّرّ : مَا أَسَرَّ ابْن آدَم في نَفْسه . وَأَخْفَى : قَالَ : مَا أَخْفَى ابْن آدَم ممَّا هُوَ فَاعله قَبْل أَنْ يَعْمَلهُ , فَاَللَّه يَعْلَم ذَلكَ , فَعلْمه فيمَا مَضَى منْ ذَلكَ , وَمَا بَقيَ علْم وَاحد , وَجَميع الْخَلَائق عنْده في ذَلكَ كَنَفْسٍ وَاحدَة , وَهُوَ قَوْله : { مَا خَلْقكُمْ وَلَا بَعْثكُمْ إلَّا كَنَفْسٍ وَاحدَة } . 31 28 * - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْج , قَالَ سَعيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : السّرّ : مَا أَسَرَّ الْإنْسَان في نَفْسه ; وَأَخْفَى : مَا لَا يَعْلَم الْإنْسَان ممَّا هُوَ كَائن . 18093 - حَدَّثَني زَكَريَّا بْن يَحْيَى بْن أَبي زَائدَة وَمُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَا : ثنا أَبُو عَاصم , عَنْ عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , في قَوْل اللَّه : { يَعْلَم السّرّ وَأَخْفَى } قَالَ : أَخْفَى : الْوَسْوَسَة . زَادَ ابْن عَمْرو وَالْحَارث في حَديثَيْهمَا : وَالسّرّ : الْعَمَل الَّذي يُسرُّونَ منْ النَّاس . * - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد { وَأَخْفَى } قَالَ : الْوَسْوَسَة . 18094 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا أَبُو الْأَحْوَص , عَنْ سمَاك , عَنْ عكْرمَة , في قَوْله { يَعْلَم السّرّ وَأَخْفَى } قَالَ : أَخْفَى حَديث نَفْسك . 18095 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن بْن الْحَسَن الْأَشْقَر , قَالَ : ثنا أَبُو كُدَيْنَة , عَنْ عَطَاء , عَنْ سَعيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس , في قَوْله { يَعْلَم السّرّ وَأَخْفَى } قَالَ : السّرّ : مَا يَكُون في نَفْسك الْيَوْم . وَأَخْفَى : مَا يَكُون في غَد وَبَعْد غَد , لَا يَعْلَمهُ إلَّا اللَّه . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ : وَأَخْفَى منْ السّرّ مَا لَمْ تُحَدّث به نَفْسك . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18096 - حَدَّثَنَا الْفَضْل بْن الصَّبَاح , قَالَ : ثنا ابْن فُضَيْل , عَنْ عَطَاء , عَنْ سَعيد بْن جُبَيْر , في قَوْله : { يَعْلَم السّرّ وَأَخْفَى } قَالَ : السّرّ : مَا أَسْرَرْت في نَفْسك ; وَأَخْفَى منْ ذَلكَ : مَا لَمْ تُحَدّث به نَفْسك . 18097 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة { وَإنْ تَجْهَر بالْقَوْل فَإنَّهُ يَعْلَم السّرّ وَأَخْفَى } كُنَّا نُحَدّث أَنَّ السّرّ مَا حَدَّثْت به نَفْسك , وَأَنَّ أَخْفَى منْ السّرّ : مَا هُوَ كَائن ممَّا لَمْ تُحَدّث به نَفْسك . 18098 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا سُلَيْمَان بْن حَرْب , قَالَ : ثنا أَبُو هلَال , قَالَ : ثنا قَتَادَة , في قَوْله { يَعْلَم السّرّ وَأَخْفَى } قَالَ : يَعْلَم مَا أَسْرَرْت في نَفْسك , وَأَخْفَى : مَا لَمْ يَكُنْ وَهُوَ كَائن . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , في قَوْله { يَعْلَم السّرّ وَأَخْفَى } قَالَ : أَخْفَى منْ السّرّ : مَا حَدَّثْت به نَفْسك , وَمَا لَمْ تُحَدّث به نَفْسك أَيْضًا ممَّا هُوَ كَائن . 18099 - حُدّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : ثنا عُبَيْد , قَالَ : سَمعْت الضَّحَّاك يَقُول في قَوْله : { يَعْلَم السّرّ وَأَخْفَى } أَمَّا السّرّ : فَمَا أَسْرَرْت في نَفْسك . وَأَمَّا أَخْفَى منْ السّرّ : فَمَا لَمْ تَعْمَلهُ وَأَنْتَ عَامله , يَعْلَم اللَّه ذَلكَ كُلّه . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلكَ : إنَّهُ يَعْلَم سرّ الْعبَاد , وَأَخْفَى سرّ نَفْسه , فَلَمْ يُطْلع عَلَيْه أَحَدًا . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18100 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله { يَعْلَم السّرّ وَأَخْفَى } قَالَ : يَعْلَم أَسْرَار الْعبَاد , وَأَخْفَى سرّه فَلَا يَعْلَم . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَكَأَنَّ الَّذينَ وَجَّهُوا ذَلكَ إلَى أَنَّ السّرّ هُوَ مَا حَدَّثَ به الْإنْسَان غَيْره سرًّا , وَأَنَّ أَخْفَى : مَعْنَاهُ : مَا حَدَّثَ به نَفْسه , وَجَّهُوا تَأْويل أَخْفَى إلَى الْخَفيّ . وَقَالَ بَعْضهمْ : قَدْ تُوضَع أَفْعَل مَوْضع الْفَاعل , وَاسْتَشْهَدُوا لقيلهمْ ذَلكَ بقَوْل الشَّاعر : تَمَنَّى رجَال أَنْ أَمُوت وَإنْ أَمُتْ فَتلْكَ طَريق , لَسْت فيهَا بأَوْحَد وَالصَّوَاب منْ الْقَوْل في ذَلكَ , قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : يَعْلَم السّرّ وَأَخْفَى منْ السّرّ , لأَنَّ ذَلكَ هُوَ الظَّاهر منْ الْكَلَام ; وَلَوْ كَانَ مَعْنَى ذَلكَ مَا تَأَوَّلَهُ ابْن زَيْد , لَكَانَ الْكَلَام : وَأَخْفَى اللَّه سرّه , لأَنَّ أَخْفَى : فعْل وَاقع مُتَعَدٍّ , إذْ كَانَ بمَعْنَى فَعَلَ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ ابْن زَيْد , وَفي انْفرَاد أَخْفَى منْ مَفْعُوله , وَاَلَّذي يَعْمَل فيه لَوْ كَانَ بمَعْنَى فَعَلَ الدَّليل الْوَاضح عَلَى أَنَّهُ بمَعْنَى أَفْعَل , وَأَنَّ تَأْويل الْكَلَام : فَإنَّهُ يَعْلَم السّرّ وَأَخْفَى منْهُ . فَإذْ كَانَ ذَلكَ تَأْويله , فَالصَّوَاب منْ الْقَوْل في مَعْنَى أَخْفَى منْ السّرّ أَنْ يُقَال : هُوَ مَا عَلمَ اللَّه ممَّا أَخْفَى عَنْ الْعبَاد , وَلَمْ يَعْلَمُوهُ ممَّا هُوَ كَائن وَلَمَّا يَكُنْ , لأَنَّ مَا ظَهَرَ وَكَانَ فَغَيْر سرّ , وَأَنَّ مَا لَمْ يَكُنْ وَهُوَ غَيْر كَائن فَلَا شَيْء , وَأَنَّ مَا لَمْ يَكُنْ وَهُوَ كَائن فَهُوَ أَخْفَى منْ السّرّ , لأَنَّ ذَلكَ لَا يَعْلَمهُ إلَّا اللَّه , ثُمَّ مَنْ أَعْلَمَهُ ذَلكَ منْ عبَاده .
ٱللَّهُ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَاۤءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ ﴿٨﴾
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ذكْره : { اللَّه لَا إلَه إلَّا هُوَ } فَإنَّهُ يَعْني به : الْمَعْبُود الَّذي لَا تَصْلُح الْعبَادَة إلَّا لَهُ . يَقُول : فَإيَّاهُ فَاعْبُدُوا أَيّهَا النَّاس دُون مَا سوَاهُ منْ الْآلهَة وَالْأَوْثَان { لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : لمَعْبُودكُمْ أَيّهَا النَّاس الْأَسْمَاء الْحُسْنَى , فَقَالَ : الْحُسْنَى , فَوَحَّدَ , وَهُوَ نَعْت للْأَسْمَاء , وَلَمْ يَقُلْ الْأَحَاسن , لأَنَّ الْأَسْمَاء تَقَع عَلَيْهَا هَذه , فَيُقَال : هَذه أَسْمَاء , وَهَذه في لَفْظَة وَاحدَة ; وَمنْهُ قَوْل الْأَعْشَى : وَسَوْفَ يُعْقبُنيه إنْ ظَفرْت به رَبّ غَفُور وَبيض ذَات أَطْهَار فَوَحَّدَ ذَات , وَهُوَ نَعْت للْبيض لأَنَّهُ يَقَع عَلَيْهَا هَذه , كَمَا قَالَ : { حَدَائق ذَات بَهْجَة } 27 60 وَمنْهُ قَوْله جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { مَآرب أُخْرَى } 20 18 فَوَحَّدَ أُخْرَى , وَهيَ نَعْت لمَآرب , وَالْمَآرب : جَمْع , وَاحدَتهَا : مَأْرُبَة , وَلَمْ يَقُلْ أُخَر , لمَا وَصَفْنَا , وَلَوْ قيلَ : أُخَر , لَكَانَ صَوَابًا .
وَهَلۡ أَتَىٰكَ حَدِیثُ مُوسَىٰۤ ﴿٩﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { وَهَلْ أَتَاك حَديث مُوسَى } يَقُول تَعَالَى ذكْره لنَبيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ مُسَلّيه عَمَّا يَلْقَى منْ الشّدَّة منْ مُشْركي قَوْمه , وَمُعَرّفه مَا إلَيْه صَائر أَمْره وَأَمْرهمْ , وَأَنَّهُ مُعْليه عَلَيْهمْ , وَمُوهن كَيْد الْكَافرينَ , وَيَحُثّهُ عَلَى الْجدّ في أَمْره , وَالصَّبْر عَلَى عبَادَته , وَأَنْ يَتَذَكَّر فيمَا يَنُوبهُ فيه منْ أَعْدَائه منْ مُشْركي قَوْمه وَغَيْرهمْ , وَفيمَا يُزَاول منْ الاجْتهَاد في طَاعَته مَا نَابَ أَخَاهُ مُوسَى صَلَوَات اللَّه عَلَيْه منْ عَدُوّهُ , ثُمَّ منْ قَوْمه , وَمنْ بَني إسْرَائيل وَمَا لَقيَ فيه منْ الْبَلَاء وَالشّدَّة طفْلًا صَغيرًا , ثُمَّ يَافعًا مُتَرَعْرعًا , ثُمَّ رَجُلًا كَاملًا : { وَهَلْ أَتَاك } يَا مُحَمَّد { حَديث مُوسَى } ابْن عمْرَان .
إِذۡ رَءَا نَارࣰا فَقَالَ لِأَهۡلِهِ ٱمۡكُثُوۤاْ إِنِّیۤ ءَانَسۡتُ نَارࣰا لَّعَلِّیۤ ءَاتِیكُم مِّنۡهَا بِقَبَسٍ أَوۡ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدࣰى ﴿١٠﴾
{ إذْ رَأَى نَارًا } ؟ ذُكرَ أَنَّ ذَلكَ كَانَ في الشّتَاء لَيْلًا , وَأَنَّ مُوسَى كَانَ أَضَلَّ الطَّريق ; فَلَمَّا رَأَى ضَوْء النَّار { قَالَ لأَهْله } مَا قَالَ . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18101 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدّيّ , عَنْ أَبي مَالك , وَعَنْ أَبي صَالح , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : لَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَل , سَارَ بأَهْله فَضَلَّ الطَّريق . قَالَ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس : كَانَ في الشّتَاء , وَرُفعَتْ لَهُمْ نَار ; فَلَمَّا رَآهَا ظَنَّ أَنَّهَا نَار , وَكَانَتْ منْ نُور اللَّه { قَالَ لأَهْله اُمْكُثُوا إنّي آنَسْت نَارًا } . 18102 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , عَنْ وَهْب بْن مُنَبّه الْيَمَانيّ , قَالَ : لَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَل , خَرَجَ وَمَعَهُ غَنَم لَهُ , وَمَعَهُ زَنْد لَهُ , وَعَصَاهُ في يَده يَهَشّ بهَا عَلَى غَنَمه نَهَارًا , فَإذَا أَمْسَى اقْتَدَحَ بزَنْده نَارًا , فَبَاتَ عَلَيْهَا هُوَ وَأَهْله وَغَنَمه , فَإذَا أَصْبَحَ غَدَا بأَهْله وَبغَنَمه , فَتَوَكَّأَ عَلَى عَصَاهُ , فَلَمَّا كَانَتْ اللَّيْلَة الَّتي أَرَادَ اللَّه بمُوسَى كَرَامَته , وَابْتدَاءَهُ فيهَا بنُبُوَّته وَكَلَامه , أَخْطَأَ فيه الطَّريق حَتَّى لَا يَدْري أَيْنَ يَتَوَجَّه , فَأَخْرَجَ زَنْده ليَقْتَدح نَارًا لأَهْله ليَبيتُوا عَلَيْهَا حَتَّى يُصْبح , وَيَعْلَم وَجْه سَبيله , فَأَصْلَدَ زَنْده فَلَا يُوري لَهُ نَارًا , فَقَدَحَ حَتَّى أَعْيَاهُ , لَاحَتْ النَّار فَرَآهَا , ف { قَالَ لأَهْله اُمْكُثُوا إنّي آنَسْت نَارًا لَعَلّي آتيكُمْ منْهَا بقَبَسٍ أَوْ أَجد عَلَى النَّار هُدًى } . وَعُنيَ بقَوْله : { آنَسْت نَارًا } وَجَدْت , وَمنْ أَمْثَال الْعَرَب : بَعْد اطّلَاع إينَاس , وَيُقَال أَيْضًا : بَعْد طُلُوع إينَاس , وَهُوَ مَأْخُوذ منْ الْأُنْس .



وَقَوْله : { لَعَلّي آتيكُمْ منْهَا بقَبَسٍ } يَقُول : لَعَلّي أَجيئكُمْ منْ النَّار الَّتي آنَسْت بشُعْلَةٍ . وَالْقَبَس : هُوَ النَّار في طَرَف الْعُود أَوْ الْقَصَبَة . يَقُول الْقَائل لصَاحبه : أَقْبسني نَارًا , فَيُعْطيه إيَّاهَا في طَرَف عُود أَوْ قَصَبَة . وَإنَّمَا أَرَادَ مُوسَى بقَوْله لأَهْله : { لَعَلّي آتيكُمْ منْهَا بقَبَسٍ } لَعَلّي آتيكُمْ بذَلكَ لتَصْطَلُوا به , كَمَا : 18103 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , عَنْ وَهْب بْن مُنَبّه { لَعَلّي آتيكُمْ منْهَا بقَبَسٍ } قَالَ : بقَبَسٍ تَصْطَلُونَ .



وَقَوْله : { أَوْ أَجد عَلَى النَّار هُدًى } دَلَالَة تَدُلّ عَلَى الطَّريق الَّذي أَضْلَلْنَاهُ , إمَّا منْ خَبَر هَادٍ يَهْدينَا إلَيْه , وَإمَّا منْ بَيَان وَعلْم نَتَبَيَّنهُ به وَنَعْرفهُ . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18104 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { أَوْ أَجد عَلَى النَّار هُدًى } يَقُول : مَنْ يَدُلّ عَلَى الطَّريق . 18105 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , في قَوْل اللَّه : { أَوْ أَجد عَلَى النَّار هُدًى } قَالَ : هَاديًا يَهْديه الطَّريق . * - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنْي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد , مثْله . 18106 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد عَنْ قَتَادَة قَوْله : { أَوْ أَجد عَلَى النَّار هُدًى } أَيْ هُدَاة يَهْدُونَهُ الطَّريق . 18107 - حَدَّثَني أَحْمَد بْن الْمقْدَام , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمر , قَالَ : سَمعْت أَبي يُحَدّث , عَنْ قَتَادَة , عَنْ صَاحب لَهُ , عَنْ حَديث ابْن عَبَّاس , أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهَا أَيْلَة { أَوْ أَجد عَلَى النَّار هُدًى } . وَقَالَ أَبي : وَزَعَمَ قَتَادَة أَنَّهُ هُدَى الطَّريق . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , في قَوْله { أَوْ أَجد عَلَى النَّار هُدًى } قَالَ : مَنْ يَهْديني إلَى الطَّريق . 18108 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , عَنْ وَهْب بْن مُنَبّه { أَوْ أَجد عَلَى النَّار هُدًى } قَالَ : هُدًى عَنْ علْم الطَّريق الَّذي أَضْلَلْنَا بنَعْتٍ منْ خَبَر . 18109 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا سُفْيَان , عَنْ أَبي سَعيد , عَنْ عكْرمَة , قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس { لَعَلّي آتيكُمْ منْهَا بقَبَسٍ أَوْ أَجد عَلَى النَّار هُدًى } قَالَ : كَانُوا أَضَلُّوا عَنْ الطَّريق , فَقَالَ : لَعَلّي أَجد مَنْ يَدُلّني عَلَى الطَّريق , أَوْ آتيكُمْ بقَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ .
فَلَمَّاۤ أَتَىٰهَا نُودِیَ یَـٰمُوسَىٰۤ ﴿١١﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { فَلَمَّا أَتَاهَا نُوديَ يَا مُوسَى } يَقُول تَعَالَى ذكْره : فَلَمَّا أَتَى النَّار مُوسَى , نَادَاهُ رَبّه : { يَا مُوسَى إنّي رَبّك فَاخْلَعْ نَعْلَيْك } كَمَا : 18110 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , عَنْ وَهْب بْن مُنَبّه , قَالَ : خَرَجَ مُوسَى نَحْوهَا , يَعْني نَحْو النَّار , فَإذَا هيَ في شَجَر منْ الْعَليق , وَبَعْض أَهْل الْكتَاب يَقُول في عَوْسَجَة ; فَلَمَّا دَنَا اسْتَأْخَرْت عَنْهُ ; فَلَمَّا رَأَى اسْتئْخَارهَا رَجَعَ عَنْهَا , وَأَوْجَسَ في نَفْسه منْهَا خيفَة ; فَلَمَّا أَرَادَ الرَّجْعَة , دَنَتْ منْهُ ثُمَّ كُلّمَ منْ الشَّجَرَة , فَلَمَّا سَمعَ الصَّوْت اسْتَأْنَسَ , وَقَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { يَا مُوسَى اخْلَعْ نَعْلَيْك إنَّك بالْوَاد الْمُقَدَّس طُوًى } فَخَلَعَهَا فَأَلْقَاهَا .
إِنِّیۤ أَنَا۠ رَبُّكَ فَٱخۡلَعۡ نَعۡلَیۡكَ إِنَّكَ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوࣰى ﴿١٢﴾
وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعلْم في السَّبَب الَّذي منْ أَجْله أَمَرَ اللَّه مُوسَى بخَلْع نَعْلَيْه , فَقَالَ بَعْضهمْ : أَمَرَهُ بذَلكَ , لأَنَّهُمَا كَانَتَا منْ جلْد حمَار مَيّت , فَكَرهَ أَنْ يَطَأ بهمَا الْوَادي الْمُقَدَّس , وَأَرَادَ أَنْ يَمَسّهُ منْ بَرَكَة الْوَادي . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18111 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ عَاصم , عَنْ أَبي قلَابَةَ , عَنْ كَعْب , أَنَّهُ رَآهُمْ يَخْلَعُونَ نعَالهمْ { اخْلَعْ نَعْلَيْك إنَّك بالْوَاد الْمُقَدَّس طُوًى } فَقَالَ : كَانَتْ منْ جلْد حمَار مَيّت , فَأَرَادَ اللَّه أَنْ يَمَسّهُ الْقُدُس . 18112 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضح , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , عَنْ يَزيد , عَنْ عكْرمَة , في قَوْله { فَاخْلَعْ نَعْلَيْك } قَالَ : كَانَتَا منْ جلْد حمَار مَيّت . 18113 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعْد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : حَدَّثَنَا , أَنَّ نَعْلَيْه كَانَتَا منْ جلْد حمَار , فَخَلَعَهُمَا ثُمَّ أَتَاهُ . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , في قَوْله { فَاخْلَعْ نَعْلَيْك } قَالَ : كَانَتَا منْ جلْد حمَار , فَقيلَ لَهُ اخْلَعْهُمَا . 18114 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج . قَالَ : وَأَخْبَرَني عُمَر بْن عَطَاء عَنْ عكْرمَة وَأَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ جَابر الْجُعْفيّ , عَنْ عَليّ بْن أَبي طَالب { فَاخْلَعْ نَعْلَيْك } قَالَ : كَانَتَا منْ جلْد حمَار , فَقيلَ لَهُ اخْلَعْهُمَا . قَالَ : وَقَالَ قَتَادَة مثْل ذَلكَ . وَقَالَ آخَرُونَ : كَانَتَا منْ جلْد بَقَر , وَلَكنَّ اللَّه أَرَادَ أَنْ يَطَأ مُوسَى الْأَرْض بقَدَمَيْه , ليَصل إلَيْه بَرَكَتهَا . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18115 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْج , قَالَ الْحَسَن : كَانَتَا , يَعْني نَعْلَيْ مُوسَى , منْ بَقَر , وَلَكنْ إنَّمَا أَرَادَ اللَّه أَنْ يُبَاشر بقَدَمَيْه بَرَكَة الْأَرْض , وَكَانَ قَدْ قُدّسَ مَرَّتَيْن . قَالَ ابْن جُرَيْج : وَقيلَ لمُجَاهدٍ : زَعَمُوا أَنَّ نَعْلَيْه كَانَتَا منْ جلْد حمَار أَوْ مَيْتَة , قَالَ : لَا , وَلَكنَّهُ أُمرَ أَنْ يُبَاشر بقَدَمَيْه بَرَكَة الْأَرْض . 18116 - حَدَّثَني يَعْقُوب , قَالَ : قَالَ أَبُو بشْر , يَعْني ابْن عُلَيَّة , سَمعْت ابْن أَبي نَجيح , يَقُول في قَوْله : { فَاخْلَعْ نَعْلَيْك إنَّك بالْوَاد الْمُقَدَّس طُوًى } قَالَ : يَقُول : أَفضْ بقَدَمَيْك إلَى بَرَكَة الْوَادي . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْقَوْلَيْن في ذَلكَ بالصَّوَاب قَوْل مَنْ قَالَ : أَمَرَهُ اللَّه تَعَالَى ذكْره بخَلْع نَعْلَيْه ليُبَاشر بقَدَمَيْه بَرَكَة الْوَادي , إذْ كَانَ وَاديًا مُقَدَّسًا . وَإنَّمَا قُلْنَا ذَلكَ أَوْلَى التَّأْويلَيْن بالصَّوَاب , لأَنَّهُ لَا دَلَالَة في ظَاهر التَّنْزيل عَلَى أَنَّهُ أَمَرَ بخَلْعهمَا منْ أَجْل أَنَّهُمَا منْ جلْد حمَار وَلَا لنَجَاسَتهمَا , وَلَا خَبَر بذَلكَ عَمَّنْ يُلْزَم بقَوْله الْحُجَّة , وَإنَّ في قَوْله { إنَّك بالْوَاد الْمُقَدَّس } بعَقبه دَليلًا وَاضحًا , عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا أَمَرَهُ بخَلْعهمَا لمَا ذَكَرْنَا . وَلَوْ كَانَ الْخَبَر الَّذي : 18117 - حَدَّثَنَا به بشْر قَالَ : ثنا خَلَف بْن خَليفَة عَنْ حُمَيْد بْن عَبْد اللَّه بْن الْحَارث , عَنْ ابْن مَسْعُود , عَنْ نَبيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ , قَالَ : " يَوْم كَلَّمَ اللَّه مُوسَى , كَانَتْ عَلَيْه جُبَّة صُوف وَكسَاء صُوف , وَسَرَاويل صُوف , وَنَعْلَان منْ جلْد حمَار غَيْر مُذَكًّى " صَحيحًا لَمْ نُعدْهُ إلَى غَيْره , وَلَكنْ في إسْنَاده نَظَر يَجب التَّثَبُّت فيه . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء في قرَاءَة قَوْله : { إنّي أَنَا رَبّك } فَقَرَأَ ذَلكَ بَعْض قُرَّاء الْمَدينَة وَالْبَصْرَة : " نُوديَ يَا مُوسَى أَنّي " بفَتْح الْأَلف منْ " أَنّي " , فَأَنَّ عَلَى قرَاءَتهمْ في مَوْضع رَفْع بقَوْله : نُوديَ , فَإنَّ مَعْنَاهُ كَانَ عنْدهمْ : نُوديَ هَذَا الْقَوْل . وَقَرَأَهُ بَعْض عَامَّة قُرَّاء الْمَدينَة وَالْكُوفَة بالْكَسْر : { نُوديَ يَا مُوسَى إنّي } عَلَى الابْتدَاء , وَأَنَّ مَعْنَى ذَلكَ قيلَ : يَا مُوسَى إنّي . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالْكَسْر أَوْلَى الْقرَاءَتَيْن عنْدنَا بالصَّوَاب , وَذَلكَ أَنَّ النّدَاء قَدْ حَالَ بَيْنه وَبَيْن الْعَمَل في أَنَّ قَوْله " يَا مُوسَى " , وَحَظّ قَوْله " نُوديَ " أَنْ يَعْمَل في أَنْ لَوْ كَانَتْ قَبْل قَوْله " يَا مُوسَى " , وَذَلكَ أَنْ يُقَال : نُوديَ أَنْ يَا مُوسَى إنّي أَنَا رَبّك , وَلَا حَظَّ لَهَا في " إنَّ " الَّتي بَعْد مُوسَى .



وَأَمَّا قَوْله : { إنَّك بالْوَاد الْمُقَدَّس } فَإنَّهُ يَقُول : إنَّك بالْوَادي الْمُطَهَّر الْمُبَارَك , كَمَا : 18118 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { إنَّك بالْوَاد الْمُقَدَّس } يَقُول : الْمُبَارَك . 18119 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ مُجَاهد , قَوْله { إنَّك بالْوَاد الْمُقَدَّس طُوًى } قَالَ : قُدّسَ بُوركَ مَرَّتَيْن . 18120 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , قَوْله : { إنَّك بالْوَاد الْمُقَدَّس طُوًى } قَالَ : بالْوَادي الْمُبَارَك . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْويل في تَأْويل قَوْله { طُوًى } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : إنَّك بالْوَادي الْمُقَدَّس طَوَيْته , فَعَلَى هَذَا الْقَوْل منْ قَوْلهمْ طَوَى مَصْدَر خَرَجَ منْ غَيْر لَفْظه , كَأَنَّهُ قَالَ : طَوَيْت الْوَادي الْمُقَدَّس طُوًى . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18121 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , قَالَ : ثني أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس : قَوْله : { إنَّك بالْوَاد الْمُقَدَّس طُوًى } يَعْني الْأَرْض الْمُقَدَّسَة , وَذَلكَ أَنَّهُ مَرَّ بوَاديهَا لَيْلًا فَطَوَاهُ , يُقَال : طَوَيْت وَادي كَذَا وَكَذَا طُوًى منْ اللَّيْل , وَارْتَفَعَ إلَى أَعْلَى الْوَادي , وَذَلكَ نَبيّ اللَّه مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلكَ : مَرَّتَيْن , وَقَالَ : نَادَاهُ رَبّه مَرَّتَيْن ; فَعَلَى قَوْل هَؤُلَاء طَوَى مَصْدَر أَيْضًا منْ غَيْر لَفْظه , وَذَلكَ أَنَّ مَعْنَاهُ عنْدهمْ : نُوديَ يَا مُوسَى مَرَّتَيْن ندَاءَيْن . وَكَانَ بَعْضهمْ يَنْشُد شَاهدًا لقَوْله طُوًى , أَنَّهُ بمَعْنَى مَرَّتَيْن , قَوْل عَديّ بْن زَيْد الْعَبَّاديّ : أَعَاذل إنَّ اللَّوْم في غَيْر كُنْهه عَلَيَّ طُوًى منْ غَيّك الْمُتَرَدّد وَرَوَى ذَلكَ آخَرُونَ : " عَلَيَّ ثنًى " : أَيْ مَرَّة بَعْد أُخْرَى , وَقَالُوا : طُوًى وَثنًى بمَعْنًى وَاحد . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18122 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , { فَاخْلَعْ نَعْلَيْك إنَّك بالْوَاد الْمُقَدَّس طُوًى } كُنَّا نُحَدّث أَنَّهُ وَادٍ قُدّسَ مَرَّتَيْن , وَأَنَّ اسْمه طُوًى . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلكَ : إنَّهُ قُدّسَ طُوًى مَرَّتَيْن . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18123 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْج , قَالَ الْحَسَن : كَانَ قَدْ قُدّسَ مَرَّتَيْن . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ طُوًى : اسْم الْوَادي . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18124 - حَدَّثَني عَليّ بْن دَاوُدَ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { طُوًى } : اسْم للْوَادي . 18125 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد : طُوًى : قَالَ : اسْم الْوَادي . 18126 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله { بالْوَاد الْمُقَدَّس طُوًى } قَالَ : ذَاكَ الْوَادي هُوَ طُوًى , حَيْثُ كَانَ مُوسَى , وَحَيْثُ كَانَ إلَيْه منْ اللَّه مَا كَانَ . قَالَ : وَهُوَ نَحْو الطُّور . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ أَمْر منْ اللَّه لمُوسَى أَنْ يَطَأ الْوَادي بقَدَمَيْه . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18127 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مَنْصُور الطُّوسيّ , قَالَ : ثنا صَالح بْن إسْحَاق , عَنْ جَعْفَر بْن بُرْقَان , عَنْ عكْرمَة , عَنْ ابْن عَبَّاس , في قَوْل اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { اخْلَعْ نَعْلَيْك إنَّك بالْوَاد الْمُقَدَّس طُوًى } قَالَ : طَأْ الْوَادي . 18128 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى , قَالَ : ثنا الْحَسَن , عَنْ يَزيد , عَنْ عكْرمَة , في قَوْله : { طُوًى } قَالَ : طَأْ الْوَادي . 18129 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ سَعيد بْن جُبَيْر , في قَوْل اللَّه { طُوًى } قَالَ : طَأْ الْأَرْض حَافيًا , كَمَا تَدْخُل الْكَعْبَة حَافيًا , يَقُول : منْ بَرَكَة الْوَادي . 18130 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد { طُوًى } طَأْ الْأَرْض حَافيًا . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء في قرَاءَة ذَلكَ , فَقَرَأَهُ بَعْض قُرَّاء الْمَدينَة : " طُوَى " بضَمّ الطَّاء وَتَرْك التَّنْوين , كَأَنَّهُمْ جَعَلُوهُ اسْم الْأَرْض الَّتي بهَا الْوَادي , كَمَا قَالَ الشَّاعر : نَصَرُوا نَبيّهمْ وَشَدُّوا أَزْره بحُنَيْنَ حين تَوَاكُل الْأَبْطَال فَلَمْ يَجُرّ حُنَيْن , لأَنَّهُ جَعَلَهُ اسْمًا للْبَلْدَة لَا للْوَادي , وَلَوْ كَانَ جَعَلَهُ اسْمًا للْوَادي لَأَجْرَاهُ كَمَا قَرَأَتْ الْقُرَّاء : { وَيَوْم حُنَيْنٍ إذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتكُمْ } 9 25 وَكَمَا قَالَ الْآخَر : أَلَسْنَا أَكْرَم الثَّقَلَيْن رَحْلًا وَأَعْظَمهمْ ببَطْن حرَاء نَارَا فَلَمْ يَجُرّ حرَاء , وَهُوَ جَبَل , لأَنَّهُ جَعَلَهُ اسْمًا للْبَلْدَة , فَكَذَلكَ " طُوًى " في قرَاءَة مَنْ لَمْ يَجُرّهُ جَعَلَهُ اسْمًا للْأَرْض . وَقَرَأَ ذَلكَ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْكُوفَة : { طُوًى } بضَمّ الطَّاء وَالتَّنْوين ; وَقَارئُو ذَلكَ كَذَلكَ مُخْتَلفُونَ في مَعْنَاهُ عَلَى مَا قَدْ ذَكَرْت منْ اخْتلَاف أَهْل التَّأْويل ; فَأَمَّا مَنْ أَرَادَ به الْمَصْدَر منْ طَوَيْت , فَلَا مُؤْنَة في تَنْوينه , وَأَمَّا مَنْ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلهُ اسْمًا للْوَادي , فَإنَّهُ إنَّمَا يُنَوّنهُ لأَنَّهُ اسْم ذَكَر لَا مُؤَنَّث , وَأَنَّ لَامَ الْفعْل منْهُ يَاء , فَزَادَهُ ذَلكَ خفَّة فَأَجْرَاهُ كَمَا قَالَ اللَّه : { وَيَوْم حُنَيْنٍ } إذْ كَانَ حُنَيْن اسْم وَادٍ , وَالْوَادي مُذَكَّر . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْقَوْلَيْن عنْدي بالصَّوَاب قرَاءَة مَنْ قَرَأَهُ بضَمّ الطَّاء وَالتَّنْوين , لأَنَّهُ إنْ يَكُنْ اسْمًا للْوَادي فَحَظّه التَّنْوين لمَا ذُكرَ قَبْل منْ الْعلَّة لمَنْ قَالَ ذَلكَ , وَإنْ كَانَ مَصْدَرًا أَوْ مُفَسَّرًا , فَكَذَلكَ أَيْضًا حُكْمه التَّنْوين , وَهُوَ عنْدي اسْم الْوَادي . وَإذْ كَانَ ذَلكَ كَذَلكَ , فَهُوَ في مَوْضع خَفْض رَدًّا عَلَى الْوَادي .
وَأَنَا ٱخۡتَرۡتُكَ فَٱسۡتَمِعۡ لِمَا یُوحَىٰۤ ﴿١٣﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { وَأَنَا اخْتَرْتُك فَاسْتَمعْ لمَا يُوحَى } اخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء في قرَاءَة ذَلكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة الْقُرَّاء الَّذينَ قَرَءُوا : " وَأَنَّا " بتَشْديد النُّون , و { أَنَّا } بفَتْح الْأَلف منْ " أَنَّا " رَدًّا عَلَى : نُوديَ يَا مُوسَى , كَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام عنْدهمْ : نُوديَ يَا مُوسَى إنّي أَنَّا رَبّك , وَأَنَّا اخْتَرْتُك , وَبهَذه الْقرَاءَة قَرَأَ ذَلكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة . وَأَمَّا عَامَّة قُرَّاء الْمَدينَة وَالْبَصْرَة وَبَعْض أَهْل الْكُوفَة فَقَرَءُوهُ : { وَأَنَا اخْتَرْتُك } بتَخْفيف النُّون عَلَى وَجْه الْخَبَر منْ اللَّه عَنْ نَفْسه أَنَّهُ اخْتَارَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالصَّوَاب منْ الْقَوْل في ذَلكَ عنْدي أَنْ يُقَال : إنَّهُمَا قرَاءَتَان قَدْ قَرَأَ بكُلّ وَاحدَة منْهُمَا قُرَّاء أَهْل الْعلْم بالْقُرْآن , مَعَ اتّفَاق مَعْنَيَيْهمَا . فَبأَيَّتهمَا قَرَأَ الْقَارئ فَمُصيب الصَّوَاب فيه . وَتَأْويل الْكَلَام : نُوديَ أَنَّا اخْتَرْنَاك . فَاجْتَبَيْنَاك لرسَالَتنَا إلَى مَنْ نُرْسلك إلَيْه { فَاسْتَمعْ إلَى مَا يُوحَى } يَقُول : فَاسْتَمعْ لوَحْينَا الَّذي نُوحيه إلَيْك وَعه , وَاعْمَلْ به .
إِنَّنِیۤ أَنَا ٱللَّهُ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّاۤ أَنَا۠ فَٱعۡبُدۡنِی وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِیۤ ﴿١٤﴾
{ إنَّني أَنَا اللَّه } يَقُول تَعَالَى ذكْره : إنَّني أَنَا الْمَعْبُود الَّذي لَا تَصْلُح الْعبَادَة إلَّا لَهُ , لَا إلَه إلَّا أَنَا فَلَا تَعْبُد غَيْري , فَإنَّهُ لَا مَعْبُود تَجُوز أَوْ تَصْلُح لَهُ الْعبَادَة سوَايَ { فَاعْبُدْني } يَقُول : فَأَخْلصْ الْعبَادَة لي دُون كُلّ مَا عُبدَ منْ دُوني { وَأَقمْ الصَّلَاة لذكْري } . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْويل في تَأْويل ذَلكَ فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى ذَلكَ : أَقمْ الصَّلَاة لي فَإنَّك إذَا أَقَمْتهَا ذَكَرْتني . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18131 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَميعًا , عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , في قَوْله : { أَقمْ الصَّلَاة لذكْري } قَالَ : إذَا صَلَّى ذَكَرَ رَبّه . * - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد , قَوْله { وَأَقمْ الصَّلَاة لذكْري } قَالَ : إذَا ذَكَرَ عَبْد رَبّه . قَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلكَ : وَأَقمْ الصَّلَاة حين تَذْكُرهَا . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18132 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مُغيرَة , عَنْ إبْرَاهيم في قَوْله : { وَأَقمْ الصَّلَاة لذكْري } قَالَ : يُصَلّيهَا حين يَذْكُرهَا . 18133 - حَدَّثَني أَحْمَد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن وَهْب , قَالَ : ثني عَمّي عَبْد اللَّه بْن وَهْب , قَالَ : ثني يُونُس وَمَالك بْن شهَاب , قَالَ : أَخْبَرَني سَعيد بْن الْمُسَيَّب , عَنْ أَبي هُرَيْرَة , أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنْ نَسيَ صَلَاة فَلْيُصَلّهَا إذَا ذَكَرَهَا , قَالَ اللَّه : { أَقمْ الصَّلَاة لذَكَرَيَّ } " . وَكَانَ الزُّهْريّ يَقْرَؤُهَا : { أَقُمْ الصَّلَاة لذكْرَى } بمَنْزلَة فعْلَى . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى التَّأْويلَيْن في ذَلكَ بالصَّوَاب تَأْويل مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : أَقمْ الصَّلَاة لتَذْكُرني فيهَا , لأَنَّ ذَلكَ أَظْهَر مَعْنَيَيْه ; وَلَوْ كَانَ مَعْنَاهُ : حين تَذْكُرهَا , لَكَانَ التَّنْزيل : أَقمْ الصَّلَاة لذكْركَهَا . وَفي قَوْله : { لذكْري } دَلَالَة بَيّنَة عَلَى صحَّة مَا قَالَ مُجَاهد في تَأْويل ذَلكَ ; وَلَوْ كَانَتْ الْقرَاءَة الَّتي ذَكَرْنَاهَا عَنْ الزُّهْريّ قرَاءَة مُسْتَفيضَة في قرَاءَة الْأَمْصَار , كَانَ صَحيحًا تَأْويل مَنْ تَأَوَّلَهُ بمَعْنَى : أَقمْ الصَّلَاة حين تَذْكُرهَا , وَذَلكَ أَنَّ الزُّهْريّ وَجَّهَ بقرَاءَته { أَقمْ الصَّلَاة لذكْرَى } بالْأَلف لَا بالْإضَافَة , إلَى أَقمْ لذكْرَاهَا , لأَنَّ الْهَاء وَالْأَلف حُذفَتَا , وَهُمَا مُرَادَتَان في الْكَلَام ليُوَفّق بَيْنهَا وَبَيْن سَائر رُءُوس الْآيَات , إذْ كَانَتْ بالْأَلف وَالْفَتْح . وَلَوْ قَالَ قَائل في قرَاءَة الزُّهْريّ هَذه الَّتي ذَكَرْنَا عَنْهُ , إنَّمَا قَصَدَ الزُّهْريّ بفَتْحهَا تَصْييره الْإضَافَة أَلفًا للتَّوْفيق بَيْنه وَبَيْن رُءُوس الْآيَات قَبْله وَبَعْده , لأَنَّهُ خَالَفَ بقرَاءَته ذَلكَ كَذَلكَ مَنْ قَرَأَهُ بالْإضَافَة , وَقَالَ : إنَّمَا ذَلكَ كَقَوْل الشَّاعر : أُطَوّف مَا أُطَوّف ثُمَّ آوي إلَى أُمَّا وَيَرْويني النَّقيع وَهُوَ يُريد : إلَى أُمّي , وَكَقَوْل الْعَرَب : يَا أَبَا وَأُمَّا , وَهيَ تُريد : يَا أَبي وَأُمّي , كَانَ لَهُ بذَلكَ مَقَال .
إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِیَةٌ أَكَادُ أُخۡفِیهَا لِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا تَسۡعَىٰ ﴿١٥﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { إنَّ السَّاعَة آتيَة أَكَاد أُخْفيهَا } يَقُول تَعَالَى ذكْره : إنَّ السَّاعَة الَّتي يَبْعَث اللَّه فيهَا الْخَلَائق منْ قُبُورهمْ لَمَوْقف الْقيَامَة جَائيَة { أَكَاد أُخْفيهَا } فَعَلَى ضَمّ الْأَلف منْ أُخْفيهَا قرَاءَة جَميع قُرَّاء أَمْصَار الْإسْلَام , بمَعْنَى : أَكَاد أُخْفيهَا منْ نَفْسي , لئَلَّا يَطَّلع عَلَيْهَا أَحَد , وَبذَلكَ جَاءَ تَأْويل أَكْثَر أَهْل الْعلْم . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18134 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { أَكَاد أُخْفيهَا } يَقُول : لَا أُظْهر عَلَيْهَا أَحَدًا غَيْري . 18135 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , قَالَ : ثني أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { إنَّ السَّاعَة آتيَة أَكَاد أُخْفيهَا } قَالَ : لَا تَأْتيكُمْ إلَّا بَغْتَة . 18136 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهد { إنَّ السَّاعَة آتيَة أَكَاد أُخْفيهَا } قَالَ : منْ نَفْسي . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , في قَوْل اللَّه : { أَكَاد أُخْفيهَا } قَالَ : منْ نَفْسي . * - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد , مثْله . * - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرير , عَنْ عَطَاء بْن السَّائب , عَنْ سَعيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس { أَكَاد أُخْفيهَا } قَالَ : منْ نَفْسي . 18137 - حَدَّثَني عَبْد الْأَعْلَى بْن وَاصل , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن عُبَيْد الطُّنَافسيّ , قَالَ : ثنا إسْمَاعيل بْن أَبي خَالد , عَنْ أَبي صَالح , في قَوْله : { أَكَاد أُخْفيهَا } قَالَ : يُخْفيهَا منْ نَفْسه . 18138 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { أَكَاد أُخْفيهَا } وَهيَ في بَعْض الْقرَاءَة : " أُخْفيهَا منْ نَفْسي " . وَلَعَمْري لَقَدْ أَخْفَاهَا اللَّه منْ الْمَلَائكَة الْمُقَرَّبينَ , وَمنْ الْأَنْبيَاء الْمُرْسَلينَ . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : في بَعْض الْحُرُوف : " إنَّ السَّاعَة آتيَة أَكَاد أُخْفيهَا منْ نَفْسي " . وَقَالَ آخَرُونَ : إنَّمَا هُوَ : " أَكَاد أَخْفيهَا " بفَتْح الْأَلف منْ أَخْفيهَا بمَعْنَى : أُظْهرهَا . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18139 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضح , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن سَهْل , قَالَ : سَأَلَني رَجُل في الْمَسْجد عَنْ هَذَا الْبَيْت . دَابَ شَهْرَيْن ثُمَّ شَهْرًا دَميكَا بأَريكَيْن يَخْفيَان غَميرَا فَقُلْت : يُظْهرَان , فَقَالَ وَرْقَاء بْن إيَاس وَهُوَ خَلْفي : أَقْرَأَنيهَا سَعيد بْن جُبَيْر : " أَكَاد أُخْفيهَا " بنَصْب الْأَلف . وَقَدْ رُويَ عَنْ سَعيد بْن جُبَيْر وفَاق لقَوْل الْآخَرينَ الَّذينَ قَالُوا : مَعْنَاهُ : أَكَاد أُخْفيهَا منْ نَفْسي . ذَكَرَ الرّوَايَة عَنْهُ بذَلكَ : 18140 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ عَطَاء , عَنْ سَعيد بْن جُبَيْر وَمَنْصُور , عَنْ مُجَاهد , قَالَا { إنَّ السَّاعَة آتيَة أَكَاد أُخْفيهَا } قَالَا : منْ نَفْسي . * - حَدَّثَني عُبَيْد بْن إسْمَاعيل الْهَبَّاريّ , قَالَ : ثنا ابْن فُضَيْل , عَنْ عَطَاء بْن السَّائب , عَنْ سَعيد بْن جُبَيْر { أَكَاد أُخْفيهَا } قَالَ : منْ نَفْسي . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَاَلَّذي هُوَ أَوْلَى بتَأْويل الْآيَة منْ الْقَوْل , قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : أَكَاد أُخْفيهَا منْ نَفْسي , لأَنَّ تَأْويل أَهْل التَّأْويل بذَلكَ جَاءَ . وَاَلَّذي ذُكرَ عَنْ سَعيد بْن جُبَيْر منْ قرَاءَة ذَلكَ بفَتْح الْأَلف قرَاءَة لَا أَسْتَجيزُ الْقرَاءَة بهَا لخلَافهَا قرَاءَة الْحُجَّة الَّتي لَا يَجُوز خلَافهَا فيمَا جَاءَتْ به نَقْلًا مُسْتَفيضًا . فَإنْ قَالَ قَائل : وَلمَ وَجَّهْت تَأْويل قَوْله { أَكَاد أُخْفيهَا } بضَمّ الْأَلف إلَى مَعْنَى : أَكَاد أُخْفيهَا منْ نَفْسي , دُون تَوْجيهه إلَى مَعْنَى : أَكَاد أُظْهرهَا , وَقَدْ عَلمْت أَنَّ للْإخْفَاء في كَلَام الْعَرَب وَجْهَيْن : أَحَدهمَا الْإظْهَار , وَالْآخَر الْكتْمَان ; وَأَنَّ الْإظْهَار في هَذَا الْمَوْضع أَشْبَه بمَعْنَى الْكَلَام , إذْ كَانَ الْإخْفَاء منْ نَفْسه يَكَاد عنْد السَّامعينَ أَنْ يَسْتَحيل مَعْنَاهُ , إذْ كَانَ مُحَالًا أَنْ يُخْفي أَحَد عَنْ نَفْسه شَيْئًا هُوَ به عَالم , وَاَللَّه تَعَالَى ذكْره لَا يَخْفَى عَلَيْه خَافيَة ؟ قيلَ : الْأَمْر في ذَلكَ بخلَاف مَا ظَنَنْت , وَإنَّمَا وَجَّهْنَا مَعْنَى { أُخْفيهَا } بضَمّ الْأَلف إلَى مَعْنَى : أَسْتُرهَا منْ نَفْسي , لأَنَّ الْمَعْرُوف منْ مَعْنَى الْإخْفَاء في كَلَام الْعَرَب : السّتْر . يُقَال : قَدْ أَخْفَيْت الشَّيْء : إذَا سَتَرْته . وَأَنَّ الَّذينَ وَجَّهُوا مَعْنَاهُ إلَى الْإظْهَار , اعْتَمَدُوا عَلَى بَيْت لامْرئ الْقَيْس بْن عَابس الْكنْديّ . 18141 - حُدّثْت عَنْ مَعْمَر بْن الْمُثَنَّى أَنَّهُ قَالَ : أَنْشَدَنيه أَبُو الْخَطَّاب , عَنْ أَهْله في بَلَده : فَإنْ تَدْفنُوا الدَّاء لَا نُخْفه وَإنْ تَبْعَثُوا الْحَرْب لَا نَقْعُد بضَمّ النُّون منْ لَا نُخْفه , وَمَعْنَاهُ : لَا نُظْهرهُ , فَكَانَ اعْتمَادهمْ في تَوْجيه الْإخْفَاء في هَذَا الْمَوْضع إلَى الْإظْهَار عَلَى مَا ذَكَرُوا منْ سَمَاعهمْ هَذَا الْبَيْت , عَلَى مَا وَصَفْت منْ ضَمّ النُّون منْ نُخْفه . وَقَدْ أَنْشَدَني الثّقَة عَنْ الْفَرَّاء : فَإنْ تَدْفنُوا الدَّاء لَا نَخْفه بفَتْح النُّون منْ نَخْفه , منْ خَفَيْته أَخْفيه , وَهُوَ أَوْلَى بالصَّوَاب لأَنَّهُ الْمَعْرُوف منْ كَلَام الْعَرَب . فَإذَا كَانَ ذَلكَ كَذَلكَ . وَكَانَ الْفَتْح في الْأَلف منْ أَخْفيهَا غَيْر جَائز عنْدنَا لمَا ذَكَرْنَا , ثَبَتَ وَصَحَّ الْوَجْه الْآخَر , وَهُوَ أَنَّ مَعْنَى ذَلكَ . أَكَاد أَسْتُرهَا منْ نَفْسي . وَأَمَّا وَجْه صحَّة الْقَوْل في ذَلكَ , فَهُوَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذكْره خَاطَبَ بالْقُرْآن الْعَرَب عَلَى مَا يَعْرفُونَهُ منْ كَلَامهمْ وَجَرَى به خطَابهمْ بَيْنهمْ , فَلَمَّا كَانَ مَعْرُوفًا في كَلَامهمْ أَنْ يَقُول أَحَدهمْ إذَا أَرَادَ الْمُبَالَغَة في الْخَبَر عَنْ إخْفَائه شَيْئًا هُوَ لَهُ مُسرّ : قَدْ كدْت أَنْ أُخْفي هَذَا الْأَمْر عَنْ نَفْسي منْ شدَّة اسْتسْرَاري به , وَلَوْ قَدَرْت أُخْفيه عَنْ نَفْسي أَخْفَيْته , خَاطَبَهُمْ عَلَى حَسَب مَا قَدْ جَرَى به اسْتعْمَالهمْ في ذَلكَ منْ الْكَلَام بَيْنهمْ , وَمَا قَدْ عَرَفُوهُ في مَنْطقهمْ . وَقَدْ قيلَ في ذَلكَ أَقْوَال غَيْر مَا قُلْنَا , وَإنَّمَا اخْتَرْنَا هَذَا الْقَوْل عَلَى غَيْره منْ الْأَقْوَال لمُوَافَقَة أَقْوَال أَهْل الْعلْم منْ الصَّحَابَة وَالتَّابعينَ , إذْ كُنَّا لَا نَسْتَجيزُ الْخلَاف عَلَيْهمْ , فيمَا اسْتَفَاضَ الْقَوْل به منْهُمْ , وَجَاءَ عَنْهُمْ مَجيئًا يَقْطَع الْعُذْر . فَأَمَّا الَّذينَ قَالُوا في ذَلكَ غَيْر قَوْلنَا ممَّنْ قَالَ فيه عَلَى وَجْه الانْتزَاع منْ كَلَام الْعَرَب , منْ غَيْر أَنْ يَعْزُوهُ إلَى إمَام منْ الصَّحَابَة أَوْ التَّابعينَ , وَعَلَى وَجْه يَحْتَمل الْكَلَام غَيْر وَجْهه الْمَعْرُوف , فَإنَّهُمْ اخْتَلَفُوا في مَعْنَاهُ بَيْنهمْ , فَقَالَ بَعْضهمْ : يَحْتَمل مَعْنَاهُ : أُريد أُخْفيهَا ; قَالَ : وَذَلكَ مَعْرُوف في اللُّغَة . وَذُكرَ أَنَّهُ حُكيَ عَنْ الْعَرَب أَنَّهُمْ يَقُولُونَ : أُولَئكَ أَصْحَابي أَلَذّينَ أَكَاد أَنْزل عَلَيْهمْ , وَقَالَ : مَعْنَاهُ : لَا أَنْزل إلَّا عَلَيْهمْ . قَالَ : وَحُكيَ : أَكَاد أَبْرَح مَنْزلي : أَيْ مَا أَبْرَح مَنْزلي , وَاحْتَجَّ ببَيْتٍ أَنْشَدَهُ لبَعْض الشُّعَرَاء : كَادَتْ وَكدْت وَتلْكَ خَيْر إرَادَة لَوْ عَادَ منْ عَهْد الصَّبَابَة مَا مَضَى وَقَالَ : يُريد : بكَادَتْ : أَرَادَتْ ; قَالَ : فَيَكُون الْمَعْنَى : أُريد أُخْفيهَا لتُجْزَى كُلّ نَفْس بمَا تَسْعَى . قَالَ : وَممَّا يُشْبه ذَلكَ قَوْل زَيْد الْخَيْل : سَريع إلَى الْهَيْجَاء شَاكٍ سلَاحه فَمَا إنْ يَكَاد قرْنه يَتَنَفَّس وَقَالَ : كَأَنَّهُ قَالَ : فَمَا يَتَنَفَّس قَرْنه , وَإلَّا ضَعُفَ الْمَعْنَى ; قَالَ : وَقَالَ ذُو الرُّمَّة : إذَا غَيَّرَ النَّأْي الْمُحبّينَ لَمْ يَكَدْ رَسيس الْهَوَى منْ حُبّ مَيَّة يَبْرَح قَالَ : وَلَيْسَ الْمَعْنَى : لَمْ يَكَدْ يَبْرَح : أَيْ بَعْد يُسْر , وَيَبْرَح بَعْد عُسْر ; وَإنَّمَا الْمَعْنَى : لَمْ يَبْرَح , أَوْ لَمْ يُردْ يَبْرَح , وَإلَّا ضَعُفَ الْمَعْنَى ; قَالَ : وَكَذَلكَ قَوْل أَبي النَّجْم : وَإنْ أَتَاك نَعيّ فَانْدُبَن أَبًا قَدْ كَادَ يَضْطَلع الْأَعْدَاء وَالْخُطَبَا وَقَالَ : يَكُون الْمَعْنَى : قَدْ اضْطَلَعَ الْأَعْدَاء , وَإلَّا لَمْ يَكُنْ مَدْحًا إذَا أَرَادَ كَادَ وَلَمْ يُردْ يَفْعَل . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلكَ : إنَّ السَّاعَة آتيَة , أَكَاد , قَالَ : وَانْتَهَى الْخَبَر عنْد قَوْله أَكَاد لأَنَّ مَعْنَاهُ : أَكَاد أَنْ آتي بهَا ; قَالَ : ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ : وَلَكنّي أُخْفيهَا لتُجْزَى كُلّ نَفْس بمَا تَسْعَى . قَالَ : وَذَلكَ نَظير قَوْل ابْن ضَابئ : هَمَمْت وَلَمْ أَفْعَل وَكدْت وَلَيْتَني تَرَكْت عَلَى عُثْمَان تَبْكي أَقَاربه فَقَالَ : كدْت , وَمَعْنَاهُ : كدْت أَفْعَل . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى { أُخْفيهَا } : أُظْهرهَا , وَقَالُوا : الْإخْفَاء وَالْإسْرَار قَدْ تُوَجّههُمَا الْعَرَب إلَى مَعْنَى الْإظْهَار , وَاسْتَشْهَدَ بَعْضهمْ لقيله ذَلكَ ببَيْت الْفَرَزْدَق : فَلَمَّا رَأَى الْحَجَّاج جَرَّدَ سَيْفه أَسَرَّ الْحَرُوريّ الَّذي كَانَ أَضْمَرَا وَقَالَ : عَنَى بقَوْله : أَسَرَّ : أَظْهَرَ . قَالَ : وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون مَعْنَى قَوْله : { وَأَسَرُّوا النَّدَامَة } 10 54 وَأَظْهَرُوهَا . قَالَ : وَذَلكَ أَنَّهُمْ قَالُوا : { يَا لَيْتَنَا نُرَدّ وَلَا نُكَذّب بآيَات رَبّنَا } . 6 27 وَقَالَ جَميع هَؤُلَاء الَّذينَ حَكَيْنَا قَوْلهمْ جَائز أَنْ يَكُون قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلكَ : أَكَاد أُخْفيهَا منْ نَفْسي , أَنْ يَكُون أَرَادَ : أُخْفيهَا منْ قَبْلي وَمنْ عنْدي . وَكُلّ هَذه الْأَقْوَال الَّتي ذَكَرْنَا عَمَّنْ ذَكَرْنَا تَوْجيه منْهُمْ للْكَلَام إلَى غَيْر وَجْهه الْمَعْرُوف , وَغَيْر جَائز تَوْجيه مَعَاني كَلَام اللَّه إلَى غَيْر الْأَغْلَب عَلَيْه منْ وُجُوهه عنْد الْمُخَاطَبينَ به , فَفي ذَلكَ مَعَ خلَافهمْ تَأْويل أَهْل الْعلْم فيه شَاهد عَدْل عَلَى خَطَأ مَا ذَهَبُوا إلَيْه فيه .



وَقَوْله : { لتُجْزَى كُلّ نَفْس بمَا تَسْعَى } يَقُول تَعَالَى ذكْره : إنَّ السَّاعَة آتيَة لتُجْزَى كُلّ نَفْس ; يَقُول : لتُثَابَ كُلّ نَفْس امْتَحَنَهَا رَبّهَا بالْعبَادَة في الدُّنْيَا بمَا تَسْعَى , يَقُول : بمَا تَعْمَل منْ خَيْر وَشَرّ , وَطَاعَة وَمَعْصيَة .
فَلَا یَصُدَّنَّكَ عَنۡهَا مَن لَّا یُؤۡمِنُ بِهَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ فَتَرۡدَىٰ ﴿١٦﴾
وَقَوْله : { فَلَا يَصُدَّنَّك عَنْهَا } يَقُول تَعَالَى ذكْره : فَلَا يَرُدَّنك يَا مُوسَى عَنْ التَّأَهُّب للسَّاعَة , مَنْ لَا يُؤْمن بهَا , يَعْني : مَنْ لَا يُقرّ بقيَام السَّاعَة , وَلَا يُصَدّق بالْبَعْث بَعْد الْمَمَات , وَلَا يَرْجُو ثَوَابًا , وَلَا يَخَاف عقَابًا . وَقَوْله : { وَاتَّبَعَ هَوَاهُ } يَقُول : اتَّبَعَ هَوَى نَفْسه , وَخَالَفَ أَمْر اللَّه وَنَهْيه { فَتَرْدَى } يَقُول : فَتَهْلَك إنْ أَنْتَ انْصَدَدْت عَنْ التَّأَهُّب للسَّاعَة , وَعَنْ الْإيمَان بهَا , وَبأَنَّ اللَّه بَاعث الْخَلْق لقيَامهَا منْ قُبُورهمْ بَعْد فَنَائهمْ بصَدّ مَنْ كَفَرَ بهَا . وَكَانَ بَعْضهمْ يَزْعُم أَنَّ الْهَاء وَالْأَلف منْ قَوْله { فَلَا يَصُدَّنَّك عَنْهَا } كنَايَة عَنْ ذكْر الْإيمَان , قَالَ : وَإنَّمَا قيلَ عَنْهَا وَهيَ كنَايَة عَنْ الْإيمَان كَمَا قيلَ { إنَّ رَبّك منْ بَعْدهَا لَغَفُور رَحيم } يَذْهَب إلَى الْفعْلَة , وَلَمْ يَجْر للْإيمَان ذكْر في هَذَا الْمَوْضع , فَيُجْعَل ذَلكَ منْ ذكْره , وَإنَّمَا جَرَى ذكْر السَّاعَة , فَهُوَ بأَنْ يَكُون منْ ذكْرهَا أَوْلَى .
وَمَا تِلۡكَ بِیَمِینِكَ یَـٰمُوسَىٰ ﴿١٧﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا تلْكَ بيَمينك يَا مُوسَى } . يَقُول تَعَالَى ذكْره : وَمَا هَذه الَّتي في يَمينك يَا مُوسَى ؟ فَالْبَاء في قَوْله { بيَمينك } منْ صلَة تلْكَ , وَالْعَرَب تَصل تلْكَ وَهَذه كَمَا تَصل الَّذي ; وَمنْهُ قَوْل يَزيد بْن مُفَرّع : عَدَسْ مَا لعَبَّادٍ عَلَيْك إمَارَة أَمنْت وَهَذَا تَحْملينَ طَليق كَأَنَّهُ قَالَ : وَاَلَّذي تَحْملينَ طَليق . وَلَعَلَّ قَائلًا أَنْ يَقُول : وَمَا وَجْه اسْتخْبَار اللَّه مُوسَى عَمَّا في يَده ؟ أَلَمْ يَكُنْ عَالمًا بأَنَّ الَّذي في يَده عَصَا ؟ قيلَ لَهُ : إنَّ ذَلكَ عَلَى غَيْر الَّذي ذَهَبْت إلَيْه , وَإنَّمَا قَالَ ذَلكَ عَزَّ ذكْره لَهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يُحَوّلهَا حَيَّة تَسْعَى , وَهيَ خَشَبَة , فَنَبَّهَهُ عَلَيْهَا , وَقَرَّرَهُ بأَنَّهَا خَشَبَة يَتَوَكَّأ عَلَيْهَا , وَيَهُشّ بهَا عَلَى غَنَمه , ليُعَرّفهُ قُدْرَته عَلَى مَا يَشَاء , وَعظَم سُلْطَانه , وَنَفَاذ أَمْره فيمَا أَحَبَّ بتَحْويله إيَّاهَا حَيَّة تَسْعَى , إذَا أَرَادَ ذَلكَ به ليَجْعَل ذَلكَ لمُوسَى آيَة مَعَ سَائر آيَاته إلَى فرْعَوْن وَقَوْمه .
قَالَ هِیَ عَصَایَ أَتَوَكَّؤُاْ عَلَیۡهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِی وَلِیَ فِیهَا مَـَٔارِبُ أُخۡرَىٰ ﴿١٨﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ هيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأ عَلَيْهَا وَأَهُشّ بهَا عَلَى غَنَمي } يَقُول تَعَالَى ذكْره مُخْبرًا عَنْ مُوسَى : قَالَ مُوسَى مُجيبًا لرَبّه : { هيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأ عَلَيْهَا وَأَهُشّ بهَا عَلَى غَنَمي } يَقُول : أَضْرب بهَا الشَّجَر الْيَابس فَيَسْقُط وَرَقهَا وَتَرْعَاهُ غَنَمي , يُقَال منْهُ : هَشَّ فُلَان الشَّجَر يَهُشّ هَشًّا : إذَا اخْتَبَطَ وَرَق أَغْصَانهَا فَسَقَطَ وَرَقهَا ; كَمَا قَالَ الرَّاجز : أَهُشّ بالْعَصَا عَلَى أَغْنَامي منْ نَاعم الْأَرَاك وَالْبَشَام وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ , قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18142 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , في قَوْله : { وَأَهُشّ بهَا عَلَى غَنَمي } قَالَ : أَخْبط بهَا الشَّجَر . * - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة { وَأَهُشّ بهَا عَلَى غَنَمي } قَالَ : أَخْبط . * - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة { وَأَهُشّ بهَا عَلَى غَنَمي } قَالَ : كَانَ نَبيّ اللَّه مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ يَهُشّ عَلَى غَنَمه وَرَق الشَّجَر . 18143 - حَدَّثَني مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدّيّ { وَأَهُشّ بهَا عَلَى غَنَمي } يَقُول : أَضْرب بهَا الشَّجَر للْغَنَم , فَيَقَع الْوَرَق . 18144 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله : { هيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأ عَلَيْهَا وَأَهُشّ بهَا عَلَى غَنَمي } قَالَ : يَتَوَكَّأ عَلَيْهَا حين يَمْشي مَعَ الْغَنَم , وَيَهُشّ بهَا , يُحَرّك الشَّجَر حَتَّى يَسْقُط الْوَرَق الْحَبَلَة وَغَيْرهَا . 18145 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضح , قَالَ : ثنا الْحَسَن , عَنْ عكْرمَة { وَأَهُشّ بهَا عَلَى غَنَمي } قَالَ : أَضْرب بهَا الشَّجَر , فَيَسْقُط منْ وَرَقهَا عَلَيَّ . * - حَدَّثَني عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد بْن شَبُّويَةَ , قَالَ : ثنا عَليّ بْن الْحَسَن , قَالَ : ثنا حُسَيْن , قَالَ : سَمعْت عكْرمَة يَقُول { وَأَهُشّ بهَا عَلَى غَنَمي } قَالَ : أَضْرب بهَا الشَّجَر , فَيَتَسَاقَط الْوَرَق عَلَى غَنَمي . 18146 - حَدَّثَنَا عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثنا عُبَيْد , قَالَ : سَمعْت الضَّحَّاك يَقُول في قَوْله { وَأَهُشّ بهَا عَلَى غَنَمي } يَقُول : أَضْرب بهَا الشَّجَر حَتَّى يَسْقُط منْهُ مَا تَأْكُل غَنَمي .



وَقَوْله : { وَليَ فيهَا مَآرب أُخْرَى } يَقُول : وَليَ في عَصَايَ هَذه حَوَائج أُخْرَى , وَهيَ جَمْع مَأْرُبَة , وَفيهَا للْعَرَب لُغَات ثَلَاث : مَأْرُبَة بضَمّ الرَّاء , وَمَأْرَبَة بفَتْحهَا , وَمَأْربَة بكَسْرهَا , وَهيَ مَفْعَلَة منْ قَوْلهمْ : لَا أَرَب لي في هَذَا الْأَمْر : أَيْ لَا حَاجَة لي فيه . وَقيلَ " أُخْرَى " وَهُنَّ مَآرب جَمْع , وَلَمْ يَقُلْ أُخَر , كَمَا قيلَ : { لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى } 20 8 وَقَدْ بَيَّنْت الْعلَّة في تَوْجيه ذَلكَ هُنَالكَ . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في مَعْنَى الْمَآرب , قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18147 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عَبْدَة الضَّبّيّ , قَالَ : ثنا حَفْص بْن جُمَيْعٍ , قَالَ : ثنا سمَاك بْن حَرْب , عَنْ عكْرمَة , عَنْ ابْن عَبَّاس , في قَوْله : { وَليَ فيهَا مَآرب أُخْرَى } قَالَ : حَوَائج أُخْرَى قَدْ عَلمْتهَا . * - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله { وَليَ فيهَا مَآرب أُخْرَى } يَقُول : حَاجَة أُخْرَى . 18148 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; عَنْ ابْن أَبي نَجيح عَنْ مُجَاهد { وَليَ فيهَا مَآرب أُخْرَى } قَالَ : حَاجَات . 18149 - حَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح { وَليَ فيهَا مَآرب أُخْرَى } قَالَ : حَاجَات وَمَنَافع . * - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد { وَليَ فيهَا مَآرب أُخْرَى } قَالَ : حَاجَات . 18150 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدّيّ { وَليَ فيهَا مَآرب أُخْرَى } يَقُول : حَوَائج أُخْرَى أَحْمل عَلَيْهَا الْمزْوَد وَالسّقَاء . 18151 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة { وَليَ فيهَا مَآرب أُخْرَى } قَالَ : حَوَائج أُخْرَى . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , في قَوْله { وَليَ فيهَا مَآرب أُخْرَى } قَالَ : حَاجَات مَنَافع أُخْرَى . 18152 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , عَنْ وَهْب بْن مُنَبّه { وَليَ فيهَا مَآرب أُخْرَى } أَيْ مَنَافع أُخْرَى . 18153 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله : { وَليَ فيهَا مَآرب أُخْرَى } قَالَ : حَوَائج أُخْرَى سوَى ذَلكَ . 18154 - حُدّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثنا عُبَيْد , قَالَ : سَمعْت الضَّحَّاك يَقُول في قَوْله { مَآرب أُخْرَى } قَالَ : حَاجَات أُخْرَى .
قَالَ أَلۡقِهَا یَـٰمُوسَىٰ ﴿١٩﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ أَلْقهَا يَا مُوسَى } يَقُول تَعَالَى ذكْره : قَالَ اللَّه لمُوسَى : أَلْق عَصَاك الَّتي بيَمينك يَا مُوسَى .
فَأَلۡقَىٰهَا فَإِذَا هِیَ حَیَّةࣱ تَسۡعَىٰ ﴿٢٠﴾
يَقُول اللَّه جَلَّ جَلَاله : فَأَلْقَاهَا مُوسَى , فَجَعَلَهَا اللَّه حَيَّة تَسْعَى , وَكَانَتْ قَبْل ذَلكَ خَشَبَة يَابسَة , وَعَصَا يَتَوَكَّأ عَلَيْهَا وَيَهُشّ بهَا عَلَى غَنَمه , فَصَارَتْ حَيَّة بأَمْر اللَّه , كَمَا : 18155 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عَبْدَة الضَّبّيّ , قَالَ : ثنا حَفْص بْن جُمَيْعٍ , قَالَ : ثنا سمَاك بْن حَرْب , عَنْ عكْرمَة , عَنْ ابْن عَبَّاس قَالَ : لَمَّا قيلَ لمُوسَى : أَلْقهَا يَا مُوسَى , أَلْقَاهَا { فَإذَا هيَ حَيَّة تَسْعَى } وَلَمْ تَكُنْ قَبْل ذَلكَ حَيَّة ; قَالَ : فَمَرَّتْ بشَجَرَةٍ فَأَكَلَتْهَا , وَمَرَّتْ بصَخْرَةٍ فَابْتَلَعَتْهَا ; قَالَ : فَجَعَلَ مُوسَى يَسْمَع وَقْع الصَّخْرَة في جَوْفهَا ; قَالَ : فَوَلَّى مُدْبرًا , فَنُوديَ أَنْ يَا مُوسَى خُذْهَا , فَلَمْ يَأْخُذهَا ; ثُمَّ نُوديَ الثَّانيَة : أَنْ { خُذْهَا وَلَا تَخَفْ } , فَلَمْ يَأْخُذهَا ; فَقيلَ لَهُ في الثَّالثَة : { إنَّك منْ الْآمنينَ } 28 31 فَأَخَذَهَا . 18156 - حَدَّثَني مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدّيّ , قَالَ : قَالَ لَهُ , يَعْني لمُوسَى رَبّه : { أَلْقهَا يَا مُوسَى } يَعْني { فَأَلْقَاهَا فَإذَا هيَ حَيَّة تَسْعَى } { فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزّ كَأَنَّهَا جَانّ وَلَّى مُدْبرًا وَلَمْ يُعَقّب } 27 10 فَنُوديَ : { يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إنّي لَا يَخَاف لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ } . 27 10 18157 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , عَنْ وَهْب بْن مُنَبّه , { قَالَ أَلْقهَا يَا مُوسَى فَأَلْقَاهَا فَإذَا هيَ حَيَّة تَسْعَى } تَهْتَزّ , لَهَا أَنْيَاب وَهَيْئَة كَمَا شَاءَ اللَّه أَنْ تَكُون , فَرَأَى أَمْرًا فَظيعًا , فَوَلَّى مُدْبرًا , وَلَمْ يُعَقّب فَنَادَاهُ رَبّه : يَا مُوسَى أَقْبلْ وَلَا تَخَفْ { سَنُعيدُهَا سيرَتهَا الْأُولَى } .
قَالَ خُذۡهَا وَلَا تَخَفۡۖ سَنُعِیدُهَا سِیرَتَهَا ٱلۡأُولَىٰ ﴿٢١﴾
وَقَوْله : { قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ } يَقُول تَعَالَى ذكْره قَالَ اللَّه لمُوسَى : خُذْ الْحَيَّة , وَالْهَاء وَالْأَلف منْ ذكْر الْحَيَّة . { وَلَا تَخَفْ } يَقُول : وَلَا تَخَفْ منْ هَذه الْحَيَّة .



يَقُول : فَإنَّا سَنُعيدُهَا لهَيْئَتهَا الْأُولَى الَّتي كَانَتْ عَلَيْهَا قَبْل أَنْ نُصَيّرهَا حَيَّة , وَنَرُدّهَا عَصَا كَمَا كَانَتْ . يُقَال لكُلّ مَنْ كَانَ عَلَى أَمْر فَتَرَكَهُ , وَتَحَوَّلَ عَنْهُ ثُمَّ رَاجَعَهُ : عَادَ فُلَان سيرَته الْأُولَى , وَعَادَ لسيرَته الْأُولَى , وَعَادَ إلَى سيرَته الْأُولَى . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ , قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18158 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله { سيرَتهَا الْأُولَى } يَقُول : حَالَتهَا الْأُولَى . 18159 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد { سيرَتهَا الْأُولَى } قَالَ : هَيْئَتهَا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد , مثْله . 18160 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , عَنْ وَهْب بْن مُنَبّه { سَنُعيدُهَا سيرَتهَا الْأُولَى } أَيْ سَنَرُدُّهَا عَصَا كَمَا كَانَتْ . 18161 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة { سَنُعيدُهَا سيرَتهَا الْأُولَى } قَالَ : إلَى هَيْئَتهَا الْأُولَى .
وَٱضۡمُمۡ یَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخۡرُجۡ بَیۡضَاۤءَ مِنۡ غَیۡرِ سُوۤءٍ ءَایَةً أُخۡرَىٰ ﴿٢٢﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { وَاضْمُمْ يَدك إلَى جَنَاحك } يَقُول تَعَالَى ذكْره : وَاضْمُمْ يَا مُوسَى يَدك , فَضَعْهَا تَحْت عَضُدك ; وَالْجَنَاحَان هُمَا الْيَدَان , كَذَلكَ رُويَ الْخَبَر عَنْ أَبي هُرَيْرَة وَكَعْب الْأَحْبَار . وَأَمَّا أَهْل الْعَرَبيَّة , فَإنَّهُمْ يَقُولُونَ : هُمَا الْجَنْبَان . وَكَانَ بَعْضهمْ يَسْتَشْهد لقَوْله ذَلكَ بقَوْل الرَّاجز : أَضُمّهُ للصَّدْر وَالْجَنَاح وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في تَأْويل ذَلكَ , قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18162 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , قَوْله : { إلَى جَنَاحك } قَالَ : كَفّه تَحْت عَضُده . * - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد , مثْله .



وَقَوْله : { تَخْرُج بَيْضَاء منْ غَيْر سُوء } . ذُكرَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْه السَّلَام كَانَ رَجُلًا آدَم , فَأَدْخَلَ يَده في جَيْبه , ثُمَّ أَخْرَجَهَا بَيْضَاء منْ غَيْر سُوء , منْ غَيْر بَرَص , مثْل الثَّلْج , ثُمَّ رَدَّهَا , فَخَرَجَتْ كَمَا كَانَتْ عَلَى لَوْنه . 18163 - حَدَّثَنَا بذَلكَ ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , عَنْ وَهْب بْن مُنَبّه . 18164 - حَدَّثَنَا إسْمَاعيل بْن مُوسَى الْفَزَاريّ , قَالَ : ثنا شَريك , عَنْ يَزيد بْن أَبي زيَاد , عَنْ مقْسَم , عَنْ ابْن عَبَّاس , في قَوْله { تَخْرُج بَيْضَاء منْ غَيْر سُوء } قَالَ : منْ غَيْر بَرَص . 18165 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد { منْ غَيْر سُوء } قَالَ : منْ غَيْر بَرَص . 18166 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , في قَوْله { بَيْضَاء منْ غَيْر سُوء } قَالَ : منْ غَيْر بَرَص . * - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد , مثْله . * - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة { منْ غَيْر سُوء } قَالَ : منْ غَيْر بَرَص . 18167 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدّيّ { تَخْرُج بَيْضَاء منْ غَيْر سُوء } قَالَ : منْ غَيْر بَرَص . 18168 - حُدّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمعْت الضَّحَّاك يَقُول في قَوْله { منْ غَيْر سُوء } قَالَ : منْ غَيْر بَرَص . 18169 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا حَمَّاد بْن مَسْعَدَة , قَالَ : ثنا قُرَّة , عَنْ الْحَسَن في قَوْل اللَّه : { بَيْضَاء منْ غَيْر سُوء } قَالَ : أَخْرَجَهَا اللَّه منْ غَيْر سُوء , منْ غَيْر بَرَص , فَعَلمَ مُوسَى أَنَّهُ لَقيَ رَبّه .



وَقَوْله : { آيَة أُخْرَى } يَقُول : وَهَذه عَلَامَة وَدَلَالَة أُخْرَى غَيْر الْآيَة الَّتي أَرَيْنَاك قَبْلهَا منْ تَحْويل الْعَصَا حَيَّة تَسْعَى عَلَى حَقيقَة مَا بَعَثْنَاك به منْ الرّسَالَة لمَنْ بَعَثْنَاك إلَيْه . وَنَصَبَ آيَة عَلَى اتّصَالهَا بالْفعْل , إذْ لَمْ يَظْهَر لَهَا مَا يَرْفَعهَا منْ هَذه أَوْ هيَ .
لِنُرِیَكَ مِنۡ ءَایَـٰتِنَا ٱلۡكُبۡرَى ﴿٢٣﴾
وَقَوْله : { لنُريَك منْ آيَاتنَا الْكُبْرَى } يَقُول تَعَالَى ذكْره : وَاضْمُمْ يَدك يَا مُوسَى إلَى جَنَاحك , تَخْرُج بَيْضَاء منْ غَيْر سُوء , كَيْ نُريك منْ أَدلَّتنَا الْكُبْرَى عَلَى عَظيم سُلْطَاننَا وَقُدْرَتنَا . وَقَالَ : الْكُبْرَى , فَوَحَّدَ , وَقَدْ قَالَ : { منْ آيَاتنَا } كَمَا قَالَ : { لَا الْأَسْمَاء الْحُسْنَى } وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلكَ هُنَالكَ . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْبَصْرَة يَقُول : إنَّمَا قيلَ الْكُبْرَى , لأَنَّهُ أُريد بهَا التَّقْديم , كَأَنَّ مَعْنَاهَا عنْده : لنُريَك الْكُبْرَى منْ آيَاتنَا .
ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ﴿٢٤﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { اذْهَبْ إلَى فرْعَوْن إنَّهُ طَغَى } يَقُول تَعَالَى ذكْره لنَبيّه مُوسَى صَلَوَات اللَّه عَلَيْه : { اذْهَبْ } يَا مُوسَى { إلَى فرْعَوْن إنَّهُ طَغَى } . يَقُول : إنَّهُ تَجَاوَزَ قَدْره , وَتَمَرَّدَ عَلَى رَبّه ; وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الطُّغْيَان بمَا مَضَى بمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَته , في هَذَا الْمَوْضع . وَفي الْكَلَام مَحْذُوف اُسْتُغْنيَ بفَهْم السَّامع بمَا ذُكرَ منْهُ , وَهُوَ قَوْله : { اذْهَبْ إلَى فرْعَوْن إنَّهُ طَغَى } فَادْعُهُ إلَى تَوْحيد اللَّه وَطَاعَته , وَإرْسَال بَني إسْرَائيل مَعَك .
قَالَ رَبِّ ٱشۡرَحۡ لِی صَدۡرِی ﴿٢٥﴾
{ قَالَ رَبّ اشْرَحْ لي صَدْري } يَقُول : رَبّ اشْرَحْ لي صَدْري , لأَعيَ عَنْك مَا تُودعهُ منْ وَحْيك , وَأَجْتَرئ به عَلَى خطَاب فرْعَوْن .
وَیَسِّرۡ لِیۤ أَمۡرِی ﴿٢٦﴾
{ وَيَسّرْ لي أَمْري } يَقُول : وَسَهّلْ عَلَيَّ الْقيَام بمَا تُكَلّفني منْ الرّسَالَة , وَتُحَمّلني منْ الطَّاعَة . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ , قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18170 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْل اللَّه : { رَبّ اشْرَحْ لي صَدْري } قَالَ : جُرْأَة لي .
وَٱحۡلُلۡ عُقۡدَةࣰ مِّن لِّسَانِی ﴿٢٧﴾
وَقَوْله : { وَاحْلُلْ عُقْدَة منْ لسَاني } يَقُول : وَأَطْلقْ لسَاني بالْمَنْطق , وَكَانَتْ فيه فيمَا ذَكَرَ عُجْمَة عَنْ الْكَلَام الَّذي كَانَ منْ إلْقَائه الْجَمْرَة إلَى فيه يَوْم هَمَّ فرْعَوْن بقَتْله . ذَكَرَ الرّوَايَة بذَلكَ عَمَّنْ قَالَهُ : 18171 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى , عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ سَعيد بْن جُبَيْر , في قَوْله : { عُقْدَة منْ لسَاني } قَالَ : عُجْمَة لجَمْرَة نَار أَدْخَلَهَا في فيه عَنْ أَمْر امْرَأَة فرْعَوْن , تَرُدّ به عَنْهُ عُقُوبَة فرْعَوْن , حين أَخَذَ مُوسَى بلحْيَته وَهُوَ لَا يَعْقل , فَقَالَ : هَذَا عَدُوّ لي , فَقَالَتْ لَهُ . إنَّهُ لَا يَعْقل . * - حَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , عَنْ ابْن أَبي نَجيح { وَاحْلُلْ عُقْدَة منْ لسَاني } لجَمْرَة نَار أَدْخَلَهَا في فيه عَنْ أَمْر امْرَأَة فرْعَوْن , تَدْرَأ به عَنْهُ عُقُوبَة فرْعَوْن , حين أَخَذَ مُوسَى بلحْيَته وَهُوَ لَا يَعْقل , فَقَالَ : هَذَا عَدُوّ لي , فَقَالَتْ لَهُ : إنَّهُ لَا يَعْقل , هَذَا قَوْل سَعيد بْن جُبَيْر . 18172 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنْي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد , قَوْله : { وَاحْلُلْ عُقْدَة منْ لسَاني } قَالَ : عُجْمَة الْجَمْرَة نَار أَدْخَلَهَا في فيه , عَنْ أَمْر امْرَأَة فرْعَوْن تَرُدّ به عَنْهُ عُقُوبَة فرْعَوْن حين أَخَذَ بلحْيَته . 18173 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدّيّ , قَالَ : لَمَّا تَحَرَّكَ الْغُلَام , يَعْني مُوسَى , أَوْرَتْهُ أُمّه آسيَة صَبيًّا , فَبَيْنَمَا هيَ تُرْقصهُ وَتَلْعَب به , إذْ نَاوَلَتْهُ فرْعَوْن , وَقَالَتْ : خُذْهُ , فَلَمَّا أَخَذَهُ إلَيْه أَخَذَ مُوسَى بلحْيَته فَنَتَفَهَا , فَقَالَ فرْعَوْن : عَلَيَّ بالذَّبَّاحينَ , قَالَتْ آسيَة : { لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعنَا أَوْ نَتَّخذهُ وَلَدًا } 28 9 إنَّمَا هُوَ صَبيّ لَا يَعْقل , وَإنَّمَا صَنَعَ هَذَا منْ صبَاهُ , وَقَدْ عَلمْت أَنَّهُ لَيْسَ في أَهْل مصْر أَحْلَى منّي أَنَا أَضَع لَهُ حُليًّا منْ الْيَاقُوت , وَأَضَع لَهُ جَمْرًا , فَإنَّ أَخَذَ الْيَاقُوت فَهُوَ يَعْقل فَاذْبَحْهُ , وَإنَّ أَخَذَ الْجَمْر فَإنَّمَا هُوَ صَبيّ ; فَأَخْرَجَتْ لَهُ يَاقُوتهَا وَوَضَعَتْ لَهُ طَسْتًا منْ جَمْر , فَجَاءَ جَبْرَائيل صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ , فَطَرَحَ في يَده جَمْرَة , فَطَرَحَهَا مُوسَى في فيه , فَأَحْرَقَتْ لسَانه , فَهُوَ الَّذي يَقُول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ { وَاحْلُلْ عُقْدَة منْ لسَاني يَفْقَهُوا قَوْلي } , فَزَالَتْ عَنْ مُوسَى منْ أَجْل ذَلكَ .
یَفۡقَهُواْ قَوۡلِی ﴿٢٨﴾
وَقَوْله : { يَفْقَهُوا قَوْلي } يَقُول : يَفْقَهُوا عَنّي مَا أُخَاطبهُمْ وَأُرَاجعهُمْ به منْ الْكَلَام .
وَٱجۡعَل لِّی وَزِیرࣰا مِّنۡ أَهۡلِی ﴿٢٩﴾
{ وَاجْعَلْ لي وَزيرًا منْ أَهْلي } يَقُول : وَاجْعَلْ لي عَوْنًا منْ أَهْل بَيْتي { هَارُون أَخي } .
هَـٰرُونَ أَخِی ﴿٣٠﴾
وَفي نَصْب هَارُون وَجْهَان : أَحَدهمَا أَنْ يَكُون هَارُون مَنْصُوبًا عَلَى التَّرْجَمَة عَنْ الْوَزير . 18174 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس : كَانَ هَارُون أَكْبَر منْ مُوسَى .
ٱشۡدُدۡ بِهِۦۤ أَزۡرِی ﴿٣١﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { اُشْدُدْ به أَزْري } يَقُول تَعَالَى ذكْره مُخْبرًا عَنْ مُوسَى أَنَّهُ سَأَلَ رَبّه أَنْ يُشْددَ أَزْره بأَخيه هَارُون . وَإنَّمَا يَعْني بقَوْله : { اُشْدُدْ به أَزْري } قَوّ ظَهْري , وَأَعنّي به . يُقَال منْهُ : قَدْ أَزَرَ فُلَان فُلَانًا : إذَا أَعَانَهُ وَشَدَّ ظَهْره . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ , قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18175 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , قَالَ : ثني أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { اُشْدُدْ به أَزْري } يَقُول : اُشْدُدْ به ظَهْري . 18176 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله : { اُشْدُدْ به أَزْري } يَقُول : اُشْدُدْ به أَمْري , وَقَوّني به , فَإنَّ لي به قُوَّة .
وَأَشۡرِكۡهُ فِیۤ أَمۡرِی ﴿٣٢﴾
وَقَوْله : { وَأُشْركهُ في أَمْري } يَقُول : وَاجْعَلْهُ نَبيًّا مثْل مَا جَعَلَتْني نَبيًّا , وَأَرْسلْهُ مَعي إلَى فرْعَوْن . وَذُكرَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبي إسْحَاق أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ : " أَشْدُدْ به أَزْري " بفَتْح الْأَلف منْ أَشْدُدْ " وَأُشْركهُ في أَمْري " بضَمّ الْأَلف منْ أُشْركهُ , بمَعْنَى الْخَبَر منْ مُوسَى عَنْ نَفْسه , أَنَّهُ يَفْعَل ذَلكَ , لَا عَلَى وَجْه الدُّعَاء . وَإذَا قُرئَ ذَلكَ كَذَلكَ جَزَمَ أَشْدُدْ وَأُشْرك عَلَى الْجَزَاء , أَوْ جَوَاب الدُّعَاء , وَذَلكَ قرَاءَة لَا أَرَى الْقرَاءَة بهَا , وَإنْ كَانَ لَهَا وَجْه مَفْهُوم , لخلَافهَا قرَاءَة الْحُجَّة الَّتي لَا يَجُوز خلَافهَا .
كَیۡ نُسَبِّحَكَ كَثِیرࣰا ﴿٣٣﴾
{ كَيْ نُسَبّحك كَثيرًا } يَقُول : كَيْ نُعَظّمك بالتَّسْبيح لَك كَثيرًا .
وَنَذۡكُرَكَ كَثِیرًا ﴿٣٤﴾
{ وَنَذْكُرك كَثيرًا } فَنَحْمَدك .
إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِیرࣰا ﴿٣٥﴾
{ إنَّك كُنْت بنَا بَصيرًا } يَقُول : إنَّك كُنْت ذَا بَصَر بنَا لَا يَخْفَى عَلَيْك منْ أَفْعَالنَا شَيْء .
قَالَ قَدۡ أُوتِیتَ سُؤۡلَكَ یَـٰمُوسَىٰ ﴿٣٦﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ قَدْ أُوتيت سُؤْلك يَا مُوسَى } يَقُول تَعَالَى ذكْره : قَالَ اللَّه لمُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ : قَدْ أُعْطيت مَا سَأَلْت يَا مُوسَى رَبّك منْ شَرْحه صَدْرك وَتَيْسيره لَك أَمْرك , وَحَلّ عُقْدَة لسَانك , وَتَصْيير أَخيك هَارُون وَزيرًا لَك , وَشَدّ أَزْرك به , وَإشْرَاكه في الرّسَالَة مَعَك .
وَلَقَدۡ مَنَنَّا عَلَیۡكَ مَرَّةً أُخۡرَىٰۤ ﴿٣٧﴾
{ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْك مَرَّة أُخْرَى } يَقُول تَعَالَى ذكْره : وَلَقَدْ تَطَوَّلْنَا عَلَيْك يَا مُوسَى قَبْل هَذه الْمَرَّة مَرَّة أُخْرَى , وَذَلكَ حين أَوْحَيْنَا إلَى أُمّك , إذْ وَلَدَتْك في الْعَام الَّذي كَانَ فرْعَوْن يَقْتُل كُلّ مَوْلُود ذَكَر منْ قَوْمك مَا أَوْحَيْنَا إلَيْهَا ; ثُمَّ فَسَّرَ تَعَالَى ذكْرُهُ مَا أَوْحَى إلَى أُمّه , فَقَالَ : هُوَ أَنْ اقْذفيه في التَّابُوت ; فَأَنْ في مَوْضع نَصْب رَدًّا عَلَى " مَا " الَّتي في قَوْله : { مَا يُوحَى } , وَتَرْجَمَة عَنْهَا .
قَالَ عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّی فِی كِتَـٰبࣲۖ لَّا یَضِلُّ رَبِّی وَلَا یَنسَى ﴿٥٢﴾
فَأَجَابَهُ مُوسَى فَقَالَ : علْم هَذه الْأُمَم الَّتي مَضَتْ منْ قَبْلنَا فيمَا فَعَلَتْ منْ ذَلكَ , عنْد رَبّي في كتَاب : يَعْني في أُمّ الْكتَاب , لَا علْم لي بأَمْرهَا , وَمَا كَانَ سَبَب ضَلَال مَنْ ضَلَّ منْهُمْ فَذَهَبَ عَنْ دين اللَّه { لَا يَضلّ رَبّي } يَقُول : لَا يُخْطئ رَبّي في تَدْبيره وَأَفْعَاله , فَإنْ كَانَ عَذَّبَ تلْكَ الْقُرُون في عَاجل , وَعَجَّلَ هَلَاكهَا , فَالصَّوَاب مَا فَعَلَ , وَإنْ كَانَ أَخَّرَ عقَابهَا إلَى الْقيَامَة , فَالْحَقّ مَا فَعَلَ , هُوَ أَعْلَم بمَا يَفْعَل , لَا يُخْطئ رَبّي { وَلَا يَنْسَى } فَيَتْرُك فعْل مَا فَعَلَهُ حكْمَة وَصَوَاب . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ , قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18217 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { في كتَاب لَا يَضلّ رَبّي وَلَا يَنْسَى } يَقُول : لَا يُخْطئ رَبّي وَلَا يَنْسَى . 18218 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَمَا بَال الْقُرُون الْأُولَى } يَقُول فَمَا أَعْمَى الْقُرُون الْأُولَى , فَوَكَلَهَا نَبيّ اللَّه مُوكلًا فَقَالَ : { علْمهَا عنْد رَبّي } . ... الْآيَة يَقُول : أَيْ أَعْمَارهَا وَآجَالهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى قَوْله { لَا يَضلّ رَبّي وَلَا يَنْسَى } وَاحد . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18219 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , قَوْله : { لَا يَضلّ رَبّي وَلَا يَنْسَى } قَالَ : هُمَا شَيْء وَاحد . * - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنْي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد , مثْله . وَالْعَرَب تَقُول : ضَلَّ فُلَان مَنْزله : إذَا أَخْطَأَهُ , يَضلّهُ بغَيْر أَلف , وَكَذَلكَ ذَلكَ في كُلّ مَا كَانَ منْ شَيْء ثَابت لَا يَبْرَح , فَأَخْطَأَهُ مُريده , فَإنَّهَا تَقُول : أَضَلَّهُ , فَأَمَّا إذَا ضَاعَ منْهُ مَا يَزُول بنَفْسه منْ دَابَّة وَنَاقَة وَمَا أَشْبَهَ ذَلكَ منْ الْحَيَوَان الَّذي يَنْفَلت منْهُ فَيَذْهَب , فَإنَّهَا تَقْلُو : أَضَلَّ فُلَان بَعيره أَوْ شَاته أَوْ نَاقَته يَضلّهُ بالْأَلف . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى النّسْيَان فيمَا مَضَى قَبْل بمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَته .
ٱلَّذِی جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدࣰا وَسَلَكَ لَكُمۡ فِیهَا سُبُلࣰا وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ مَاۤءࣰ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦۤ أَزۡوَ ٰ⁠جࣰا مِّن نَّبَاتࣲ شَتَّىٰ ﴿٥٣﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { الَّذي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْض مَهْدًا } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْويل في قرَاءَة قَوْله { مَهْدًا } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدينَة وَالْبَصْرَة : " الَّذي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْض مهَادًا " بكَسْر الْميم منْ الْمهَاد وَإلْحَاق أَلف فيه بَعْد الْهَاء , وَكَذَلكَ عَمَلهمْ ذَلكَ في كُلّ الْقُرْآن . وَزَعَمَ بَعْض مَنْ اخْتَارَ قرَاءَة ذَلكَ كَذَلكَ , أَنَّهُ إنَّمَا اخْتَارَهُ منْ أَجْل أَنَّ الْمهَاد : اسْم الْمَوْضع , وَأَنَّ الْمَهْد الْفعْل ; قَالَ : وَهُوَ مثْل الْفُرُش وَالْفرَاش . وَقَرَأَ ذَلكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفيّينَ : { مَهْدًا } بمَعْنَى : الَّذي مَهَدَ لَكُمْ الْأَرْض مَهْدًا . وَالصَّوَاب منْ الْقَوْل في ذَلكَ أَنْ يُقَال : إنَّهُمَا قرَاءَتَان مُسْتَفيضَتَان في قرَاءَة الْأَمْصَار مَشْهُورَتَان , فَبأَيَّتهمَا قَرَأَ الْقَارئ فَمُصيب الصَّوَاب فيهَا .



وَقَوْله : { وَسَلَكَ لَكُمْ فيهَا سُبُلًا } يَقُول : وَأَنْهَجَ لَكُمْ في الْأَرْض طُرُقًا . وَالْهَاء في قَوْله فيهَا : منْ ذكْر الْأَرْض , كَمَا : 18220 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة { وَسَلَكَ لَكُمْ فيهَا سُبُلًا } : أَيْ طُرُقًا .



وَقَوْله : { وَأَنْزَلَ منْ السَّمَاء مَاء } يَقُول : وَأَنْزَلَ منْ السَّمَاء مَطَرًا { فَأَخْرَجْنَا لَهُ أَزْوَاجًا منْ نَبَات شَتَّى } وَهَذَا خَبَر منْ اللَّه تَعَالَى ذكْره عَنْ إنْعَامه عَلَى خَلْقه بمَا يَحْدُث لَهُمْ منْ الْغَيْث الَّذي يُنْزلهُ منْ سَمَائه إلَى أَرْضه , بَعْد تَنَاهي خَبَره عَنْ جَوَاب مُوسَى فرْعَوْن عَمَّا سَأَلَهُ عَنْهُ وَثَنَائه عَلَى رَبّه بمَا هُوَ أَهْله . يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَأَخْرَجْنَا نَحْنُ أَيّهَا النَّاس بمَا نُنَزّل منْ السَّمَاء منْ مَاء أَزْوَاجًا , يَعْني أَلْوَانًا منْ نَبَات شَتَّى , يَعْني مُخْتَلفَة الطُّعُوم , وَالْأَرَاييح وَالْمَنْظَر . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ , قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18221 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { منْ نَبَات شَتَّى } يَقُول : مُخْتَلف .
كُلُواْ وَٱرۡعَوۡاْ أَنۡعَـٰمَكُمۡۚ إِنَّ فِی ذَ ٰ⁠لِكَ لَـَٔایَـٰتࣲ لِّأُوْلِی ٱلنُّهَىٰ ﴿٥٤﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامكُمْ إنَّ في ذَلكَ لَآيَاتٍ لأُولي النُّهَى } يَقُول تَعَالَى ذكْره : كُلُوا أَيّهَا النَّاس منْ طَيّب مَا أَخْرَجْنَا لَكُمْ بالْغَيْث الَّذي أَنْزَلْنَاهُ منْ السَّمَاء إلَى الْأَرْض منْ ثمَار ذَلكَ وَطَعَامه , وَمَا هُوَ منْ أَقْوَاتكُمْ وَغذَائكُمْ , وَارْعَوْا فيمَا هُوَ أَرْزَاق بَهَائمكُمْ منْهُ وَأَقْوَاتهَا أَنْعَامكُمْ .



{ إنَّ في ذَلكَ لَآيَات } يَقُول : إنَّ فيمَا وَصَفْت في هَذه الْآيَة منْ قُدْرَة رَبّكُمْ , وَعَظيم سُلْطَانه لَآيَات : يَعْني لَدَلَالَات وَعَلَامَات تَدُلّ عَلَى وَحْدَانيَّة رَبّكُمْ , وَأَنْ لَا إلَه لَكُمْ غَيْره { أُولي النُّهَى } يَعْني : أَهْل الْحجَى وَالْعُقُول . وَالنُّهَى : جَمَعَ نُهْيَة , كَمَا الْكُشَى : جَمْع كُشْيَة . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالْكُشَى : شَحْمَة تَكُون في جَوْف الضَّبّ , شَبيهَة بالسُّرَّة ; وَخَصَّ تَعَالَى ذكْره بأَنَّ ذَلكَ آيَات لأُولي النُّهَى , لأَنَّهُمْ أَهْل التَّفَكُّر وَالاعْتبَار , وَأَهْل التَّدَبُّر وَالاتّعَاظ .
۞ مِنۡهَا خَلَقۡنَـٰكُمۡ وَفِیهَا نُعِیدُكُمۡ وَمِنۡهَا نُخۡرِجُكُمۡ تَارَةً أُخۡرَىٰ ﴿٥٥﴾
يَقُول تَعَالَى ذكْره : منْ الْأَرْض خَلَقْنَاكُمْ أَيّهَا النَّاس , فَأَنْشَأْنَاكُمْ أَجْسَامًا نَاطقَة .



يَقُول : وَفي الْأَرْض نُعيدكُمْ بَعْد مَمَاتكُمْ , فَنُصَيّركُمْ تُرَابًا , كَمَا كُنْتُمْ قَبْل إنْشَائنَا لَكُمْ بَشَرًا سَويًّا .



يَقُول : وَمنْ الْأَرْض نُخْرجكُمْ كَمَا كُنْتُمْ قَبْل مَمَاتكُمْ أَحْيَاء , فَنُنْشئكُمْ منْهَا , كَمَا أَنْشَأْنَاكُمْ أَوَّل مَرَّة .



وَقَوْله : { تَارَة أُخْرَى } يَقُول : مَرَّة أُخْرَى , كَمَا : 18222 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة { وَمنْهَا نُخْرجكُمْ تَارَة أُخْرَى } يَقُول : مَرَّة أُخْرَى . 18223 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله : { تَارَة أُخْرَى } قَالَ : مَرَّة أُخْرَى الْخَلْق الْآخَر . قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَتَأْويل الْكَلَام إذَنْ : منْ الْأَرْض أَخْرَجْنَاكُمْ وَلَمْ تَكُونُوا شَيْئًا خَلْقًا سَويًّا , وَسَنُخْرجُكُمْ منْهَا بَعْد مَمَاتكُمْ مَرَّة أُخْرَى , كَمَا أَخْرَجْنَاكُمْ منْهَا أَوَّل مَرَّة .
وَلَقَدۡ أَرَیۡنَـٰهُ ءَایَـٰتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ ﴿٥٦﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتنَا كُلّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى } يَقُول تَعَالَى ذكْره : وَلَقَدْ أَرَيْنَا فرْعَوْن آيَاتنَا , يَعْني أَدلَّتنَا وَحُجَجنَا عَلَى حَقيقَة مَا أَرْسَلْنَا به رَسُولَيْنَا , مُوسَى وَهَارُون إلَيْه كُلّهَا { فَكَذَّبَ وَأَبَى } أَنْ يَقْبَل منْ مُوسَى وَهَارُون مَا جَاءَا به منْ عنْد رَبّهمَا منْ الْحَقّ اسْتكْبَارًا وَعُتُوًّا .
قَالَ أَجِئۡتَنَا لِتُخۡرِجَنَا مِنۡ أَرۡضِنَا بِسِحۡرِكَ یَـٰمُوسَىٰ ﴿٥٧﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ أَجئْتنَا لتُخْرجنَا منْ أَرْضنَا بسحْرك يَا مُوسَى } يَقُول تَعَالَى ذكْره : قَالَ فرْعَوْن لَمَّا أَرَيْنَاهُ آيَاتنَا كُلّهَا لرَسُولنَا مُوسَى : أَجئْتنَا يَا مُوسَى لتُخْرجنَا منْ مَنَازلنَا وَدُورنَا بسحْرك هَذَا الَّذي جئْتنَا به
فَلَنَأۡتِیَنَّكَ بِسِحۡرࣲ مِّثۡلِهِۦ فَٱجۡعَلۡ بَیۡنَنَا وَبَیۡنَكَ مَوۡعِدࣰا لَّا نُخۡلِفُهُۥ نَحۡنُ وَلَاۤ أَنتَ مَكَانࣰا سُوࣰى ﴿٥٨﴾
{ فَلَنَأْتيَنَّك بسحْرٍ مثْله فَاجْعَلْ بَيْننَا وَبَيْنك مَوْعدًا } لَا نَتَعَدَّاهُ , لنَجيءَ بسحْرٍ مثْل الَّذي جئْت به , فَنَنْظُر أَيّنَا يَغْلب صَاحبه , لَا نُخْلف ذَلكَ الْمَوْعد { نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى } يَقُول : بمَكَانٍ عَدْل بَيْننَا وَبَيْنك وَنَصَف . وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء في قرَاءَة ذَلكَ , فَقُرَّاته عَامَّة قُرَّاء الْحجَاز وَالْبَصْرَة وَبَعْض الْكُوفيّينَ : " مَكَانًا سوًى " بكَسْر السّين , وَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة : { مَكَانًا سُوًى } بضَمّهَا . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالصَّوَاب منْ الْقَوْل في ذَلكَ عنْدنَا , أَنَّهُمَا لُغَتَان , أَعْني الْكَسْر وَالضَّمّ في السّين منْ " سُوًى " مَشْهُورَتَان في الْعَرَب . وَقَدْ قَرَأَتْ بكُلّ وَاحدَة منْهُمَا عُلَمَاء منْ الْقُرَّاء , مَعَ اتّفَاق مَعْنَيَيْهمَا , فَبأَيَّتهمَا قَرَأَ الْقَارئ فَمُصيب . وَللْعَرَب في ذَلكَ إذَا كَانَ بمَعْنَى الْعَدْل وَالنَّصْب لُغَة هيَ أَشْهَر منْ الْكَسْر وَالضَّمّ وَهُوَ الْفَتْح , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ { تَعَالَوْا إلَى كَلمَة سَوَاء بَيْننَا وَبَيْنكُمْ } 3 64 وَإذَا فَتَحَ السّين منْهُ مَدَّ . وَإذَا كُسرَتْ أَوْ ضُمَّتْ قَصَرَ , كَمَا قَالَ الشَّاعر : فَإنَّ أَبَانَا كَانَ حَلَّ ببَلْدَةٍ سُوًى بَيْن قَيْس قَيْس عَيَلَان وَالْفزْر وَنَظير ذَلكَ منْ الْأَسْمَاء : طُوَى , وَطَوَى ; وَثُنَى وَثَنَى ; وَعُدَى , وَعَدَى . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ , قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18224 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , في قَوْله : { مَكَانًا سُوًى } قَالَ : مُنْصفًا بَيْنهمْ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد , بنَحْوه . 18225 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة { مَكَانًا سُوًى } : أَيْ عَادلًا بَيْننَا وَبَيْنك . 18226 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { مَكَانًا سُوًى } قَالَ : نَصَفًا بَيْننَا وَبَيْنك . 18227 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدّيّ , في قَوْله : { فَاجْعَلْ بَيْننَا وَبَيْنك مَوْعدًا لَا نُخْلفهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى } قَالَ : يَقُول : عَدْلًا . وَكَانَ ابْن زَيْد يَقُول في ذَلكَ مَا : 18228 - حَدَّثَني به يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد في قَوْله : { مَكَانًا سُوًى } قَالَ : مَكَانًا مُسْتَويًا يَتَبَيَّن للنَّاس مَا فيه , لَا يَكُون صَوْب وَلَا شَيْء فَيَغيب بَعْض ذَلكَ عَنْ بَعْض مُسْتَوٍ حين يَرَى .
قَالَ مَوۡعِدُكُمۡ یَوۡمُ ٱلزِّینَةِ وَأَن یُحۡشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحࣰى ﴿٥٩﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ مَوْعدكُمْ يَوْم الزّينَة وَأَنْ يُحْشَر النَّاس ضُحًى } يَقُول تَعَالَى ذكْره : قَالَ مُوسَى لفرْعَوْن , حين سَأَلَهُ أَنْ يَجْعَل بَيْنه وَبَيْنه مَوْعدًا للاجْتمَاع : مَوْعدكُمْ للاجْتمَاع { يَوْم الزّينَة } يَعْني يَوْم عيد كَانَ لَهُمْ , أَوْ سُوق كَانُوا يَتَزَيَّنُونَ فيه { وَأَنْ يُحْشَر النَّاس } يَقُول : وَأَنْ يُسَاق النَّاس منْ كُلّ فَجّ وَنَاحيَة { ضُحًى } فَذَلكَ مَوْعد مَا بَيْني وَبَيْنك للاجْتمَاع . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18229 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , قَالَ : ثني أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { قَالَ مَوْعدكُمْ يَوْم الزّينَة وَأَنْ يُحْشَر النَّاس ضُحًى } فَإنَّهُ يَوْم زينَة يَجْتَمع النَّاس إلَيْه وَيُحْشَر النَّاس لَهُ . 18230 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج { قَالَ مَوْعدكُمْ يَوْم الزّينَة } قَالَ : يَوْم زينَة لَهُمْ , وَيَوْم عيد لَهُمْ { وَأَنْ يُحْشَر النَّاس ضُحًى } إلَى عيد لَهُمْ . 18231 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَعْقُوب , عَنْ جَعْفَر , عَنْ سَعيد { يَوْم الزّينَة } قَالَ : يَوْم السُّوق . 18232 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد { يَوْم الزّينَة } : مَوْعدهمْ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد , مثْله . 18233 - حَدَّثَني مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدّيّ , قَالَ مُوسَى : { مَوْعدكُمْ يَوْم الزّينَة وَأَنْ يُحْشَر النَّاس ضُحًى } وَذَلكَ يَوْم عيد لَهُمْ . 18234 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة { قَالَ مَوْعدكُمْ يَوْم الزّينَة } يَوْم عيد كَانَ لَهُمْ . وَقَوْله : { وَأَنْ يُحْشَر النَّاس ضُحًى } يَجْتَمعُونَ لذَلكَ الْميعَاد الَّذي وُعدُوهُ . 18235 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله : { قَالَ مَوْعدكُمْ يَوْم الزّينَة } قَالَ : يَوْم الْعيد , يَوْم يَتَفَرَّغ النَّاس منْ الْأَعْمَال , وَيَشْهَدُونَ وَيَحْضُرُونَ وَيَرَوْنَ . 18236 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق { قَالَ مَوْعدكُمْ يَوْم الزّينَة } يَوْم عيد كَانَ فرْعَوْن يَخْرُج لَهُ { وَأَنْ يُحْشَر النَّاس ضُحًى } حَتَّى يَحْضُرُوا أَمْري وَأَمْرك . وَأَنَّ منْ قَوْله { وَأَنْ يُحْشَر النَّاس ضُحًى } رُفعَ بالْعَطْف عَلَى قَوْله { يَوْم الزّينَة } . وَذُكرَ عَنْ أَبي نُهَيْك في ذَلكَ مَا : 18237 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضح , قَالَ : ثنا عَبْد الْمُؤْمن , قَالَ : سَمعْت أَبَا نُهَيْك يَقُول : { وَأَنْ يُحْشَر النَّاس ضُحًى } يَعْني فرْعَوْن يَحْشُر قَوْمه .
فَتَوَلَّىٰ فِرۡعَوۡنُ فَجَمَعَ كَیۡدَهُۥ ثُمَّ أَتَىٰ ﴿٦٠﴾
وَقَوْله : { فَتَوَلَّى فرْعَوْن } يَقُول تَعَالَى ذكْره : فَأَدْبَرَ فرْعَوْن مُعْرضًا عَمَّا أَتَاهُ به منْ الْحَقّ { فَجَمَعَ كَيْده } يَقُول : فَجَمَعَ مَكْره , وَذَلكَ جَمْعه سَحَرَته بَعْد أَخْذه إيَّاهُمْ بتَعَلُّمه , { ثُمَّ أَتَى } يَقُول : ثُمَّ جَاءَ للْمَوْعد الَّذي وَعَدَهُ مُوسَى , وَجَاءَ بسَحَرَته .
قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ وَیۡلَكُمۡ لَا تَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبࣰا فَیُسۡحِتَكُم بِعَذَابࣲۖ وَقَدۡ خَابَ مَنِ ٱفۡتَرَىٰ ﴿٦١﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّه كَذبًا } يَقُول تَعَالَى ذكْره : { قَالَ مُوسَى } للسَّحَرَة لَمَّا جَاءَ بهمْ فرْعَوْن : { وَيْلكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّه كَذبًا } يَقُول : لَا تَخْتَلقُوا عَلَى اللَّه كَذبًا , وَلَا تَتَقَوَّلُوهُ .



{ فَيُسْحتَكُمْ بعَذَابٍ } فَيَسْتَأْصلكُمْ بهَلَاكٍ فَيُبيدكُمْ . وَللْعَرَب فيه لُغَتَان : سَحَتَ , وَأَسْحَتَ , وَسَحَتَ , أَكْثَر منْ أَسْحَتَ , يُقَال منْهُ : سَحَتَ الدَّهْر , وَأَسْحَتَ مَال فُلَان : إذَا أَهْلَكَهُ فَهُوَ يُسْحتهُ سُحْتًا , وَأَسْحَتَهُ يُسْحتهُ إسْحَاتًا . وَمنْ الْإسْحَات قَوْل الْفَرَزْدَق : وَعَضّ زَمَان يَا ابْن مَرْوَنَ لَمْ يَدَعْ منْ الْمَال إلَّا مُسْحَتًا أَوْ مُجَلَّف وَيُرْوَى : إلَّا مُسْحَت أَوْ مُجَلَّف . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18238 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثَنْي مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { فَيُسْحتَكُمْ بعَذَابٍ } يَقُول : فَيُهْلككُمْ . 18239 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة { فَيُسْحتَكُمْ بعَذَابٍ } يَقُول : يَسْتَأْصلكُمْ بعَذَابٍ . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , في قَوْله : { فَيُسْحتَكُمْ بعَذَابٍ } قَالَ : فَيَسْتَأْصلكُمْ بعَذَابٍ فَيُهْلككُمْ . 18240 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله : { فَيُسْحتَكُمْ بعَذَابٍ } قَالَ : يُهْلككُمْ هَلَاكًا لَيْسَ فيه بَقيَّة , قَالَ : وَاَلَّذي يُسْحت لَيْسَ فيه بَقيَّة . 18241 - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدّيّ { فَيُسْحتَكُمْ بعَذَابٍ } يَقُول يُهْلككُمْ بعَذَابٍ . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء في قرَاءَة ذَلكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْمَدينَة وَالْبَصْرَة وَبَعْض أَهْل الْكُوفَة : " فَيُسْحتَكُمْ " بفَتْح الْيَاء منْ سَحَتَ يَسْحَت . وَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة : { فَيُسْحتَكُمْ } بضَمّ الْيَاء منْ أَسْحَتَ يُسْحت . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالْقَوْل في ذَلكَ عنْدنَا أَنَّهُمَا قرَاءَتَان مَشْهُورَتَان , وَلُغَتَان مَعْرُوفَتَان بمَعْنًى وَاحد , فَبأَيَّتهمَا قَرَأَ الْقَارئ فَمُصيب , غَيْر أَنَّ الْفَتْح فيهَا أَعْجَب إلَيَّ لأَنَّهَا لُغَة أَهْل الْعَاليَة , وَهيَ أَفْصَح , وَالْأُخْرَى وَهيَ الضَّمّ في نَجْد .



وَقَوْله : { وَقَدْ خَابَ مَنْ افْتَرَى } يَقُول : وَلَمْ يَظْفَر مَنْ يَخْلُق كَذبًا وَيَقُولهُ , بكَذبه ذَلكَ , بحَاجَته الَّتي طَلَبهَا به , وَرَجَا إدْرَاكهَا به .
فَتَنَـٰزَعُوۤاْ أَمۡرَهُم بَیۡنَهُمۡ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجۡوَىٰ ﴿٦٢﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { فَتَنَازَعُوا أَمْرهمْ بَيْنهمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى } يَقُول تَعَالَى ذكْره : فَتَنَازَعَ السَّحَرَة أَمْرهمْ بَيْنهمْ . وَكَانَ تَنَازُعهمْ أَمْرهمْ بَيْنهمْ فيمَا ذُكرَ أَنْ قَالَ بَعْضهمْ لبَعْضٍ , مَا : 18242 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَتَنَازَعُوا أَمْرهمْ بَيْنهمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى } قَالَ السَّحَرَة بَيْنهمْ : إنْ كَانَ هَذَا سَاحرًا فَإنَّا سَنَغْلبُهُ , وَإنْ كَانَ منْ السَّمَاء فَلَهُ أَمْر . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ أَنَّ بَعْضهمْ قَالَ لبَعْضٍ : مَا هَذَا الْقَوْل بقَوْل سَاحر . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18243 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , قَالَ : حُدّثْت عَنْ وَهْب بْن مُنَبّه , قَالَ : جَمَعَ كُلّ سَاحر حبَاله وَعصيّه , وَخَرَجَ مُوسَى مَعَهُ أَخُوهُ يَتَّكئ عَلَى عَصَاهُ , حَتَّى أَتَى الْمَجْمَع , وَفرْعَوْن في مَجْلسه , مَعَهُ أَشْرَاف أَهْل مَمْلَكَته , قَدْ اسْتَكَفَّ لَهُ النَّاس , فَقَالَ مُوسَى للسَّحَرَة حين جَاءَهُمْ : { وَيْلكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّه كَذبًا فَيُسْحتَكُمْ بعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنْ افْتَرَى } فَتَرَادَّ السَّحَرَة بَيْنهمْ , وَقَالَ بَعْضهمْ لبَعْضٍ : مَا هَذَا بقَوْل سَاحر . وَقَوْله : { وَأَسَرُّوا النَّجْوَى } يَقُول تَعَالَى ذكْره : وَأَسَرُّوا السَّحَرَة الْمُنَاجَاة بَيْنهمْ .
قَالُوۤاْ إِنۡ هَـٰذَ ٰ⁠نِ لَسَـٰحِرَ ٰ⁠نِ یُرِیدَانِ أَن یُخۡرِجَاكُم مِّنۡ أَرۡضِكُم بِسِحۡرِهِمَا وَیَذۡهَبَا بِطَرِیقَتِكُمُ ٱلۡمُثۡلَىٰ ﴿٦٣﴾
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْل الْعلْم في السّرَار الَّذي أَسَرُّوهُ , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ قَوْل بَعْضهمْ لبَعْضٍ : إنْ كَانَ هَذَا سَاحرًا فَإنَّا سَنَغْلبُهُ , وَإنْ كَانَ منْ أَمْر السَّمَاء فَإنَّهُ سَيَغْلبُنَا . وَقَالَ آخَرُونَ في ذَلكَ مَا : 18244 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق قَالَ : حُدّثْت عَنْ وَهْب بْن مُنَبّه , قَالَ : أَشَارَ بَعْضهمْ إلَى بَعْض بتَنَاجٍ : { إنَّ هَذَان لَسَاحرَان يُريدَان أَنْ يُخْرجَاكُمْ منْ أَرْضكُمْ بسحْرهمَا } . 18245 - حَدَّثَني مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدّيّ : { فَتَنَازَعُوا أَمْرهمْ بَيْنهمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى } منْ دُون مُوسَى وَهَارُون , قَالُوا في نَجْوَاهُمْ : { إنَّ هَذَان لَسَاحرَان يُريدَان أَنْ يُخْرجَاكُمْ منْ أَرْضكُمْ بسحْرهمَا وَيَذْهَبَا بطَريقَتكُمْ الْمُثْلَى } قَالُوا : إنَّ هَذَان لَسَاحرَان , يَعْنُونَ بقَوْلهمْ : إنَّ هَذَان مُوسَى وَهَارُون , لَسَاحرَان يُريدَان أَنْ يُخْرجَاكُمْ منْ أَرْضكُمْ بسحْرهمَا , كَمَا : 18246 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إنَّ هَذَان لَسَاحرَان يُريدَان أَنْ يُخْرجَاكُمْ منْ أَرْضكُمْ بسحْرهمَا } مُوسَى وَهَارُون صَلَّى اللَّه عَلَيْهمَا . وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء في قرَاءَة قَوْله : { إنَّ هَذَان لَسَاحرَان } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْأَمْصَار : " إنَّ هَذَان " بتَشْديد إنَّ وَبالْأَلف في هَذَان , وَقَالُوا : قَرَأْنَا ذَلكَ كَذَلكَ . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبيَّة منْ أَهْل الْبَصْرَة يَقُول : " إنْ " خَفيفَة في مَعْنَى ثَقيلَة , وَهيَ لُغَة لقَوْمٍ يَرْفَعُونَ بهَا , وَيَدْخُلُونَ اللَّام ليُفَرّقُوا بَيْنهَا وَبَيْن الَّتي تَكُون في مَعْنَى مَا . وَقَالَ بَعْض نَحْويّي الْكُوفَة : ذَلكَ عَلَى وَجْهَيْن : أَحَدهمَا عَلَى لُغَة بَني الْحَارث بْن كَعْب وَمَنْ جَاوَرَهُمْ , يَجْعَلُونَ الاثْنَيْن في رَفْعهمَا وَنَصْبهمَا وَخَفْضهمَا بالْأَلف . وَقَدْ أَنْشَدَني رَجُل منْ الْأَسَد عَنْ بَعْض بَني الْحَارث بْن كَعْب : فَأَطْرَقَ إطْرَاق الشُّجَاع وَلَوْ رَأَى مَسَاغًا لنَابَاهُ الشُّجَاع لَصَمَّمَا قَالَ : وَحَكَى عَنْهُ أَيْضًا : هَذَا خَطّ يَد أَخي أَعْرفهُ , قَالَ : وَذَلكَ وَإنْ كَانَ قَليلًا أَقْيَس , لأَنَّ الْعَرَب قَالُوا : مُسْلمُونَ , فَجَعَلُوا الْوَاو تَابعَة للضَّمَّة , لأَنَّهَا لَا تُعْرَب , ثُمَّ قَالُوا رَأَيْت الْمُسْلمينَ , فَجَعَلُوا الْيَاء تَابعَة لكسْرَة الْميم ; قَالُوا : فَلَمَّا رَأَوْا الْيَاء منْ الاثْنَيْن لَا يُمْكنهُمْ كَسْر مَا قَبْلهَا , وَثَبَتَ مَفْتُوحًا , تَرَكُوا الْأَلف تَتْبَعهُ , فَقَالُوا : رَجُلَان في كُلّ حَال . قَالَ . وَقَدْ اجْتَمَعَتْ الْعَرَب عَلَى إثْبَات الْأَلف في كلَا الرّجْلَيْن , في الرَّفْع وَالنَّصْب وَالْخَفْض , وَهُمَا اثْنَان , إلَّا بَني كنَانَة , فَإنَّهُمْ يَقُولُونَ : رَأَيْت كلَيْ الرَّجُلَيْن , وَمَرَرْت بكَلَيْ الرَّجُلَيْن , وَهيَ قَبيحَة قَليلَة مَضَوْا عَلَى الْقيَاس . قَالَ : وَالْوَجْه الْآخَر أَنْ تَقُول : وَجَدْت الْأَلف منْ هَذَا دعَامَة , وَلَيْسَتْ بلَامٍ " فَعْلَى " ; فَلَمَّا بَنَيْت زدْت عَلَيْهَا نُونًا , ثُمَّ تَرَكْت الْأَلف ثَابتَة عَلَى حَالهَا لَا تَزُول كُلّ حَال , كَمَا قَالَتْ الْعَرَب الَّذي , ثُمَّ زَادُوا نُونًا تَدُلّ عَلَى الْجَمْع , فَقَالُوا : الَّذينَ في رَفْعهمْ وَنَصْبهمْ وَخَفْضهمْ , كَمَا تَرَكُوا هَذَان في رَفْعه وَنَصْبه وَخَفْضه . قَالَ : وَكَانَ الْقيَاس أَنْ يَقُولُوا : الَّذُون . وَقَالَ آخَر منْهُمْ : ذَلكَ منْ الْجَزْم الْمُرْسَل , وَلَوْ نُصبَ لَخَرَجَ إلَى الانْبسَاط . 18247 - وَحُدّثْت عَنْ أَبي عُبَيْدَة مَعْمَر بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : قَالَ أَبُو عَمْرو وَعيسَى بْن عُمَر وَيُونُس , إنَّ هَذَيْن لَسَاحرَان في اللَّفْظ , وَكَتَبَ " هَذَان " كَمَا يُريدُونَ الْكتَاب , وَاللَّفْظ صَوَاب . قَالَ : وَزَعَمَ أَبُو الْخَطَّاب أَنَّهُ سَمعَ قَوْمًا منْ بَني كنَانَة وَغَيْرهمْ , يَرْفَعُونَ الاثْنَيْن في مَوْضع الْجَرّ وَالنَّصْب . قَالَ : وَقَالَ بشْر بْن هلَال : إنَّ بمَعْنَى الابْتدَاء وَالْإيجَاب . أَلَا تَرَى أَنَّهَا تَعْمَل فيمَا يَليهَا , وَلَا تَعْمَل فيمَا بَعْد الَّذي بَعْدهَا , فَتَرْفَع الْخَبَر وَلَا تَنْصبهُ , كَمَا نَصَبْت الاسْم , فَكَانَ مَجَاز " إنَّ هَذَان لَسَاحرَان " , مَجَاز كَلَامَيْن , مَخْرَجه : إنَّهُ : إي نَعَمْ , ثُمَّ قُلْت : هَذَان سَاحرَان . أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يَرْفَعُونَ الْمُشْتَرَك كَقَوْل ضَابئ : فَمَنْ يَكُ أَمْسَى بالْمَدينَة رَحْله فَإنّي وَقَيَّار بهَا لَغَريب وَقَوْله : إنَّ السُّيُوف غُدُوّهَا وَرَوَاحهَا تَرَكْت هَوَازن مثْل قَرْن الْأَعْضَب قَالَ : وَيَقُول بَعْضهمْ : إنَّ اللَّه وَمَلَائكَته يُصَلُّونَ عَلَى النَّبيّ , فَيَرْفَعُونَ عَلَى شَركَة الابْتدَاء , وَلَا يَعْمَلُونَ فيه إنَّ . قَالَ : وَقَدْ سَمعْت الْفُصَحَاء منْ الْمُحْرمينَ يَقُولُونَ : إنَّ الْحَمْد وَالنّعْمَة لَك وَالْمُلْك , لَا شَريك لَك . قَالَ : وَقَرَأَهَا قَوْم عَلَى تَخْفيف نُون إنْ وَإسْكَانهَا . قَالَ : وَيَجُوز ; لأَنَّهُمْ قَدْ أَدْخَلُوا اللَّام في الابْتدَاء وَهيَ فَصْل , قَالَ : أُمّ الْحُلَيْس لَعَجُوز شَهْرَبَهْ قَالَ : وَزَعَمَ قَوْم أَنَّهُ لَا يَجُوز , لأَنَّهُ إذَا خَفَّفَ نُون " إنْ " فَلَا بُدّ لَهُ منْ أَنْ يُدْخل " إلَّا " فَيَقُول : إنْ هَذَا إلَّا سَاحرَان . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالصَّوَاب منْ الْقرَاءَة في ذَلكَ عنْدنَا : { إنَّ } بتَشْديد نُونهَا , وَهَذَان بالْأَلف لإجْمَاع الْحُجَّة منْ الْقُرَّاء عَلَيْه , وَأَنَّهُ كَذَلكَ هُوَ في خَطّ الْمُصْحَف . وَوَجْهه إذَا قُرئَ كَذَلكَ مُشَابَهَته الَّذينَ إذْ زَادُوا عَلَى الَّذي النُّون , وَأَقَرَّ في جَميع الْأَحْوَال الْإعْرَاب عَلَى حَالَة وَاحدَة , فَكَذَلكَ { إنَّ هَذَان } زيدَتْ عَلَى هَذَا نُون وَأَقَرَّ في جَميع أَحْوَال الْإعْرَاب عَلَى حَال وَاحدَة , وَهيَ لُغَة الْحَارث بْن كَعْب , وَخَثْعَمَ , وَزُبَيْد , وَمَنْ وَليَهُمْ منْ قَبَائل الْيَمَن .



وَقَوْله : { وَيَذْهَبَا بطَريقَتكُمْ الْمُثْلَى } يَقُول : وَيَغْلبَا عَلَى سَادَاتكُمْ وَأَشْرَافكُمْ , يُقَال : هُوَ طَريقَة قَوْمه وَنُظُورَة قَوْمه , وَنَظيرَتهمْ إذَا كَانَ سَيّدهمْ وَشَريفهمْ وَالْمَنْظُور إلَيْه , يُقَال ذَلكَ للْوَاحد وَالْجَمْع , وَرُبَّمَا جَمَعُوا , فَقَالُوا : هَؤُلَاء طَرَائق قَوْمهمْ ; وَمنْهُ قَوْل اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { كُنَّا طَرَائق قدَدًا } 72 11 وَهَؤُلَاء نَظَائر قَوْمهمْ . وَأَمَّا قَوْله : { الْمُثْلَى } فَإنَّهَا تَأْنيث الْأَمْثَل , يُقَال للْمُؤَنَّث , خُذْ الْمُثْلَى منْهُمَا . وَفي الْمُذَكَّر : خُذْ الْأَمْثَل منْهُمَا , وَوَحَّدْت الْمُثْلَى , وَهيَ صفَة وَنَعْت للْجَمَاعَة , كَمَا قيلَ : { لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى } 20 8 وَقَدْ يَحْتَمل أَنْ يَكُون الْمُثْلَى أُنّثَتْ لتَأْنيث الطَّريقَة . وَبنَحْو مَا قُلْنَا في مَعْنَى قَوْله : { بطَريقَتكُمْ الْمُثْلَى } قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18248 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالح , قَالَ : ثَنْي مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَيَذْهَبَا بطَريقَتكُمْ الْمُثْلَى } يَقُول : أَمْثَلكُمْ وَهُمْ بَنُو إسْرَائيل . 18249 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , قَوْله : { وَيَذْهَبَا بطَريقَتكُمْ الْمُثْلَى } قَالَ : أُولي الْعَقْل وَالشَّرَف وَالْأَنْسَاب . * - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنْي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد , في قَوْله { وَيَذْهَبَا بطَريقَتكُمْ الْمُثْلَى } قَالَ : أُولي الْعُقُول وَالْأَشْرَاف وَالْأَنْسَاب . 18250 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَأَبُو السَّائب , قَالَا : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَيَذْهَبَا بطَريقَتكُمْ الْمُثْلَى } وَطَريقَتهمْ الْمُثْلَى يَوْمئذٍ كَانَتْ بَنُو إسْرَائيل , وَكَانُوا أَكْثَر الْقَوْم عَدَدًا وَأَمْوَالًا وَأَوْلَادًا . قَالَ عَدُوّ اللَّه : إنَّمَا يُريدَان أَنْ يَذْهَبَا بهمْ لأَنْفُسهمَا . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة في قَوْله { بطَريقَتكُمْ الْمُثْلَى } قَالَ : ببَني إسْرَائيل . 18251 - حَدَّثَني مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدّيّ { وَيَذْهَبَا بطَريقَتكُمْ الْمُثْلَى } يَقُول : يَذْهَبَا بأَشْرَاف قَوْمكُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلكَ : وَيُغَيّرَا سُنَّتكُمْ وَدينكُمْ الَّذي أَنْتُمْ عَلَيْه , منْ قَوْلهمْ : فُلَان حَسَن الطَّريقَة . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18252 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله : { وَيَذْهَبَا بطَريقَتكُمْ الْمُثْلَى } قَالَ : يَذْهَبَا باَلَّذي أَنْتُمْ عَلَيْه , يُغَيّر مَا أَنْتُمْ عَلَيْه . وَقَرَأَ : { ذَرُوني أَقْتُل مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبّه إنّي أَخَاف أَنْ يُبَدّل دينكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهر في الْأَرْض الْفَسَاد } 40 26 قَالَ : هَذَا قَوْله : { وَيَذْهَبَا بطَريقَتكُمْ الْمُثْلَى } وَقَالَ : يَقُول طَريقَتكُمْ الْيَوْم طَريقَة حَسَنَة , فَإذَا غُيّرَتْ ذَهَبَتْ هَذه الطَّريقَة . وَرُويَ عَنْ عَليّ في مَعْنَى قَوْله : { وَيَذْهَبَا بطَريقَتكُمْ الْمُثْلَى } مَا : 18253 - حَدَّثَنَا به الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن إسْحَاق , عَنْ الْقَاسم , عَنْ عَليّ بْن أَبي طَالب , قَالَ : يَصْرفَان وُجُوه النَّاس إلَيْهمَا . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَهَذَا الْقَوْل الَّذي قَالَهُ ابْن زَيْد في قَوْله : { وَيَذْهَبَا بطَريقَتكُمْ الْمُثْلَى } وَإنْ كَانَ قَوْلًا لَهُ وَجْه يَحْتَملهُ الْكَلَام , فَإنَّ تَأْويل أَهْل التَّأْويل خلَافه , فَلَا أَسْتَجيزُ لذَلكَ الْقَوْل به .
فَأَجۡمِعُواْ كَیۡدَكُمۡ ثُمَّ ٱئۡتُواْ صَفࣰّاۚ وَقَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡیَوۡمَ مَنِ ٱسۡتَعۡلَىٰ ﴿٦٤﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { فَأَجْمَعُوا كَيْدكُمْ } اخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء في قرَاءَة قَوْله : { فَأَجْمَعُوا كَيْدكُمْ } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدينَة وَالْكُوفَة { فَأَجْمَعُوا كَيْدكُمْ } بهَمْز الْأَلف منْ { فَأَجْمَعُوا } , وَوَجَّهُوا مَعْنَى ذَلكَ إلَى : فَأَحْكَمُوا كَيْدكُمْ , وَاعْزمُوا عَلَيْه ; منْ قَوْلهمْ : أَجْمَعَ فُلَان الْخُرُوج , وَأَجْمَعَ عَلَى الْخُرُوج , كَمَا يُقَال : أَزْمَعَ عَلَيْه ; وَمنْهُ قَوْل الشَّاعر : يَا لَيْتَ شعْري وَالْمُنَى لَا تَنْفَع هَلْ أَغْدُوَن يَوْمًا وَأَمْري مُجْمَع يَعْني بقَوْله : " مُجْمَع " ; قَدْ أَحْكَمَ وَعَزَمَ عَلَيْه ; وَمنْهُ قَوْل النَّبيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ : " مَنْ لَمْ يُجْمع عَلَى الصَّوْم منْ اللَّيْل فَلَا صَوْم لَهُ " . وَقَرَأَ ذَلكَ بَعْض قُرَّاء أَهْل الْبَصْرَة : " فَأَجْمَعُوا كَيْدكُمْ " بوَصْل الْأَلف , وَتَرْك هَمْزهَا , منْ جَمَعْت الشَّيْء , كَأَنَّهُ وَجَّهَهُ إلَى مَعْنَى : فَلَا تَدَعُوا منْ كَيْدكُمْ شَيْئًا إلَّا جئْتُمْ به . وَكَانَ بَعْض قَارئي هَذه الْقرَاءَة يَعْتَلّ فيمَا ذُكرَ لي لقرَاءَته ذَلكَ كَذَلكَ بقَوْله : { فَتَوَلَّى فرْعَوْن فَجَمَعَ كَيْده } . 20 60 قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالصَّوَاب في قرَاءَة ذَلكَ عنْدنَا هَمْز الْأَلف منْ أَجْمَعَ , لإجْمَاع الْحُجَّة منْ الْقُرَّاء عَلَيْه , وَأَنَّ السَّحَرَة هُمْ الَّذينَ كَانُوا به مَعْرُوفينَ , فَلَا وَجْه لأَنْ يُقَال لَهُمْ : أَجْمعُوا مَا دُعيتُمْ لَهُ ممَّا أَنْتُمْ به عَالمُونَ , لأَنَّ الْمَرْء إنَّمَا يُجْمع مَا لَمْ يَكُنْ عنْده إلَى مَا عنْده , وَلَمْ يَكُنْ ذَلكَ يَوْم تَزيد في علْمهمْ بمَا كَانُوا يَعْمَلُونَهُ منْ السّحْر , بَلْ كَانَ يَوْم إظْهَاره , أَوْ كَانَ مُتَفَرّقًا ممَّا هُوَ عنْده , بَعْضه إلَى بَعْض , وَلَمْ يَكُنْ السّحْر مُتَفَرّقًا عنْدهمْ فَيَجْمَعُونَهُ . وَأَمَّا قَوْله : { فَجَمَعَ كَيْده } فَغَيْر شَبيه الْمَعْنَى بقَوْله { فَجَمَعُوا كَيْدكُمْ } وَذَلكَ أَنَّ فرْعَوْن كَانَ هُوَ الَّذي يَجْمَع وَيَحْتَفل بمَا يَغْلب به مُوسَى ممَّا لَمْ يَكُنْ عنْده مُجْتَمعًا حَاضرًا , فَقيلَ : فَتَوَلَّى فرْعَوْن فَجَمَعَ كَيْده .



وَقَوْله : { ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا } يَقُول : اُحْضُرُوا وَجيئُوا صَفًّا ; وَالصَّفّ هَهُنَا مَصْدَر , وَلذَلكَ وَحَّدَ , وَمَعْنَاهُ : ثُمَّ ائْتُوا صُفُوفًا , وَللصَّفّ في كَلَام الْعَرَب مَوْضع آخَر , وَهُوَ قَوْل الْعَرَب : أَتَيْت الصَّفّ الْيَوْم , يَعْني به الْمُصَلَّى الَّذي يُصَلّي فيه .



وَقَوْله : { وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْم مَنْ اسْتَعْلَى } يَقُول : قَدْ ظَفرَ بحَاجَته الْيَوْم مَنْ عَلَا عَلَى صَاحبه فَقَهَرَهُ , كَمَا : 18254 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , قَالَ : حُدّثْت عَنْ وَهْب بْن مُنَبّه , قَالَ : جَمَعَ فرْعَوْن النَّاس لذَلكَ الْجَمْع , ثُمَّ أَمَرَ السَّحَرَة فَقَالَ : { ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْم مَنْ اسْتَعْلَى } أَيْ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَفْلَجَ الْيَوْم عَلَى صَاحبه .
إِذۡ أَوۡحَیۡنَاۤ إِلَىٰۤ أُمِّكَ مَا یُوحَىٰۤ ﴿٣٨﴾
يَقُول تَعَالَى ذكْره : وَلَقَدْ تَطَوَّلْنَا عَلَيْك يَا مُوسَى قَبْل هَذه الْمَرَّة مَرَّة أُخْرَى , وَذَلكَ حين أَوْحَيْنَا إلَى أُمّك , إذْ وَلَدَتْك في الْعَام الَّذي كَانَ فرْعَوْن يَقْتُل كُلّ مَوْلُود ذَكَر منْ قَوْمك مَا أَوْحَيْنَا إلَيْهَا ; ثُمَّ فَسَّرَ تَعَالَى ذكْره مَا أَوْحَى إلَى أُمّه , فَقَالَ : هُوَ أَنْ اقْذفيه في التَّابُوت ; فَأَنْ في مَوْضع نَصْب رَدًّا عَلَى " مَا " الَّتي في قَوْله : { مَا يُوحَى } , وَتَرْجَمَة عَنْهَا .
أَنِ ٱقۡذِفِیهِ فِی ٱلتَّابُوتِ فَٱقۡذِفِیهِ فِی ٱلۡیَمِّ فَلۡیُلۡقِهِ ٱلۡیَمُّ بِٱلسَّاحِلِ یَأۡخُذۡهُ عَدُوࣱّ لِّی وَعَدُوࣱّ لَّهُۥۚ وَأَلۡقَیۡتُ عَلَیۡكَ مَحَبَّةࣰ مِّنِّی وَلِتُصۡنَعَ عَلَىٰ عَیۡنِیۤ ﴿٣٩﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { أَنْ اقْذفيه في التَّابُوت فَاقْذفيه في الْيَمّ فَلْيُلْقه الْيَمّ بالسَّاحل } يَقُول تَعَالَى ذكْره : وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْك يَا مُوسَى مَرَّة أُخْرَى حين أَوْحَيْنَا إلَى أُمّك , أَنْ اقْذفي ابْنك مُوسَى حين وَلَدَتْك في التَّابُوت { فَاقْذفيه في الْيَمّ } يَعْني بالْيَمّ : النّيل { فَلْيُلْقه الْيَمّ بالسَّاحل } يَقُول : فَاقْذفيه في الْيَمّ , يُلْقه الْيَمّ بالسَّاحل , وَهُوَ جَزَاء أُخْرجَ مَخْرَج الْأَمْر , كَأَنَّ الْيَمّ هُوَ الْمَأْمُور , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { اتَّبعُوا سَبيلنَا وَلْنَحْملْ خَطَايَاكُمْ } 29 12 يَعْني : اتَّبعُوا سَبيلنَا نَحْمل عَنْكُمْ خَطَايَاكُمْ , فَفَعَلَتْ ذَلكَ أُمّه به فَأَلْقَاهُ الْيَمّ بمَشْرَعَة آل فرْعَوْن , كَمَا : 18177 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , قَالَ : لَمَّا وَلَدَتْ مُوسَى أُمّه أَرْضَعَتْهُ , حَتَّى إذَا أَمَرَ فرْعَوْن بقَتْل الْولْدَان منْ سَنَته تلْكَ عَمَدَتْ إلَيْه , فَصَنَعَتْ به مَا أَمَرَهَا اللَّه تَعَالَى , جَعَلَتْهُ في تَابُوت صَغير , وَمَهَّدَتْ لَهُ فيه , ثُمَّ عَمَدَتْ إلَى النّيل فَقَذَفَتْهُ فيه , وَأَصْبَحَ فرْعَوْن في مَجْلس لَهُ كَانَ يَجْلسهُ عَلَى شَفير النّيل كُلّ غَدَاة , فَبَيْنَا هُوَ جَالس , إذْ مَرَّ النّيل بالتَّابُوت فَقَذَفَ به وَآسيَة ابْنَة مُزَاحم امْرَأَته جَالسَة إلَى جَنْبه , فَقَالَ : إنَّ هَذَا لَشَيْء في الْبَحْر , فَأْتُوني به , فَخَرَجَ إلَيْه أَعْوَانه حَتَّى جَاءُوا به , فَفَتَحَ التَّابُوت فَإذَا فيه صَبيّ في مَهْده , فَأَلْقَى اللَّه عَلَيْه مَحَبَّته , وَعَطَفَ عَلَيْه نَفْسه . 18178 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدّيّ , في قَوْله : { فَاقْذفيه في الْيَمّ } وَهُوَ الْبَحْر , وَهُوَ النّيل .



وَعُنيَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بقَوْله : { يَأْخُذهُ عَدُوّ لي وَعَدُوّ لَهُ } فرْعَوْن هُوَ الْعَدُوّ , كَانَ للَّه وَلمُوسَى .





وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْويل في مَعْنَى الْمَحَبَّة الَّتي قَالَ اللَّه جَلَّ , ثَنَاؤُهُ { وَأَلْقَيْت عَلَيْك مَحَبَّة منّي } فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بذَلكَ أَنَّهُ حَبَّبَهُ إلَى عبَاده . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18179 - حَدَّثَني الْحُسَيْن بْن عَليّ الصُّدَائيّ وَالْعَبَّاس بْن مُحَمَّد الدَّوْريّ , قَالَا : ثنا حُسَيْن الْجُعْفيّ عَنْ مُوسَى بْن قَبَس الْحَضْرَميّ , عَنْ سَلَمَة بْن كُهَيْلٍ , في قَوْل اللَّه : { وَأَلْقَيْت عَلَيْك مَحَبَّة منّي } قَالَ عَبَّاس : حَبَّبْتُك إلَى عبَادي ; وَقَالَ الصُّدَائيّ : حَبَّبْتُك إلَى خَلْقي . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلكَ : أَيْ حَسَّنْت خَلْقك . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18180 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني إبْرَاهيم بْن مَهْديّ , عَنْ رَجُل , عَنْ الْحَكَم بْن أَبَانَ , عَنْ عكْرمَة , قَوْله : { وَأَلْقَيْت عَلَيْك مَحَبَّة منّي } قَالَ : حُسْنًا وَمَلَاحَة . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَاَلَّذي هُوَ أَوْلَى بالصَّوَاب منْ الْقَوْل في ذَلكَ أَنْ يُقَال : إنَّ اللَّه أَلْقَى مَحَبَّته عَلَى مُوسَى , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ { وَأَلْقَيْت عَلَيْك مَحَبَّة منّي } فَحَبَّبَهُ إلَى آسيَة امْرَأَة فرْعَوْن , حَتَّى تَبَنَّتْهُ وَغَذَّتْهُ وَرَبَّتْهُ , وَإلَى فرْعَوْن , حَتَّى كَفَّ عَنْهُ عَاديَته وَشَرّه . وَقَدْ قيلَ : إنَّمَا قيلَ : وَأَلْقَيْت عَلَيْك مَحَبَّة منّي , لأَنَّهُ حَبَّبَهُ إلَى كُلّ مَنْ رَآهُ . وَمَعْنَى { أَلْقَيْت عَلَيْك مَحَبَّة منّي } حَبَّبْتُك إلَيْهمْ ; يَقُول الرَّجُل لآخَر إذَا أَحَبَّهُ : أَلْقَيْت عَلَيْك رَحْمَتي : أَيْ مَحَبَّتي .



الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { وَلتُصْنَع عَلَى عَيْني } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْويل في تَأْويل قَوْله { وَلتُصْنَع عَلَى عَيْني } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : وَلتُغَذَّى وَتُرَبَّى عَلَى مَحَبَّتي وَإرَادَتي . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18181 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , في قَوْله : { وَلتُصْنَع عَلَى عَيْني } قَالَ : هُوَ غذَاؤُهُ , وَلتُغَذَّى عَلَى عَيْني . 18182 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله { وَلتُصْنَع عَلَى عَيْني } قَالَ : جَعَلَهُ في بَيْت الْمُلْك يَنْعَم وَيُتْرَف غذَاؤُهُ عنْدهمْ غذَاء الْمُلْك , فَتلْكَ الصَّنْعَة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلكَ : وَأَنْتَ بعَيْني في أَحْوَالك كُلّهَا . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18183 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج { وَلتُصْنَع عَلَى عَيْني } قَالَ : أَنْتَ بعَيْني إذْ جَعَلَتْك أُمّك في التَّابُوت , ثُمَّ في الْبَحْر , و { إذْ تَمْشي أُخْتك } . وَقَرَأَ ابْن نُهَيْك : " وَلتَصْنَع " بفَتْح التَّاء . وَتَأَوَّلَهُ كَمَا : 18184 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضح , قَالَ : ثنا عَبْد الْمُؤْمن , قَالَ : سَمعْت أَبَا نُهَيْك يَقْرَأ " وَلتَصْنَع عَلَى عَيْني " فَسَأَلَتْهُ عَنْ ذَلكَ , فَقَالَ : وَلتَعْمَل عَلَى عَيْني . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالْقرَاءَة الَّتي لَا أَسْتَجيزُ الْقرَاءَة بغَيْرهَا { وَلتُصْنَع } بضَمّ التَّاء , لإجْمَاع الْحُجَّة منْ الْقُرَّاء عَلَيْهَا . وَإذَا كَانَ ذَلكَ كَذَلكَ , فَأَوْلَى التَّأْويلَيْن به , التَّأْويل الَّذي تَأَوَّلَهُ قَتَادَة , وَهُوَ : { وَأَلْقَيْت عَلَيْك مَحَبَّة منّي } وَلتُغَذَّى عَلَى عَيْني , أَلْقَيْت عَلَيْك الْمَحَبَّة منّي . وَعُنيَ بقَوْله : { عَلَى عَيْني } بمَرْأَى منّي وَمَحَبَّة وَإرَادَة .
إِذۡ تَمۡشِیۤ أُخۡتُكَ فَتَقُولُ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ مَن یَكۡفُلُهُۥۖ فَرَجَعۡنَـٰكَ إِلَىٰۤ أُمِّكَ كَیۡ تَقَرَّ عَیۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَۚ وَقَتَلۡتَ نَفۡسࣰا فَنَجَّیۡنَـٰكَ مِنَ ٱلۡغَمِّ وَفَتَنَّـٰكَ فُتُونࣰاۚ فَلَبِثۡتَ سِنِینَ فِیۤ أَهۡلِ مَدۡیَنَ ثُمَّ جِئۡتَ عَلَىٰ قَدَرࣲ یَـٰمُوسَىٰ ﴿٤٠﴾
وَقَوْله : { إذْ تَمْشي أُخْتك فَتَقُول هَلْ أَدُلّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلهُ } يَقُول تَعَالَى ذكْره : حين تَمْشي أُخْتك تَتَّبعك حَتَّى وَجَدْتُك , ثُمَّ تَأْتي مَنْ يَطْلُب الْمَرَاضع لَك , فَتَقُول : هَلْ أَدُلّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلهُ ؟ وَحُذفَ منْ الْكَلَام مَا ذَكَرْت بَعْد قَوْله { إذْ تَمْشي أُخْتك } اسْتغْنَاء بدَلَالَة الْكَلَام عَلَيْه . وَإنَّمَا قَالَتْ أُخْت مُوسَى ذَلكَ لَهُمْ لمَا : 18185 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدّيّ , قَالَ : لمَا أَلْقَتْهُ أُمّه في الْيَمّ { قَالَتْ لأُخْته قُصّيه } 28 11 فَلَمَّا الْتَقَطَهُ آل فرْعَوْن , وَأَرَادُوا لَهُ الْمُرْضعَات , فَلَمْ يَأْخُذ منْ أَحَد منْ النّسَاء , وَجَعَلَ النّسَاء يَطْلُبْنَ ذَلكَ ليَنْزلْنَ عنْد فرْعَوْن في الرَّضَاع , فَأَبَى أَنْ يَأْخُذ , فَقَالَتْ أُخْته : { هَلْ أَدُلّكُمْ عَلَى أَهْل بَيْت يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصحُونَ } ؟ 28 12 فَأَخَذُوهَا وَقَالُوا : بَلْ قَدْ عَرَفْت هَذَا الْغُلَام , فَدُلّينَا عَلَى أَهْله , قَالَتْ : مَا أَعْرفهُ , وَلَكنْ إنَّمَا قُلْت هُمْ للْمَلك نَاصحُونَ . 18186 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , قَالَ : قَالَتْ , يَعْني أُمّ مُوسَى لأُخْته : قُصّيه فَانْظُري مَاذَا يَفْعَلُونَ به , فَخَرَجَتْ في ذَلكَ { فَبَصُرَتْ به عَنْ جُنُب وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } 28 11 وَقَدْ احْتَاجَ إلَى الرَّضَاع وَالْتَمَسَ الثَّدْي , وَجَمَعُوا لَهُ الْمَرَاضع حين أَلْقَى اللَّه مَحَبَّتهمْ عَلَيْه , فَلَا يُؤْتَى بامْرَأَةٍ , فَيَقْبَل ثَدْيهَا , فَيَرْمضهُمْ ذَلكَ , فَيُؤْتَى بمُرْضعٍ بَعْد مُرْضع , فَلَا يَقْبَل شَيْئًا منْهُمْ , فَقَالَتْ لَهُمْ أُخْته حين رَأَتْ منْ وَجْدهمْ به وَحرْصهمْ عَلَيْه { هَلْ أَدُلّكُمْ عَلَى أَهْل بَيْت يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصحُونَ } أَيْ لمَنْزلَته عنْدكُمْ وَحرْصكُمْ عَلَى مَسَرَّة الْمَلك . وَعُنيَ بقَوْله : { هَلْ أَدُلّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلهُ } هَلْ أَدُلّكُمْ عَلَى مَنْ يَضُمّهُ إلَيْه فَيَحْفَظهُ وَيُرْضعهُ وَيُرَبّيه . وَقيلَ : مَعْنَى { وَكَفَّلَهَا زَكَريَّا } 3 37 ضَمَّهَا .





وَقَوْله : { فَرَجَعْنَاك إلَى أُمّك كَيْ تَقَرّ عَيْنهَا وَلَا تَحْزَن } يَقُول تَعَالَى ذكْره : فَرَدَدْنَاك إلَى أُمّك بَعْد مَا صرْت في أَيْدي آل فرْعَوْن , كَيْمَا تَقَرّ عَيْنهَا بسَلَامَتك وَنَجَاتك منْ الْقَتْل وَالْغَرَق في الْيَمّ , وَكَيْلَا تَحْزَن عَلَيْك منْ الْخَوْف منْ فرْعَوْن عَلَيْك أَنْ يَقْتُلك , كَمَا : 18187 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , قَالَ : لَمَّا قَالَتْ أُخْت مُوسَى لَهُمْ مَا قَالَتْ , قَالُوا : هَات , فَأَتَتْ أُمّه فَأَخْبَرَتْهَا , فَانْطَلَقَتْ مَعَهَا حَتَّى أَتَتْهُمْ , فَنَاوَلُوهَا إيَّاهُ ; فَلَمَّا وَضَعَتْهُ في حجْرهَا أَخَذَ ثَدْيهَا , وَسُرُّوا بذَلكَ منْهُ , وَرَدَّهُ اللَّه إلَى أُمّه كَيْ تَقَرّ عَيْنهَا , وَلَا تَحْزَن , فَبَلَغَ لُطْف اللَّه لَهَا وَلَهُ , أَنْ رَدَّ عَلَيْهَا وَلَدهَا وَعَطَفَ عَلَيْهَا نَفْع فرْعَوْن وَأَهْل بَيْته مَعَ الْأَمَنَة منْ الْقَتْل الَّذي يُتَخَوَّف عَلَى غَيْره , فَكَأَنَّهُمْ كَانُوا منْ أَهْل بَيْت فرْعَوْن في الْأَمَان وَالسَّعَة , فَكَانَ عَلَى فُرُش فرْعَوْن وَسُرَره .



وَقَوْله : { وَقَتَلْت نَفْسًا } يَعْني جَلَّ ثَنَاؤُهُ بذَلكَ : قَتْله الْقبْطيّ الَّذي قَتَلَهُ حين اسْتَغَاثَهُ عَلَيْه الْإسْرَائيليّ , فَوَكَزَهُ مُوسَى .



وَقَوْله : { فَنَجَّيْنَاك منْ الْغَمّ } يَقُول تَعَالَى ذكْره : فَنَجَّيْنَاك منْ غَمّك بقَتْلك النَّفْس الَّتي قَتَلْت , إذْ أَرَادُوا أَنْ يَقْتُلُوك بهَا فَخَلَّصْنَاك منْهُمْ , حَتَّى هَرَبْت إلَى أَهْل مَدْيَن , فَلَمْ يَصلُوا إلَى قَتْلك وَقَوْدك . وَكَانَ قَتْله إيَّاهُ فيمَا ذُكرَ خَطَأ , كَمَا : 18188 - حَدَّثَني وَاصل بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن فُضَيْل , عَنْ أَبيه , عَنْ سَالم , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر , قَالَ : سَمعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ يَقُول : " إنَّمَا قَتَلَ مُوسَى الَّذي قَتَلَ منْ آل فرْعَوْن خَطَأ , فَقَالَ اللَّه لَهُ : { وَقَتَلْت نَفْسًا فَنَجَّيْنَاك منْ الْغَمّ وَفَتَنَّاك فُتُونًا } " . 18189 - حَدَّثَني زَكَريَّا بْن يَحْيَى بْن أَبي زَائدَة , وَمُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَا : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد { فَنَجَّيْنَاك منْ الْغَمّ } قَالَ : منْ قَتْل النَّفْس . 18190 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة { فَنَجَّيْنَاك منْ الْغَمّ } النَّفْس الَّتي قَتَلَ .



وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْويل في تَأْويل قَوْله { وَفَتَنَّاك فُتُونًا } فَقَالَ بَعْضهمْ : ابْتَلَيْنَاك ابْتلَاء وَاخْتَبَرْنَاك اخْتبَارًا . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18191 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاويَة عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَفَتَنَّاك فُتُونًا } يَقُول : اخْتَبَرْنَاك اخْتبَارًا . * - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , قَالَ : ثَنَى أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس , { وَفَتَنَّاك فُتُونًا } قَالَ : اُبْتُليت بَلَاء . 18192 - حَدَّثَني الْعَبَّاس بْن الْوَليد الْآمليّ , قَالَ : ثنا يَزيد بْن هَارُون , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَصْبَغ بْن زَيْد الْجُهَنيّ , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْقَاسم بْن أَيُّوب , قَالَ : ثني سَعيد بْن جُبَيْر , قَالَ : سَأَلْت عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس , عَنْ قَوْل اللَّه لمُوسَى { وَفَتَنَّاك فُتُونًا } فَسَأَلْته عَلَى الْفُتُون مَا هيَ ؟ فَقَالَ لي : اسْتَأْنَفَ النَّهَار يَا ابْن جُبَيْر , فَإنَّ لَهَا حَديثًا طَويلًا , قَالَ : فَلَمَّا أَصْبَحْت غَدَوْت عَلَى ابْن عَبَّاس لأَنْتَجزَ منْهُ مَا وَعَدَني , قَالَ : فَقَالَ ابْن عَبَّاس : تَذَاكَرَ فرْعَوْن وَجُلَسَاؤُهُ مَا وَعَدَ اللَّه إبْرَاهيم أَنْ يَجْعَل في ذُرّيَّته أَنْبيَاء وَمُلُوكًا , فَقَالَ بَعْضهمْ : إنَّ بَني إسْرَائيل يَنْتَظرُونَ ذَلكَ وَمَا يَشُكُّونَ , وَلَقَدْ كَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّهُ يُوسُف بْن يَعْقُوب ; فَلَمَّا هَلَكَ قَالُوا : لَيْسَ هَكَذَا كَانَ اللَّه وَعَدَ إبْرَاهيم , فَقَالَ فرْعَوْن : فَكَيْف تَرَوْنَ ؟ قَالَ : فَاتْمَرُوا بَيْنهمْ , وَأَجْمَعُوا أَمْرهمْ عَلَى أَنْ يَبْعَث رجَالًا مَعَهُمْ الشّفَار يَطُوفُونَ في بَني إسْرَائيل , فَلَا يَجدُونَ مَوْلُودًا ذَكَرًا إلَّا ذَبَحُوهُ ; فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّ الْكبَار منْ بَني إسْرَائيل يَمُوتُونَ بآجَالهمْ , وَأَنَّ الصّغَار يُذْبَحُونَ ; قَالُوا : يُوشك أَنْ تُفْنُوا بَني إسْرَائيل , فَتَصيرُونَ إلَى أَنْ تُبَاشرُوا منْ الْأَعْمَال وَالْخدْمَة الَّتي كَانُوا يَكْفُونَكُمْ , فَاقْتُلُوا عَامًا كُلّ مَوْلُود ذَكَر , فَيَقلّ أَبْنَاؤُهُمْ , وَدَعَوْا عَامًا لَا تَقْتُلُوا منْهُمْ أَحَدًا , فَتَشبّ الصّغَار مَكَان مَنْ يَمُوت منْ الْكبَار , فَإنَّهُمْ لَنْ يَكْثُرُوا بمَنْ تَسْتَحْيُونَ منْهُمْ , فَتَخَافُونَ مُكَاثَرَتهمْ إيَّاكُمْ , وَلَنْ يَقلُّوا بمَنْ تَقْتُلُونَ , فَأَجْمَعُوا أَمْرهمْ عَلَى ذَلكَ . فَحَمَلَتْ أُمّ مُوسَى بهَارُون في الْعَام الْمُقْبل الَّذي لَا يُذْبَح فيه الْغلْمَان , فَوَلَدَتْهُ عَلَانيَة آمنَة , حَتَّى إذَا كَانَ الْعَام الْمُقْبل حَمَلَتْ بمُوسَى , فَوَقَعَ في قَلْبهَا الْهَمّ وَالْحَزَن , وَذَلكَ منْ الْفُتُون يَا ابْن جُبَيْر , ممَّا دَخَلَ عَلَيْه في بَطْن أُمّه ممَّا يُرَاد به , فَأَوْحَى اللَّه إلَيْهَا { وَلَا تَخَافي وَلَا تَحْزَني إنَّا رَادُّوهُ إلَيْك وَجَاعلُوهُ منْ الْمُرْسَلينَ } 28 7 وَأَمَرَهَا إذَا وَلَدَتْهُ أَنْ تَجْعَلهُ في تَابُوت ثُمَّ تُلْقيه في الْيَمّ ; فَلَمَّا وَلَدَتْهُ فَعَلَتْ مَا أُمرَتْ به , حَتَّى إذَا تَوَارَى عَنْهَا ابْنهَا أَتَاهَا إبْليس , فَقَالَتْ في نَفْسهَا : مَا صَنَعْت بابْني لَوْ ذُبحَ عنْدي , فَوَارَيْته وَكَفَّنْته كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ منْ أَنْ أُلْقيه بيَدَيَّ إلَى حيتَان الْبَحْر وَدَوَابّه , فَانْطَلَقَ به الْمَاء حَتَّى أَوْفَى به عنْد فُرْضَة مُسْتَقَى جوَاري آل فرْعَوْن , فَرَأَيْنَهُ فَأَخَذْنَهُ , فَهَمَمْنَ أَنْ يَفْتَحْنَ الْبَاب , فَقَالَ بَعْضهنَّ لبَعْضٍ : إنَّ في هَذَا مَالًا , وَإنَّا إنْ فَتَحْنَاهُ لَمْ تُصَدّقنَا امْرَأَة فرْعَوْن بمَا وَجَدْنَا فيه , فَحَمَلْنَهُ كَهَيْئَته لَمْ يُحَرّكْنَ منْهُ شَيْئًا , حَتَّى دَفَعْنَهُ إلَيْهَا ; فَلَمَّا فَتَحَتْهُ رَأَتْ فيه الْغُلَام , فَأُلْقيَ عَلَيْه منْهَا مَحَبَّة لَمْ يُلْقَ مثْلهَا منْهَا عَلَى أَحَد منْ النَّاس { وَأَصْبَحَ فُؤَاد أُمّ مُوسَى فَارغًا } 28 10 منْ كُلّ شَيْء إلَّا منْ ذكْر مُوسَى . فَلَمَّا سَمعَ الذَّبَّاحُونَ بأَمْره أَقْبَلُوا إلَى امْرَأَة فرْعَوْن بشفَارهمْ . يُريدُونَ أَنْ يَذْبَحُوهُ , وَذَلكَ منْ الْفُتُون يَا ابْن جُبَيْر ; فَقَالَتْ للذَّبَّاحينَ : انْصَرَفُوا عَنّي , فَإنَّ هَذَا الْوَاحد لَا يَزيد في بَني إسْرَائيل , فَآتي فرْعَوْن فَأَسْتَوْهبهُ إيَّاهُ , فَإنْ وَهَبَهُ لي كُنْتُمْ قَدْ أَحْسَنْتُمْ وَأَجْمَلْتُمْ , وَإنْ أَمَرَ بذَبْحه لَمْ أَلُمْكُمْ . فَلَمَّا أَتَتْ به فرْعَوْن قَالَتْ : { قُرَّة عَيْن لي وَلَك } قَالَ فرْعَوْن : يَكُون لَك , وَأَمَّا أَنَا فَلَا حَاجَة لي فيه . فَقَالَ : وَاَلَّذي يَحْلف به لَوْ أَقَرَّ فرْعَوْن أَنْ يَكُون لَهُ قُرَّة عَيْن كَمَا أَقَرَّتْ به , لَهَدَاهُ اللَّه به كَمَا هَدَى به امْرَأَته , وَلَكنَّ اللَّه حَرَمَهُ ذَلكَ . فَأَرْسَلَتْ إلَى مَنْ حَوْلهَا منْ كُلّ أُنْثَى لَهَا لَبَن , لتَخْتَارَ لَهُ ظئْرًا , فَجَعَلَ كُلَّمَا أَخَذَتْهُ امْرَأَة منْهُمْ لتُرْضعهُ لَمْ يَقْبَل ثَدْيهَا , حَتَّى أَشْفَقَتْ امْرَأَة فرْعَوْن أَنْ يَمْتَنع منْ اللَّبَن فَيَمُوت , فَحَزَنَهَا ذَلكَ , فَأَمَرَتْ به فَأُخْرجَ إلَى السُّوق مَجْمَع النَّاس تَرْجُو أَنْ تُصيب لَهُ ظئْرًا يَأْخُذ منْهَا , فَلَمْ يَقْبَل منْ أَحَد . وَأَصْبَحَتْ أُمّ مُوسَى , فَقَالَتْ لأُخْته : قُصّيه وَاطْلُبيه , هَلْ تَسْمَعينَ لَهُ ذكْرًا , أَحَيّ ابْني , أَوْ قَدْ أَكَلَتْهُ دَوَابّ الْبَحْر وَحيتَانه ؟ وَنَسيَتْ الَّذي كَانَ اللَّه وَعَدَهَا , فَبَصُرَتْ به أُخْته عَنْ جُنُب وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ , فَقَالَتْ منْ الْفَرَح حين أَعْيَاهُمْ الظُّئُورَات : أَنَا أَدُلّكُمْ عَلَى أَهْل بَيْت يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصحُونَ , فَأَخَذُوهَا وَقَالُوا : وَمَا يُدْريك مَا نُصْحهمْ لَهُ ؟ هَلْ يَعْرفُونَهُ ؟ حَتَّى شَكُّوا في ذَلكَ , وَذَلكَ منْ الْفُتُون يَا ابْن جُبَيْر ; فَقَالَتْ : نُصْحهمْ لَهُ وَشَفَقَتهمْ عَلَيْه , رَغْبَتهمْ في ظُئُورَة الْمَلك , وَرَجَاء مَنْفَعَته , فَتَرَكُوهَا ; فَانْطَلَقَتْ إلَى أُمّهَا فَأَخْبَرَتْهَا الْخَبَر , فَجَاءَتْ ; فَلَمَّا وَضَعَتْهُ في حجْرهَا نَزَا إلَى ثَدْيهَا حَتَّى امْتَلَأَ جَنْبَاهُ , فَانْطَلَقَ الْبُشَرَاء إلَى امْرَأَة فرْعَوْن يُبَشّرُونَهَا أَنْ قَدْ وَجَدْنَا لابْنك ظئْرًا , فَأَرْسَلَتْ إلَيْهَا , فَأَتَيْت بهَا وَبه ; فَلَمَّا رَأَتْ مَا يُصْنَع بهَا قَالَتْ : اُمْكُثي عنْدي حَتَّى تُرْضعي ابْني هَذَا فَإنّي لَمْ أُحبّ حُبّه شَيْئًا قَطُّ ; قَالَ : فَقَالَتْ : لَا أَسْتَطيع أَنْ أَدَع بَيْتي وَوَلَدي , فَيَضيع , فَإنْ طَابَتْ نَفْسك أَنْ تُعْطينيه , فَأَذْهَب به إلَى بَيْتي فَيَكُون مَعي لَا آلُوهُ خَيْرًا فَعَلْت , وَإلَّا فَإنّي غَيْر تَاركَة بَيْتي وَوَلَدي ! وَذَكَرَتْ أُمّ مُوسَى مَا كَانَ اللَّه وَعَدَهَا , فَتَعَاسَرَتْ عَلَى امْرَأَة فرْعَوْن , وَأَيْقَنَتْ أَنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُنْجز وَعْده , فَرَجَعَتْ بابْنهَا إلَى بَيْتهَا منْ يَوْمهَا , فَأَنْبَتَهُ اللَّه نَبَاتًا حَسَنًا , وَحَفظَهُ لمَا قَضَى فيه , فَلَمْ يَزَلْ بَنُو إسْرَائيل وَهُمْ مُجْتَمعُونَ في نَاحيَة الْمَدينَة يَمْتَنعُونَ به منْ الظُّلْم وَالسُّخْرَة الَّتي كَانَتْ فيهمْ . فَلَمَّا تَرَعْرَعَ قَالَتْ امْرَأَة فرْعَوْن لأُمّ مُوسَى : أَزيريني ابْني . فَوَعَدَتْهَا يَوْمًا تُزيرهَا إيَّاهُ فيه , فَقَالَتْ لخَوَاصّهَا وَظُئُورَتهَا وَقَهَارمَتهَا : لَا يَبْقَيَن أَحَد منْكُمْ إلَّا اسْتَقْبَلَ ابْني بهَديَّةٍ وَكَرَامَة ليَرَى ذَلكَ , وَأَنَا بَاعثَة أَمينَة تُحْصي كُلّ مَا يَصْنَع كُلّ إنْسَان منْكُمْ ; فَلَمْ تَزَلْ الْهَديَّة وَالْكَرَامَة وَالتُّحَف تَسْتَقْبلهُ منْ حين خَرَجَ منْ بَيْت أُمّه إلَى أَنْ دَخَلَ عَلَى امْرَأَة فرْعَوْن . فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا نَحَلَتْهُ وَأَكْرَمَتْهُ , وَفَرحَتْ به , وَأَعْجَبَهَا مَا رَأَتْ منْ حُسْن أَثَرهَا عَلَيْه , وَقَالَتْ : انْطَلقْنَ به إلَى فرْعَوْن , فَلْيُنْحلْهُ , وَلْيُكْرمْهُ . فَلَمَّا دَخَلُوا به عَلَيْه جَعَلَتْهُ في حجْره , فَتَنَاوَلَ مُوسَى لحْيَة فرْعَوْن حَتَّى مَدَّهَا , فَقَالَ عَدُوّ منْ أَعْدَاء اللَّه : أَلَا تَرَى مَا وَعَدَ اللَّه إبْرَاهيم أَنَّهُ سَيَصْرَعُك وَيَعْلُوك , فَأَرْسَلَ إلَى الذَّبَّاحينَ ليَذْبَحُوهُ ! وَذَلكَ منْ الْفُتُون يَا ابْن جُبَيْر , بَعْد كُلّ بَلَاء اُبْتُليَ به وَأُريدَ به . فَجَاءَتْ امْرَأَة فرْعَوْن تَسْعَى إلَى فرْعَوْن , فَقَالَتْ : مَا بَدَا لَك في هَذَا الصَّبيّ الَّذي قَدْ وَهَبْته لي ؟ قَالَ : أَلَا تَرَيْنَ يَزْعُم أَنَّهُ سَيَصْرَعُني وَيَعْلُوني , فَقَالَتْ : اجْعَلْ بَيْني وَبَيْنك أَمْرًا تَعْرف فيه الْحَقّ , ائْت بجَمْرَتَيْن وَلُؤْلُؤَتَيْن , فَقَرّبْهُنَّ إلَيْه , فَإنْ بَطَشَ باللُّؤْلُؤَتَيْن وَاجْتَنَبَ الْجَمْرَتَيْن عَلمْت أَنَّهُ يَعْقل ; وَإنْ تَنَاوَلَ الْجَمْرَتَيْن وَلَمْ يُردْ اللُّؤْلُؤَتَيْن , فَاعْلَمْ أَنَّ أَحَدًا لَا يُؤْثر الْجَمْرَتَيْن عَلَى اللُّؤْلُؤَتَيْن وَهُوَ يَعْقل , فَقُرّبَ ذَلكَ إلَيْه , فَتَنَاوَلَ الْجَمْرَتَيْن , فَنَزَعُوهُمَا منْهُ مَخَافَة أَنْ تُحْرقَا يَده , فَقَالَتْ الْمَرْأَة : أَلَا تَرَى ؟ فَصَرَفَهُ اللَّه عَنْهُ بَعْد مَا قَدْ هَمَّ به , وَكَانَ اللَّه بَالغًا فيه أَمْره . فَلَمَّا بَلَغَ أَشُدّهُ , وَكَانَ منْ الرّجَال , لَمْ يَكُنْ أَحَد منْ آل فرْعَوْن يَخْلُص إلَى أَحَد منْ بَني إسْرَائيل مَعَهُ بظُلْمٍ وَلَا سُخْرَة , حَتَّى امْتَنَعُوا كُلّ امْتنَاع . فَبَيْنَمَا هُوَ يَمْشي ذَات يَوْم في نَاحيَة الْمَدينَة , إذْ هُوَ برَجُلَيْن يَقْتَتلَان , أَحَدهمَا منْ بَني إسْرَائيل , وَالْآخَر منْ آل فرْعَوْن , فَاسْتَغَاثَهُ الْإسْرَائيليّ عَلَى الْفرْعَوْنيّ , فَغَضبَ مُوسَى وَاشْتَدَّ غَضَبه , لأَنَّهُ تَنَاوَلَهُ وَهُوَ يَعْلَم مَنْزلَة مُوسَى منْ بَني إسْرَائيل , وَحفْظه لَهُمْ , وَلَا يَعْلَم النَّاس إلَّا أَنَّمَا ذَلكَ منْ قَبْل الرَّضَاعَة غَيْر أُمّ مُوسَى , إلَّا أَنْ يَكُون اللَّه أَطْلَعَ مُوسَى منْ ذَلكَ عَلَى مَا لَمْ يُطْلع عَلَيْه غَيْره ; فَوَكَزَ مُوسَى الْفرْعَوْنيّ فَقَتَلَهُ , وَلَيْسَ يَرَاهُمَا أَحَد إلَّا اللَّه وَالْإسْرَائيليّ , فَقَالَ مُوسَى حين قَتَلَ الرَّجُل : { هَذَا منْ عَمَل الشَّيْطَان إنَّهُ عَدُوّ مُضلّ مُبين } 28 15 ثُمَّ قَالَ : { رَبّ إنّي ظَلَمْت نَفْسي فَاغْفرْ لي فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هُوَ الْغَفُور الرَّحيم } 28 16 { فَأَصْبَحَ في الْمَدينَة خَائفًا يَتَرَقَّب } 28 18 الْأَخْبَار , فَأَتَى فرْعَوْن , فَقيلَ لَهُ : إنَّ بَني إسْرَائيل قَدْ قَتَلُوا رَجُلًا منْ آل فرْعَوْن , فَخُذْ لَنَا بحَقّنَا وَلَا تُرَخّص لَهُمْ في ذَلكَ , فَقَالَ : ابْغُوني قَاتله وَمَنْ شَهدَ عَلَيْه , لأَنَّهُ لَا يَسْتَقيم أَنْ يَقْضي بغَيْر بَيّنَة وَلَا ثَبْت , فَطَلَبُوا لَهُ ذَلكَ ; فَبَيْنَمَا هُمْ يَطُوفُونَ لَا يَجدُونَ ثَبْتًا , إذْ مَرَّ مُوسَى منْ الْغَد , فَرَأَى ذَلكَ الْإسْرَائيليّ يُقَاتل فرْعَوْنيًّا , فَاسْتَغَاثَهُ الْإسْرَائيليّ عَلَى الْفرْعَوْنيّ , فَصَادَفَ مُوسَى وَقَدْ نَدمَ عَلَى مَا كَانَ منْهُ بالْأَمْس وَكَرهَ الَّذي رَأَى , فَغَضبَ مُوسَى , فَمَدّ يَده وَهُوَ يُريد أَنْ يَبْطش بالْفرْعَوْنيّ , قَالَ للْإسْرَائيليّ لَمَّا فَعَلَ بالْأَمْس وَالْيَوْم { إنَّك لَغَويّ مُبين } 28 18 فَنَظَرَ الْإسْرَائيليّ مُوسَى بَعْد مَا قَالَ , فَإذَا هُوَ غَضْبَان كَغَضَبه بالْأَمْس الَّذي قَتَلَ فيه الْفرْعَوْنيّ , فَخَافَ أَنْ يَكُون بَعْد مَا قَالَ لَهُ { إنَّك لَغَويّ مُبين } 28 18 أَنْ يَكُون إيَّاهُ أَرَادَ , وَلَمْ يَكُنْ أَرَادَهُ , وَإنَّمَا أَرَادَ الْفرْعَوْنيّ , فَخَافَ الْإسْرَائيليّ , فَحَاجَزَ الْفرْعَوْنيّ فَقَالَ : { يَا مُوسَى أَتُريدُ أَنْ تَقْتُلني كَمَا قَتَلْت نَفْسًا بالْأَمْس } 28 19 وَإنَّمَا قَالَ ذَلكَ مَخَافَة أَنْ يَكُون إيَّاهُ أَرَادَ مُوسَى ليَقْتُلهُ , فَتَتَارَكَا ; فَانْطَلَقَ الْفرْعَوْنيّ إلَى قَوْمه , فَأَخْبَرَهُمْ بمَا سَمعَ منْ الْإسْرَائيليّ منْ الْخَبَر حين يَقُول : أَتُريدُ أَنْ تَقْتُلني كَمَا قَتَلْت نَفْسًا بالْأَمْس ؟ فَأَرْسَلَ فرْعَوْن الذَّبَّاحينَ , فَسَلَكَ مُوسَى الطَّريق الْأَعْظَم , فَطَلَبُوهُ وَهُمْ لَا يَخَافُونَ أَنْ يَفُوتهُمْ . وَجَاءَ رَجُل منْ شيعَة مُوسَى منْ أَقْصَى الْمَدينَة , فَاخْتَصَرَ طَريقًا قَريبًا حَتَّى سَبَقَهُمْ إلَى مُوسَى , فَأَخْبَرَهُ الْخَبَر , وَذَلكَ منْ الْفُتُون يَا ابْن جُبَيْر . 18193 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , قَوْله : { فُتُونًا } قَالَ : بَلَاء , إلْقَاؤُهُ في التَّابُوت , ثُمَّ في الْبَحْر , ثُمَّ الْتقَاط آل فرْعَوْن إيَّاهُ , ثُمَّ خُرُوجه خَائفًا . قَالَ مُحَمَّد بْن عَمْرو , وَقَالَ أَبُو عَاصم : خَائفًا , أَوْ جَائعًا " شَكَّ أَبُو عَاصم " , وَقَالَ الْحَارث : خَائفًا يَتَرَقَّب , وَلَمْ يَشُكّ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد , مثْله وَقَالَ : { خَائفًا يَتَرَقَّب } , وَلَمْ يَشُكّ . 18194 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { وَفَتَنَّاك فُتُونًا } يَقُول : ابْتَلَيْنَاك بَلَاء . 18195 - حُدّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمعْت الضَّحَّاك يَقُول في قَوْله : { وَفَتَنَّاك فُتُونًا } هُوَ الْبَلَاء عَلَى إثْر الْبَلَاء . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلكَ : أَخْلَصْنَاك . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18196 - حَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد { وَفَتَنَّاك فُتُونًا } أَخْلَصْنَاك إخْلَاصًا . 18197 - حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ يَعْلَى بْن مُسْلم , قَالَ : سَمعْت سَعيد بْن جُبَيْر , يُفَسّر هَذَا الْحَرْف : { وَفَتَنَّاك فُتُونًا } قَالَ : أَخْلَصْنَاك إخْلَاصًا . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَقَدْ بَيَّنَّا فيمَا مَضَى منْ كتَابنَا هَذَا مَعْنَى الْفتْنَة , وَأَنَّهَا الابْتلَاء وَالاخْتبَار بالْأَدلَّة الْمُغْنيَة عَنْ الْإعَادَة في هَذَا الْمَوْضع .



وَقَوْله : { فَلَبثْت سنينَ في أَهْل مَدْيَن } وَهَذَا الْكَلَام قَدْ حُذفَ منْهُ بَعْض مَا به تَمَامه اكْتفَاء بدَلَالَة مَا ذُكرَ عَمَّا حُذفَ . وَمَعْنَى الْكَلَام : وَفَتَنَّاك فُتُونًا , فَخَرَجْت خَائفًا إلَى أَهْل مَدْيَن , فَلَبثْت سنينَ فيهمْ .



وَقَوْله : { ثُمَّ جئْت عَلَى قَدَر يَا مُوسَى } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ثُمَّ جئْت للْوَقْت الَّذي أَرَدْنَا إرْسَالك إلَى فرْعَوْن رَسُولًا وَلمقْدَاره . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ , قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18198 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , قَالَ : ثني أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { ثُمَّ جئْت عَلَى قَدَر يَا مُوسَى } يَقُول : لَقَدْ جئْت لميقَاتٍ يَا مُوسَى . 18199 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ مُجَاهد , قَالَ : { عَلَى قَدَر يَا مُوسَى } قَالَ : مَوْعد . * - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد , قَالَ : عَليّ ذي مَوْعد . 18200 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , في قَوْله : { عَلَى قَدَر يَا مُوسَى } قَالَ : قَدَر الرّسَالَة وَالنُّبُوَّة . وَالْعَرَب تَقُول : جَاءَ فُلَان عَلَى قَدَر : إذَا جَاءَ لميقَات الْحَاجَة إلَيْه ; وَمنْهُ قَوْل الشَّاعر : نَالَ الْخلَافَة أَوْ كَانَتْ لَهُ قَدَرًا كَمَا أَتَى رَبّه مُوسَى عَلَى قَدَر
وَٱصۡطَنَعۡتُكَ لِنَفۡسِی ﴿٤١﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { وَاصْطَنَعْتُك لنَفْسي } يَقُول تَعَالَى ذكْرُهُ : { وَاصْطَنَعْتُك لنَفْسي } أَنْعَمْت عَلَيْك يَا مُوسَى هَذه النّعَم , وَمَنَنْت عَلَيْك هَذه الْمنَن , اجْتبَاء منّي لَك , وَاخْتيَارًا لرسَالَتي وَالْبَلَاغ عَنّي , وَالْقيَام بأَمْري وَنَهْيي .
ٱذۡهَبۡ أَنتَ وَأَخُوكَ بِـَٔایَـٰتِی وَلَا تَنِیَا فِی ذِكۡرِی ﴿٤٢﴾
{ اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوك } هَارُون { بآيَاتي } يَقُول : بأَدلَّتي وَحُجَجي , اذْهَبَا إلَى فرْعَوْن بهَا إنَّهُ تَمَرَّدَ في ضَلَاله وَغَيّه , فَأَبْلغَاهُ رسَالَاتي .



يَقُول : وَلَا تَضْعُفَا في أَنْ تَذْكُرَاني فيمَا أَمَرْتُكُمَا وَنَهَيْتُكُمَا , فَإنَّ ذكْركُمَا إيَّايَ يُقَوّي عَزَائمكُمَا , وَيُثَبّت أَقْدَامكُمَا , لأَنَّكُمَا إذَا ذَكَرْتُمَاني , ذَكَرْتُمَا منّي عَلَيْكُمَا نعَمًا جَمَّة , وَمنَنًا لَا تُحْصَى كَثْرَة . يُقَال منْهُ : وَنَى فُلَان في هَذَا الْأَمْر , وَعَنْ هَذَا الْأَمْر : إذَا ضَعُفَ , وَهُوَ يَني وَنْيًا كَمَا قَالَ الْعَجَّاج : فَمَا وَنَى مُحَمَّد مُذْ أَنْ غَفَرْ لَهُ الْإلَه مَا مَضَى وَمَا غَبَرْ وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ , قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18201 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَا تَنيَا } يَقُول : لَا تُبْطئَا . * - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبي , قَالَ : ثَنْي عَمّي , قَالَ : ثني أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله { وَلَا تَنيَا في ذكْري } يَقُول : وَلَا تَضْعُفَا في ذكْري . 18202 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , قَوْله : { وَلَا تَنيَا في ذكْري } قَالَ : لَا تَضْعُفَا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد { تَنيَا } تَضْعُفَا . 18203 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَا تَنيَا في ذكْري } يَقُول : لَا تَضْعُفَا في ذكْري . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , في قَوْله : { وَلَا تَنيَا في ذكْري } قَالَ : لَا تَضْعُفَا . 18204 - حُدّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمعْت الضَّحَّاك يَقُول في قَوْله : { وَلَا تَنيَا في ذكْري } يَقُول : لَا تَضْعُفَا . 18205 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله : { وَلَا تَنيَا في ذكْري } قَالَ : الْوَاني : هُوَ الْغَافل الْمُفَرّط , ذَلكَ الْوَاني .
ٱذۡهَبَاۤ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ﴿٤٣﴾
لَمْ يَتَعَرَّض الْمُصَنّف لهَذه الْآيَة بالتَّفْسير
فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلࣰا لَّیِّنࣰا لَّعَلَّهُۥ یَتَذَكَّرُ أَوۡ یَخۡشَىٰ ﴿٤٤﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيّنًا } يَقُول تَعَالَى ذكْره لمُوسَى وَهَارُون : فَقُولَا لفرْعَوْن قَوْلًا لَيّنًا . ذُكرَ أَنَّ الْقَوْل اللَّيّن الَّذي أَمَرَهُمَا اللَّه أَنْ يَقُولَاهُ لَهُ , هُوَ أَنْ يُكَنّيَاهُ . 18206 - حَدَّثَني جَعْفَر ابْن ابْنَة إسْحَاق بْن يُوسُف الْأَزْرَق , قَالَ : ثنا سَعيد بْن مُحَمَّد الثَّقَفيّ , قَالَ : ثنا عَليّ بْن صَالح , عَنْ السُّدّيّ : { فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيّنًا } قَالَ : كَنّيَاهُ .



وَقَوْله : { لَعَلَّهُ يَتَذَكَّر أَوْ يَخْشَى } اخْتَلَفَ في مَعْنَى قَوْله : { لَعَلَّهُ } في هَذَا الْمَوْضع , فَقَالَ بَعْضهمْ مَعْنَاهَا هَهُنَا الاسْتفْهَام , كَأَنَّهُمْ وَجَّهُوا مَعْنَى الْكَلَام إلَى : فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيّنًا , فَانْظُرَا هَلْ يَتَذَكَّر وَيُرَاجع أَوْ يَخْشَى اللَّه فَيَرْتَدع عَنْ طُغْيَانه . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18207 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { لَعَلَّهُ يَتَذَكَّر أَوْ يَخْشَى } يَقُول : هَلْ يَتَذَكَّر أَوْ يَخْشَى . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى لَعَلَّ هَهُنَا كَيْ . وَوَجَّهُوا مَعْنَى الْكَلَام إلَى { اذْهَبَا إلَى فرْعَوْن إنَّهُ طَغَى } فَادْعُوَاهُ وَعظَاهُ ليَتَذَكَّر أَوْ يَخْشَى , كَمَا يَقُول الْقَائل : اعْمَلْ عَمَلك لَعَلَّك تَأْخُذ أَجْرك , بمَعْنَى : لتَأْخُذ أَجْرك , وَافْرُغْ منْ عَمَلك لَعَلَّنَا نَتَغَدَّى , بمَعْنَى : لنَتَغَدَّى , أَوْ حَتَّى نَتَغَدَّى , وَلكلَا هَذَيْن الْقَوْلَيْن وَجْه حَسَن , وَمَذْهَب صَحيح .
قَالَا رَبَّنَاۤ إِنَّنَا نَخَافُ أَن یَفۡرُطَ عَلَیۡنَاۤ أَوۡ أَن یَطۡغَىٰ ﴿٤٥﴾
وَقَوْله : { قَالَا رَبّنَا إنَّنَا نَخَاف أَنْ يَفْرُط عَلَيْنَا } يَقُول تَعَالَى ذكْره : قَالَ مُوسَى وَهَارُون : رَبّنَا إنَّنَا نَخَاف فرْعَوْن إنْ نَحْنُ دَعَوْنَاهُ إلَى مَا أَمَرْتنَا أَنْ نَدْعُوهُ إلَيْه , أَنْ يَعْجَل عَلَيْنَا بالْعُقُوبَة ; وَهُوَ منْ قَوْلهمْ : فَرَطَ منّي إلَى فُلَان أَمَرَ : إذَا سَبَقَ منْهُ ذَلكَ إلَيْه , وَمنْهُ : فَارط الْقَوْم , وَهُوَ الْمُتَعَجّل الْمُتَقَدّم أَمَامهمْ إلَى الْمَاء أَوْ الْمَنْزل كَمَا قَالَ الرَّاجز : قَدْ فَرَطَ الْعلْج عَلَيْنَا وَعَجلْ وَأَمَّا الْإفْرَاط : فَهُوَ الْإسْرَاف وَالْإشْطَاط وَالتَّعَدّي . يُقَال منْهُ : أَفْرَطْت في قَوْلك : إذَا أَسْرَفَ فيه وَتَعَدَّى . وَأَمَّا التَّفْريط : فَإنَّهُ التَّوَاني . يُقَال منْهُ : فَرَطْت في هَذَا الْأَمْر حَتَّى فَاتَ : إذَا تَوَانَى فيه . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ , قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18208 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد { أَنْ يَفْرُط عَلَيْنَا } قَالَ : عُقُوبَة منْهُ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد , مثْله . 18209 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله : { إنَّنَا نَخَاف أَنْ يَفْرُط عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى } قَالَ : نَخَاف أَنْ يَعْجَل عَلَيْنَا إذْ نُبَلّغهُ كَلَامك أَوْ أَمْرك , يَفْرُط وَيَعْجَل . وَقَرَأَ ; { لَا تَخَافَا إنَّني مَعَكُمَا أَسْمَع وَأَرَى } .
قَالَ لَا تَخَافَاۤۖ إِنَّنِی مَعَكُمَاۤ أَسۡمَعُ وَأَرَىٰ ﴿٤٦﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ لَا تَخَافَا إنَّني مَعَكُمَا أَسْمَع وَأَرَى } يَقُول اللَّه تَعَالَى ذكْره : قَالَ اللَّه لمُوسَى وَهَارُون : { لَا تَخَافَا } فرْعَوْن { إنَّني مَعَكُمَا } أُعينكُمَا عَلَيْه , وَأُبْصركُمَا { أَسْمَع } مَا يَجْري بَيْنكُمَا وَبَيْنه , فَأُفْهمَكُمَا مَا تُحَاورَانه به { وَأَرَى } مَا تَفْعَلَان وَيَفْعَل , لَا يَخْفَى عَلَيَّ منْ ذَلكَ شَيْء { فَأْتيَاهُ فَقُولَا } لَهُ { إنَّا رَسُولَا رَبّك } . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ , قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18210 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج { قَالَ لَا تَخَافَا إنَّني مَعَكُمَا أَسْمَع وَأَرَى } مَا يُحَاوركُمَا , فَأُوحي إلَيْكُمَا فَتُجَاوبَانه .
فَأۡتِیَاهُ فَقُولَاۤ إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرۡسِلۡ مَعَنَا بَنِیۤ إِسۡرَ ٰ⁠ۤءِیلَ وَلَا تُعَذِّبۡهُمۡۖ قَدۡ جِئۡنَـٰكَ بِـَٔایَةࣲ مِّن رَّبِّكَۖ وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلۡهُدَىٰۤ ﴿٤٧﴾
وَقَوْله : { فَأْتيَاهُ فَقُولَا إنَّا رَسُولَا رَبّك } أَرْسَلْنَا إلَيْك يَأْمُرك أَنْ تُرْسل مَعَنَا بَني إسْرَائيل , فَأَرْسلْهُمْ مَعَنَا وَلَا تُعَذّبهُمْ بمَا تُكَلّفهُمْ منْ الْأَعْمَال الرَّديئَة .



{ قَدْ جئْنَاك بآيَةٍ } مُعْجزَة { منْ رَبّك } عَلَى أَنَّهُ أَرْسَلَنَا إلَيْك بذَلكَ , إنْ أَنْتَ لَمْ تُصَدّقنَا فيمَا نَقُول لَك أَرَيْنَاكهَا ,



يَقُول : وَالسَّلَامَة لمَنْ اتَّبَعَ هُدَى اللَّه , وَهُوَ بَيَانه . يُقَال : السَّلَام عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى , وَلمَنْ اتَّبَعَ بمَعْنًى وَاحد .
إِنَّا قَدۡ أُوحِیَ إِلَیۡنَاۤ أَنَّ ٱلۡعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ﴿٤٨﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { إنَّا قَدْ أُوحيَ إلَيْنَا أَنَّ الْعَذَاب عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى } يَقُول تَعَالَى ذكْره لرَسُوله مُوسَى وَهَارُون : قُولَا لفرْعَوْن إنَّا قَدْ أَوْحَى إلَيْنَا رَبّك أَنَّ عَذَابه الَّذي لَا نَفَاد لَهُ , وَلَا انْقطَاع عَلَى مَنْ كَذَّبَ بمَا نَدْعُوهُ إلَيْه منْ تَوْحيد اللَّه وَطَاعَته , وَإجَابَة رُسُله { وَتَوَلَّى } يَقُول : وَأَدْبَرَ مُعْرضًا عَمَّا جئْنَاهُ به منْ الْحَقّ , كَمَا : 18211 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { أَنَّ الْعَذَاب عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى } كَذَّبَ بكتَاب اللَّه , وَتَوَلَّى عَنْ طَاعَة اللَّه .
قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا یَـٰمُوسَىٰ ﴿٤٩﴾
وَقَوْله : { قَالَ فَمَنْ رَبّكُمَا يَا مُوسَى } في هَذَا الْكَلَام مَتْرُوك , تُركَ ذكْره اسْتغْنَاء بدَلَالَة مَا ذُكرَ عَلَيْه عَنْهُ , وَهُوَ قَوْله : { فَأْتيَاهُ } فَقَالَا لَهُ مَا أَمَرَهُمَا به رَبّهمَا وَأَبْلَغَاهُ رسَالَته , فَقَالَ فرْعَوْن لَهُمَا { فَمَنْ رَبّكُمَا يَا مُوسَى } فَخَاطَبَ مُوسَى وَحْده بقَوْله : يَا مُوسَى , وَقَدْ وَجَّهَ الْكَلَام قَبْل ذَلكَ إلَى مُوسَى وَأَخيه . وَإنَّمَا فَعَلَ ذَلكَ كَذَلكَ , لأَنَّ الْمُجَاوَبَة إنَّمَا تَكُون منْ الْوَاحد وَإنْ كَانَ الْخطَاب بالْجَمَاعَة لَا منْ الْجَميع , وَذَلكَ نَظير قَوْله : { نَسيَا حُوتهمَا } 18 61 وَكَانَ الَّذي يَحْمل الْحُوت وَاحد , وَهُوَ فَتَى مُوسَى , يَدُلّ عَلَى ذَلكَ قَوْله : { فَإنّي نَسيت الْحُوت وَمَا أَنْسَانيهُ إلَّا الشَّيْطَان أَنْ أَذْكُرهُ } . 18 63
قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِیۤ أَعۡطَىٰ كُلَّ شَیۡءٍ خَلۡقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ ﴿٥٠﴾
وَقَوْله : { قَالَ رَبّنَا الَّذي أَعْطَى كُلّ شَيْء خَلْقه ثُمَّ هَدَى } يَقُول تَعَالَى ذكْره : قَالَ مُوسَى لَهُ مُجيبًا : رَبّنَا الَّذي أَعْطَى كُلّ شَيْء خَلْقه , يَعْني : نَظير خَلْقه في الصُّورَة وَالْهَيْئَة كَالذُّكُور منْ بَني آدَم , أَعْطَاهُمْ نَظير خَلْقهمْ منْ الْإنَاث أَزْوَاجًا , وَكَالذُّكُور منْ الْبَهَائم , أَعْطَاهَا نَظير خَلْقهَا , وَفي صُورَتهَا وَهَيْئَتهَا منْ الْإنَاث أَزْوَاجًا , فَلَمْ يُعْط الْإنْسَان خلَاف خَلْقه , فَيُزَوّجهُ بالْإنَاث منْ الْبَهَائم , وَلَا الْبَهَائم بالْإنَاث منْ الْإنْس , ثُمَّ هَدَاهُمْ للْمَأْتيّ الَّذي منْهُ النَّسْل وَالنَّمَاء كَيْف يَأْتيه , وَلسَائر مَنَافعه منْ الْمَطَاعم وَالْمَشَارب , وَغَيْر ذَلكَ . وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْويل في تَأْويل ذَلكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : بنَحْو الَّذي قُلْنَا فيه . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18212 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { أَعْطَى كُلّ شَيْء خَلْقه ثُمَّ هَدَى } يَقُول : خَلَقَ لكُلّ شَيْء زَوْجَة , ثُمَّ هَدَاهُ لمَنْكَحه وَمَطْعَمه وَمَشْرَبه وَمَسْكَنه وَمَوْلده . 18213 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدّيّ : { قَالَ رَبّنَا الَّذي أَعْطَى كُلّ شَيْء خَلْقه ثُمَّ هَدَى } يَقُول : أَعْطَى كُلّ دَابَّة خَلَقَهَا زَوْجًا , ثُمَّ هَدَى للنّكَاح . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى قَوْله { ثُمَّ هَدَى } أَنَّهُ هَدَاهُمْ إلَى الْأُلْفَة وَالاجْتمَاع وَالْمُنَاكَحَة . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18214 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنْي أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , قَالَ : ثني أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { الَّذي أَعْطَى كُلّ شَيْء خَلْقه ثُمَّ هَدَى } يَعْني : هَدَى بَعْضهمْ إلَى بَعْض , أَلَّفَ بَيْن قُلُوبهمْ وَهَدَاهُمْ للتَّزْويج أَنْ يُزَوّج بَعْضهمْ بَعْضًا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلكَ : أَعْطَى كُلّ شَيْء صُورَته , وَهيَ خَلْقه الَّذي خَلَقَهُ به , ثُمَّ هَدَاهُ لمَا يُصْلحهُ منْ الاحْتيَال للْغذَاء وَالْمَعَاش . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18215 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَأَبُو السَّائب , قَالَا : ثنا ابْن إدْريس , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهد , في قَوْله : { أَعْطَى كُلّ شَيْء خَلْقه ثُمَّ هَدَى } قَالَ : أَعْطَى كُلّ شَيْء صُورَته ثُمَّ هَدَى كُلّ شَيْء إلَى مَعيشَته . * - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , في قَوْل اللَّه : { أَعْطَى كُلّ شَيْء خَلْقه ثُمَّ هَدَى } قَالَ : سَوَّى خَلْق كُلّ دَابَّة , ثُمَّ هَدَاهَا لمَا يُصْلحهَا , فَعَلَّمَهَا إيَّاهُ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد , قَوْله : { رَبّنَا الَّذي أَعْطَى كُلّ شَيْء خَلْقه ثُمَّ هَدَى } قَالَ : سَوَّى خَلْق كُلّ دَابَّة ثُمَّ هَدَاهَا لمَا يُصْلحهَا وَعَلَّمَهَا إيَّاهُ , وَلَمْ يَجْعَل النَّاس في خَلْق الْبَهَائم , وَلَا خَلْق الْبَهَائم في خَلْق النَّاس , وَلَكنْ خَلَقَ كُلّ شَيْء فَقَدَّرَهُ تَقْديرًا . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ حُمَيْد عَنْ مُجَاهد { أَعْطَى كُلّ شَيْء خَلْقه ثُمَّ هَدَى } قَالَ : هَدَاهُ إلَى حيلَته وَمَعيشَته . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلكَ : أَعْطَى كُلّ شَيْء مَا يُصْلحهُ , ثُمَّ هَدَاهُ لَهُ . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18216 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { أَعْطَى كُلّ شَيْء خَلْقه } قَالَ : أَعْطَى كُلّ شَيْء مَا يُصْلحهُ . ثُمَّ هَدَاهُ لَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَإنَّمَا اخْتَرْنَا الْقَوْل الَّذي اخْتَرْنَا في تَأْويل ذَلكَ , لأَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ أَعْطَى كُلّ شَيْء خَلْقه , وَلَا يُعْطي الْمُعْطي نَفْسه , بَلْ إنَّمَا يُعْطي مَا هُوَ غَيْره , لأَنَّ الْعَطيَّة تَقْتَضي الْمُعْطي الْمُعْطَى وَالْعَطيَّة , وَلَا تَكُون الْعَطيَّة هيَ الْمُعْطَى , وَإذَا لَمْ تَكُنْ هيَ هُوَ , وَكَانَتْ غَيْره , وَكَانَتْ صُورَة كُلّ خَلْق بَعْض أَجْزَائه , كَانَ مَعْلُومًا أَنَّهُ إذَا قيلَ : أَعْطَى الْإنْسَان صُورَته , إنَّمَا يَعْني أَنَّهُ أَعْطَى بَعْض الْمَعَاني الَّتي به مَعَ غَيْره دُعيَ إنْسَانًا , فَكَأَنَّ قَائله قَالَ : أَعْطَى كُلّ خَلْق نَفْسه , وَلَيْسَ ذَلكَ إذَا وُجّهَ إلَيْه الْكَلَام بالْمَعْرُوف منْ مَعَاني الْعَطيَّة , وَإنْ كَانَ قَدْ يَحْتَملهُ الْكَلَام . فَإذَا كَانَ ذَلكَ كَذَلكَ , فَالْأَصْوَب منْ مَعَانيه أَنْ يَكُون مُوَجَّهًا إلَى أَنَّ كُلّ شَيْء أَعْطَاهُ رَبّه مثْل خَلْقه , فَزَوَّجَهُ به , ثُمَّ هَدَاهُ لمَا بَيَّنَّا , ثُمَّ تَرَكَ ذكْر مَثَل , وَقيلَ { أَعْطَى كُلّ شَيْء خَلْقه } كَمَا يُقَال : عَبْد اللَّه مثْل الْأَسَد , ثُمَّ يُحْذَف مثْل , فَيَقُول : عَبْد اللَّه الْأَسَد .
قَالَ فَمَا بَالُ ٱلۡقُرُونِ ٱلۡأُولَىٰ ﴿٥١﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ فَمَا بَال الْقُرُون الْأُولَى } يَقُول تَعَالَى ذكْره : قَالَ فرْعَوْن لمُوسَى , إذْ وَصَفَ مُوسَى رَبّه جَلَّ جَلَاله بمَا وَصَفَهُ به منْ عَظيم السُّلْطَان , وَكَثْرَة الْإنْعَام عَلَى خَلْقه وَالْإفْضَال : فَمَا شَأْن الْأُمَم الْخَاليَة منْ قَبْلنَا لَمْ تُقرّ بمَا تَقُول , وَلَمْ تُصَدّق بمَا تَدْعُو إلَيْه , وَلَمْ تُخْلص لَهُ الْعبَادَة , وَلَكنَّهَا عَبَدَتْ الْآلهَة وَالْأَوْثَان منْ دُونه , إنْ كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا تَصف منْ أَنَّ الْأَشْيَاء كُلّهَا خَلْقه , وَأَنَّهَا في نعَمه تَتَقَلَّب , وَفي منَنه تَتَصَرَّف ؟
قَالُواْ یَـٰمُوسَىٰۤ إِمَّاۤ أَن تُلۡقِیَ وَإِمَّاۤ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنۡ أَلۡقَىٰ ﴿٦٥﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { قَالُوا يَا مُوسَى إمَّا أَنْ تُلْقي وَإمَّا أَنْ نَكُون أَوَّل مَنْ أَلْقَى } يَقُول تَعَالَى ذكْره : فَأَجْمَعَتْ السَّحَرَة كَيْدهمْ , ثُمَّ أَتَوْا صَفًّا فَقَالُوا لمُوسَى : { يَا مُوسَى إمَّا أَنْ تُلْقي وَإمَّا أَنْ نَكُون أَوَّل مَنْ أَلْقَى } وَتَرَكَ ذكْر ذَلكَ منْ الْكَلَام اكْتفَاء بدَلَالَة الْكَلَام عَلَيْه . وَاخْتَلَفَ في مَبْلَغ عَدَد السَّحَرَة الَّذينَ أَتَوْا يَوْمئذٍ صَفًّا , فَقَالَ بَعْضهمْ : كَانُوا سَبْعينَ أَلْف سَاحر , مَعَ كُلّ سَاحر منْهُمْ حَبْل وَعَصَا . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18255 - حَدَّثَني يَعْقُوب بْن إبْرَاهيم , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ هشَام الدَّسْتُوَائيّ , قَالَ : ثنا الْقَاسم بْن أَبي بَزَّة , قَالَ : جَمَعَ فرْعَوْن سَبْعينَ أَلْف سَاحر , فَأَلْقَوْا سَبْعينَ أَلْف حَبْل , وَسَبْعينَ أَلْف عَصَا ; فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ , فَإذَا هيَ ثُعْبَان مُبين فَاغر به فَاهُ , فَابْتَلَعَ حبَالهمْ وَعصيّهمْ , { فَأُلْقيَ السَّحَرَة سُجَّدًا } عنْد ذَلكَ , فَمَا رَفَعُوا رُءُوسهمْ حَتَّى رَأَوْا الْجَنَّة وَالنَّار وَثَوَاب أَهْلهمَا , فَعنْد ذَلكَ { قَالُوا لَنْ نُؤْثرك عَلَى مَا جَاءَنَا منْ الْبَيّنَات } . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كَانُوا نَيّفًا وَثَلَاثينَ أَلْف رَجُل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18256 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدّيّ , قَالَ : { قَالُوا يَا مُوسَى إمَّا أَنْ تُلْقي وَإمَّا أَنْ نَكُون نَحْنُ الْمُلْقينَ قَالَ لَهُمْ مُوسَى } : أَلْقُوا , فَأَلْقَوْا حبَالهمْ وَعصيّهمْ , وَكَانُوا بضْعَة وَثَلَاثينَ أَلْف رَجُل لَيْسَ منْهُمْ رَجُل إلَّا وَمَعَهُ حَبْل وَعَصَا . وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ كَانُوا خَمْسَة عَشَرَ أَلْفًا . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18257 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , قَالَ : حُدّثْت عَنْ وَهْب بْن مُنَبّه , قَالَ : صَفَّ خَمْسَة عَشْر أَلْف سَاحر , مَعَ كُلّ سَاحر حبَاله وَعصيّه . وَقَالَ آخَرُونَ : كَانُوا تسْع مائَة . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18258 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , قَالَ : كَانَ السَّحَرَة ثَلَاث مائَة منْ الْعَريش , وَثَلَاث مائَة منْ فَيُّوم , وَيَشُكُّونَ في ثَلَاث مائَة منْ الْإسْكَنْدَريَّة ; فَقَالُوا لمُوسَى : إمَّا أَنْ تُلْقي مَا مَعَك قَبْلنَا , وَإمَّا أَنْ نُلْقي مَا مَعَنَا قَبْلك , وَذَلكَ قَوْله : { وَإمَّا أَنْ نَكُون أَوَّل مَنْ أَلْقَى } . وَأَنَّ في قَوْله : { إمَّا أَنْ } في مَوْضع نَصْب , وَذَلكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : اخْتَرْ يَا مُوسَى أَحَد هَذَيْن الْأَمْرَيْن : إمَّا أَنْ تُلْقي قَبْلنَا , وَإمَّا أَنْ نَكُون أَوَّل مَنْ أَلْقَى , وَلَوْ قَالَ قَائل : هُوَ رَفْع , كَانَ مَذْهَبًا , كَأَنَّهُ وَجَّهَهُ إلَى أَنَّهُ خَبَر , كَقَوْل الْقَائل : فَسيرَا فَإمَّا حَاجَة تَقْضيَانهَا وَإمَّا مُقيل صَالح وَصَديق
قَالَ بَلۡ أَلۡقُواْۖ فَإِذَا حِبَالُهُمۡ وَعِصِیُّهُمۡ یُخَیَّلُ إِلَیۡهِ مِن سِحۡرِهِمۡ أَنَّهَا تَسۡعَىٰ ﴿٦٦﴾
وَقَوْله : { قَالَ بَلْ أَلْقُوا } يَقُول تَعَالَى ذكْره : قَالَ مُوسَى للسَّحَرَة : بَلْ أَلْقُوا أَنْتُمْ مَا مَعَكُمْ قَبْلي .



وَقَوْله : { فَإذَا حبَالهمْ وَعصيّهمْ يُخَيَّل إلَيْه منْ سحْرهمْ أَنَّهَا تَسْعَى } , وَفي هَذَا الْكَلَام مَتْرُوك , وَهُوَ : فَأَلْقَوْا مَا مَعَهُمْ منْ الْحبَال وَالْعصيّ , فَإذَا حبَالهمْ , تُركَ ذكْره اسْتغْنَاء بدَلَالَة الْكَلَام الَّذي ذُكرَ عَلَيْه عَنْهُ . وَذُكرَ أَنَّ السَّحَرَة سَحَرُوا عَيْن مُوسَى وَأَعْيُن النَّاس قَبْل أَنْ يَلْقَوْا حبَالهمْ وَعصيّهمْ , فَخُيّلَ حينَئذٍ إلَى مُوسَى أَنَّهَا تَسْعَى , كَمَا : 18259 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , قَالَ : حُدّثْت عَنْ وَهْب بْن مُنَبّه , قَالَ : قَالُوا يَا مُوسَى , { إمَّا أَنْ تُلْقي وَإمَّا أَنْ نَكُون أَوَّل مَنْ أَلْقَى قَالَ بَلْ أَلْقُوا } فَكَانَ أَوَّل مَا اخْتَطَفُوا بسحْرهمْ بَصَر مُوسَى وَبَصَر فرْعَوْن , ثُمَّ أَبْصَار النَّاس بَعْد , ثُمَّ أَلْقَى كُلّ رَجُل منْهُمْ مَا في يَده منْ الْعصيّ وَالْحبَال , فَإذَا هيَ حَيَّات كَأَمْثَال الْحبَال , قَدْ مَلَأَتْ الْوَادي يَرْكَب بَعْضهَا بَعْضًا . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء في قرَاءَة قَوْله : { يُخَيَّل إلَيْه } فَقَرَأَ ذَلكَ عَامَّة قُرَّاء الْأَمْصَار { يُخَيَّل إلَيْه } بالْيَاء بمَعْنَى : يُخَيَّل إلَيْهمْ سَعْيهَا . وَإذَا قُرئَ ذَلكَ كَذَلكَ , كَانَتْ " أَنْ " في مَوْضع رَفَعَ . وَرُويَ عَنْ الْحَسَن الْبَصْريّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهُ : " تُخَيَّل " بالتَّاء , بمَعْنَى : تُخَيَّل حبَالهمْ وَعصيّهمْ بأَنَّهَا تَسْعَى . وَمَنْ قَرَأَ ذَلكَ كَذَلكَ , كَانَتْ " أَنْ " في مَوْضع نَصْب لتَعَلُّق تُخَيَّل بهَا . وَقَدْ ذُكرَ عَنْ بَعْضهمْ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهُ : " تُخَيَّل إلَيْه " بمَعْنَى : تَتَخَيَّل إلَيْه . وَإذَا قُرئَ ذَلكَ كَذَلكَ أَيْضًا ف " أَنْ " في مَوْضع نَصْب بمَعْنَى : تَتَخَيَّل بالسَّعْي لَهُمْ . وَالْقرَاءَة الَّتي يَجُوز عنْدي في ذَلكَ غَيْرهَا { يُخَيَّل } بالْيَاء , لإجْمَاع الْحُجَّة منْ الْقُرَّاء عَلَيْه .
فَأَوۡجَسَ فِی نَفۡسِهِۦ خِیفَةࣰ مُّوسَىٰ ﴿٦٧﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { فَأَوْجَسَ في نَفْسه خيفَة مُوسَى } يَعْني تَعَالَى ذكْره بقَوْله : فَأَوْجَسَ في نَفْسه خَوْفًا مُوسَى فَوَجَدَهُ .
قُلۡنَا لَا تَخَفۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡأَعۡلَىٰ ﴿٦٨﴾
وَقَوْله : { قُلْنَا لَا تَخَفْ إنَّك أَنْتَ الْأَعْلَى } يَقُول تَعَالَى ذكْره : قُلْنَا لمُوسَى إذْ أَوْجَسَ في نَفْسه خيفَة : { لَا تَخَفْ إنَّك أَنْتَ الْأَعْلَى } عَلَى هَؤُلَاء السَّحَرَة , وَعَلَى فرْعَوْن وَجُنْده , وَالْقَاهر لَهُمْ .
وَأَلۡقِ مَا فِی یَمِینِكَ تَلۡقَفۡ مَا صَنَعُوۤاْۖ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَیۡدُ سَـٰحِرࣲۖ وَلَا یُفۡلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَیۡثُ أَتَىٰ ﴿٦٩﴾
{ وَأَلْق مَا في يَمينك تَلْقَف مَا صَنَعُوا } يَقُول : وَأَلْق عَصَاك تَبْتَلع حبَالهمْ وَعصيّهمْ الَّتي سَحَرُوهَا حَتَّى خُيّلَ إلَيْك أَنَّهَا تَسْعَى .



وَقَوْله : { إنَّمَا صَنَعُوا كَيْد سَاحر } اخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء في قرَاءَة قَوْله , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدينَة وَالْبَصْرَة وَبَعْض قُرَّاء الْكُوفَة { إنَّمَا صَنَعُوا كَيْد سَاحر } برَفْع كَيْد وَبالْأَلف في سَاحر بمَعْنَى : إنَّ الَّذي صَنَعَهُ هَؤُلَاء السَّحَرَة كَيْد منْ سَاحر . وَقَرَأَ ذَلكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة : " إنَّمَا صَنَعُوا كَيْد سحْر " برَفْع الْكَيْد وَبغَيْر الْأَلف في السّحْر بمَعْنَى إنَّ الَّذي صَنَعُوهُ كَيْد سحْر . وَالْقَوْل في ذَلكَ عنْدي أَنَّهُمَا قرَاءَتَان مَشْهُورَتَان مُتَقَاربَتَا الْمَعْنَى , وَذَلكَ أَنَّ الْكَيْد هُوَ الْمَكْر وَالْخُدْعَة , فَالسَّاحر مُكْرَه وَخُدْعَته منْ سَحَرَ يَسْحَر , وَمَكْر السّحْر وَخُدْعَته : تَخَيُّله إلَى الْمَسْحُور , عَلَى خلَاف مَا هُوَ به في حَقيقَته , فَالسَّاحر كَائد بالسّحْر , وَالسّحْر كَائد بالتَّخْييل , فَإلَى أَيّهمَا أَضَفْت الْكَيْد فَهُوَ صَوَاب . وَقَدْ ذُكرَ عَنْ بَعْضهمْ أَنَّهُ قَرَأَ : " كَيْد سحْر " بنَصْب كَيْد . وَمَنْ قَرَأَ ذَلكَ كَذَلكَ , جَعَلَ إنَّمَا حَرْفًا وَاحدًا وَأَعْمَلَ صَنَعُوا في كَيْد . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَهَذه قرَاءَة لَا أَسْتَجيزُ الْقرَاءَة بهَا لإجْمَاع الْحُجَّة منْ الْقُرَّاء عَلَى خلَافهَا .





وَقَوْله : { وَلَا يُفْلح السَّاحر حَيْثُ أَتَى } يَقُول : وَلَا يَظْفَر السَّاحر بسحْره بمَا طَلَبَ أَيْنَ كَانَ . وَقَدْ ذُكرَ عَنْ بَعْضهمْ أَنَّهُ كَانَ يَقُول : مَعْنَى ذَلكَ : أَنَّ السَّاحر يُقْتَل حَيْثُ وُجدَ . وَذَكَرَ بَعْض نَحْويّي الْبَصْرَة , أَنَّ ذَلكَ في حَرْف ابْن مَسْعُود : " وَلَا يُفْلح السَّاحر أَيْنَ أَتَى " وَقَالَ : الْعَرَب تَقُول : جئْتُك منْ حَيْثُ لَا تَعْلَم , وَمنْ أَيْنَ لَا تَعْلَم . وَقَالَ غَيْره منْ أَهْل الْعَرَبيَّة الْأَوَّل : جَزَاء يُقْتَل السَّاحر حَيْثُ أَتَى وَأَيْنَ أَتَى وَقَالَ : وَأَمَّا قَوْل الْعَرَب : جئْتُك منْ حَيْثُ لَا تَعْلَم , وَمنْ أَيْنَ لَا تَعْلَم , فَإنَّمَا هُوَ جَوَاب لَمْ يُفْهَم , فَاسْتُفْهمَ كَمَا قَالُوا : أَيْنَ الْمَاء وَالْعُشْب .
فَأُلۡقِیَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدࣰا قَالُوۤاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَـٰرُونَ وَمُوسَىٰ ﴿٧٠﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { فَأُلْقيَ السَّحَرَة سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا برَبّ هَارُون وَمُوسَى } وَفي هَذَا الْكَلَام مَتْرُوك قَدْ اسْتَغْنَى بدَلَالَة مَا تُركَ عَلَيْه وَهُوَ : فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ , فَتَلَقَّفَتْ مَا صَنَعُوا { فَأُلْقيَ السَّحَرَة سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا برَبّ هَارُون وَمُوسَى } وَذُكرَ أَنَّ مُوسَى لَمَّا أَلْقَى مَا في يَده تَحَوَّلَ ثُعْبَانًا , فَالْتَقَمَ كُلّ مَا كَانَتْ السَّحَرَة أَلْقَتْهُ منْ الْحبَال وَالْعصيّ . ذَكَرَ الرّوَايَة عَمَّنْ قَالَ ذَلكَ : 18260 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَعْقُوب , عَنْ جَعْفَر , عَنْ سَعيد , قَالَ : لَمَّا اجْتَمَعُوا وَأَلْقَوْا مَا في أَيْديهمْ منْ السّحْر , { خُيّلَ إلَيْه منْ سحْرهمْ أَنَّهَا تَسْعَى فَأَوْجَسَ في نَفْسه خيفَة مُوسَى قُلْنَا لَا تَخَفْ إنَّك أَنْتَ الْأَعْلَى وَأَلْق مَا في يَمينك تَلْقَف مَا صَنَعُوا } فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإذَا هيَ ثُعْبَان مُبين , قَالَ : فُتحَتْ فَمَا لَهَا مثْل الدَّحْل , ثُمَّ وَضَعَتْ مشْفَرهَا عَلَى الْأَرْض وَرَفَعَتْ الْآخَر , ثُمَّ اسْتَوْعَبَتْ كُلّ شَيْء أَلْقَوْهُ منْ السّحْر , ثُمَّ جَاءَ إلَيْهَا فَقَبَضَ عَلَيْهَا , فَإذَا هيَ عَصَا , فَخَرَّ السَّحَرَة سُجَّدًا { قَالُوا آمَنَّا برَبّ هَارُون وَمُوسَى قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْل أَنْ آذَن لَكُمْ إنَّهُ لَكَبيركُمْ الَّذي عَلَّمَكُمْ السّحْر فَلَأُقَطّعَن أَيْديكُمْ وَأَرْجُلكُمْ منْ خلَاف } قَالَ : فَكَانَ أَوَّل مَنْ قَطَعَ الْأَيْدي وَالْأَرْجُل منْ خلَاف فرْعَوْن { وَلَأُصَلّبَنكُمْ في جُذُوع النَّخْل } قَالَ : فَكَانَ أَوَّل مَنْ صَلَّبَ في جُذُوع النَّخْل فرْعَوْن . 18261 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدّيّ { فَأَوْجَسَ في نَفْسه خيفَة مُوسَى } فَأَوْحَى اللَّه إلَيْه { لَا تَخَفْ وَأَلْق مَا في يَمينك } { تَلْقَف مَا يَأْفكُونَ } 7 117 فَأَلْقَى عَصَاهُ فَأَكَلَتْ كُلّ حَيَّة لَهُمْ ; فَلَمَّا رَأَوْا ذَلكَ سَجَدُوا و { قَالُوا آمَنَّا برَبّ الْعَالَمينَ رَبّ مُوسَى وَهَارُون } . 7 121 : 122 18262 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , قَالَ : حُدّثْت عَنْ وَهْب بْن مُنَبّه { فَأَوْجَسَ في نَفْسه خيفَة مُوسَى } لَمَّا رَأَى مَا أَلْقَوْا منْ الْحبَال وَالْعصيّ وَخُيّلَ إلَيْه أَنَّهَا تَسْعَى , وَقَالَ : وَاَللَّه إنْ كَانَتْ لَعصيًّا في أَيْديهمْ , وَلَقَدْ عَادَتْ حَيَّات , وَمَا تَعْدُو عَصَايَ هَذه , أَوْ كَمَا حَدَّثَ نَفْسه , فَأَوْحَى اللَّه إلَيْه أَنْ { أَلْق مَا في يَمينك تَلْقَف مَا صَنَعُوا إنَّمَا صَنَعُوا كَيْد سَاحر وَلَا يُفْلح السَّاحر حَيْثُ أَتَى } وَفَرحَ مُوسَى فَأَلْقَى عَصَاهُ منْ يَده , فَاسْتَعْرَضَتْ مَا أَلْقَوْا منْ حبَالهمْ وَعصيّهمْ , وَهيَ حَيَّات في عَيْن فرْعَوْن وَأَعْيُن النَّاس تَسْعَى , فَجَعَلَتْ تَلْقَفهَا , تَبْتَلعهَا حَيَّة حَيَّة , حَتَّى مَا يُرَى بالْوَادي قَليل وَلَا كَثير ممَّا أَلْقَوْا , ثُمَّ أَخَذَهَا مُوسَى فَإذَا هيَ عَصَا في يَده كَمَا كَانَتْ , وَوَقَعَ السَّحَرَة سُجَّدًا , قَالُوا : آمَنَّا برَبّ هَارُون وَمُوسَى , لَوْ كَانَ هَذَا سحْر مَا غَلَبَنَا .
قَالَ ءَامَنتُمۡ لَهُۥ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّهُۥ لَكَبِیرُكُمُ ٱلَّذِی عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحۡرَۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَیۡدِیَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَـٰفࣲ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمۡ فِی جُذُوعِ ٱلنَّخۡلِ وَلَتَعۡلَمُنَّ أَیُّنَاۤ أَشَدُّ عَذَابࣰا وَأَبۡقَىٰ ﴿٧١﴾
وَقَوْله : { قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْل أَنْ آذَن لَكُمْ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَقَالَ فرْعَوْن للسَّحَرَة : أَصَدَّقْتُمْ وَأَقْرَرْتُمْ لمُوسَى بمَا دَعَاكُمْ إلَيْه منْ قَبْل أَنْ أُطْلق ذَلكَ لَكُمْ { إنَّهُ لَكَبيركُمْ } يَقُول : إنَّ مُوسَى لَعَظيمكُمْ { الَّذي عَلَّمَكُمْ السّحْر } . كَمَا : 18263 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , قَالَ : حُدّثْت عَنْ وَهْب بْن مُنَبّه , قَالَ : لَمَّا قَالَتْ السَّحَرَة : { آمَنَّا برَبّ هَارُون وَمُوسَى } قَالَ لَهُمْ فرْعَوْن , وَأَسفَ وَرَأَى الْغَلَبَة وَالْبَيّنَة : { آمَنْتُمْ لَهُ قَبْل أَنْ آذَن لَكُمْ إنَّهُ لَكَبيركُمْ الَّذي عَلَّمَكُمْ السّحْر } : أَيْ لَعَظيم السُّحَّار الَّذي عَلَّمَكُمْ .



وَقَوْله : { فَلَأُقَطّعَن أَيْديكُمْ وَأَرْجُلكُمْ منْ خلَاف } يَقُول : فَلَأُقَطّعَن أَيْديكُمْ وَأَرْجُلكُمْ مُخَالفًا بَيْن قَطْع ذَلكَ , وَذَلكَ أَنْ يَقْطَع يُمْنَى الْيَدَيْن وَيُسْرَى الرّجْلَيْن , أَوْ يُسْرَى الْيَدَيْن , وَيُمْنَى الرّجْلَيْن , فَيَكُون ذَلكَ قَطْعًا منْ خلَاف , وَكَانَ فيمَا ذُكرَ أَوَّل مَنْ فَعَلَ ذَلكَ فرْعَوْن , وَقَدْ ذَكَرْنَا الرّوَايَة بذَلكَ . وَقَوْله : { وَلَأُصَلّبَنكُمْ في جُذُوع النَّخْل } يَقُول : وَلَأُصَلّبَنكُمْ عَلَى جُذُوع النَّخْل , كَمَا قَالَ الشَّاعر : هُمْ صَلَبُوا الْعَبْديّ في جذْع نَخْلَة فَلَا عَطَسَتْ شَيْبَان إلَّا بأَجْدَعَا يَعْني عَلَى , جذْع نَخْلَة , وَإنَّمَا قيلَ : في جُذُوع , لأَنَّ الْمَصْلُوب عَلَى الْخَشَبَة يُرْفَع في طُولهَا , ثُمَّ يَصير عَلَيْهَا , فَيُقَال : صُلبَ عَلَيْهَا . 18264 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَأُصَلّبَنكُمْ في جُذُوع النَّخْل } لَمَّا رَأَى السَّحَرَة مَا جَاءَ به عَرَفُوا أَنَّهُ منْ اللَّه فَخَرُّوا سُجَّدًا , وَآمَنُوا عنْد ذَلكَ , قَالَ عَدُوّ اللَّه : { فَلَأُقَطّعَن أَيْديكُمْ وَأَرْجُلكُمْ منْ خلَاف } . الْآيَة . 18265 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدّيّ , قَالَ فرْعَوْن : { لَأُقَطّعَن أَيْديكُمْ وَأَرْجُلكُمْ منْ خلَاف وَلَأُصَلّبَنكُمْ في جُذُوع النَّخْل } فَقَتَلَهُمْ وَقَطَّعَهُمْ , كَمَا قَالَ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس حين قَالُوا : { رَبّنَا أَفْرغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلمينَ } 7 126 وَقَالَ : كَانُوا في أَوَّل النَّهَار سَحَرَة , وَفي آخر النَّهَار شُهَدَاء .



وَقَوْله : { وَلَتَعْلَمُنَّ أَيّنَا أَشَدّ عَذَابًا وَأَبْقَى } يَقُول : وَلَتَعْلَمُنَّ أَيّهَا السَّحَرَة أَيّنَا أَشَدّ عَذَابًا لَكُمْ , وَأَدْوَم , أَنَا أَوْ مُوسَى .
قَالُواْ لَن نُّؤۡثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاۤءَنَا مِنَ ٱلۡبَیِّنَـٰتِ وَٱلَّذِی فَطَرَنَاۖ فَٱقۡضِ مَاۤ أَنتَ قَاضٍۖ إِنَّمَا تَقۡضِی هَـٰذِهِ ٱلۡحَیَوٰةَ ٱلدُّنۡیَاۤ ﴿٧٢﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { قَالُوا لَنْ نُؤْثرك عَلَى مَا جَاءَنَا منْ الْبَيّنَات وَاَلَّذي فَطَرَنَا فَاقْض مَا أَنْتَ قَاضٍ إنَّمَا تَقْضي هَذه الْحَيَاة الدُّنْيَا } يَقُول تَعَالَى ذكْره : قَالَتْ السَّحَرَة لفرْعَوْن لَمَّا تَوَعَّدَهُمْ بمَا تَوَعَّدَهُمْ به : { لَنْ نُؤْثرك } فَنَتَّبعك وَنُكَذّب منْ أَجْلك مُوسَى { عَلَى مَا جَاءَنَا منْ الْبَيّنَات } يَعْني منْ الْحُجَج وَالْأَدلَّة عَلَى حَقيقَة مَا دَعَاهُمْ إلَيْه مُوسَى . { وَاَلَّذي فَطَرَنَا } يَقُول : قَالُوا : لَنْ نُؤْثرك عَلَى الَّذي جَاءَنَا منْ الْبَيّنَات , وَعَلَى الَّذي فَطَرَنَا . وَيَعْني بقَوْله : { فَطَرَنَا } خَلَقَنَا ; فَاَلَّذي منْ قَوْله : { وَاَلَّذي فَطَرَنَا } خُفضَ عَلَى قَوْله : { مَا جَاءَنَا } , وَقَدْ يَحْتَمل أَنْ يَكُون قَوْله : { وَاَلَّذي فَطَرَنَا } خَفْضًا عَلَى الْقَسَم , فَيَكُون مَعْنَى الْكَلَام : لَنْ نُؤْثرك عَلَى مَا جَاءَنَا منْ الْبَيّنَات وَاَللَّه . وَقَوْله : { فَاقْض مَا أَنْتَ قَاضٍ } يَقُول : فَاصْنَعْ مَا أَنْتَ صَانع , وَاعْمَلْ بنَا مَا بَدَا لَك { إنَّمَا تَقْضي هَذه الْحَيَاة الدُّنْيَا } يَقُول : إنَّمَا تَقْدر أَنْ تُعَذّبنَا في هَذه الْحَيَاة الدُّنْيَا الَّتي تَفْنَى . وَنَصَبَ الْحَيَاة الدُّنْيَا عَلَى الْوَقْت وَجُعلَتْ إنَّمَا حَرْفًا وَاحدًا . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18266 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , قَالَ : حُدّثْت عَنْ وَهْب بْن مُنَبّه { لَنْ نُؤْثرك عَلَى مَا جَاءَنَا منْ الْبَيّنَات وَاَلَّذي فَطَرَنَا } أَيْ عَلَى اللَّه عَلَى مَا جَاءَنَا منْ الْحُجَج مَعَ بَيّنَة { فَاقْض مَا أَنْتَ قَاضٍ } : أَيْ اصْنَعْ مَا بَدَا لَك { إنَّمَا تَقْضي هَذه الْحَيَاة الدُّنْيَا } أَيْ لَيْسَ سُلْطَان إلَّا فيهَا , ثُمَّ لَا سُلْطَان لَك بَعْده .
إِنَّاۤ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِیَغۡفِرَ لَنَا خَطَـٰیَـٰنَا وَمَاۤ أَكۡرَهۡتَنَا عَلَیۡهِ مِنَ ٱلسِّحۡرِۗ وَٱللَّهُ خَیۡرࣱ وَأَبۡقَىٰۤ ﴿٧٣﴾
وَقَوْله : { إنَّا آمَنَّا برَبّنَا ليَغْفر لَنَا خَطَايَانَا } يَقُول تَعَالَى ذكْره : إنَّا أَقْرَرْنَا بتَوْحيد رَبّنَا , وَصَدَّقْنَا بوَعْده وَوَعيده . وَأَنَّ مَا جَاءَ به مُوسَى حَقّ { ليَغْفر لَنَا خَطَايَانَا } يَقُول : ليَعْفُوَ لَنَا عَنْ ذُنُوبنَا فَيَسْتُرهَا عَلَيْنَا .





قَالَ : أَمَرْتنَا أَنْ نَتَعَلَّمهُ . يَقُول : ليَغْفر لَنَا ذُنُوبنَا , وَتُعَلّمنَا مَا تَعَلَّمْنَاهُ منْ السّحْر , وَعَملْنَا به الَّذي أَكْرَهْتنَا عَلَى تَعَلُّمه وَالْعَمَل به . وَذُكرَ أَنَّ فرْعَوْن كَانَ أَخَذَهُمْ بتَعْليم السّحْر . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18267 - حَدَّثَني مُوسَى بْن سَهْل , قَالَ : ثنا نُعَيْم بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا سُفْيَان بْن عُيَيْنَة , عَنْ أَبي سَعيد , عَنْ عكْرمَة , عَنْ ابْن عَبَّاس , في قَوْل اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { وَمَا أَكْرَهْتنَا عَلَيْه منْ السّحْر } قَالَ : غلْمَان دَفَعَهُمْ فرْعَوْن إلَى السَّحَرَة , تُعَلّمهُمْ السّحْر بالْفَرَمَا . 18268 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله : { وَمَا أَكْرَهْتنَا عَلَيْه منْ السّحْر } قَالَ : أَمَرَهُمْ بتَعَلُّم السّحْر , قَالَ : تَرَكُوا كتَاب اللَّه , وَأَمَرُوا قَوْمهمْ بتَعْليم السّحْر .



وَقَوْله : { وَاَللَّه خَيْر وَأَبْقَى } يَقُول : وَاَللَّه خَيْر منْك يَا فرْعَوْن جَزَاء لمَنْ أَطَاعَهُ , وَأَبْقَى عَذَابًا لمَنْ عَصَاهُ وَخَالَفَ أَمْره , كَمَا : 18269 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق { وَاَللَّه خَيْر وَأَبْقَى } : خَيْر منْك ثَوَابًا , وَأَبْقَى عَذَابًا . 18270 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ أَبي مَعْشَر , عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب , وَمُحَمَّد بْن قَيْس في قَوْل اللَّه : { وَاَللَّه خَيْر وَأَبْقَى } قَالَا : خَيْرًا منْك إنْ أُطيعَ , وَأَبْقَى منْك عَذَابًا إنْ عُصيَ .
إِنَّهُۥ مَن یَأۡتِ رَبَّهُۥ مُجۡرِمࣰا فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا یَمُوتُ فِیهَا وَلَا یَحۡیَىٰ ﴿٧٤﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { إنَّهُ مَنْ يَأْت رَبّه مُجْرمًا فَإنَّ لَهُ جَهَنَّم لَا يَمُوت فيهَا وَلَا يَحْيَى } يَقُول تَعَالَى ذكْره مُخْبرًا عَنْ قيل السَّحَرَة لفرْعَوْن : { إنَّهُ مَنْ يَأْت رَبّه } منْ خَلْقه { مُجْرمًا } يَقُول : مُكْتَسبًا الْكُفْر به , { فَإنَّ لَهُ جَهَنَّم } يَقُول : فَإنَّ لَهُ جَهَنَّم مَأْوَى وَمَسْكَنًا , جَزَاء لَهُ عَلَى كُفْره { لَا يَمُوت فيهَا } فَتَخْرُج نَفْسه { وَلَا يَحْيَا } فَتَسْتَقرّ نَفْسه في مَقَرّهَا فَتَطْمَئنّ , وَلَكنَّهَا تَتَعَلَّق بالْحَنَاجر منْهُمْ .
وَمَن یَأۡتِهِۦ مُؤۡمِنࣰا قَدۡ عَمِلَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَأُوْلَـٰۤىِٕكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَـٰتُ ٱلۡعُلَىٰ ﴿٧٥﴾
مُوَحّدًا لَا يُشْرك به .





يَقُول : قَدْ عَملَ مَا أَمَرَهُ به رَبّه , وَانْتَهَى عَمَّا نَهَاهُ عَنْهُ .



يَقُول : فَأُولَئكَ الَّذينَ لَهُمْ دَرَجَات الْجَنَّة الْعُلَى .
جَنَّـٰتُ عَدۡنࣲ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَـٰرُ خَـٰلِدِینَ فِیهَاۚ وَذَ ٰ⁠لِكَ جَزَاۤءُ مَن تَزَكَّىٰ ﴿٧٦﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { جَنَّات عَدْن تَجْري منْ تَحْتهَا الْأَنْهَار خَالدينَ فيهَا } يَقُول تَعَالَى ذكْره : { وَمَنْ يَأْته مُؤْمنًا قَدْ عَملَ الصَّالحَات فَأُولَئكَ لَهُمْ الدَّرَجَات الْعُلَى } . ثُمَّ بَيَّنَ تلْكَ الدَّرَجَات الْعُلَى مَا هيَ , فَقَالَ : هُنَّ { جَنَّات عَدْن } يَعْني : جَنَّات إقَامَة لَا ظَعْن عَنْهَا وَلَا نَفَاد لَهَا وَلَا فَنَاء { تَجْري منْ تَحْتهَا الْأَنْهَار } يَقُول : تَجْري منْ تَحْت أَشْجَارهَا الْأَنْهَار { خَالدينَ فيهَا } يَقُول : مَاكثينَ فيهَا إلَى غَيْر غَايَة مَحْدُودَة ; فَالْجَنَّات منْ قَوْله { جَنَّات عَدْن } مَرْفُوعَة بالرَّدّ عَلَى الدَّرَجَات , كَمَا : 18271 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , في قَوْله : { وَمَنْ يَأْته مُؤْمنًا قَدْ عَملَ الصَّالحَات فَأُولَئكَ لَهُمْ الدَّرَجَات الْعُلَى } قَالَ : عَدْن .



وَقَوْله : { وَذَلكَ جَزَاء مَنْ تَزَكَّى } يَقُول : وَهَذه الدَّرَجَات الْعُلَى الَّتي هيَ جَنَّات عَدْن عَلَى مَا وَصَفَ جَلَّ جَلَاله ثَوَاب مَنْ تَزَكَّى , يَعْني : مَنْ تَطَهَّرَ منْ الذُّنُوب , فَأَطَاعَ اللَّه فيمَا أَمَرَهُ , وَلَمْ يُدَنّس نَفْسه بمَعْصيَته فيمَا نَهَاهُ عَنْهُ .
وَلَقَدۡ أَوۡحَیۡنَاۤ إِلَىٰ مُوسَىٰۤ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِی فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِیقࣰا فِی ٱلۡبَحۡرِ یَبَسࣰا لَّا تَخَـٰفُ دَرَكࣰا وَلَا تَخۡشَىٰ ﴿٧٧﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إلَى مُوسَى أَنْ أَسْر بعبَادي فَاضْربْ لَهُمْ طَريقًا في الْبَحْر يَبَسًا } يَقُول تَعَالَى ذكْره : { وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إلَى } نَبيّنَا { مُوسَى } إذْ تَابَعْنَا لَهُ الْحُجَج عَلَى فرْعَوْن , فَأَبَى أَنْ يَسْتَجيب لأَمْر رَبّه , وَطَغَى وَتَمَادَى في طُغْيَانه { أَنْ أَسْر } لَيْلًا { بعبَادي } يَعْني بعبَادي منْ بَني إسْرَائيل .



يَقُول : فَاتَّخذْ لَهُمْ في الْبَحْر طَريقًا يَابسًا . وَالْيَبَس وَالْيَبْس : يُجْمَع أَيْبَاس , تَقُول : وَقَفُوا في أَيْبَاس منْ الْأَرْض . وَالْيَبْس الْمُخَفَّف : يَجْمَع يُبُوس . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ , قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18272 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , قَوْله { يَبَسًا } قَالَ : يَابسًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد , مثْله .



وَأَمَّا قَوْله : { لَا تَخَاف دَرَكًا وَلَا تَخْشَى } فَإنَّهُ يَعْني : لَا تَخَاف منْ فرْعَوْن وَجُنُوده أَنْ يُدْركُوك منْ وَرَائك , وَلَا تَخْشَى غَرَقًا منْ بَيْن يَدَيْك وَوَحْلًا . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في تَأْويل ذَلكَ , قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18273 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالح , قَالَ : ثَنْي مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , في قَوْله : { لَا تَخَاف دَرَكًا وَلَا تَخْشَى } يَقُول : { لَا تَخَاف } منْ آل فرْعَوْن { دَرَكًا وَلَا تَخْشَى } منْ الْبَحْر غَرَقًا . 18274 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة { لَا تَخَاف دَرَكًا وَلَا تَخْشَى } يَقُول : لَا تَخَاف أَنْ يُدْركك فرْعَوْن منْ بَعْدك وَلَا تَخْشَى الْغَرَق أَمَامك . 18275 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْج : قَالَ أَصْحَاب مُوسَى : هَذَا فرْعَوْن قَدْ أَدْرَكَنَا , وَهَذَا الْبَحْر قَدْ غَشيَنَا , فَأَنْزَلَ اللَّه : { لَا تَخَاف دَرَكًا } أَصْحَاب فرْعَوْن { وَلَا تَخْشَى } منْ الْبَحْر وَحْلًا . 18276 - حَدَّثَني أَحْمَد بْن الْوَليد الرَّمْليّ , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ بَعْض أَصْحَابه , في قَوْله : { لَا تَخَاف دَرَكًا وَلَا تَخْشَى } قَالَ : الْوَحْل . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء في قرَاءَة قَوْله { لَا تَخَاف دَرَكًا } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْأَمْصَار غَيْر الْأَعْمَش وَحَمْزَة : { لَا تَخَاف دَرَكًا } عَلَى الاسْتئْنَاف بلَا , كَمَا قَالَ : { وَاصْطَبرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلك رزْقًا } 20 132 فَرَفَعَ , وَأَكْثَر مَا جَاءَ في هَذَا الْأَمْر الْجَوَاب مَعَ " لَا " . وَقَرَأَ ذَلكَ الْأَعْمَش وَحَمْزَة " لَا تَخَفْ دَرَكًا " فَجَزَمَا لَا تَخَاف عَلَى الْجَزَاء , وَرَفَعَا { وَلَا تَخْشَى } عَلَى الاسْتئْنَاف , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { يُوَلُّوكُمْ الْأَدْبَار ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ } 3 111 فَاسْتَأْنَفَ بثُمَّ , وَلَوْ نَوَى بقَوْله : { وَلَا تَخْشَى } الْجَزْم , وَفيه الْيَاء , كَانَ جَائزًا , كَمَا قَالَ الرَّاجز : هُزّي إلَيْك الْجذْع يَجْنيك الْجَنَى وَأَعْجَب الْقرَاءَتَيْن إلَيَّ أَنْ أَقْرَأ بهَا : { لَا تَخَاف } عَلَى وَجْه الرَّفْع , لأَنَّ ذَلكَ أَفْصَح اللُّغَتَيْن , وَإنْ كَانَتْ الْأُخْرَى جَائزَة . وَكَانَ بَعْض نَحْويّي الْبَصْرَة يَقُول : مَعْنَى قَوْله : { لَا تَخَاف دَرَكًا } اضْربْ لَهُمْ طَريقًا لَا تَخَاف فيه دَرَكًا , قَالَ : وَحَذَفَ فيه , كَمَا تَقُول : زَيْد أَكْرَمْت , وَأَنْتَ تُريد : أَكْرَمْته , وَكَمَا تَقُول : { وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزي نَفْس عَنْ نَفْس شَيْئًا } 2 48 أَيْ لَا تُجْزَى فيه . وَأَمَّا نَحْويُّو الْكُوفَة فَإنَّهُمْ يُنْكرُونَ حَذْف فيه إلَّا في الْمَوَاقيت , لأَنَّهُ يَصْلُح فيهَا أَنْ يُقَال : قُمْت الْيَوْم وَفي الْيَوْم , وَلَا يُجيزُونَ ذَلكَ في الْأَسْمَاء .
فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ بِجُنُودِهِۦ فَغَشِیَهُم مِّنَ ٱلۡیَمِّ مَا غَشِیَهُمۡ ﴿٧٨﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { فَأَتْبَعَهُمْ فرْعَوْن بجُنُوده فَغَشيَهُمْ منْ الْيَمّ مَا غَشيَهُمْ } يَقُول تَعَالَى ذكْره : فَسَرَى مُوسَى ببَني إسْرَائيل إذَا أَوْحَيْنَا إلَيْه أَنْ أَسْر بهمْ , فَأَتْبَعَهُمْ فرْعَوْن بجُنُوده حين قَطَعُوا الْبَحْر , فَغَشيَ فرْعَوْن وَجُنْده منْ الْيَمّ مَا غَشيَهُمْ , فَغَرقُوا جَميعًا .
وَأَضَلَّ فِرۡعَوۡنُ قَوۡمَهُۥ وَمَا هَدَىٰ ﴿٧٩﴾
{ وَأَضَلَّ فرْعَوْن قَوْمه وَمَا هَدَى } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَجَاوَزَ فرْعَوْن بقَوْمه عَنْ سَوَاء السَّبيل , وَأَخَذَ بهمْ عَلَى غَيْر اسْتقَامَة , وَذَلكَ أَنَّهُ سَلَكَ بهمْ طَريق أَهْل النَّار , بأَمْرهمْ بالْكُفْر باَللَّه , وَتَكْذيب رُسُله { وَمَا هَدَى } يَقُول : وَمَا سَلَكَ بهمْ الطَّريق الْمُسْتَقيم , وَذَلكَ أَنَّهُ نَهَاهُمْ عَنْ اتّبَاع رَسُول اللَّه مُوسَى , وَالتَّصْديق به , فَأَطَاعُوهُ , فَلَمْ يَهْدهمْ بأَمْره إيَّاهُمْ بذَلكَ , وَلَمْ يَهْتَدُوا باتّبَاعهمْ إيَّاهُ .
یَـٰبَنِیۤ إِسۡرَ ٰ⁠ۤءِیلَ قَدۡ أَنجَیۡنَـٰكُم مِّنۡ عَدُوِّكُمۡ وَوَ ٰ⁠عَدۡنَـٰكُمۡ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلۡأَیۡمَنَ وَنَزَّلۡنَا عَلَیۡكُمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰ ﴿٨٠﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { يَا بَني إسْرَائيل قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ منْ عَدُوّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانب الطُّور الْأَيْمَن وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمْ الْمَنّ وَالسَّلْوَى } يَقُول تَعَالَى ذكْره : فَلَمَّا نَجَا مُوسَى بقَوْمه منْ الْبَحْر , وَغَشيَ فرْعَوْن قَوْمه منْ الْيَمّ مَا غَشيَهُمْ , قُلْنَا لقَوْم مُوسَى : { يَا بَني إسْرَائيل قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ منْ عَدُوّكُمْ } فرْعَوْن { وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانب الطُّور الْأَيْمَن وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمْ الْمَنّ وَالسَّلْوَى } وَقَدْ ذَكَرْنَا كَيْف كَانَتْ مُوَاعَدَة اللَّه مُوسَى وَقَوْمه جَانب الطُّور الْأَيْمَن . وَقَدْ بَيَّنَّا الْمَنّ وَالسَّلْوَى باخْتلَاف الْمُخْتَلفينَ فيهمَا , وَذَكَرْنَا الشَّوَاهد عَلَى الصَّوَاب منْ الْقَوْل في ذَلكَ فيمَا مَضَى قَبْل , بمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَته في هَذَا الْمَوْضع . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء في قرَاءَة قَوْله : { قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ } فَكَانَتْ عَامَّة قُرَّاء الْمَدينَة وَالْبَصْرَة يَقْرَءُونَهُ : { قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ } بالنُّون وَالْأَلف وَسَائر الْحُرُوف الْأُخَر مَعَهُ كَذَلكَ , وَقَرَأَ ذَلكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة : " قَدْ أَنْجَيْتُكُمْ " بالتَّاء , وَكَذَلكَ سَائر الْحُرُوف الْأُخَر , إلَّا قَوْله : { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمْ الْمَنّ وَالسَّلْوَى } فَإنَّهُمْ وَافَقُوا الْآخَرينَ في ذَلكَ وَقَرَءُوهُ بالنُّون وَالْأَلف . وَالْقَوْل في ذَلكَ عنْدي أَنَّهُمَا قرَاءَتَان مَعْرُوفَتَان باتّفَاق الْمَعْنَى , فَبأَيَّتهمَا قَرَأَ الْقَارئ ذَلكَ فَمُصيب .
كُلُواْ مِن طَیِّبَـٰتِ مَا رَزَقۡنَـٰكُمۡ وَلَا تَطۡغَوۡاْ فِیهِ فَیَحِلَّ عَلَیۡكُمۡ غَضَبِیۖ وَمَن یَحۡلِلۡ عَلَیۡهِ غَضَبِی فَقَدۡ هَوَىٰ ﴿٨١﴾
وَقَوْله : { كُلُوا منْ طَيّبَات مَا رَزَقْنَاكُمْ } يَقُول تَعَالَى ذكْره لَهُمْ : كُلُوا يَا بَني إسْرَائيل منْ شَهيَّات رزْقنَا الَّذي رَزَقْنَاكُمْ , وَحَلَاله الَّذي طَيَّبْنَاهُ لَكُمْ { وَلَا تَطْغَوْا فيه } يَقُول : وَلَا تَعْتَدُوا فيه , وَلَا يَظْلم فيه بَعْضكُمْ بَعْضًا , كَمَا : 18277 - حَدَّثَنَا عَليّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالح , قَالَ : ثَنْي مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْل : { وَلَا تَطْغَوْا فيه } يَقُول : وَلَا تَظْلمُوا . وَقَوْله : { فَيَحلّ عَلَيْكُمْ غَضَبي } يَقُول : فَيَنْزل عَلَيْكُمْ عُقُوبَتي , كَمَا : 18278 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَيَحلّ عَلَيْكُمْ غَضَبي } يَقُول : فَيَنْزل عَلَيْكُمْ غَضَبي . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء في قرَاءَة ذَلكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْحجَاز وَالْمَدينَة وَالْبَصْرَة وَالْكُوفَة { فَيَحلّ عَلَيْكُمْ } بكَسْر الْحَاء { وَمنْ يَحْللْ } بكَسْر اللَّام . وَوَجَّهُوا مَعْنَاهُ إلَى : فَيَجب عَلَيْكُمْ غَضَبي . وَقَرَأَ ذَلكَ جَمَاعَة منْ أَهْل الْكُوفَة : " فَيَحُلّ عَلَيْكُمْ " بضَمّ الْحَاء , وَوَجَّهُوا تَأْويله إلَى مَا ذَكَرْنَا عَنْ قَتَادَة منْ أَنَّهُ : فَيَقَع وَيَنْزل عَلَيْكُمْ غَضَبي . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالصَّوَاب منْ الْقَوْل في ذَلكَ أَنَّهُمَا قرَاءَتَان مَشْهُورَتَان قَدْ قَرَأَ بكُلّ وَاحدَة منْهُمَا عُلَمَاء منْ الْقُرَّاء , وَقَدْ حَذَّرَ اللَّه الَّذينَ قيلَ لَهُمْ هَذَا الْقَوْل منْ بَني إسْرَائيل وُقُوع بَأْسه بهمْ وَنُزُوله بمَعْصيَتهمْ إيَّاهُ إنْ هُمْ عَصَوْهُ , وَخَوَّفَهُمْ وُجُوبه لَهُمْ , فَسَوَاء قُرئَ ذَلكَ بالْوُقُوع أَوْ بالْوُجُوب , لأَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ خُوّفُوا الْمَعْنَيَيْن كلَيْهمَا .



الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ يَحْللْ عَلَيْه غَضَبي فَقَدْ هَوَى } يَقُول تَعَالَى ذكْره : وَمَنْ يَجب عَلَيْه غَضَبي , فَيَنْزل به . فَقَدْ هَوَى , يَقُول فَقَدْ تَرَدَّى فَشَقيَ , كَمَا : 18279 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالح , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { فَقَدْ هَوَى } يَقُول : فَقَدْ شَقيَ .
وَإِنِّی لَغَفَّارࣱ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحࣰا ثُمَّ ٱهۡتَدَىٰ ﴿٨٢﴾
وَقَوْله : { وَإنّي لَغَفَّار لمَنْ تَابَ } يَقُول : وَإنّي لذُو غَفْر لمَنْ تَابَ منْ شرْكه , فَرَجَعَ منْهُ إلَى الْإيمَان لي وَآمَنَ , يَقُول : وَأَخْلَصَ لي الْأُلُوهَة , وَلَمْ يُشْرك في عبَادَته إيَّايَ غَيْري . { وَعَملَ صَالحًا } يَقُول : وَأَدَّى فَرَائضي الَّتي افْتَرَضْتهَا عَلَيْه , وَاجْتَنَبَ مَعَاصيّ . { ثُمَّ اهْتَدَى } يَقُول : ثُمَّ لَزمَ ذَلكَ , فَاسْتَقَامَ وَلَمْ يُضَيّع شَيْئًا منْهُ . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في تَأْويل قَوْله { وَإنّي لَغَفَّار لمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَملَ صَالحًا ثُمَّ اهْتَدَى } قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18280 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالح , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَإنّي لَغَفَّار لمَنْ تَابَ } منْ الشّرْك { وَآمَنَ } يَقُول : وَحَّدَ اللَّه { وَعَملَ صَالحًا } يَقُول : أَدَّى فَرَائضي . 18281 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَإنّي لَغَفَّار لمَنْ تَابَ } منْ ذَنْبه { وَآمَنَ } به { وَعَملَ صَالحًا } فيمَا بَيْنه وَبَيْن اللَّه . 18282 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ أَبي جَعْفَر الرَّازيّ , عَنْ الرَّبيع { وَإنّي لَغَفَّار لمَنْ تَابَ } منْ الشّرْك { وَآمَنَ } يَقُول : وَأَخْلَصَ للَّه , وَعَملَ في إخْلَاصه .



وَاخْتَلَفُوا في مَعْنَى قَوْله : { ثُمَّ اهْتَدَى } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : لَمْ يَشْكُكْ في إيمَانه . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18283 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثَنْي مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { ثُمَّ اهْتَدَى } يَقُول : لَمْ يَشْكُكْ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلكَ : ثُمَّ لَزمَ الْإيمَان وَالْعَمَل الصَّالح . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18284 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة { ثُمَّ اهْتَدَى } يَقُول : ثُمَّ لَزمَ الْإسْلَام حَتَّى يَمُوت عَلَيْه . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلكَ : ثُمَّ اسْتَقَامَ . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18285 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنْي حَجَّاج , عَنْ أَبي جَعْفَر الرَّازيّ , عَنْ الرَّبيع بْن أَنَس { ثُمَّ اهْتَدَى } قَالَ : أَخَذَ بسُنَّة نَبيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ : أَصَابَ الْعَمَل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18286 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد في قَوْله : { وَعَملَ صَالحًا ثُمَّ اهْتَدَى } قَالَ : أَصَابَ الْعَمَل . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلكَ : عَرَفَ أَمْر مُثيبه . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18287 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ الْكَلْبيّ { وَإنّي لَغَفَّار لمَنْ تَابَ } منْ الذَّنْب { وَآمَنَ } منْ الشّرْك { وَعَملَ صَالحًا } أَدَّى مَا افْتَرَضْت عَلَيْه { ثُمَّ اهْتَدَى } عَرَفَ مُثيبه إنْ خَيْرًا فَخَيْرًا , وَإنْ شَرًّا فَشَرًّا . وَقَالَ آخَرُونَ بمَا : 18288 - حَدَّثَنَا إسْمَاعيل بْن مُوسَى الْفَزَاريّ , قَالَ : أَخْبَرَنَا عُمَر بْن شَاكر , قَالَ : سَمعْت ثَابتًا الْبُنَانيّ يَقُول في قَوْله : { وَإنّي لَغَفَّار لمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَملَ صَالحًا ثُمَّ اهْتَدَى } قَالَ : إلَى ولَايَة أَهْل بَيْت النَّبيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : إنَّمَا اخْتَرْنَا الْقَوْل الَّذي اخْتَرْنَا في ذَلكَ , منْ أَجْل أَنَّ الاهْتدَاء هُوَ الاسْتقَامَة عَلَى هُدًى , وَلَا مَعْنَى للاسْتقَامَة عَلَيْه إلَّا وَقَدْ جَمَعَهُ الْإيمَان وَالْعَمَل الصَّالح وَالتَّوْبَة , فَمَنْ فَعَلَ ذَلكَ وَثَبَتَ عَلَيْه , فَلَا شَكَّ في اهْتدَائه .
۞ وَمَاۤ أَعۡجَلَكَ عَن قَوۡمِكَ یَـٰمُوسَىٰ ﴿٨٣﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا أَعْجَلَك عَنْ قَوْمك يَا مُوسَى } يَقُول تَعَالَى ذكْره : وَمَا أَعْجَلَك ؟ وَأَيّ شَيْء أَعْجَلَك عَنْ قَوْمك يَا مُوسَى , فَتَقَدَّمْتهمْ وَخَلَّفْتهمْ وَرَاءَك , وَلَمْ تَكُنْ مَعَهُمْ ؟ وَإنَّمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى ذكْره لمُوسَى : مَا أَعْجَلَك عَنْ قَوْمك ؟ لأَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ , فيمَا بَلَغَنَا , حين نَجَّاهُ وَبَني إسْرَائيل منْ فرْعَوْن وَقَوْمه , وَقَطَعَ بهمْ الْبَحْر , وَعَدَهُمْ جَانب الطُّور الْأَيْمَن , فَتَعَجَّلَ مُوسَى إلَى رَبّه , وَأَقَامَ هَارُون في بَني إسْرَائيل , يَسير بهمْ عَلَى أَثَر مُوسَى . كَمَا : 18289 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , قَالَ : وَعَدَ اللَّه مُوسَى حين أَهْلَكَ فرْعَوْن وَقَوْمه وَنَجَّاهُ وَقَوْمه , ثَلَاثينَ لَيْلَة , ثُمَّ أَتَمَّهَا بعَشْرٍ , فَتَمَّ ميقَات رَبّه أَرْبَعينَ لَيْلَة , تَلَقَّاهُ فيهَا بمَا شَاءَ , فَاسْتَخْلَفَ مُوسَى هَارُون في بَني إسْرَائيل , وَمَعَهُ السَّامريّ , يَسير بهمْ عَلَى أَثَر مُوسَى ليَلْحَقهُمْ به , فَلَمَّا كَلَّمَ اللَّه مُوسَى , قَالَ لَهُ { مَا أَعْجَلَك عَنْ قَوْمك يَا مُوسَى قَالَ هُمْ أُولَاء عَلَى أَثَري وَعَجلْت إلَيْك رَبّ لتَرْضَى } .
قَالَ هُمۡ أُوْلَاۤءِ عَلَىٰۤ أَثَرِی وَعَجِلۡتُ إِلَیۡكَ رَبِّ لِتَرۡضَىٰ ﴿٨٤﴾
يَقُول : قَوْمي عَلَى أَثَري يَلْحَقُونَ بي .



يَقُول : وَعَجلْت أَنَا فَسَبَقْتهمْ رَبّ , كَيْمَا تَرْضَى عَنّي . كَمَا : 18290 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد في قَوْله : { وَعَجلْت إلَيْك رَبّ لتَرْضَى } قَالَ : لأُرْضيَك .
قَالَ فَإِنَّا قَدۡ فَتَنَّا قَوۡمَكَ مِنۢ بَعۡدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِیُّ ﴿٨٥﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ فَإنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمك منْ بَعْدك وَأَضَلَّهُمْ السَّامريّ } يَقُول اللَّه تَعَالَى ذكْره قَالَ اللَّه لمُوسَى : فَإنَّا يَا مُوسَى قَدْ ابْتَلَيْنَا قَوْمك منْ بَعْدك بعبَادَة الْعجْل , وَذَلكَ كَانَ فتْنَتهمْ منْ بَعْد مُوسَى . وَيَعْني بقَوْله : { منْ بَعْدك } : منْ بَعْد فرَاقك إيَّاهُمْ .



يَقُول اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { وَأَضَلَّهُمْ السَّامريّ } وَكَانَ إضْلَال السَّامريّ إيَّاهُمْ دُعَاءَهُ إيَّاهُمْ إلَى عبَادَة الْعجْل .
فَرَجَعَ مُوسَىٰۤ إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ غَضۡبَـٰنَ أَسِفࣰاۚ قَالَ یَـٰقَوۡمِ أَلَمۡ یَعِدۡكُمۡ رَبُّكُمۡ وَعۡدًا حَسَنًاۚ أَفَطَالَ عَلَیۡكُمُ ٱلۡعَهۡدُ أَمۡ أَرَدتُّمۡ أَن یَحِلَّ عَلَیۡكُمۡ غَضَبࣱ مِّن رَّبِّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُم مَّوۡعِدِی ﴿٨٦﴾
وَقَوْله : { فَرَجَعَ مُوسَى إلَى قَوْمه } يَقُول : فَانْصَرَفَ مُوسَى إلَى قَوْمه منْ بَني إسْرَائيل بَعْد انْقضَاء الْأَرْبَعينَ لَيْلَة { غَضْبَان أَسفًا } مُتَغَيّظًا عَلَى قَوْمه , حَزينًا لمَا أَحْدَثُوهُ بَعْده منْ الْكُفْر باَللَّه . كَمَا : 18291 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , قَالَ : ثني أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { غَضْبَان أَسفًا } يَقُول : حَزينًا . وَقَالَ في الزُّخْرُف : { فَلَمَّا آسَفُونَا } 43 55 يَقُول : أَغْضَبُونَا , وَالْأَسَف عَلَى وَجْهَيْن : الْغَضَب , وَالْحُزْن . 18292 - حَدَّثَني مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدّيّ { غَضْبَان أَسفًا } يَقُول : حَزينًا . 18293 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إلَى قَوْمه غَضْبَان أَسفًا } : أَيْ حَزينًا عَلَى مَا صَنَعَ قَوْمه منْ بَعْده . 18294 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , قَوْله : { أَسفًا } قَالَ : حَزينًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد , مثْله .





وَقَوْله : { قَالَ يَا قَوْم أَلَمْ يَعدكُمْ رَبّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا } يَقُول : أَلَمْ يَعدكُمْ رَبّكُمْ أَنَّهُ غَفَّار لمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَملَ صَالحًا ثُمَّ اهْتَدَى , وَيَعدكُمْ جَانب الطُّور الْأَيْمَن , وَيُنَزّل عَلَيْكُمْ الْمَنّ وَالسَّلْوَى , فَذَلكَ وَعْد اللَّه الْحَسَن بَني إسْرَائيل الَّذي قَالَ لَهُمْ مُوسَى : أَلَمْ يَعدكُمُوهُ رَبّكُمْ .



وَقَوْله : { أَفَطَالَ عَلَيْكُمْ الْعَهْد أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحلّ عَلَيْكُمْ غَضَب منْ رَبّكُمْ } يَقُول : أَفَطَالَ عَلَيْكُمْ الْعَهْد بي , وَبجَميل نعَم اللَّه عنْدكُمْ , وَأَيَاديه لَدَيْكُمْ , أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحلّ عَلَيْكُمْ غَضَب منْ رَبّكُمْ : يَقُول : أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَجب عَلَيْكُمْ غَضَب منْ رَبّكُمْ فَتَسْتَحقُّوهُ بعبَادَتكُمْ الْعجْل , وَكُفْركُمْ باَللَّه , فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعدي . وَكَانَ إخْلَافهمْ مَوْعده , عُكُوفهمْ عَلَى الْعجْل , وَتَرْكهمْ السَّيْر عَلَى أَثَر مُوسَى للْمَوْعد الَّذي كَانَ اللَّه وَعَدَهُمْ , وَقَوْلهمْ لهَارُون إذْ نَهَاهُمْ عَنْ عبَادَة الْعجْل , وَدَعَاهُمْ إلَى السَّيْر مَعَهُ في أَثَر مُوسَى : { لَنْ نَبْرَح عَلَيْه عَاكفينَ حَتَّى يَرْجع إلَيْنَا مُوسَى } 20 91
قَالُواْ مَاۤ أَخۡلَفۡنَا مَوۡعِدَكَ بِمَلۡكِنَا وَلَـٰكِنَّا حُمِّلۡنَاۤ أَوۡزَارࣰا مِّن زِینَةِ ٱلۡقَوۡمِ فَقَذَفۡنَـٰهَا فَكَذَ ٰ⁠لِكَ أَلۡقَى ٱلسَّامِرِیُّ ﴿٨٧﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعدك } يَقُول تَعَالَى ذكْره : قَالَ قَوْم مُوسَى لمُوسَى : مَا أَخْلَفْنَا مَوْعدك , يَعْنُونَ بمَوْعده : عَهْده الَّذي كَانَ عَهدَهُ إلَيْهمْ , كَمَا : 18295 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى " ح " ; وَحَدَّثَنَا الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , قَوْله : { مَوْعدي } قَالَ : عَهْدي . وَذَلكَ الْعَهْد وَالْمَوْعد هُوَ مَا بَيَّنَّاهُ قَبْل .



وَقَوْله : { بمَلْكنَا } يُخْبر جَلَّ ذكْره عَنْهُمْ أَنَّهُمْ أَقَرُّوا عَلَى أَنْفُسهمْ بالْخَطَأ , وَقَالُوا : إنَّا لَمْ نُطقْ حَمْل أَنْفُسنَا عَلَى الصَّوَاب , وَلَمْ نَمْلك أَمْرنَا حَتَّى وَقَعْنَا في الَّذي وَقَعْنَا فيه منْ الْفتْنَة . وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء في قرَاءَة ذَلكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدينَة : " بمَلْكنَا " بفَتْح الْميم , وَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة : " بمُلْكنَا " بضَمّ الْميم , وَقَرَأَهُ بَعْض أَهْل الْبَصْرَة { بملْكنَا } بالْكَسْر . فَأَمَّا الْفَتْح وَالضَّمّ فَهُمَا بمَعْنًى وَاحد , وَهُمَا بقُدْرَتنَا وَطَاقَتنَا , غَيْر أَنَّ أَحَدهمَا مَصْدَر , وَالْآخر اسْم . وَأَمَّا الْكَسْر فَهُوَ بمَعْنَى ملْك الشَّيْء وَكَوْنه للْمَالك . وَاخْتَلَفَ أَيْضًا أَهْل التَّأْويل في تَأْويله , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : مَا أَخْلَفَنَا مَوْعدك بأَمْرنَا . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18296 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { مَا أَخْلَفَنَا مَوْعدك بمَلْكنَا } يَقُول : بأَمْرنَا . 18297 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , قَوْله : { بمَلْكنَا } قَالَ : بأَمْرنَا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد , مثْله . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : بطَاقَتنَا . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18298 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة { قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعدك بمَلْكنَا } : أَيْ بطَاقَتنَا . 18299 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدّيّ : { قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعدك بمَلْكنَا } يَقُول : بطَاقَتنَا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : مَا أَخْلَفْنَا مَوْعدك بهَوَانَا , وَلَكنَّا لَمْ نَمْلك أَنْفُسنَا . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18300 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله : { مَا أَخْلَفْنَا مَوْعدك بمَلْكنَا } قَالَ : يَقُول بهَوَانَا , قَالَ : وَلَكنَّهُ جَاءَتْ ثَلَاثَة , قَالَ وَمَعَهُمْ حُليّ اسْتَعَارُوهُ منْ آل فرْعَوْن , وَثيَاب . وَقَالَ أَبُو جَعْفَر : وَكُلّ هَذه الْأَقْوَال الثَّلَاثَة في ذَلكَ مُتَقَاربَات الْمَعْنَى , لأَنَّ مَنْ لَمْ يُهْلك نَفْسه , لغَلَبَة هَوَاهُ عَلَى مَا أَمَرَ , فَإنَّهُ لَا يَمْتَنع في اللُّغَة أَنْ يَقُول : فَعَلَ فُلَان هَذَا الْأَمْر , وَهُوَ لَا يَمْلك نَفْسه وَفعْله , وَهُوَ لَا يَضْبطهَا وَفعْله وَهُوَ لَا يُطيق تَرْكه . فَإذَا كَانَ ذَلكَ كَذَلكَ , فَسَوَاء بأَيّ الْقرَاءَات الثَّلَاث قَرَأَ ذَلكَ الْقَارئ , وَذَلكَ أَنَّ مَنْ كَسَرَ الْميم منْ الْمَلْك , فَإنَّمَا يُوَجّه مَعْنَى الْكَلَام إلَى مَا أَخْلَفْنَا مَوْعدك , وَنَحْنُ نَمْلك الْوَفَاء به لغَلَبَة أَنْفُسنَا إيَّانَا عَلَى خلَافه , وَجَعْله منْ قَوْل الْقَائل : هَذَا ملْك فُلَان لمَا يَمْلكهُ منْ الْمَمْلُوكَات , وَأَنَّ مَنْ فَتَحَهَا , فَإنَّهُ يُوَجّه مَعْنَى الْكَلَام إلَى نَحْو ذَلكَ , غَيْر أَنَّهُ يَجْعَلهُ مَصْدَرًا منْ قَوْل الْقَائل : مَلَكْت الشَّيْء أَمْلكهُ ملْكًا وَمَلَكَة , كَمَا يُقَال : غَلَبَتْ فُلَانًا أَغْلبهُ غُلْبًا وَغَلَبَة , وَأَنَّ مَنْ ضَمَّهَا فَإنَّهُ وَجَّهَ مَعْنَاهُ إلَى مَا أَخْلَفْنَا مَوْعدك بسُلْطَاننَا وَقُدْرَتنَا , أَيْ وَنَحْنُ نَقْدر أَنْ نَمْتَنع منْهُ , لأَنَّ كُلّ مَنْ قَهَرَ شَيْئًا فَقَدْ صَارَ لَهُ السُّلْطَان عَلَيْه . وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْض النَّاس قرَاءَة مَنْ قَرَأَهُ بالضَّمّ , فَقَالَ : أَيّ ملْك كَانَ يَوْمئذٍ لبَني إسْرَائيل , وَإنَّمَا كَانُوا بمصْرَ مُسْتَضْعَفينَ , فَأَغْفَلَ مَعْنَى الْقَوْم وَذَهَبَ غَيْر مُرَادهمْ ذَهَابًا بَعيدًا ; وَقَارئُو ذَلكَ بالضَّمّ لَمْ يَقْصدُوا الْمَعْنَى الَّذي ظَنَّهُ هَذَا الْمُنْكر عَلَيْهمْ ذَلكَ , وَإنَّمَا قَصَدُوا إلَى أَنَّ مَعْنَاهُ : مَا أَخْلَفْنَا مَوْعدك بسُلْطَانٍ كَانَتْ لَنَا عَلَى أَنْفُسنَا نَقْدر أَنْ نَرُدّهَا عَمَّا أَتَتْ , لأَنَّ هَوَاهَا غَلَبَنَا عَلَى إخْلَافك الْمَوْعد .



وَقَوْله : { وَلَكنَّا حُمّلْنَا أَوْزَارًا منْ زينَة الْقَوْم } يَقُول : وَلَكنَّا حُمّلْنَا أَثْقَالًا وَأَحْمَالًا منْ زينَة الْقَوْم , يَعْنُونَ منْ حُليّ آل فرْعَوْن ; وَذَلكَ أَنَّ بَني إسْرَائيل لَمَّا أَرَادَ مُوسَى أَنْ يَسير بهمْ لَيْلًا منْ مصْر بأَمْر اللَّه إيَّاهُ بذَلكَ , أَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَعيرُوا منْ أَمْتعَة آل فرْعَوْن وَحُليّهمْ , وَقَالَ : إنَّ اللَّه مُغْنمكُمْ ذَلكَ , فَفَعَلُوا , وَاسْتَعَارُوا منْ حُليّ نسَائهمْ وَأَمْتعَتهمْ , فَذَلكَ قَوْلهمْ لمُوسَى حين قَالَ لَهُمْ { أَفَطَالَ عَلَيْكُمْ الْعَهْد أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحلّ عَلَيْكُمْ غَضَب منْ رَبّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعدي قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعدك بمَلْكنَا , وَلَكنَّا حُمّلْنَا أَوْزَارًا منْ زينَة الْقَوْم } . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ , قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18301 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , قَالَ : ثني أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَكنَّا حُمّلْنَا أَوْزَارًا منْ زينَة الْقَوْم } فَهُوَ مَا كَانَ مَعَ بَني إسْرَائيل منْ حُليّ آل فرْعَوْن , يَقُول : خَطَّئُونَا بمَا أَصَبْنَا منْ حُليّ عَدُوّنَا . 18302 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , قَوْله : { أَوْزَارًا } قَالَ : أَثْقَالًا . وَقَوْله : { منْ زينَة الْقَوْم } قَالَ : هيَ الْحُليّ الَّتي اسْتَعَارُوا منْ آل فرْعَوْن , فَهيَ الْأَثْقَال . * - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد { وَلَكنَّا حُمّلْنَا أَوْزَارًا } قَالَ : أَثْقَالًا { منْ زينَة الْقَوْم } قَالَ : حُليّهمْ . 18303 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدّيّ { وَلَكنَّا حُمّلْنَا أَوْزَارًا منْ زينَة الْقَوْم } يَقُول : منْ حُليّ الْقبْط . 18304 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله : { وَلَكنَّا حُمّلْنَا أَوْزَارًا منْ زينَة الْقَوْم } قَالَ : الْحُليّ الَّذي اسْتَعَارُوهُ وَالثّيَاب لَيْسَتْ منْ الذُّنُوب في شَيْء , لَوْ كَانَتْ الذُّنُوب كَانَتْ حُمّلْنَاهَا نَحْملهَا , فَلَيْسَتْ منْ الذُّنُوب في شَيْء . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء في قرَاءَة ذَلكَ , فَقَرَأَ عَامَّة قُرَّاء الْمَدينَة وَبَعْض الْمَكّيّينَ : { حُمّلْنَا } بضَمّ الْحَاء وَتَشْديد الْميم بمَعْنَى أَنَّ مُوسَى يُحَمّلهُمْ ذَلكَ . وَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة وَالْبَصْرَة وَبَعْض الْمَكّيّينَ : " حَمَلْنَا " بتَخْفيف الْحَاء وَالْميم وَفَتْحهمَا , بمَعْنَى أَنَّهُمْ حَمَلُوا ذَلكَ منْ غَيْر أَنْ يُكَلّفهُمْ حَمْله أَحَد . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالْقَوْل عنْدي في تَأْويل ذَلكَ أَنَّهُمَا قرَاءَتَان مَشْهُورَتَان مُتَقَاربَتَا الْمَعْنَى , لأَنَّ الْقَوْم حُمّلُوا , وَأَنَّ مُوسَى قَدْ أَمَرَهُمْ بحَمْله , فَبأَيَّتهمَا قَرَأَ الْقَارئ فَمُصيب الصَّوَاب .



وَقَوْله : { فَقَذَفْنَاهَا } يَقُول : فَأَلْقَيْنَا تلْكَ الْأَوْزَار منْ زينَة الْقَوْم في الْحُفْرَة { فَكَذَلكَ أَلْقَى السَّامريّ } يَقُول : فَكَمَا قَذَفْنَا نَحْنُ تلْكَ الْأَثْقَال , فَكَذَلكَ أَلْقَى السَّامريّ مَا كَانَ مَعَهُ منْ تُرْبَة حَافر فَرَس جبْريل . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ , قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18305 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد قَوْله : { فَقَذَفْنَاهَا } قَالَ : فَأَلْقَيْنَاهَا { فَكَذَلكَ أَلْقَى السَّامريّ } : كَذَلكَ صَنَعَ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد { فَقَذَفْنَاهَا } قَالَ : فَأَلْقَيْنَاهَا { فَكَذَلكَ أَلْقَى السَّامريّ } فَكَذَلكَ صَنَعَ . 18306 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة { فَقَذَفْنَاهَا } : أَيْ فَنَبَذْنَاهَا .
كَذَ ٰ⁠لِكَ نَقُصُّ عَلَیۡكَ مِنۡ أَنۢبَاۤءِ مَا قَدۡ سَبَقَۚ وَقَدۡ ءَاتَیۡنَـٰكَ مِن لَّدُنَّا ذِكۡرࣰا ﴿٩٩﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { كَذَلكَ نَقُصّ عَلَيْك منْ أَنْبَاء مَا قَدْ سَبَقَ } يَقُول تَعَالَى ذكْره لنَبيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ : كَمَا قَصَصْنَا عَلَيْك يَا مُحَمَّد نَبَأ مُوسَى وَفرْعَوْن وَقَوْمه وَأَخْبَار بَني إسْرَائيل مَعَ مُوسَى { كَذَلكَ نَقُصّ عَلَيْك منْ أَنْبَاء مَا قَدْ سَبَقَ } يَقُول : كَذَلكَ نُخْبرك بأَنْبَاء الْأَشْيَاء الَّتي قَدْ سَبَقَتْ منْ قَبْلك , فَلَمْ تُشَاهدهَا وَلَمْ تُعَاينهَا .



وَقَوْله : { وَقَدْ آتَيْنَاك منْ لَدُنَّا ذكْرًا } يَقُول تَعَالَى ذكْره لمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ : وَقَدْ آتَيْنَاك يَا مُحَمَّد منْ عنْدنَا ذكْرًا يَتَذَكَّر به , وَيَتَّعظ به أَهْل الْعَقْل وَالْفَهْم , وَهُوَ هَذَا الْقُرْآن الَّذي أَنْزَلَهُ اللَّه عَلَيْه , فَجَعَلَهُ ذكْرَى للْعَالَمينَ .
مَّنۡ أَعۡرَضَ عَنۡهُ فَإِنَّهُۥ یَحۡمِلُ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ وِزۡرًا ﴿١٠٠﴾
وَقَوْله ; { مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ } يَقُول تَعَالَى ذكْره : مَنْ وَلَّى عَنْهُ فَأَدْبَرَ فَلَمْ يُصَدّق به وَلَمْ يُقرّ , { فَإنَّهُ يَحْمل يَوْم الْقيَامَة وزْرًا } يَقُول : فَإنَّهُ يَأْتي رَبّه يَوْم الْقيَامَة يَحْمل حمْلًا ثَقيلًا , وَذَلكَ الْإثْم الْعَظيم , كَمَا : 18347 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , قَوْله : { يَوْم الْقيَامَة وزْرًا } قَالَ : إثْمًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج . عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد , مثْله .
خَـٰلِدِینَ فِیهِۖ وَسَاۤءَ لَهُمۡ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ حِمۡلࣰا ﴿١٠١﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { خَالدينَ فيه وَسَاءَ لَهُمْ يَوْم الْقيَامَة حمْلًا } يَقُول تَعَالَى ذكْره : خَالدينَ في وزْرهمْ , فَأَخْرَجَ الْخَبَر جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ هَؤُلَاء الْمُعْرضينَ عَنْ ذكْره في الدُّنْيَا أَنَّهُمْ خَالدُونَ في أَوْزَارهمْ , وَالْمَعْنَى : أَنَّهُمْ خَالدُونَ في النَّار بأَوْزَارهمْ , وَلَكنْ لَمَّا كَانَ مَعْلُومًا الْمُرَاد منْ الْكَلَام اُكْتُفيَ بمَا ذُكرَ عَمَّا لَمْ يُذْكَر . وَقَوْله : { وَسَاءَ لَهُمْ يَوْم الْقيَامَة حمْلًا } يَقُول تَعَالَى ذكْره : وَسَاءَ ذَلكَ الْحمْل وَالثّقَل منْ الْإثْم يَوْم الْقيَامَة حمْلًا , وَحَقّ لَهُمْ أَنْ يَسُوءهُمْ ذَلكَ , وَقَدْ أَوْرَدَهُمْ مَهْلَكَة لَا مَنْجَى منْهَا . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ , قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18348 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَسَاءَ لَهُمْ يَوْم الْقيَامَة حمْلًا } يَقُول : بئْسَمَا حَمَلُوا . 18349 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبي , قَالَ : ثَنْي عَمّي , قَالَ : ثني أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَسَاءَ لَهُمْ يَوْم الْقيَامَة حمْلًا } يَعْني بذَلكَ : ذُنُوبهمْ .
یَوۡمَ یُنفَخُ فِی ٱلصُّورِۚ وَنَحۡشُرُ ٱلۡمُجۡرِمِینَ یَوۡمَىِٕذࣲ زُرۡقࣰا ﴿١٠٢﴾
وَقَوْله : { يَوْم يُنْفَخ في الصُّور } يَقُول تَعَالَى ذكْره : وَسَاءَ لَهُمْ يَوْم الْقيَامَة , يَوْم يُنْفَخ في الصُّوَر , فَقَوْله : { يَوْم يُنْفَخ في الصُّور } رَدَّ عَلَى يَوْم الْقيَامَة . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى النَّفْخ في الصُّور , وَذَكَرْنَا اخْتلَاف الْمُخْتَلفينَ في مَعْنَى الصُّور , وَالصَّحيح في ذَلكَ منْ الْقَوْل عنْدي بشَوَاهده الْمُغْنيَة عَنْ إعَادَته في هَذَا الْمَوْضع قَبْل . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء في قرَاءَة ذَلكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْأَمْصَار { يَوْم يُنْفَخ في الصُّور } بالْيَاء وَضَمّهَا عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعله , بمَعْنَى : يَوْم يَأْمُر اللَّه إسْرَافيل فَيَنْفُخ في الصُّور . وَكَانَ أَبُو عَمْرو بْن الْعَلَاء يَقْرَأ ذَلكَ " يَوْم نَنْفُخ في الصُّور " بالنُّون بمَعْنَى : يَوْم نَنْفُخ نَحْنُ في الصُّور , كَأَنَّ الَّذي دَعَاهُ إلَى قرَاءَة ذَلكَ كَذَلكَ طَلَبه التَّوْفيق بَيْنه وَبَيْن قَوْله : { وَنَحْشُر الْمُجْرمينَ } إذْ كَانَ لَا خلَاف بَيْن الْقُرَّاء في نَحْشُر أَنَّهَا بالنُّون . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَاَلَّذي أَخْتَار في ذَلكَ منْ الْقرَاءَة يَوْم يُنْفَخ بالْيَاء عَلَى وَجْه مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعله , لأَنَّ ذَلكَ هُوَ الْقرَاءَة الَّتي عَلَيْهَا قُرَّاء الْأَمْصَار وَإنْ كَانَ للَّذي قَرَأَ أَبُو عَمْرو وَجْه غَيْر فَاسد .



وَقَوْله : { وَنَحْشُر الْمُجْرمينَ يَوْمئذٍ زُرْقًا } يَقُول تَعَالَى ذكْره : وَنَسُوق أَهْل الْكُفْر باَللَّه يَوْمئذٍ إلَى مَوْقف الْقيَامَة زُرْقًا , فَقيلَ : عَنَى بالزُّرْق في هَذَا الْمَوْضع : مَا يَظْهَر في أَعْيُنهمْ منْ شدَّة الْعَطَش الَّذي يَكُون بهمْ عنْد الْحَشْر لرَأْي الْعَيْن منْ الزُّرْق . وَقيلَ : أُريدَ بذَلكَ أَنَّهُمْ يُحْشَرُونَ عُمْيًا , كَاَلَّذي قَالَ اللَّه { وَنَحْشُرهُمْ يَوْم الْقيَامَة عَلَى وُجُوههمْ عُمْيًا } . 17 97
یَتَخَـٰفَتُونَ بَیۡنَهُمۡ إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا عَشۡرࣰا ﴿١٠٣﴾
وَقَوْله : { يَتَخَافَتُونَ بَيْنهمْ إنْ لَبثْتُمْ إلَّا عَشْرًا } يَقُول تَعَالَى ذكْره : يَتَهَامَسُونَ بَيْنهمْ , وَيُسرّ بَعْضهمْ إلَى بَعْض : إنْ لَبثْتُمْ في الدُّنْيَا , يَعْني أَنَّهُمْ يَقُول بَعْضهمْ لبَعْضٍ : مَا لَبثْتُمْ في الدُّنْيَا إلَّا عَشْرًا . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ , قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18350 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالح , قَالَ : ثَنْي مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { يَتَخَافَتُونَ بَيْنهمْ } يَقُول : يَتَسَارُّونَ بَيْنهمْ . 18351 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { يَتَخَافَتُونَ بَيْنهمْ } : أَيْ يَتَسَارُّونَ بَيْنهمْ { إنْ لَبثْتُمْ إلَّا عَشْرًا } .
نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا یَقُولُونَ إِذۡ یَقُولُ أَمۡثَلُهُمۡ طَرِیقَةً إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا یَوۡمࣰا ﴿١٠٤﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { نَحْنُ أَعْلَم بمَا يَقُولُونَ إذْ يَقُول أَمْثَلهمْ طَريقَة إنْ لَبثْتُمْ إلَّا يَوْمًا } يَقُول تَعَالَى ذكْرُهُ : نَحْنُ أَعْلَم منْهُمْ عنْد إسْرَارهمْ وَتَخَافُتهمْ بَيْنهمْ بقيلهمْ { إنْ لَبثْتُمْ إلَّا عَشْرًا } بمَا يَقُولُونَ لَا يَخْفَى عَلَيْنَا ممَّا يَتَسَارَرُونَهُ بَيْنهمْ شَيْء { إذْ يَقُول أَمْثَلهمْ طَريقَة إنْ لَبثْتُمْ إلَّا يَوْمًا } يَقُول تَعَالَى ذكْره حين يَقُول أَوْفَاهُمْ عَقْلًا , وَأَعْلَمهُمْ فيهمْ : إنْ لَبثْتُمْ في الدُّنْيَا إلَّا يَوْمًا . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ , قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18352 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَعْقُوب , عَنْ جَعْفَر , عَنْ شُعْبَة , في قَوْله : { إذْ يَقُول أَمْثَلهمْ طَريقَة } أَوْفَاهُمْ عَقْلًا . وَإنَّمَا عَنَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ بالْخَبَر عَنْ قيلهمْ هَذَا الْقَوْل يَوْمئذٍ , إعْلَام عبَاده أَنَّ أَهْل الْكُفْر به يَنْسَوْنَ منْ عَظيم مَا يُعَاينُونَ منْ هَوْل يَوْم الْقيَامَة , وَشدَّة جَزَعهمْ منْ عَظيم مَا يَردُونَ عَلَيْه مَا كَانُوا فيه في الدُّنْيَا منْ النَّعيم وَاللَّذَّات , وَمَبْلَغ مَا عَاشُوا فيهَا منْ الْأَزْمَان , حَتَّى يُخَيَّل إلَى أَعْقَلهمْ فيهمْ , وَأَذْكَرهمْ وَأَفْهَمهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَعيشُوا فيهَا إلَّا يَوْمًا .
وَیَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡجِبَالِ فَقُلۡ یَنسِفُهَا رَبِّی نَسۡفࣰا ﴿١٠٥﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْجبَال فَقُلْ يَنْسفهَا رَبّي نَسْفًا } يَقُول تَعَالَى ذكْره : وَيَسْأَلك يَا مُحَمَّد قَوْمك عَنْ الْجبَال , فَقُلْ لَهُمْ : يُذَرّيهَا رَبّي تَذْريَة , وَيُطَيّرهَا بقَلْعهَا وَاسْتئْصَالهَا منْ أُصُولهَا , وَدَكّ بَعْضهَا عَلَى بَعْض , وَتَصْييره إيَّاهَا هَبَاء مُنْبَثًّا .
فَیَذَرُهَا قَاعࣰا صَفۡصَفࣰا ﴿١٠٦﴾
يَقُول تَعَالَى ذكْرُهُ : فَيَدَع أَمَاكنهَا منْ الْأَرْض إذَا نَسَفَهَا نَسْفًا , قَاعًا : يَعْني : أَرْضًا مَلْسَاء , صَفْصَفًا : يَعْني مُسْتَويًا لَا نَبَات فيه , وَلَا نَشْز , وَلَا ارْتفَاع . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18353 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالح , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { قَاعًا صَفْصَفًا } يَقُول : مُسْتَويًا لَا نَبَات فيه . 18354 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله { فَيَذَرهَا قَاعًا صَفْصَفًا } قَالَ : مُسْتَويًا , الصَّفْصَف : الْمُسْتَوي . 18355 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن يُوسُف , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن لَهيعَة , قَالَ : ثنا أَبُو الْأَسْوَد , عَنْ عُرْوَة , قَالَ : كُنَّا قُعُودًا عنْد عَبْد الْمَلك حين قَالَ كَعْب : إنَّ الصَّخْرَة مَوْضع قَدَم الرَّحْمَن يَوْم الْقيَامَة , فَقَالَ : كَذَبَ كَعْب , إنَّمَا الصَّخْرَة جَبَل منْ الْجبَال , إنَّ اللَّه يَقُول : { وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْجبَال فَقُلْ يَنْسفهَا رَبّي نَسْفًا } فَسَكَتَ عَبْد الْمَلك . 18356 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , قَوْله : { صَفْصَفًا } قَالَ : مُسْتَويًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد , مثْله . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعلْم بلُغَات الْعَرَب منْ أَهْل الْكُوفَة يَقُول : الْقَاع : مُسْتَنْقَع الْمَاء , وَالصَّفْصَف : الَّذي لَا نَبَات فيه .
لَّا تَرَىٰ فِیهَا عِوَجࣰا وَلَاۤ أَمۡتࣰا ﴿١٠٧﴾
وَقَوْله : { لَا تَرَى فيهَا عوَجًا وَلَا أَمْتًا } يَقُول : لَا تَرَى في الْأَرْض عوَجًا وَلَا أَمْتًا . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْويل في مَعْنَى الْعوَج وَالْأَمْت , فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بالْعوَج في هَذَا الْمَوْضع : الْأَوْديَة , وَبالْأَمْت : الرَّوَابي وَالنُّشُوز . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18357 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالح , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله { لَا تَرَى فيهَا عوَجًا وَلَا أَمْتًا } يَقُول : وَاديًا , وَلَا أَمْتًا : يَقُول : رَابيَة . * - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الْمَخْرَميّ , قَالَ : ثنا أَبُو عَامر الْعَقْديّ , عَنْ عَبْد الْوَاحد بْن صَفْوَان مَوْلَى عُثْمَان , قَالَ : سَمعْت عكْرمَة , قَالَ : سُئلَ ابْن عَبَّاس , عَنْ قَوْله { لَا تَرَى فيهَا عوَجًا وَلَا أَمْتًا } قَالَ : هيَ الْأَرْض الْبَيْضَاء , أَوْ قَالَ : الْمَلْسَاء الَّتي لَيْسَ فيهَا لَبنَة مُرْتَفعَة . 18358 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد { لَا تَرَى فيهَا عوَجًا وَلَا أَمْتًا } قَالَ : ارْتفَاعًا , وَلَا انْخفَاضًا . 18359 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله { لَا تَرَى فيهَا عوَجًا وَلَا أَمْتًا } قَالَ : لَا تُعَادي , الْأَمْت : التَّعَادي . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بالْعوَج في هَذَا الْمَوْضع : الصُّدُوع , وَبالْأَمْت : الارْتفَاع منْ الْآكَام وَأَشْبَاههَا . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18360 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , في قَوْله : { لَا تَرَى فيهَا عوَجًا } قَالَ : صَدْعًا { وَلَا أَمْتًا } يَقُول : وَلَا أَكَمَة . وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بالْعوَج : الْمَيْل , وَبالْأَمْت : الْأَثَر . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18361 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , قَالَ : ثني أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { لَا تَرَى فيهَا عوَجًا } يَقُول : لَا تَرَى فيهَا مَيْلًا , وَالْأَمْت : الْأَمْر مثْل الشّرَاك . وَقَالَ آخَرُونَ : الْأَمْت : الْمَحَانيّ وَالْأَحْدَاب . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18362 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة قَالَ : الْأَمْت : الْحَدَب . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْأَقْوَال في ذَلكَ بالصَّوَاب قَوْل مَنْ قَالَ : عَنَى بالْعوَج : الْمَيْل , وَذَلكَ أَنَّ ذَلكَ هُوَ الْمَعْرُوف في كَلَام الْعَرَب . فَإنْ قَالَ قَائل : وَهَلْ في الْأَرْض الْيَوْم منْ عوَج , فَيُقَال : لَا تَرَى فيهَا يَوْمئذٍ عوَجًا . قيلَ : إنَّ مَعْنَى ذَلكَ : لَيْسَ فيهَا أَوْديَة وَمَوَانع تَمْنَع النَّاظر أَوْ السَّائر فيهَا عَنْ الْأَخْذ عَلَى الاسْتقَامَة , كَمَا يَحْتَاج الْيَوْم منْ أَخْذ في بَعْض سُبُلهَا إلَى الْأَخْذ أَحْيَانًا يَمينًا , وَأَحْيَانًا شمَالًا , لمَا فيهَا منْ الْجبَال وَالْأَوْديَة وَالْبحَار . وَأَمَّا الْأَمْت فَإنَّهُ عنْد الْعَرَب : الانْثناء وَالضَّعْف . مَسْمُوع منْهُمْ : مَدّ حَبْله حَتَّى مَا تَرَكَ فيه أَمْتًا : أَيْ انْثناء ; وَمَلَأَ سقَاءَهُ حَتَّى مَا تَرَكَ فيه أَمْتًا ; وَمنْهُ قَوْل الرَّاجز : مَا في انْجذَاب سَيْره منْ أَمْت يَعْني : منْ وَهَن وَضَعْف , فَالْوَاجب إذَا كَانَ ذَلكَ مَعْنَى الْأَمْت عَمْدهمْ أَنْ يَكُون أَصْوَب الْأَقْوَال في تَأْويله : وَلَا ارْتفَاع وَلَا انْخفَاض , لأَنَّ الانْخفَاض لَمْ يَكُنْ إلَّا عَنْ ارْتفَاع . فَإذَا كَانَ ذَلكَ كَذَلكَ , فَتَأْويل الْكَلَام : لَا تَرَى فيهَا مَيْلًا عَنْ الاسْتوَاء , وَلَا ارْتفَاعًا , وَلَا انْخفَاضًا , وَلَكنَّهَا مُسْتَويَة مَلْسَاء , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { قَاعًا صَفْصَفًا } .
یَوۡمَىِٕذࣲ یَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِیَ لَا عِوَجَ لَهُۥۖ وَخَشَعَتِ ٱلۡأَصۡوَاتُ لِلرَّحۡمَـٰنِ فَلَا تَسۡمَعُ إِلَّا هَمۡسࣰا ﴿١٠٨﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { يَوْمئذٍ يَتَّبعُونَ الدَّاعي } . يَقُول تَعَالَى ذكْره : يَوْمئذٍ يَتَّبع النَّاس صَوْت دَاعي اللَّه الَّذي يَدْعُوهُمْ إلَى مَوْقف الْقيَامَة , فَيَحْشرهُمْ إلَيْه { لَا عوَج لَهُ } يَقُول : لَا عوَج لَهُمْ عَنْهُ وَلَا انْحرَاف , وَلَكنَّهُمْ سرَاعًا إلَيْه يَنْحَشرُونَ . وَقيلَ : لَا عوَج لَهُ , وَالْمَعْنَى : لَا عوَج لَهُمْ عَنْهُ , لأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام مَا ذَكَرْنَا منْ أَنَّهُ لَا يَعْوَجُّونَ لَهُ وَلَا عَنْهُ . وَلَكنَّهُمْ يَؤُمُّونَهُ وَيَأْتُونَهُ , كَمَا يُقَال في الْكَلَام : دَعَاني فُلَان دَعْوَة لَا عوَج لي عَنْهَا : أَيْ لَا أَعْوَجّ عَنْهَا .



وَقَوْله { وَخَشَعَتْ الْأَصْوَات للرَّحْمَن } يَقُول تَعَالَى ذكْره : وَسَكَنَتْ أَصْوَات الْخَلَائق للرَّحْمَن فَوَصَفَ الْأَصْوَات بالْخُشُوع . وَالْمَعْنَى لأَهْلهَا إنَّهُمْ خَضَعَ جَميعهمْ لرَبّهمْ , فَلَا تَسْمَع لنَاطقٍ منْهُمْ مَنْطقًا إلَّا مَنْ أَذنَ لَهُ الرَّحْمَن , كَمَا : 18363 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالح , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَخَشَعَتْ الْأَصْوَات للرَّحْمَن } يَقُول : سَكَنَتْ .



وَقَوْله : { فَلَا تَسْمَع إلَّا هَمْسًا } يَقُول : إنَّهُ وَطْء الْأَقْدَام إلَى الْمَحْشَر . وَأَصْله : الصَّوْت الْخَفيّ , يُقَال هَمَسَ فُلَان إلَى فُلَان بحَديثه إذَا أَسَرَّهُ إلَيْه وَأَخْفَاهُ ; وَمنْهُ قَوْل الرَّاجز : وَهُنَّ يَمْشينَ بنَا هَميسًا إنْ يَصْدُق الطَّيْر نَنكْ لَميسَا يَعْني بالْهَمْس : صَوْت أَخفَاف الْإبل في سَيْرهَا . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18364 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا عَليّ بْن عَابس , عَنْ عَطَاء , عَنْ سَعيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس { فَلَا تَسْمَع إلَّا هَمْسًا } قَالَ : وَطْء الْأَقْدَام . * - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , قَالَ : ثني أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله { وَخَشَعَتْ الْأَصْوَات للرَّحْمَن فَلَا تَسْمَع إلَّا هَمْسًا } يَعْني : هَمْس الْأَقْدَام , وَهُوَ الْوَطْء . * - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس { فَلَا تَسْمَع إلَّا هَمْسًا } يَقُول : الصَّوْت الْخَفيّ . 18365 - حَدَّثَنَا إسْمَاعيل بْن مُوسَى السُّدّيّ , قَالَ : أَخْبَرَنَا شَريك , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْأَصْبَهَانيّ , عَنْ عكْرمَة { فَلَا تَسْمَع إلَّا هَمْسًا } قَالَ : وَطْء الْأَقْدَام . 18366 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا سُلَيْمَان , قَالَ : ثنا حَمَّاد , عَنْ حُمَيْد , عَنْ الْحَسَن { فَلَا تَسْمَع إلَّا هَمْسًا } قَالَ : هَمْس الْأَقْدَام . * - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة { فَلَا تَسْمَع إلَّا هَمْسًا } قَالَ قَتَادَة : كَانَ الْحَسَن يَقُول : وَقْع أَقْدَام الْقَوْم . 18367 - حَدَّثَني يَعْقُوب بْن إبْرَاهيم , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , قَالَ : ثنا ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , في قَوْله : { فَلَا تَسْمَع إلَّا هَمْسًا } قَالَ : تَهَافُتًا , وَقَالَ : تَخَافُت الْكَلَام . * - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , قَوْله : { هَمْسًا } قَالَ : خَفْض الصَّوْت . * - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد , قَالَ : خَفْض الصَّوْت , قَالَ : وَأَخْبَرَني عَبْد اللَّه بْن كَثير , عَنْ مُجَاهد , قَالَ : كَلَام الْإنْسَان لَا تَسْمَع تَحَرُّك شَفَتَيْه وَلسَانه . 18368 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , قَوْله : { فَلَا تَسْمَع إلَّا هَمْسًا } يَقُول : لَا تَسْمَع إلَّا مَشْيًا , قَالَ : الْمَشْي الْهَمْس : وَطْء الْأَقْدَام .
یَوۡمَىِٕذࣲ لَّا تَنفَعُ ٱلشَّفَـٰعَةُ إِلَّا مَنۡ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحۡمَـٰنُ وَرَضِیَ لَهُۥ قَوۡلࣰا ﴿١٠٩﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { يَوْمئذٍ لَا تَنْفَع الشَّفَاعَة إلَّا مَنْ أَذنَ لَهُ الرَّحْمَن وَرَضيَ لَهُ قَوْلًا } يَقُول تَعَالَى ذكْره { يَوْمئذٍ لَا تَنْفَع الشَّفَاعَة إلَّا } شَفَاعَة { مَنْ أَذنَ لَهُ الرَّحْمَن } أَنْ يَشْفَع { وَرَضيَ لَهُ قَوْلًا } وَأَدْخَلَ في الْكَلَام لَهُ دَليلًا عَلَى إضَافَة الْقَوْل إلَى كنَايَة " مَنْ " وَذَلكَ كَقَوْل الْقَائل الْآخَر : رَضيت لَك عَمَلك , وَرَضيته منْك , وَمَوْضع مَنْ منْ قَوْله { إلَّا مَنْ أَذنَ لَهُ } نُصبَ لأَنَّهُ خلَاف الشَّفَاعَة .
یَعۡلَمُ مَا بَیۡنَ أَیۡدِیهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا یُحِیطُونَ بِهِۦ عِلۡمࣰا ﴿١١٠﴾
وَقَوْله { يَعْلَم مَا بَيْن أَيْديهمْ وَمَا خَلْفهمْ } يَقُول تَعَالَى ذكْره : يَعْلَم رَبّك يَا مُحَمَّد مَا بَيْن أَيْدي هَؤُلَاء الَّذينَ يَتَّبعُونَ الدَّاعي منْ أَمْر الْقيَامَة , وَمَا الَّذي يَصيرُونَ إلَيْه منْ الثَّوَاب وَالْعقَاب { وَمَا خَلْفهمْ } يَقُول : وَيَعْلَم أَمْر مَا خَلَّفُوهُ وَرَاءَهُمْ منْ أَمْر الدُّنْيَا , كَمَا . 18369 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة { يَعْلَم مَا بَيْن أَيْديهمْ } منْ أَمْر السَّاعَة { وَمَا خَلْفهمْ } منْ أَمْر الدُّنْيَا .



وَقَوْله : { وَلَا يُحيطُونَ به علْمًا } يَقُول تَعَالَى ذكْره : وَلَا يُحيط خَلْقه به علْمًا . وَمَعْنَى الْكَلَام : أَنَّهُ مُحيط بعبَاده علْمًا , وَلَا يُحيط عبَاده به علْمًا . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ مَعْنَى ذَلكَ : أَنَّ اللَّه يَعْلَم مَا بَيْن أَيْدي مَلَائكَته وَمَا خَلْفهمْ , وَأَنَّ مَلَائكَته لَا يُحيطُونَ علْمًا بمَا بَيْن أَيْدي أَنْفُسهمْ وَمَا خَلْفهمْ , وَقَالَ : إنَّمَا أَعْلَم بذَلكَ الَّذينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْمَلَائكَة , أَنَّ الْمَلَائكَة كَذَلكَ لَا تَعْلَم مَا بَيْن أَيْديهَا وَمَا خَلْفهَا , مُوَبّخهمْ بذَلكَ وَمُقْرعهمْ بأَنَّ مَنْ كَانَ كَذَلكَ , فَكَيْف يُعْبَد , وَأَنَّ الْعبَادَة إنَّمَا تَصْلُح لمَنْ لَا تَخْفَى عَلَيْه خَافيَة في الْأَرْض وَلَا في السَّمَاء .
۞ وَعَنَتِ ٱلۡوُجُوهُ لِلۡحَیِّ ٱلۡقَیُّومِۖ وَقَدۡ خَابَ مَنۡ حَمَلَ ظُلۡمࣰا ﴿١١١﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { وَعَنَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم } . يَقُول تَعَالَى ذكْره : اسْتَسَرَّتْ وُجُوه الْخَلْق , وَاسْتَسْلَمَتْ للْحَيّ الْقَيُّوم الَّذي لَا يَمُوت , الْقَيُّوم عَلَى خَلْقه بتَدْبيره إيَّاهُمْ , وَتَصْريفهمْ لمَا شَاءُوا . وَأَصْل الْعنْو الذُّلّ , يُقَال منْهُ : عَنَا وَجْهه لرَبّه يَعْنُو عنْوًا , يَعْني خَضَعَ لَهُ وَذَلَّ , وَكَذَلكَ قيلَ للْأَسير : عَانٍ لذلَّة الْأَسْر . فَأَمَّا قَوْلهمْ : أَخَذَتْ الشَّيْء عَنْوَة , فَإنَّهُ يَكُون وَإنْ كَانَ مَعْنَاهُ يَئُول إلَى هَذَا أَنْ يَكُون أَخْذه غَلَبَة , وَيَكُون أَخْذه عَنْ تَسْليم وَطَاعَة , كَمَا قَالَ الشَّاعر : هَلْ أَنْتَ مُطيعي أَيّهَا الْقَلْب عَنْوَة وَلَمْ تَلَحْ نَفْس لَمْ تَلُمْ في اخْتيَالهَا وَقَالَ آخَر : فَمَا أَخَذُوهَا عَنْوَة عَنْ مَوَدَّة وَلَكنْ بحَدّ الْمَشْرَفيّ اسْتَقَالَهَا وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18370 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالح , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَعَنَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم } يَقُول : ذَلَّتْ . * - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , قَالَ : ثَنَى أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله { وَعَنَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم } يَعْني بعَنَتْ : اسْتَسْلَمُوا لي . 18371 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , قَوْله : { وَعَنَتْ الْوُجُوه } قَالَ : خَشَعَتْ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد , مثْله . 18372 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَعَنَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم } أَيْ ذَلَّتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , في قَوْله : { وَعَنَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم } قَالَ : ذَلَّتْ الْوُجُوه . 18373 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمر بْن سُلَيْمَان , عَنْ أَبيه , قَالَ : قَالَ طَلْق : إذَا سَجَدَ الرَّجُل فَقَدْ عَنَا وَجْهه , أَوْ قَالَ : عَنَا . * - حَدَّثَني أَبُو حصْن عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد , قَالَ : ثنا عَبْثَر , قَالَ : ثنا حُصَيْن , عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة عَنْ طَلْق بْن حَبيب , في هَذه الْآيَة : { وَعَنَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم } قَالَ : هُوَ وَضْع الرَّجُل رَأْسه وَيَدَيْه وَأَطْرَاف قَدَمَيْه . * - حَدَّثَني أَبُو السَّائب , قَالَ : ثنا ابْن فُضَيْل , عَنْ لَيْث , عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة , عَنْ طَلْق بْن حَبيب في قَوْله : { وَعَنَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم } قَالَا : وَهُوَ وَضْعك جَبْهَتك وَكَفَّيْك وَرُكْبَتَيْك وَأَطْرَاف قَدَمَيْك في السُّجُود . * - حَدَّثَنَا خَلَّاد بْن أَسْلَمَ , قَالَ ثنا مُحَمَّد بْن فُضَيْل , عَنْ حُصَيْن , عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة , عَنْ طَلْق بْن حَبيب في قَوْله : { وَعَنَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم } قَالَ : وَضْع الْجَبْهَة وَالْأَنْف عَلَى الْأَرْض . * - حَدَّثَني يَعْقُوب : قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا حُصَيْن , عَنْ عَمْرو بْن مَرَّة , عَنْ طَلْق بْن حَبيب , في قَوْله : { وَعَنَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم } قَالَ : هُوَ السُّجُود عَلَى الْجَبْهَة وَالرَّاحَة وَالرُّكْبَتَيْن وَالْقَدَمَيْن . 18374 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله : { وَعَنَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم } قَالَ : أَسْتَأْسَرَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم , صَارُوا أَسَارَى كُلّهمْ لَهُ . قَالَ : وَالْعَاني : الْأَسير . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْحَيّ الْقَيُّوم فيمَا مَضَى , بمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَته هَاهُنَا .



وَقَوْله : { وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا } يَقُول تَعَالَى ذكْره : وَلَمْ يَظْفَر بحَاجَته وَطُلْبَته مَنْ حَمَلَ إلَى مَوْقف الْقيَادَة شرْكًا باَللَّه , وَكُفْرًا به , وَعَمَلًا بمَعْصيَته . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في تَأْويل ذَلكَ قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18375 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , في قَوْله : { وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا } قَالَ : مَنْ حَمَلَ شرْكًا . 18376 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله : { وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا } قَالَ : مَنْ حَمَلَ شرْكًا , الظُّلْم هَاهُنَا : الشّرْك .
وَمَن یَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَهُوَ مُؤۡمِنࣱ فَلَا یَخَافُ ظُلۡمࣰا وَلَا هَضۡمࣰا ﴿١١٢﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ يَعْمَل منْ الصَّالحَات وَهُوَ مُؤْمن فَلَا يَخَاف ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا } . يَقُول تَعَالَى ذكْره وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ : وَمَنْ يَعْمَل منْ صَالحَات الْأَعْمَال , وَذَلكَ فيمَا قيلَ أَدَاء فَرَائض اللَّه الَّتي فَرَضَهَا عَلَى عبَاده { وَهُوَ مُؤْمن } يَقُول : وَهُوَ مُصَدّق باَللَّه , وَأَنَّهُ مُجَازٍ أَهْل طَاعَته وَأَهْل مَعَاصيه عَلَى مَعَاصيهمْ { فَلَا يَخَاف ظُلْمًا } يَقُول : فَلَا يَخَاف منْ اللَّه أَنْ يَظْلمهُ , فَيَحْمل عَلَيْه سَيّئَات غَيْره , فَيُعَاقبهُ عَلَيْهَا { وَلَا هَضْمًا } يَقُول : لَا يَخَاف أَنْ يَهْضمهُ حَسَنَاته , فَيَنْقُصهُ ثَوَابهَا . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ . 18377 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { وَمَنْ يَعْمَل منْ الصَّالحَات وَهُوَ مُؤْمن } وَإنَّمَا يَقْبَل اللَّه منْ الْعَمَل مَا كَانَ في إيمَان . 18378 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , قَوْله : { وَمَنْ يَعْمَل منْ الصَّالحَات وَهُوَ مُؤْمن } قَالَ : زَعَمُوا أَنَّهَا الْفَرَائض . ذكْر مَنْ قَالَ مَا قُلْنَا في مَعْنَى قَوْله : { فَلَا يَخَاف ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا } . 18379 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب سُلَيْمَان بْن عَبْد الْجَبَّار , قَالَا : ثنا ابْن عَطيَّة , عَنْ إسْرَائيل , عَنْ سمَاك , عَنْ عكْرمَة , عَنْ ابْن عَبَّاس { لَا يَخَاف ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا } قَالَ : هَضْمًا . غَصْبًا . * - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالح , قَالَ : ثني مُعَاويَة عَنْ عَليّ عَنْ ابْن عَبَّاس قَالَ : { لَا يَخَاف ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا } قَالَ : لَا يَخَاف ابْن آدَم يَوْم الْقيَامَة أَنْ يُظْلَم , فَيُزَاد عَلَيْه في سَيّئَاته , وَلَا يُظْلَم فَيُهْضَم في حَسَنَاته . 18380 - - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنْي أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , قَالَ : ثني أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَمَنْ يَعْمَل منْ الصَّالحَات وَهُوَ مُؤْمن فَلَا يَخَاف ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا } يَقُول : أَنَا قَاهر لَكُمْ الْيَوْم , آخُذكُمْ بقُوَّتي وَشدَّتي , وَأَنَا قَادر عَلَى قَهْركُمْ وَهَضْمكُمْ , فَإنَّمَا بَيْني وَبَيْنكُمْ الْعَدْل , وَذَلكَ يَوْم الْقيَامَة . 18381 - حُدّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمعْت الضَّحَّاك يَقُول في قَوْله : { فَلَا يَخَاف ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا } أَمَّا هَضْمًا فَهُوَ لَا يَقْهَر الرَّجُل الرَّجُل بقُوَّته , يَقُول اللَّه يَوْم الْقيَامَة : لَا آخُذكُمْ بقُوَّتي وَشدَّتي , وَلَكنَّ الْعَدْل بَيْني وَبَيْنكُمْ , وَلَا ظُلْم عَلَيْكُمْ . 18382 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , قَوْله : { هَضْمًا } قَالَ : انْتقَاص شَيْء منْ حَقّ عَمَله . * - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد , مثْله . 18383 - حَدَّثَني مُوسَى بْن عَبْد الرَّحْمَن الْمَسْرُوقيّ , قَالَ : ثنا أَبُو أُسَامَة , عَنْ مسْعَر , قَالَ : سَمعْت حَبيب بْن أَبي ثَابت يَقُول في قَوْله : { وَلَا هَضْمًا } قَالَ : الْهَضْم : الانْتقَاص . 18384 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , في قَوْله : { فَلَا يَخَاف ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا } قَالَ : ظُلْمًا أَنْ يُزَاد في سَيّئَاته , وَلَا يُهْضَم منْ حَسَنَاته . * - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَلَا يَخَاف ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا } قَالَ : لَا يَخَاف أَنْ يُظْلَم , فَلَا يُجْزَى بعَمَله , وَلَا يَخَاف أَنْ يُنْتَقَص منْ حَقّه , فَلَا يُوَفَّى عَمَله . 18385 - حَدَّثَنَا الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا سَلَّام بْن مسْكين , عَنْ مَيْمُون بْن سيَاه , عَنْ الْحَسَن , في قَوْل اللَّه تَعَالَى : { فَلَا يَخَاف ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا } قَالَ : لَا يَنْتَقص اللَّه منْ حَسَنَاته شَيْئًا , وَلَا يَحْمل عَلَيْه ذَنْب مُسيء . وَأَصْل الْهَضْم : النَّقْص , يُقَال : هَضَمَني فُلَان حَقّي , وَمنْهُ امْرَأَة هَضيم : أَيْ ضَامرَة الْبَطْن , وَمنْهُ قَوْلهمْ : قَدْ هُضمَ الطَّعَام : إذَا ذَهَبَ , وَهَضَمْت لَك منْ حَقّك : أَيْ حَطَطْتُك .
وَكَذَ ٰ⁠لِكَ أَنزَلۡنَـٰهُ قُرۡءَانًا عَرَبِیࣰّا وَصَرَّفۡنَا فِیهِ مِنَ ٱلۡوَعِیدِ لَعَلَّهُمۡ یَتَّقُونَ أَوۡ یُحۡدِثُ لَهُمۡ ذِكۡرࣰا ﴿١١٣﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { وَكَذَلكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيًّا وَصَرَّفْنَا فيه منْ الْوَعيد } . يَقُول تَعَالَى ذكْره : كَمَا رَغَّبْنَا أَهْل الْإيمَان في صَالحَات الْأَعْمَال , بوَعْدنَاهُمْ مَا وَعَدْنَاهُمْ , كَذَلكَ حَذَّرَنَا بالْوَعيد أَهْل الْكُفْر بالْمَقَام عَلَى مَعَاصينَا , وَكُفْرهمْ بآيَاتنَا , فَأَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآن عَرَبيًّا , إذْ كَانُوا عَرَبًا { وَصَرَّفْنَا فيه منْ الْوَعيد } فَبَيَّنَّاهُ : يَقُول : وَخَوَّفْنَاهُمْ فيه بضُرُوبٍ منْ الْوَعيد .



يَقُول : كَيْ يَتَّقُونَا , بتَصْريفنَا مَا صَرَّفْنَا فيه منْ الْوَعيد .



يَقُول : أَوْ يُحْدث لَهُمْ هَذَا الْقُرْآن تَذْكرَة , فَيَعْتَبرُونَ وَيَتَّعظُونَ بفعْلنَا بالْأُمَم الَّتي كَذَّبَتْ الرُّسُل قَبْلهَا , وَيَنْزَجرُونَ عَمَّا هُمْ عَلَيْه مُقيمُونَ منْ الْكُفْر باَللَّه . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18386 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة { وَكَذَلكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيًّا وَصَرَّفْنَا فيه منْ الْوَعيد لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } مَا حُذّرُوا به منْ أَمْر اللَّه وَعقَابه , وَوَقَائعه بالْأُمَم قَبْلهمْ { أَوْ يُحْدث لَهُمْ } الْقُرْآن { ذكْرًا } : أَيْ جدًّا وَوَرَعًا . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , في قَوْله { أَوْ يُحْدث لَهُمْ ذكْرًا } قَالَ : جدًّا وَوَرَعًا . وَقَدْ قَالَ بَعْضهمْ في : { أَوْ يُحْدث لَهُمْ ذكْرًا } أَنَّ مَعْنَاهُ : أَوْ يُحْدث لَهُمْ شَرَفًا , بإيمَانهمْ به .
فَأَخۡرَجَ لَهُمۡ عِجۡلࣰا جَسَدࣰا لَّهُۥ خُوَارࣱ فَقَالُواْ هَـٰذَاۤ إِلَـٰهُكُمۡ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِیَ ﴿٨٨﴾
وَقَوْله : { فَأَخْرَجَ لَهُمْ عجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَار } يَقُول : فَأَخْرَجَ لَهُمْ السَّامريّ ممَّا قَذَفُوهُ وَممَّا أَلْقَاهُ عجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَار , وَيَعْني بالْخُوَار : الصَّوْت , وَهُوَ صَوْت الْبَقَر . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْل الْعلْم في كَيْفيَّة إخْرَاج السَّامريّ الْعجْل , فَقَالَ بَعْضهمْ : صَاغَهُ صيَاغَة , ثُمَّ أَلْقَى منْ تُرَاب حَافر فَرَس جَبْرَائيل في فَمه فَخَارَ . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18307 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة { فَكَذَلكَ أَلْقَى السَّامريّ } قَالَ : كَانَ اللَّه وَقَّتَ لمُوسَى ثَلَاثينَ لَيْلَة ثُمَّ أَتَمَّهَا بعَشْرٍ ; فَلَمَّا مَضَتْ الثَّلَاثُونَ قَالَ عَدُوّ اللَّه السَّامريّ : إنَّمَا أَصَابَكُمْ الَّذي أَصَابَكُمْ عُقُوبَة بالْحُليّ الَّذي كَانَ مَعَكُمْ , فَهَلُمُّوا وَكَانَتْ حُليًّا تُعيرُوهَا منْ آل فرْعَوْن , فَسَارُوا وَهيَ مَعَهُمْ , فَقَذَفُوهَا إلَيْه , فَصَوَّرَهَا صُورَة بَقَرَة , وَكَانَ قَدْ صَرَّ في عمَامَته أَوْ في ثَوْبه قَبْضَة منْ أَثَر فَرَس جَبْرَائيل , فَقَذَفَهَا مَعَ الْحُليّ وَالصُّورَة { فَأَخْرَجَ لَهُمْ عجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَار } فَجَعَلَ يَخُور خُوَار الْبَقَر , فَقَالَ : { هَذَا إلَهكُمْ وَإلَه مُوسَى } . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : لَمَّا اسْتَبْطَأَ مُوسَى قَوْمه قَالَ لَهُمْ السَّامريّ : إنَّمَا احْتَبَسَ عَلَيْكُمْ لأَجْل مَا عنْدكُمْ منْ الْحُليّ , وَكَانُوا اسْتَعَارُوا حُليًّا منْ آل فرْعَوْن فَجَمَعُوهُ فَأَعْطَوْهُ السَّامريّ فَصَاغَ منْهُ عجْلًا , ثُمَّ أَخَذَ الْقَبْضَة الَّتي قَبَضَ منْ أَثَر الْفَرَس , فَرَس الْمَلَك , فَنَبَذَهَا في جَوْفه , فَإذَا هُوَ عجْل جَسَد لَهُ خُوَار , قَالُوا : هَذَا إلَهكُمْ وَإلَه مُوسَى , وَلَكنَّ مُوسَى نَسيَ رَبّه عنْدكُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ في ذَلكَ بمَا : 18308 - حَدَّثَني مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدّيّ , قَالَ : أَخَذَ السَّامريّ منْ تُرْبَة الْحَافر , حَافر فَرَس جَبْرَائيل ; فَانْطَلَقَ مُوسَى وَاسْتَخْلَفَ هَارُون عَلَى بَني إسْرَائيل وَوَاعَدَهُمْ ثَلَاثينَ لَيْلَة , فَأَتَمَّهَا اللَّه بعَشْرٍ , قَالَ لَهُمْ هَارُون : يَا بَني إسْرَائيل إنَّ الْغَنيمَة لَا تَحلّ لَكُمْ , وَإنَّ حُليّ الْقبْط إنَّمَا هُوَ غَنيمَة , فَاجْمَعُوهَا جَميعًا , فَاحْفرُوا لَهَا حُفْرَة فَادْفنُوهَا , فَإنْ جَاءَ مُوسَى فَأَحَلَّهَا أَخَذْتُمُوهَا , وَإلَّا كَانَ شَيْئًا لَمْ تَأْكُلُوهُ . فَجَمَعُوا ذَلكَ الْحُليّ في تلْكَ الْحُفْرَة , فَجَاءَ السَّامريّ بتلْكَ الْقَبْضَة فَقَذَفَهَا فَأَخْرَجَ اللَّه منْ الْحُليّ عجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَار , وَعَدَّتْ بَنُو إسْرَائيل مَوْعد مُوسَى , فَعَدَّوْا اللَّيْلَة يَوْمًا , وَالْيَوْم يَوْمًا ; فَلَمَّا كَانَ لعشْرينَ خَرَجَ لَهُمْ الْعجْل ; فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالَ لَهُمْ السَّامريّ : { هَذَا إلَهكُمْ وَإلَه مُوسَى فَنَسيَ } فَعَكَفُوا عَلَيْه يَعْبُدُونَهُ , وَكَانَ يَخُور وَيَمْشي { فَكَذَلكَ أَلْقَى السَّامريّ } ذَلكَ حين قَالَ لَهُمْ هَاوُونَ : احْفرُوا لهَذَا الْحُليّ حُفْرَة وَاطْرَحُوهُ فيهَا , فَطَرَحُوهُ , فَقَذَفَ السَّامريّ تُرْبَته .



وَقَوْله : { فَقَالُوا هَذَا إلَهكُمْ وَإلَه مُوسَى } يَقُول : فَقَالَ قَوْم مُوسَى الَّذينَ عَبَدُوا الْعجْل : هَذَا مَعْبُودكُمْ وَمَعْبُود مُوسَى . وَقَوْله { فَنَسيَ } يَقُول : فَضَلَّ وَتَرَكَ . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْويل في قَوْله { فَنَسيَ } مَنْ قَائله وَمَنْ الَّذي وُصفَ به وَمَا مَعْنَاهُ , فَقَالَ بَعْضهمْ : هَذَا منْ اللَّه خَبَر عَنْ السَّامريّ , وَالسَّامريّ هُوَ الْمَوْصُوف به , وَقَالُوا : مَعْنَاهُ : أَنَّهُ تَرَكَ الدّين الَّذي بَعَثَ اللَّه به مُوسَى وَهُوَ الْإسْلَام . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18309 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ حَكيم بْن جُبَيْر , عَنْ سَعيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : يَقُول اللَّه : { فَنَسيَ } : أَيْ تَرَكَ مَا كَانَ عَلَيْه منْ الْإسْلَام , يَعْني السَّامريّ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هَذَا خَبَر منْ اللَّه عَنْ السَّامريّ , أَنَّهُ قَالَ لبَني إسْرَائيل , وَأَنَّهُ وَصَفَ مُوسَى بأَنَّهُ ذَهَبَ يَطْلُب رَبّه , فَأَضَلَّ مَوْضعه , وَهُوَ هَذَا الْعجْل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18310 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبَى , قَالَ : ثني عَمّي , قَالَ : ثني أَبي عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس { فَقَذَفْنَاهَا } يَعْني زينَة الْقَوْم حين أَمَرَنَا السَّامريّ لَمَّا قَبَضَ قَبْضَة منْ أَثَر جَبْرَائيل عَلَيْه السَّلَام , فَأَلْقَى الْقَبْضَة عَلَى حُليّهمْ فَصَارَ عجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَار { فَقَالُوا هَذَا إلَهكُمْ وَإلَه مُوسَى } الَّذي انْطَلَقَ يَطْلُبهُ { فَنَسيَ } يَعْني : نَسيَ مُوسَى , ضَلَّ عَنْهُ فَلَمْ يَهْتَد لَهُ . 18311 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة { فَنَسيَ } يَقُول : طَلَبَ هَذَا مُوسَى فَخَالَفَهُ الطَّريق . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { فَنَسيَ } يَقُول : قَالَ السَّامريّ : مُوسَى نَسيَ رَبّه عنْدكُمْ . 18312 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , قَوْله : { فَنَسيَ } مُوسَى , قَالَ : هُمْ يَقُولُونَهُ : أَخْطَأَ الرَّبّ الْعجْل . * - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنْي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد { فَنَسيَ } قَالَ : نَسيَ مُوسَى , أَخْطَأَ الرَّبّ الْعجْل , قَوْم مُوسَى يَقُولُونَهُ . 18313 - حَدَّثَني مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدّيّ { فَنَسيَ } يَقُول : تَرَكَ مُوسَى إلَهه هَهُنَا وَذَهَبَ يَطْلُبهُ . 18314 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد في قَوْله : { هَذَا إلَهكُمْ وَإلَه مُوسَى فَنَسيَ } قَالَ : يَقُول : فَنَسيَ حَيْثُ وَعَدَهُ رَبّه هَهُنَا , وَلَكنَّهُ نَسيَ . 18315 - حُدّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمعْت الضَّحَّاك يَقُول في قَوْله : { هَذَا إلَهكُمْ وَإلَه مُوسَى فَنَسيَ } يَقُول : نَسيَ مُوسَى رَبّه فَأَخْطَأَهُ , وَهَذَا الْعجْل إلَه مُوسَى . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَاَلَّذي هُوَ أَوْلَى بتَأْويل ذَلكَ الْقَوْل الَّذي ذَكَرْنَاهُ عَنْ هَؤُلَاء , وَهُوَ أَنَّ ذَلكَ خَبَر منْ اللَّه عَزَّ ذكْره عَنْ السَّامريّ أَنَّهُ وَصَفَ مُوسَى بأَنَّهُ نَسيَ رَبّه , وَأَنَّهُ رَبّه الَّذي ذَهَبَ يُريدهُ هُوَ الْعجْل الَّذي أَخْرَجَهُ السَّامريّ , لإجْمَاع الْحُجَّة منْ أَهْل التَّأْويل عَلَيْه , وَأَنَّهُ عَقيب ذكْر مُوسَى , وَهُوَ أَنْ يَكُون خَبَرًا منْ السَّامريّ عَنْهُ بذَلكَ أَشْبَه منْ غَيْره .
أَفَلَا یَرَوۡنَ أَلَّا یَرۡجِعُ إِلَیۡهِمۡ قَوۡلࣰا وَلَا یَمۡلِكُ لَهُمۡ ضَرࣰّا وَلَا نَفۡعࣰا ﴿٨٩﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجع إلَيْهمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلك لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا } يَقُول تَعَالَى ذكْره مُوَبّخًا عَبَدَة الْعجْل , وَالْقَائلينَ لَهُ { هَذَا إلَهكُمْ وَإلَه مُوسَى فَنَسيَ } وَعَابَهُمْ بذَلكَ , وَسَفَّهُ أَحْلَامهمْ بمَا فَعَلُوا وَنَالُوا منْهُ : أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّ الْعجْل الَّذي زَعَمُوا أَنَّهُ إلَههمْ وَإلَه مُوسَى لَا يُكَلّمهُمْ , وَإنْ كَلَّمُوهُ لَمْ يَرُدّ عَلَيْهمْ جَوَابًا , وَلَا يَقْدر عَلَى ضَرّ وَلَا نَفْع , فَكَيْف يَكُون مَا كَانَتْ هَذه صفَته إلَهًا ؟ كَمَا : 18316 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم . قَالَ : ثنا عيسَى " ح " ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد { لَا يَرْجع إلَيْهمْ قَوْلًا } الْعجْل . * - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد { أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجع إلَيْهمْ قَوْلًا } قَالَ : الْعجْل . 18317 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ اللَّه : { أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجع إلَيْهمْ } ذَلكَ الْعجْل الَّذي اتَّخَذُوهُ { قَوْلًا وَلَا يَمْلك لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا } .
وَلَقَدۡ قَالَ لَهُمۡ هَـٰرُونُ مِن قَبۡلُ یَـٰقَوۡمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِۦۖ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحۡمَـٰنُ فَٱتَّبِعُونِی وَأَطِیعُوۤاْ أَمۡرِی ﴿٩٠﴾
وَقَوْله : { وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُون منْ قَبْل } : يَقُول : لَقَدْ قَالَ لعَبَدَة الْعجْل منْ بَني إسْرَائيل هَارُون , منْ قَبْل رُجُوع مُوسَى إلَيْهمْ , وَقيله لَهُمْ مَا قَالَ , ممَّا أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُ { إنَّمَا فُتنْتُمْ به } يَقُول : إنَّمَا اخْتَبَرَ اللَّه إيمَانكُمْ وَمُحَافَظَتكُمْ عَلَى دينكُمْ بهَذَا الْعجْل , الَّذي أَحْدَثَ فيهمْ الْخُوَار , ليَعْلَم به الصَّحيح الْإيمَان منْكُمْ منْ الْمَريض الْقَلْب , الشَّاكّ في دينه , كَمَا : 18318 - حَدَّثَني مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدّيّ , قَالَ لَهُمْ هَارُون : { إنَّمَا فُتنْتُمْ به } يَقُول : إنَّمَا اُبْتُليتُمْ به , يَقُول : بالْعجْل .





وَقَوْله : { وَإنَّ رَبّكُمْ الرَّحْمَن فَاتَّبعُوني وَأَطيعُوا أَمْري } : يَقُول : وَإنَّ رَبّكُمْ الرَّحْمَن الَّذي يَعُمّ جَميع الْخَلْق نعَمه , فَاتَّبعُوني عَلَى مَا آمُركُمْ به منْ عبَادَة اللَّه , وَتَرْك عبَادَة الْعجْل , وَأَطيعُوا أَمْري فيمَا آمُركُمْ به منْ طَاعَة اللَّه , وَإخْلَاص الْعبَادَة لَهُ .
قَالُواْ لَن نَّبۡرَحَ عَلَیۡهِ عَـٰكِفِینَ حَتَّىٰ یَرۡجِعَ إِلَیۡنَا مُوسَىٰ ﴿٩١﴾
وَقَوْله : { قَالُوا لَنْ نَبْرَح عَلَيْه عَاكفينَ } يَقُول : قَالَ عَبَدَة الْعجْل منْ قَوْم مُوسَى : لَنْ نَزَال عَلَى الْعجْل مُقيمينَ نَعْبُدهُ , حَتَّى يَرْجع إلَيْنَا مُوسَى .
قَالَ یَـٰهَـٰرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذۡ رَأَیۡتَهُمۡ ضَلُّوۤاْ ﴿٩٢﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ يَا هَارُون مَا مَنَعَك إذْ رَأَيْتهمْ ضَلُّوا } يَقُول تَعَالَى ذكْره : قَالَ مُوسَى لأَخيه هَارُون لَمَّا فَرَغَ منْ خطَاب قَوْمه وَمُرَاجَعَته إيَّاهُمْ عَلَى مَا كَانَ منْ خَطَأ فعْلهمْ : يَا هَارُون أَيّ شَيْء مَنَعَك إذْ رَأَيْتهمْ ضَلُّوا عَنْ دينهمْ , فَكَفَرُوا باَللَّه وَعَبَدُوا الْعجْل أَلَّا تَتَّبعني . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْويل في الْمَعْنَى الَّذي عَذَلَ مُوسَى عَلَيْه أَخَاهُ منْ تَرْكه اتّبَاعه , فَقَالَ بَعْضهمْ : عَذَلَهُ عَلَى تَرْكه السَّيْر بمَنْ أَطَاعَهُ في أَثَره عَلَى مَا كَانَ عَهدَ إلَيْه . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18319 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , عَنْ حَكيم بْن جُبَيْر , عَنْ سَعيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : لَمَّا قَالَ الْقَوْم : { لَنْ نَبْرَح عَلَيْه عَاكفينَ حَتَّى يَرْجع إلَيْنَا مُوسَى } أَقَامَ هَارُون فيمَنْ تَبعَهُ منْ الْمُسْلمينَ ممَّنْ لَمْ يُفْتَتَن , وَأَقَامَ مَنْ يَعْبُد الْعجْل عَلَى عبَادَة الْعجْل , وَتَخَوَّفَ هَارُون إنْ سَارَ بمَنْ مَعَهُ منْ الْمُسْلمينَ أَنْ يَقُول لَهُ مُوسَى : { فَرَّقْت بَيْن بَني إسْرَائيل وَلَمْ تَرْقُب قَوْلي } وَكَانَ لَهُ هَائبًا مُطيعًا . 18320 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله : { مَا مَنَعَك إذْ رَأَيْتهمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبعَن } قَالَ : تَدَعهُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَذَلَهُ عَلَى تَرْكه أَنْ يُصْلح مَا كَانَ منْ فَسَاد الْقَوْم . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18321 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , قَوْله : { مَا مَنَعَك إذْ رَأَيْتهمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبعَن } قَالَ : أَمْر مُوسَى هَارُون أَنْ يُصْلح , وَلَا يَتَّبع سَبيل الْمُفْسدينَ , فَذَلكَ قَوْله : { أَنْ لَا تَتَّبعَن أَفَعَصَيْت أَمْري } بذَلكَ .
أَلَّا تَتَّبِعَنِۖ أَفَعَصَیۡتَ أَمۡرِی ﴿٩٣﴾
يَقُول تَعَالَى ذكْره : قَالَ مُوسَى لأَخيه هَارُون لَمَّا فَرَغَ منْ خطَاب قَوْمه وَمُرَاجَعَته إيَّاهُمْ عَلَى مَا كَانَ منْ خَطَأ فعْلهمْ : يَا هَارُون أَيّ شَيْء مَنَعَك إذْ رَأَيْتهمْ ضَلُّوا عَنْ دينهمْ , فَكَفَرُوا باَللَّه وَعَبَدُوا الْعجْل أَلَّا تَتَّبعني . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْويل في الْمَعْنَى الَّذي عَذَلَ مُوسَى عَلَيْه أَخَاهُ منْ تَرْكه اتّبَاعه , فَقَالَ بَعْضهمْ : عَذَلَهُ عَلَى تَرْكه السَّيْر بمَنْ أَطَاعَهُ في أَثَره عَلَى مَا كَانَ عَهدَ إلَيْه . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18319 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , عَنْ حَكيم بْن جُبَيْر , عَنْ سَعيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : لَمَّا قَالَ الْقَوْم : { لَنْ نَبْرَح عَلَيْه عَاكفينَ حَتَّى يَرْجع إلَيْنَا مُوسَى } أَقَامَ هَارُون فيمَنْ تَبعَهُ منْ الْمُسْلمينَ ممَّنْ لَمْ يُفْتَتَن , وَأَقَامَ مَنْ يَعْبُد الْعجْل عَلَى عبَادَة الْعجْل , وَتَخَوَّفَ هَارُون إنْ سَارَ بمَنْ مَعَهُ منْ الْمُسْلمينَ أَنْ يَقُول لَهُ مُوسَى : { فَرَّقْت بَيْن بَني إسْرَائيل وَلَمْ تَرْقُب قَوْلي } وَكَانَ لَهُ هَائبًا مُطيعًا . 18320 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله : { مَا مَنَعَك إذْ رَأَيْتهمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبعَن } قَالَ : تَدَعهُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَذَلَهُ عَلَى تَرْكه أَنْ يُصْلح مَا كَانَ منْ فَسَاد الْقَوْم . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18321 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , قَوْله : { مَا مَنَعَك إذْ رَأَيْتهمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبعَن } قَالَ : أَمَرَ مُوسَى هَارُون أَنْ يُصْلح , وَلَا يَتَّبع سَبيل الْمُفْسدينَ , فَذَلكَ قَوْله : { أَنْ لَا تَتَّبعَن أَفَعَصَيْت أَمْري } بذَلكَ .
قَالَ یَبۡنَؤُمَّ لَا تَأۡخُذۡ بِلِحۡیَتِی وَلَا بِرَأۡسِیۤۖ إِنِّی خَشِیتُ أَن تَقُولَ فَرَّقۡتَ بَیۡنَ بَنِیۤ إِسۡرَ ٰ⁠ۤءِیلَ وَلَمۡ تَرۡقُبۡ قَوۡلِی ﴿٩٤﴾
وَقَوْله : { قَالَ يَا ابْن أُمّ لَا تَأْخُذ بلحْيَتي وَلَا برَأْسي } وَفي هَذَا الْكَلَام مَتْرُوك , تَرَكَ ذكْره اسْتغْنَاء بدَلَالَة الْكَلَام عَلَيْه , وَهُوَ : ثُمَّ أَخَذَ مُوسَى بلحْيَة أَخيه هَارُون وَرَأْسه يَجُرّهُ إلَيْه , فَقَالَ هَارُون : { يَا ابْن أُمّ لَا تَأْخُذ بلحْيَتي وَلَا برَأْسي } .



وَقَوْله : { إنّي خَشيت أَنْ تَقُول فَرَّقْت بَيْن بَني إسْرَائيل وَلَمْ تَرْقُب قَوْلي } فَاخْتَلَفَ أَهْل الْعلْم في صفَة التَّفْريق بَيْنهمْ , الَّذي خَشيَهُ هَارُون , فَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَ هَارُون خَافَ أَنْ يَسير بمَنْ أَطَاعَهُ , وَأَقَامَ عَلَى دينه في أَثَر مُوسَى , وَيُخَلّف عَبَدَة الْعجْل , وَقَدْ { قَالُوا } لَهُ { لَنْ نَبْرَح عَلَيْه عَاكفينَ حَتَّى يَرْجع إلَيْنَا مُوسَى } فَيَقُول لَهُ مُوسَى { فَرَّقْت بَيْن بَني إسْرَائيل وَلَمْ تَرْقُب قَوْلي } بسَيْرك بطَائفَةٍ , وَتَرْكك منْهُمْ طَائفَة وَرَاءَك . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18322 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْل اللَّه تَعَالَى : { مَا مَنَعَك إذْ رَأَيْتهمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبعَن أَفَعَصَيْت أَمْري } قَالَ : { خَشيت أَنْ تَقُول فَرَّقْت بَيْن بَني إسْرَائيل وَلَمْ تَرْقُب قَوْلي } قَالَ : خَشيت أَنْ يَتَّبعني بَعْضهمْ وَيَتَخَلَّف بَعْضهمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلكَ : خَشيت أَنْ نَقْتَتل فَيَقْتُل بَعْضنَا بَعْضًا . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18323 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج { إنّي خَشيت أَنْ تَقُول فَرَّقْت بَيْن بَني إسْرَائيل وَلَمْ تَرْقُب قَوْلي } قَالَ : كُنَّا نَكُون فرْقَتَيْن فَيَقْتُل بَعْضنَا بَعْضًا حَتَّى نَتَفَانَى . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْقَوْلَيْن في ذَلكَ بالصَّوَاب , الْقَوْل الَّذي قَالَهُ ابْن عَبَّاس منْ أَنَّ مُوسَى عَذَلَ أَخَاهُ هَارُون عَلَى تَرْكه اتّبَاع أَمْره بمَنْ اتَّبَعَهُ منْ أَهْل الْإيمَان , فَقَالَ لَهُ هَارُون : إنّي خَشيت أَنْ تَقُول , فَرَّقْت بَيْن جَمَاعَتهمْ , فَتَرَكْت بَعْضهمْ وَرَاءَك , وَجئْت ببَعْضهمْ , وَذَلكَ بَيْن في قَوْل هَارُون للْقَوْم { يَا قَوْم إنَّمَا فُتنْتُمْ به وَإنَّ رَبّكُمْ الرَّحْمَن فَاتَّبعُوني وَأَطيعُوا أَمْري } وَفي جَوَاب الْقَوْم لَهُ وَقيلهمْ { لَنْ نَبْرَح عَلَيْه عَاكفينَ حَتَّى يَرْجع إلَيْنَا مُوسَى } .



وَقَوْله : { وَلَمْ تَرْقُب قَوْلي } يَقُول : وَلَمْ تَنْظُر قَوْلي وَتَحْفَظهُ . منْ مُرَاقَبَة الرَّجُل الشَّيْء , وَهيَ مُنَاظَرَته بحفْظه , كَمَا : 18324 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنْي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس : { وَلَمْ تَرْقُب قَوْلي } قَالَ : لَمْ تَحْفَظ قَوْلي .
قَالَ فَمَا خَطۡبُكَ یَـٰسَـٰمِرِیُّ ﴿٩٥﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ فَمَا خَطْبك يَا سَامريّ } يَعْني تَعَالَى ذكْره بقَوْله : { فَمَا خَطْبك يَا سَامريّ } قَالَ مُوسَى للسَّامريّ : فَمَا شَأْنك يَا سَامريّ , وَمَا الَّذي دَعَاك إلَى مَا فَعَلْته , كَمَا : 18325 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله { فَمَا خَطْبك يَا سَامريّ } قَالَ : مَا أَمْرك ؟ مَا شَأْنك ؟ مَا هَذَا الَّذي أَدْخَلَك فيمَا دَخَلْت فيه . 18326 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدّيّ { قَالَ فَمَا خَطْبك يَا سَامريّ } قَالَ : مَا لَك يَا سَامريّ ؟
قَالَ بَصُرۡتُ بِمَا لَمۡ یَبۡصُرُواْ بِهِۦ فَقَبَضۡتُ قَبۡضَةࣰ مِّنۡ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذۡتُهَا وَكَذَ ٰ⁠لِكَ سَوَّلَتۡ لِی نَفۡسِی ﴿٩٦﴾
وَقَوْله : { بَصُرْت بمَا لَمْ يَبْصُرُوا به } يَقُول : قَالَ السَّامريّ : عَلمْت مَا لَمْ يَعْلَمُوهُ , وَهُوَ فَعُلْت منْ الْبَصيرَة : أَيْ صرْت بمَا عَملْت بَصيرًا عَالمًا . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18327 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , قَالَ : لَمَّا قَتَلَ فرْعَوْن الْولْدَان قَالَتْ أُمّ السَّامريّ : لَوْ نَحَّيْته عَنّي حَتَّى لَا أَرَاهُ , وَلَا أَدْري قَتْله , فَجَعَلَتْهُ في غَار , فَأَتَى جَبْرَائيل , فَجَعَلَ كَفّ نَفْسه في فيه , فَجَعَلَ يُرْضعهُ الْعَسَل وَاللَّبَن , فَلَمْ يَزَلْ يَخْتَلف إلَيْه حَتَّى عَرَفَهُ , فَمنْ ثَمَّ مَعْرفَته إيَّاهُ حين قَالَ : { فَقَبَضْت قَبْضَة منْ أَثَر الرَّسُول } . وَقَالَ آخَرُونَ : هيَ بمَعْنَى : أَبَصُرْت مَا لَمْ يَبْصُرُوهُ . وَقَالُوا : يُقَال : بَصُرْت بالشَّيْء وَأَبْصَرْته , كَمَا يُقَال : أَسْرَعْت وَسَرُعْت مَا شئْت . ذكْر مَنْ قَالَ : هُوَ بمَعْنَى أَبْصَرْت : 18328 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة { قَالَ بَصُرْت بمَا لَمْ يَبْصُرُوا به } يَعْني فَرَس جَبْرَائيل عَلَيْه السَّلَام .



وَقَوْله : { فَقَبَضْت قَبْضَة منْ أَثَر الرَّسُول } يَقُول : قَبَضَتْ قَبْضَة منْ أَثَر حَافر فَرَس جَبْرَائيل . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18329 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ حَكيم بْن جُبَيْر , عَنْ سَعيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : لَمَّا قَذَفَتْ بَنُو إسْرَائيل مَا كَانَ مَعَهُمْ منْ زينَة آل فرْعَوْن في النَّار , وَتَكَسَّرَتْ , وَرَأَى السَّامريّ أَثَر فَرَس جَبْرَائيل عَلَيْه السَّلَام , فَأَخَذَ تُرَابًا منْ أَثَر حَافره , ثُمَّ أَقْبَلَ إلَى النَّار فَقَذَفَهُ فيهَا , وَقَالَ : كُنْ عجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَار , فَكَانَ للْبَلَاء وَالْفتْنَة . * - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , قَالَ : ثني أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : قَبَضَ قَبْضَة منْهُ منْ أَثَر جَبْرَائيل , فَأَلْقَى الْقَبْضَة عَلَى حُليّهمْ فَصَارَ عجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَار , فَقَالَ : هَذَا إلَهكُمْ وَإلَه مُوسَى . 18330 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , في قَوْل اللَّه : { فَقَبَضْت قَبْضَة منْ أَثَر الرَّسُول فَنَبَذْتهَا } قَالَ : منْ تَحْت حَافر فَرَس جَبْرَائيل , نَبَذَهُ السَّامريّ عَلَى حلْيَة بَني إسْرَائيل , فَانْسَبَكَ عجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَار , حَفيف الرّيح فيه فَهُوَ خُوَاره , وَالْعجْل : وَلَد الْبَقَرَة . وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاء في قرَاءَة هَذَيْن الْحَرْفَيْن , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدينَة وَالْبَصْرَة { بَصُرْت بمَا لَمْ يَبْصُرُوا به } بالْيَاء , بمَعْنَى : قَالَ السَّامريّ : بَصُرْت بمَا لَمْ يَبْصُر به بَنُو إسْرَائيل . وَقَرَأَ ذَلكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة : " بَصُرْت بمَا لَمْ تَبْصُرُوا به " بالتَّاء عَلَى وَجْه الْمُخَاطَبَة لمُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه , بمَعْنَى : قَالَ السَّامريّ لمُوسَى : بَصُرْت بمَا لَمْ تَبْصُر به أَنْتَ وَأَصْحَابك . وَالْقَوْل في ذَلكَ عنْدي أَنَّهُمَا قرَاءَتَان مَعْرُوفَتَان , قَدْ قَرَأَ بكُلّ وَاحدَة منْهُمَا عُلَمَاء منْ الْقُرَّاء مَعَ صحَّة مَعْنَى كُلّ وَاحدَة منْهُمَا , وَذَلكَ أَنَّهُ جَائز أَنْ يَكُون السَّامريّ رَأَى جَبْرَائيل , فَكَانَ عنْده مَا كَانَ بأَنْ حَدَّثَتْهُ نَفْسه بذَلكَ أَوْ بغَيْر ذَلكَ منْ الْأَسْبَاب , أَنَّ تُرَاب حَافر فَرَسه الَّذي كَانَ عَلَيْه يَصْلُح لمَا حَدَّثَ عَنْهُ حين نَبَذَهُ في جَوْف الْعجْل , وَلَمْ يَكُنْ علْم ذَلكَ عنْد مُوسَى , وَلَا عنْد أَصْحَابه منْ بَني إسْرَائيل , فَلذَلكَ قَالَ لمُوسَى : " بَصُرْت بمَا لَمْ تَبْصُرُوا به " أَيْ عَلمْت بمَا لَمْ تَعْلَمُوا به . وَأَمَّا إذَا قُرئَ { بَصُرْت بمَا لَمْ يَبْصُرُوا به } بالْيَاء , فَلَا مُؤْنَة فيه , لأَنَّهُ مَعْلُوم أَنَّ بَني إسْرَائيل لَمْ يَعْلَمُوا مَا الَّذي يَصْلُح لَهُ ذَلكَ التُّرَاب . وَأَمَّا قَوْله : { فَقَبَضْت قَبْضَة منْ أَثَر الرَّسُول } فَإنَّ قُرَّاء الْأَمْصَار عَلَى قرَاءَته بالضَّاد , بمَعْنَى : فَأَخَذْت بكَفّي تُرَابًا منْ تُرَاب أَثَر فَرَس الرَّسُول . وَرُويَ عَنْ الْحَسَن الْبَصْريّ وَقَتَادَة مَا : 18331 - حَدَّثَني أَحْمَد بْن يُوسُف , قَالَ : ثنا الْقَاسم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ عَبَّاد بْن عَوْف , عَنْ الْحَسَن أَنَّهُ قَرَأَهَا : " فَقَبَصْت قَبْصَة " بالصَّاد . 18332 - وَحَدَّثَني أَحْمَد بْن يُوسُف , قَالَ : ثنا الْقَاسم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ عَبَّاد , عَنْ قَتَادَة مثْل ذَلكَ بالصَّاد . بمَعْنَى : أَخَذْت بأَصَابعي منْ تُرَاب أَثَر فَرَس الرَّسُول , وَالْقَبْضَة عنْد الْعَرَب : الْأَخْذ بالْكَفّ كُلّهَا , وَالْقَبْصَة : الْأَخْذ بأَطْرَاف الْأَصَابع .



وَقَوْله : { فَنَبَذْتهَا } يَقُول : فَأَلْقَيْتهَا { وَكَذَلكَ سَوَّلَتْ لي نَفْسي } يَقُول : وَكَمَا فَعَلْت منْ إلْقَائي الْقَبْضَة الَّتي قَبَضْت منْ أَثَر الْفَرَس عَلَى الْحلْيَة الَّتي أُوقدَ عَلَيْهَا حَتَّى انْسَبَكَتْ فَصَارَتْ عجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَار . { سَوَّلَتْ لي نَفْسي } يَقُول : زَيَّنَتْ لي نَفْسي أَنَّهُ يَكُون ذَلكَ كَذَلكَ , كَمَا : 18333 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد : { وَكَذَلكَ سَوَّلَتْ لي نَفْسي } قَالَ : كَذَلكَ حَدَّثَتْني نَفْسي .
قَالَ فَٱذۡهَبۡ فَإِنَّ لَكَ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَۖ وَإِنَّ لَكَ مَوۡعِدࣰا لَّن تُخۡلَفَهُۥۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰۤ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِی ظَلۡتَ عَلَیۡهِ عَاكِفࣰاۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُۥ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُۥ فِی ٱلۡیَمِّ نَسۡفًا ﴿٩٧﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ فَاذْهَبْ فَإنَّ لَك في الْحَيَاة أَنْ تَقُول لَا مسَاس } يَقُول تَعَالَى ذكْرُهُ : قَالَ مُوسَى للسَّامريّ : فَاذْهَبْ فَإنَّ لَك في أَيَّام حَيَاتك أَنْ تَقُول : لَا مسَاس : أَيْ لَا أَمَسّ , وَلَا أَمَسّ . . وَذُكرَ أَنَّ مُوسَى أَمَرَ بَني إسْرَائيل أَنْ لَا يُؤَاكلُوهُ , وَلَا يُخَالطُوهُ , وَلَا يُبَايعُوهُ , فَلذَلكَ قَالَ لَهُ : إنَّ لَك في الْحَيَاة أَنْ تَقُول لَا مسَاس , فَبَقيَ ذَلكَ فيمَا ذَكَرَ في قَبيلَته , كَمَا : 18334 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : كَانَ وَاَللَّه السَّامريّ عَظيمًا منْ عُظَمَاء بَني إسْرَائيل , منْ قَبيلَة يُقَال لَهَا سَامرَة , وَلَكنَّ عَدُوّ اللَّه نَافَقَ بَعْد مَا قَطَعَ الْبَحْر مَعَ بَني إسْرَائيل . قَوْله : { فَاذْهَبْ فَإنَّ لَك في الْحَيَاة أَنْ تَقُول لَا مسَاس } فَبَقَايَاهُمْ الْيَوْم يَقُولُونَ لَا مسَاس .



وَقَوْله : { وَإنَّ لَك مَوْعدًا لَنْ تُخْلَفَهُ } اخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء في قرَاءَته , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْمَدينَة وَالْكُوفَة { لَنْ تُخْلَفَهُ } بضَمّ التَّاء وَفَتْح اللَّام بمَعْنَى : وَإنَّ لَك مَوْعدًا لعَذَابك وَعُقُوبَتك عَلَى مَا فَعَلْت منْ إضْلَالك قَوْمي حَتَّى عَبَدُوا الْعجْل منْ دُون اللَّه , لَنْ يُخْلفَكَهُ اللَّه , وَلُكْنَ يُذيقكَهُ . وَقَرَأَ ذَلكَ الْحَسَن وَقَتَادَة وَأَبُو نُهَيْك : " وَإنَّ لَك مَوْعدًا لَنْ تُخْلفهُ " بضَمّ التَّاء وَكَسْر اللَّام , بمَعْنَى : وَإنَّ لَك مَوْعدًا لَنْ تُخْلفهُ أَنْتَ يَا سَامريّ , وَتَأَوَّلُوهُ بمَعْنَى : لَنْ تَغيب عَنْهُ . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18335 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضح , قَالَ : ثنا عَبْد الْمُؤْمن , قَالَ : سَمعْت أَبَا نُهَيْك يَقْرَأ " لَنْ تُخْلَفَهُ أَنْتَ " يَقُول : لَنْ تَغيب عَنْهُ . 18336 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة { وَإنَّ لَك مَوْعدًا لَنْ تُخْلَفَهُ } يَقُول : لَنْ تَغيب عَنْهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالْقَوْل في ذَلكَ عنْدي أَنَّهُمَا قرَاءَتَان مَشْهُورَتَان مُتَقَاربَتَا الْمَعْنَى , لأَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ اللَّه مُوفٍ وَعْده لخَلْقه بحَشْرهمْ لمَوْقف الْحسَاب , وَأَنَّ الْخَلْق مُوَافُونَ ذَلكَ الْيَوْم , فَلَا اللَّه مُخْلفهمْ ذَلكَ , وَلَا هُمْ مُخْلفُوهُ بالتَّخَلُّف عَنْهُ , فَبأَيَّتهمَا قَرَأَ الْقَارئ فَمُصيب الصَّوَاب في ذَلكَ .



وَقَوْله : { وَانْظُرْ إلَى إلَهك الَّذي ظَلْتَ عَلَيْه عَاكفًا } يَقُول : وَانْظُرْ إلَى مَعْبُودك الَّذي ظَلْتَ عَلَيْه مُقيمًا تَعْبُدهُ , كَمَا : 18337 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالح , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { ظَلْتَ عَلَيْه عَاكفًا } الَّذي أَقَمْت عَلَيْه . * - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , قَالَ : ثني أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : فَقَالَ لَهُ مُوسَى : { اُنْظُرْ إلَى إلَهك الَّذي ظَلْتَ عَلَيْه عَاكفًا } يَقُول : الَّذي أَقَمْت عَلَيْه . وَللْعَرَب في ظَلْتَ : لُغَتَان : الْفَتْح في الظَّاء , وَبهَا قَرَأَ قُرَّاء الْأَمْصَار , وَالْكَسْر فيهَا ; وَكَأَنَّ الَّذينَ كَسَرُوا نَقَلُوا حَرَكَة اللَّام الَّتي هيَ عَيْن الْفعْل منْ ظَلَلْت إلَيْهَا , وَمَنْ فَتَحَهَا أَقَرَّ حَرَكَتهَا الَّتي كَانَتْ لَهَا قَبْل أَنْ يُحْذَف منْهَا شَيْء , وَالْعَرَب تَفْعَل في الْحُرُوف الَّتي فيهَا التَّضْعيف ذَاكَ , فَيَقُولُونَ في مَسسْت مَسْت وَمسْت وَفي هَمَمْت بذَلكَ : هَمْت به , وَهَلْ أَحَسَّتْ فُلَانًا وَأَحْسَسْته , كَمَا قَالَ الشَّاعر : خَلَا أَنَّ الْعتَاق منْ الْمَطَايَا أَحْسَن به فَهُنَّ إلَيْه شُوس



وَقَوْله : { لَنُحَرّقَنَّهُ } اخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء في قرَاءَة ذَلكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْحجَاز وَالْعرَاق { لَنُحَرّقَنَّهُ } بضَمّ النُّون وَتَشْديد الرَّاء , بمَعْنَى لَنُحَرّقَنَّهُ بالنَّار قطْعَة قطْعَة . وَرُويَ عَنْ الْحَسَن الْبَصْريّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ ذَلكَ : " لَنُحْرقَنَّهُ " بضَمّ النُّون , وَتَخْفيف الرَّاء , بمَعْنَى : لَنُحَرّقَنَّهُ بالنَّار إحْرَاقَة وَاحدَة , وَقَرَأَهُ أَبُو جَعْفَر الْقَارئ : " لَنَحْرُقَنَّهُ " بفَتْح النُّون وَضَمّ الرَّاء بمَعْنَى : لَنُبَرّدَنَّهُ بالْمَبَارد منْ حَرَقْته أُحْرقهُ وَأُحَرّقهُ , كَمَا قَالَ الشَّاعر : بذي فرْقَيْن يَوْم بَنُو حَبيب نُيُوبهمْ عَلَيْنَا يَحْرُقُونَا وَالصَّوَاب في ذَلكَ عنْدنَا منْ الْقرَاءَة { لَنُحَرّقَنَّهُ } بضَمّ النُّون وَتَشْديد الرَّاء , منْ الْإحْرَاق بالنَّار , كَمَا : 18338 - حَدَّثَني عَليّ قَالَ : ثنا أَبُو صَالح , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { لَنُحَرّقَنَّهُ } يَقُول : بالنَّار . 18339 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , قَالَ : ثني أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس { لَنُحَرّقَنَّهُ } فَحَرَقَهُ ثُمَّ ذَرَّاهُ في الْيَمّ . وَإنَّمَا اخْتَرْت هَذه الْقرَاءَة لإجْمَال الْحُجَّة منْ الْقُرَّاء عَلَيْهَا . وَأَمَّا أَبُو جَعْفَر , فَإنّي أَحْسبهُ ذَهَبَ إلَى مَا : 18340 - حَدَّثَنَا به مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط عَنْ السُّدّيّ : { وَانْظُرْ إلَى إلَهك الَّذي ظَلْتَ عَلَيْه عَاكفًا لَنُحَرّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسفَنَّهُ في الْيَمّ نَسْفًا } ثُمَّ أَخَذَهُ فَذَبَحَهُ , ثُمَّ حَرَقَهُ بالْمبْرَد , ثُمَّ ذَرَّاهُ في الْيَمّ , فَلَمْ يَبْقَ بَحْر يَوْمئذٍ إلَّا وَقَعَ فيه شَيْء منْهُ . 18341 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة { وَانْظُرْ إلَى إلَهك الَّذي ظَلْتَ عَلَيْه عَاكفًا لَنُحَرّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسفَنَّهُ في الْيَمّ نَسْفًا } قَالَ : وَفي بَعْض الْقرَاءَة : لَنَذْبَحَنَّهُ ثُمَّ لَنُحَرّقَنَّهُ , ثُمَّ لَنَنْسفَنَّهُ في الْيَمّ نَسْفًا . 18342 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة في حَرْف ابْن مَسْعُود : " وَانْظُرْ إلَى إلَهك الَّذي ظَلْتَ عَلَيْه عَاكفًا لَنَذْبَحَنَّهُ ثُمَّ لَنُحْرقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسفَنَّهُ في الْيَمّ نَسْفًا " .



وَقَوْله : { ثُمَّ لَنَنْسفَنَّهُ في الْيَمّ نَسْفًا } يَقُول : ثُمَّ لَنُذَرّيَنَّهُ في الْبَحْر تَذْريَة ; يُقَال منْهُ : نَسَفَ فُلَان الطَّعَام بالْمنْسَف : إذَا زَرَّاهُ فَطَيَّرَ عَنْهُ قُشُوره وَتُرَابه أَوْ الرّيح . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ , قَالَ أَهْل التَّأْويل : ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18343 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { ثُمَّ لَنَنْسفَنَّهُ في الْيَمّ نَسْفًا } يَقُول : لَنُذَرّيَنَّهُ في الْبَحْر . * - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , ثني أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : ذَرَّاهُ في الْيَمّ , وَالْيَمّ : الْبَحْر . 18344 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدّيّ , قَالَ : ذَرَّاهُ في الْيَمّ . 18345 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة في الْيَمّ , قَالَ : في الْبَحْر .
إِنَّمَاۤ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِی لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَۚ وَسِعَ كُلَّ شَیۡءٍ عِلۡمࣰا ﴿٩٨﴾
وَقَوْله : { إنَّمَا إلَهكُمْ اللَّه الَّذي لَا إلَه إلَّا هُوَ } يَقُول : مَا لَكُمْ أَيّهَا الْقَوْم مَعْبُود , إلَّا الَّذي لَهُ عبَادَة جَميع الْخَلْق لَا تَصْلُح الْعبَادَة لغَيْره , وَلَا تَنْبَغي أَنْ تَكُون إلَّا لَهُ .



يَقُول : أَحَاطَ بكُلّ شَيْء علْمًا فَعَلمَهُ , فَلَا يَخْفَى عَلَيْه منْهُ شَيْء وَلَا يَضيق عَلَيْه علْم جَميع ذَلكَ . يُقَال منْهُ : فُلَان يَسَع لهَذَا الْأَمْر : إذَا أَطَاقَهُ وَقَويَ عَلَيْه , وَلَا يَسَع لَهُ : إذَا عَجَزَ عَنْهُ فَلَمْ يُطقْهُ وَلَمْ يَقْوَ عَلَيْه . وَكَانَ قَتَادَة يَقُول في ذَلكَ مَا : 18346 - حَدَّثَنَا بشْر قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَسعَ كُلّ شَيْء علْمًا } يَقُول : مَلَأَ كُلّ شَيْء علْمًا تَبَارَكَ وَتَعَالَى .
فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّۗ وَلَا تَعۡجَلۡ بِٱلۡقُرۡءَانِ مِن قَبۡلِ أَن یُقۡضَىٰۤ إِلَیۡكَ وَحۡیُهُۥۖ وَقُل رَّبِّ زِدۡنِی عِلۡمࣰا ﴿١١٤﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { فَتَعَالَى اللَّه الْمَلك الْحَقّ } يَقُول تَعَالَى ذكْره : فَارْتَفَعَ الَّذي لَهُ الْعبَادَة منْ جَميع خَلْقه , الْمَلك الَّذي قَهَرَ سُلْطَانه كُلّ مَلك وَجَبَّار , الْحَقّ عَمَّا يَصفهُ به الْمُشْركُونَ منْ خَلْقه .



يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ لنَبيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ : وَلَا تَعْجَل يَا مُحَمَّد بالْقُرْآن , فَتُقْرئهُ أَصْحَابك , أَوْ تَقْرَأهُ عَلَيْهمْ , منْ قَبْل أَنْ يُوحَى إلَيْك بَيَان مَعَانيه , فَعُوتبَ عَلَى إكْتَابه وَإمْلَائه مَا كَانَ اللَّه يُنْزلهُ عَلَيْه منْ كتَابه مَنْ كَانَ يَكْتُبهُ ذَلكَ , منْ قَبْل أَنْ يُبَيّن لَهُ مَعَانيه , وَقيلَ : لَا تَتْلُهُ عَلَى أَحَد , وَلَا تُمْله عَلَيْه , حَتَّى نُبَيّنهُ لَك . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18387 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبَى نَجيح , عَنْ مُجَاهد , قَوْله : { وَلَا تَعْجَل بالْقُرْآن منْ قَبْل أَنْ يُقْضَى إلَيْك وَحْيه } قَالَ : لَا تَتْلُهُ عَلَى أَحَد حَتَّى نُبَيّنهُ لَك . 18388 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنْي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , قَالَ : يَقُول : لَا تَتْلُهُ عَلَى أَحَد حَتَّى نُتمّهُ لَك ; هَكَذَا قَالَ الْقَاسم : حَتَّى نُتمّهُ . 18389 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , قَالَ : ثني أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَا تَعْجَل بالْقُرْآن منْ قَبْل أَنْ يُقْضَى إلَيْك وَحْيه } يُعْنَى : لَا تَعْجَل حَتَّى نُبَيّنهُ لَك . 18390 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة { وَلَا تَعْجَل بالْقُرْآن منْ قَبْل أَنْ يُقْضَى إلَيْك وَحْيه } : أَيْ بَيَانه * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { وَلَا تَعْجَل بالْقُرْآن منْ قَبْل أَنْ يُقْضَى إلَيْك وَحْيه } قَالَ : تبْيَانه . * - حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى وَابْن بَشَّار , قَالَا : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ قَتَادَة { منْ قَبْل أَنْ يُقْضَى إلَيْك وَحْيه } منْ قَبْل أَنْ يُبَيّن لَك بَيَانه .



وَقَوْله : { وَقُلْ رَبّ زدْني علْمًا } يَقُول تَعَالَى ذكْره : وَقُلْ يَا مُحَمَّد : رَبّ زدْني علْمًا إلَى مَا عَلَّمْتني ; أَمَرَهُ بمَسْأَلَته منْ فَوَائده الْعلْم مَا لَا يَعْلَم .
وَلَقَدۡ عَهِدۡنَاۤ إِلَىٰۤ ءَادَمَ مِن قَبۡلُ فَنَسِیَ وَلَمۡ نَجِدۡ لَهُۥ عَزۡمࣰا ﴿١١٥﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ عَهدْنَا إلَى آدَم منْ قَبْل فَنَسيَ } . يَقُول تَعَالَى ذكْره : وَإنْ يُضَيّع يَا مُحَمَّد هَؤُلَاء الَّذينَ نُصَرّف لَهُمْ في هَذَا الْقُرْآن منْ الْوَعيد عَهْدي , وَيُخَالفُوا أَمْري , وَيَتْرُكُوا طَاعَتي , وَيَتَّبعُوا أَمْر عَدُوّهُمْ إبْليس , وَيُطيعُوهُ في خلَاف أَمْري , فَقَديمًا مَا فَعَلَ ذَلكَ أَبُوهُمْ آدَم { وَلَقَدْ عَهدْنَا إلَيْه } يَقُول : وَلَقَدْ وَصَّيْنَا آدَم وَقُلْنَا لَهُ : { إنَّ هَذَا عَدُوّ لَك وَلزَوْجك فَلَا يُخْرجَنكُمَا منْ الْجَنَّة } 20 117 فَوَسْوَسَ إلَيْه الشَّيْطَان فَأَطَاعَهُ , وَخَالَفَ أَمْري , فَحَلَّ به منْ عُقُوبَتي مَا حَلَّ . وَعُنيَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بقَوْله : { منْ قَبْل } هَؤُلَاء الَّذينَ أَخْبَرَ أَنَّهُ صَرَّفَ لَهُمْ الْوَعيد في هَذَا الْقُرْآن ; وَقَوْله : { فَنَسيَ } يَقُول : فَتَرَكَ عَهْدي , كَمَا : 18391 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالح , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , في قَوْله : { وَلَقَدْ عَهدْنَا إلَى آدَم منْ قَبْل فَنَسيَ } يَقُول : فَتُركَ . 18392 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , في قَوْله : { فَنَسيَ } قَالَ : تَرَكَ أَمْر رَبّه . 18393 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله : { وَلَقَدْ عَهدْنَا إلَى آدَم منْ قَبْل فَنَسيَ وَلَمْ نَجد لَهُ عَزْمًا } قَالَ : قَالَ لَهُ { يَا آدَم هَذَا عَدُوّ لَك وَلزَوْجك فَلَا يُخْرجَنكُمَا منْ الْجَنَّة فَتَشْقَى } فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : { لَا تَظْمَأ فيهَا وَلَا تَضْحَى } , وَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : { وَمُلْك لَا يَبْلَى } قَالَ : فَنَسيَ مَا عَهدَ إلَيْه في ذَلكَ , قَالَ : وَهَذَا عَهْد اللَّه إلَيْه , قَالَ : وَلَوْ كَانَ لَهُ عَزْم مَا أَطَاعَ عَدُوّهُ الَّذي حَسَدَهُ , وَأَبي أَنْ يَسْجُد لَهُ مَعَ مَنْ سَجَدَ لَهُ إبْليس , وَعَصَى اللَّه الَّذي كَرَّمَهُ وَشَرَّفَهُ , وَأَمَرَ مَلَائكَته فَسَجَدُوا لَهُ . 18394 - حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى وَابْن بَشَّار قَالَا : ثنا يَحْيَى بْن سَعيد , وَعَبْد الرَّحْمَن , وَمُؤَمّل , قَالُوا : ثنا سُفْيَان , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ مُسْلم الْبُطَيْن , عَنْ سَعيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : إنَّمَا سُمّيَ الْإنْسَان لأَنَّهُ عُهدَ إلَيْه فَنَسيَ .



وَقَوْله : { وَلَمْ نَجد لَهُ عَزْمًا } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْويل في مَعْنَى الْعَزْم هَاهُنَا , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ الصَّبْر . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18395 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَمْ نَجد لَهُ عَزْمًا } أَيْ صَبْرًا . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ قَتَادَة { وَلَمْ نَجد لَهُ عَزْمًا } , قَالَ : صَبْرًا . * - حَدَّثَنَا إبْرَاهيم بْن يَعْقُوب الْجَوْزَجَانيّ , قَالَ : ثنا أَبُو النَّضْر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ قَتَادَة , مثْله . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ : الْحفْظ , قَالُوا : وَمَعْنَاهُ : وَلَمْ نَجد لَهُ حفْظًا لمَا عَهدْنَا إلَيْه . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18396 - حَدَّثَني أَبُو السَّائب , قَالَ : ثنا ابْن إدْريس , عَنْ أَبيه , عَنْ عَطيَّة { وَلَمْ نَجد لَهُ عَزْمًا } قَالَ : حفْظًا لمَا أَمَرْته . * - حَدَّثَني يَعْقُوب بْن إبْرَاهيم , قَالَ : ثنا هَاشم بْن الْقَاسم , عَنْ الْأَشْجَعيّ , عَنْ سُفْيَان , عَنْ عَمْرو بْن قَيْس , عَنْ عَطيَّة , في قَوْله { وَلَمْ نَجد لَهُ عَزْمًا } قَالَ : حفْظًا . * - حَدَّثَنَا عَبَّاد بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثنا قَبيصَة , عَنْ سُفْيَان , عَنْ عَمْرو بْن قَيْس , عَنْ عَطيَّة , في قَوْله { وَلَمْ نَجد لَهُ عَزْمًا } قَالَ : حفْظًا لمَا أَمَرْته به . 18397 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , قَالَ : ثَنْي أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَمْ نَجد لَهُ عَزْمًا } يَقُول : لَمْ نَجد لَهُ حفْظًا . 18398 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله : { وَلَمْ نَجد لَهُ عَزْمًا } قَالَ : الْعَزْم : الْمُحَافَظَة عَلَى مَا أَمَرَهُ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى بحفْظه , وَالتَّمَسُّك به . 18399 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالح , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , في قَوْله : { وَلَمْ نَجد لَهُ عَزْمًا } يَقُول : لَمْ نَجْعَل لَهُ عَزْمًا . 18400 - حَدَّثَني الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج بْن فَضَالَة , عَنْ لُقْمَان بْن عَامر , عَنْ أَبي أُمَامَةَ قَالَ : لَوْ أَنَّ أَحْلَام بَني آدَم جُمعَتْ مُنْذُ يَوْم خَلَقَ اللَّه تَعَالَى آدَم إلَى يَوْم السَّاعَة , وَوُضعَتْ في كفَّة ميزَان , وَوُضعَ حلْم آدَم في الْكفَّة الْأُخْرَى , لَرَجَعَ حلْمه بأَحْلَامهمْ , وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَلَمْ نَجد لَهُ عَزْمًا } . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَصْل الْعَزْم اعْتقَاد الْقَلْب عَلَى الشَّيْء , يُقَال منْهُ : عَزَمَ فُلَان عَلَى كَذَا : إذَا اعْتَقَدَ عَلَيْه وَنَوَاهُ ; وَمنْ اعْتقَاد الْقَلْب : حفْظ الشَّيْء , وَمنْهُ الصَّبْر عَلَى الشَّيْء , لأَنَّهُ لَا يَجْزَع جَازع إلَّا منْ خَوْر قَلْبه وَضَعْفه . فَإذَا كَانَ ذَلكَ كَذَلكَ , فَلَا مَعْنَى لذَلكَ أَبْلَغ ممَّا بَيَّنَهُ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى , وَهُوَ قَوْله : { وَلَمْ نَجد لَهُ عَزْمًا } فَيَكُون تَأْويله : وَلَمْ نَجد لَهُ عَزْم قَلْب , عَلَى الْوَفَاء للَّه بعَهْده , وَلَا عَلَى حفْظ مَا عَهدَ إلَيْه .
وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوۤاْ إِلَّاۤ إِبۡلِیسَ أَبَىٰ ﴿١١٦﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { وَإذْ قُلْنَا للْمَلَائكَة اُسْجُدُوا لآدَم فَسَجَدُوا إلَّا إبْليس أَبَى } يَقُول تَعَالَى ذكْرُهُ مُعَلّمًا نَبيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ , مَا كَانَ منْ تَضْييع آدَم عَهْده , وَمُعَرّفه بذَلكَ أَنَّ وَلَده لَنْ يَعْدُوا أَنْ يَكُونُوا في ذَلكَ عَلَى منْهَاجه , إلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّه منْهُمْ : وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّد { إذْ قُلْنَا للْمَلَائكَة اُسْجُدُوا لآدَم فَسَجَدُوا إلَّا إبْليس أَبَى } أَنْ يَسْجُد لَهُ .
فَقُلۡنَا یَـٰۤـَٔادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوࣱّ لَّكَ وَلِزَوۡجِكَ فَلَا یُخۡرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلۡجَنَّةِ فَتَشۡقَىٰۤ ﴿١١٧﴾
{ فَقُلْنَا يَا آدَم إنَّ هَذَا عَدُوّ لَك وَلزَوْجك } وَلذَلكَ منْ شَنَآنه لَمْ يَسْجُد لَك , وَخَالَفَ أَمْري في ذَلكَ وَعَصَاني , فَلَا تُطيعَاهُ فيمَا يَأْمُركُمَا به , فَيُخْرجكُمَا بمَعْصيَتكُمَا رَبّكُمَا , وَطَاعَتكُمَا لَهُ { منْ الْجَنَّة فَتَشْقَى } يَقُول : فَيَكُون عَيْشك منْ كَدّ يَدك , فَذَلكَ شَقَاؤُهُ الَّذي حَذَّرَهُ به , كَمَا : 18401 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَعْقُوب , عَنْ جَعْفَر , عَنْ سَعيد , قَالَ : أُهْبطَ إلَى آدَم ثَوْر أَحْمَر , فَكَانَ يَحْرُث عَلَيْه , وَيَمْسَح الْعَرَق منْ جَبينه , فَهُوَ الَّذي قَالَ اللَّه تَعَالَى ذكْرُهُ : { فَلَا يُخْرجَنكُمَا منْ الْجَنَّة فَتَشْقَى } فَكَانَ ذَلكَ شَقَاءَهُ . وَقَالَ تَعَالَى ذكْرُهُ : { فَتَشْقَى } وَلَمْ يَقُلْ : فَتَشْقَيَا , وَقَدْ قَالَ : { فَلَا يُخْرجَنكُمَا } لأَنَّ ابْتدَاء الْخَطَّاب منْ اللَّه كَانَ لآدَم عَلَيْه السَّلَام فَكَانَ في إعْلَامه الْعُقُوبَة عَلَى مَعْصيَته إيَّاهُ , فيمَا نَهَاهُ عَنْهُ منْ أَكْل الشَّجَرَة , الْكفَايَة منْ ذكْر الْمَرْأَة , إذْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ حُكْمهَا في ذَلكَ حُكْمه , كَمَا قَالَ : { عَنْ الْيَمين وَعَنْ الشّمَال قَعيد } 50 17 اُجْتُزئَ بمَعْرفَة السَّامعينَ مَعْنَاهُ , منْ ذكْر فعْل صَاحبه .
إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِیهَا وَلَا تَعۡرَىٰ ﴿١١٨﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { إنَّ لَك أَلَّا تَجُوع فيهَا وَلَا تَعْرَى } يَقُول تَعَالَى ذكْره , مُخْبرًا عَنْ قيله لآدَم حين أَسْكَنَهُ الْجَنَّة : { إنَّ لَك } يَا آدَم { أَنْ لَا تَجُوع فيهَا وَلَا تَعْرَى } . و " أَنْ " في قَوْله { أَلَّا تَجُوع فيهَا } في مَوْضع نَصْب بإنَّ الَّتي في قَوْله : { إنَّ لَك } .
وَأَنَّكَ لَا تَظۡمَؤُاْ فِیهَا وَلَا تَضۡحَىٰ ﴿١١٩﴾
وَقَوْله : { وَأَنَّك لَا تَظْمَأ فيهَا } اخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء في قرَاءَتهَا , فَقَرَأَ ذَلكَ بَعْض قُرَّاء الْمَدينَة وَالْكُوفَة بالْكَسْر : وَإنَّك , عَلَى الْعَطْف عَلَى قَوْله : { إنَّ لَك } . وَقَرَأَ ذَلكَ بَعْض قُرَّاء الْمَدينَة وَعَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة وَالْبَصْرَة : وَأَنَّك , بفَتْح أَلفهَا عَطْفًا بهَا عَلَى " أَنَّ " الَّتي في قَوْله : " أَنْ لَا تَجُوع فيهَا " . وَوَجَّهُوا تَأْويل ذَلكَ إلَى أَنَّ لَك هَذَا وَهَذَا ; فَهَذه الْقرَاءَة أَعْجَب الْقرَاءَتَيْن إلَيَّ , لأَنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذكْره وَعَدَ ذَلكَ آدَم حين أَسْكَنَهُ الْجَنَّة , فَكَوْن ذَلكَ بأَنْ يَكُون عَطْفًا عَلَى أَنْ لَا تَجُوع أَوْلَى منْ أَنْ يَكُون خَبَر مُبْتَدَإ , وَإنْ كَانَ الْآخَر غَيْر بَعيد منْ الصَّوَاب . وَعُنيَ بقَوْله : { لَا تَظْمَأ فيهَا } لَا تَعْطَش في الْجَنَّة مَا دُمْت فيهَا { وَلَا تَضْحَى } , يَقُول : لَا تَظْهَر للشَّمْس فَيُؤْذيك حَرّهَا , كَمَا قَالَ ابْن أَبي رَبيعَة : رَأَتْ رَجُلًا أَمَّا إذَا الشَّمْس عَارَضَتْ فَيَضْحَى وَأَمَّا بالْعَشيّ فَيَخْصُر وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18402 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالح , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَأَنَّك لَا تَظْمَأ فيهَا وَلَا تَضْحَى } يَقُول : لَا يُصيبك فيهَا عَطَش وَلَا حَرّ . * - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , قَالَ : ثني أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَأَنَّك لَا تَظْمَأ فيهَا وَلَا تَضْحَى } يَقُول : لَا يُصيبك حَرّ وَلَا أَذَى . 18403 - حَدَّثَني أَحْمَد بْن عُثْمَان بْن حَكيم الْأَوْديّ , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن شَريك , قَالَ : ثَنْي أَبي , عَنْ خُصَيْف عَنْ سَعيد بْن جُبَيْر { لَا تَظْمَأ فيهَا وَلَا تَضْحَى } قَالَ : لَا تُصيبك الشَّمْس . حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة { وَلَا تَضْحَى } قَالَ : لَا تُصيبك الشَّمْس .
فَوَسۡوَسَ إِلَیۡهِ ٱلشَّیۡطَـٰنُ قَالَ یَـٰۤـَٔادَمُ هَلۡ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلۡخُلۡدِ وَمُلۡكࣲ لَّا یَبۡلَىٰ ﴿١٢٠﴾
وَقَوْله : { فَوَسْوَسَ إلَيْه الشَّيْطَان } يَقُول : فَأَلْقَى إلَى آدَم الشَّيْطَان وَحَدَّثَهُ { فَقَالَ يَا آدَم هَلْ أَدُلّك عَلَى شَجَرَة الْخُلْد } يَقُول : قَالَ لَهُ : هَلْ أَدُلّك عَلَى شَجَرَة إنْ أَكَلْت منْهَا خَلَدْت فَلَمْ تَمُتْ , وَمَلَكْت مُلْكًا لَا يَنْقَضي فَيَبْلَى , كَمَا : 18404 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدّيّ { قَالَ يَا آدَم هَلْ أَدُلّك عَلَى شَجَرَة الْخُلْد وَمُلْك لَا يَبْلَى } إنْ أَكَلْت منْهَا كُنْت مَلكًا مثْل اللَّه { أَوْ تَكُونَا منْ الْخَالدينَ } فَلَا تَمُوتَان أَبَدًا .
فَأَكَلَا مِنۡهَا فَبَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَ ٰ⁠ تُهُمَا وَطَفِقَا یَخۡصِفَانِ عَلَیۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۚ وَعَصَىٰۤ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ ﴿١٢١﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { فَأَكَلَا منْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتهمَا } يَقُول تَعَالَى ذكْره : فَأَكَلَ آدَم وَحَوَّاء منْ الشَّجَرَة الَّتي نُهيَا عَنْ الْأَكْل منْهَا , وَأَطَاعَا أَمْر إبْليس , وَخَالَفَا أَمْر رَبّهمَا { فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتهمَا } يَقُول : فَانْكَشَفَتْ لَهُمَا عَوْرَاتهمَا , وَكَانَتْ مَسْتُورَة عَنْ أَعْيُنهمَا , كَمَا : 18405 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدّيّ , قَالَ : إنَّمَا أَرَادَ , يَعْني إبْليس بقَوْله : { هَلْ أَدُلّك عَلَى شَجَرَة الْخُلْد وَمُلْك لَا يَبْلَى } ليُبْديَ لَهُمَا مَا تَوَارَى عَنْهُمَا منْ سَوْآتهمَا , بهَتْك لبَاسهمَا , وَكَانَ قَدْ عَلمَ أَنَّ لَهُمَا سَوْأَة لَمَّا كَانَ يَقْرَأ منْ كُتُب الْمَلَائكَة , وَلَمْ يَكُنْ آدَم يَعْلَم ذَلكَ , وَكَانَ لبَاسهمَا الظَّفْر , فَأَبَى آدَم أَنْ يَأْكُل منْهَا , فَتَقَدَّمَتْ حَوَّاء , فَأَكَلَتْ ثُمَّ قَالَتْ : يَا آدَم كُلْ , فَإنّي قَدْ أَكَلْت , فَلَمْ يَضُرّني , فَلَمَّا أَكَلَ آدَم بَدَتْ سَوْآتهمَا .



وَقَوْله : { وَطَفقَا يَخْصفَان عَلَيْهمَا منْ وَرَق الْجَنَّة } يَقُول : أَقْبَلَا يَشُدَّان عَلَيْهمَا منْ وَرَق الْجَنَّة , كَمَا : 18406 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدّيّ { وَطَفقَا يَخْصفَان عَلَيْهمَا منْ وَرَق الْجَنَّة } يَقُول : أَقْبَلَا يُغَطّيَان عَلَيْهمَا بوَرَق التّين . 18407 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَطَفقَا يَخْصفَان عَلَيْهمَا منْ وَرَق الْجَنَّة } يَقُول : يُوصلَان عَلَيْهمَا منْ وَرَق الْجَنَّة .



وَقَوْله : { وَعَصَى آدَم رَبّه فَغَوَى } يَقُول : وَخَالَفَ أَمْر رَبّه , فَتَعَدَّى إلَى مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَعَدَّى إلَيْه , منْ الْأَكْل منْ الشَّجَرَة الَّتي نَهَاهُ عَنْ الْأَكْل منْهَا .
ثُمَّ ٱجۡتَبَـٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَیۡهِ وَهَدَىٰ ﴿١٢٢﴾
وَقَوْله : { ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبّه فَتَابَ عَلَيْه وَهَدَى } يَقُول : اصْطَفَاهُ رَبّه منْ بَعْد مَعْصيَته إيَّاهُ فَرَزَقَهُ الرُّجُوع إلَى مَا يَرْضَى عَنْهُ , وَالْعَمَل بطَاعَته , وَذَلكَ هُوَ كَانَتْ تَوْبَته الَّتي تَابَهَا عَلَيْه . وَقَوْله : { وَهَدَى } يَقُول : وَهَدَاهُ للتَّوْبَة , فَوَفَّقَهُ لَهَا .
قَالَ ٱهۡبِطَا مِنۡهَا جَمِیعَۢاۖ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوࣱّۖ فَإِمَّا یَأۡتِیَنَّكُم مِّنِّی هُدࣰى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَایَ فَلَا یَضِلُّ وَلَا یَشۡقَىٰ ﴿١٢٣﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ اهْبطَا منْهَا جَميعًا بَعْضكُمْ لبَعْضٍ عَدُوّ فَإمَّا يَأْتيَنكُمْ منّي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضلّ وَلَا يَشْقَى } . يَقُول تَعَالَى ذكْره : قَالَ اللَّه تَعَالَى لآدَم وَحَوَّاء : { اهْبطَا جَميعًا } إلَى الْأَرْض { بَعْضكُمْ لبَعْضٍ عَدُوّ } يَقُول : أَنْتُمَا عَدُوّ إبْليس وَذُرّيَّته , وَإبْليس عَدُوّكُمَا وَعَدُوّ ذُرّيَّتكُمَا . وَقَوْله : { فَإمَّا يَأْتيَنكُمْ منّي هُدًى } يَقُول : فَإنْ يَأْتكُمْ يَا آدَم وَحَوَّاء وَإبْليس منّي هُدًى : يَقُول : بَيَان لسَبيلي , وَمَا أَخْتَارهُ لخَلْقي منْ دين { فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ } يَقُول : فَمَنْ اتَّبَعَ بَيَاني ذَلكَ وَعَملَ به , وَلَمْ يَزغْ منْهُ { فَلَا يَضلّ } يَقُول : فَلَا يَزُول عَنْ مَحَجَّة الْحَقّ , وَلَكنَّهُ يُرْشد في الدُّنْيَا وَيَهْتَدي { وَلَا يَشْقَى } في الْآخرَة بعقَاب اللَّه , لأَنَّ اللَّه يُدْخلهُ الْجَنَّة , وَيُنَجّيه منْ عَذَابه . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في تَأْويل ذَلكَ قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18408 - حَدَّثَني الْحُسَيْن بْن يَزيد الطَّحَّان , قَالَ : ثنا أَبُو خَالد الْأَحْمَر , عَنْ عَمْرو بْن قَيْس الْمُلَائيّ , عَنْ عكْرمَة عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : تَضَمَّنَ اللَّه لمَنْ قَرَأَ الْقُرْآن , وَاتَّبَعَ مَا فيه أَنْ لَا يَضلّ في الدُّنْيَا وَلَا يَشْقَى في الْآخرَة , ثُمَّ تَلَا هَذه الْآيَة : { فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضلّ وَلَا يَشْقَى } . * - حَدَّثَني نَصْر بْن عَبْد الرَّحْمَن الْأَوْديّ , قَالَ : ثنا حَكَّام الرَّازيّ , عَنْ أَيُّوب بْن مُوسَى , عَنْ مَرْو , ثنا الْمُلَائيّ عَنْ ابْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : إنَّ اللَّه قَدْ ضَمنَ . ... فَذَكَرَ نَحْوه . * - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ أَيُّوب بْن يَسَار أَبي عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ عَمْرو بْن قَيْس , عَنْ رَجُل عَنْ ابْن عَبَّاس , بنَحْوه . * - حَدَّثَنَا عَليّ بْن سَهْل الرَّمْليّ , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُحَمَّد النَّسَائيّ , عَنْ أَبي سَلَمَة , عَنْ عَطَاء , عَنْ سَعيد بْن جُبَيْر , قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس : مَنْ قَرَأَ الْقُرْآن وَاتَّبَعَ مَا فيه عَصَمَهُ اللَّه منْ الضَّلَالَة , وَوَقَاهُ , أَظُنّهُ أَنَّهُ قَالَ : منْ هَوْل يَوْم الْقيَامَة , وَذَلكَ أَنَّهُ قَالَ : { فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضلّ وَلَا يَشْقَى } في الْآخرَة .
وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِی فَإِنَّ لَهُۥ مَعِیشَةࣰ ضَنكࣰا وَنَحۡشُرُهُۥ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ أَعۡمَىٰ ﴿١٢٤﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذكْري فَإنَّ لَهُ مَعيشَة ضَنْكًا } يَقُول تَعَالَى ذكْره : { وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذكْري } الَّذي أَذْكُرهُ به فَتَوَلَّى عَنْهُ وَلَمْ يَقْبَلهُ وَلَمْ يَسْتَجبْ لَهُ , وَلَمْ يَتَّعظ به فَيَنْزَجر عَمَّا هُوَ عَلَيْه مُقيم منْ خلَافَة أَمْر رَبّه { فَإنَّ لَهُ مَعيشَة ضَنْكًا } يَقُول : فَإنَّ لَهُ مَعيشَة ضَيّقَة . وَالضَّنْك منْ الْمَنَازل وَالْأَمَاكن وَالْمَعَايش : الشَّديد يُقَال : هَذَا مَنْزل ضَنْك : إذَا كَانَ ضَيّقًا , وَعَيْش ضَنْك : الذَّكَر وَالْأُنْثَى وَالْوَاحد وَالاثْنَان وَالْجَمْع بلَفْظٍ وَاحد ; وَمنْهُ قَوْل عَنْتَرَة : وَإنْ نَزَلُوا بضَنْكٍ أَنْزل وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18409 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { فَإنَّ لَهُ مَعيشَة ضَنْكًا } يَقُول : الشَّقَاء . 18410 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , قَوْله : { ضَنْكًا } قَالَ : ضَيّقَة . 18411 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّزَّاق , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , في قَوْله : { فَإنَّ لَهُ مَعيشَة ضَنْكًا } قَالَ : الضَّنْك : الضَّيّق . * - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ الْقَاسم بْن أَبي بَزَّة , عَنْ مُجَاهد , في قَوْله : { فَإنَّ لَهُ مَعيشَة ضَنْكًا } يَقُول : ضَيّقَة . * - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد , مثْله . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْويل في الْمَوْضع الَّذي جَعَلَ اللَّه لهَؤُلَاء الْمُعْرضينَ عَنْ ذكْره الْعيشَة الضَّنْك , وَالْحَال الَّتي جَعَلَهُمْ فيهَا , فَقَالَ بَعْضهمْ : جَعَلَ ذَلكَ لَهُمْ في الْآخرَة في جَهَنَّم , وَذَلكَ أَنَّهُمْ جَعَلَ طَعَامهمْ فيهَا الضَّريع وَالزَّقُّوم . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18412 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن عَليّ بْن مُقَدَّم , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن سَعيد , عَنْ عَوْف , عَنْ الْحَسَن , في قَوْله : { فَإنَّ لَا مَعيشَة ضَنْكًا } قَالَ : في جَهَنَّم . 18413 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله : { وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذكْري فَإنَّ لَهُ مَعيشَة ضَنْكًا } فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : { وَلَمْ يُؤْمن بآيَات رَبّه } قَالَ : هَؤُلَاء أَهْل الْكُفْر . قَالَ : وَمَعيشَة ضَنْكًا في النَّار شَوْك منْ نَار وَزَقُّوم وَغسْلين , وَالضَّريع : شَوْك منْ نَار , وَلَيْسَ في الْقَبْر وَلَا في الدُّنْيَا مَعيشَة , مَا الْمَعيشَة وَالْحَيَاة إلَّا في الْآخرَة , وَقَرَأَ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { يَا لَيْتَني قَدَّمْت لحَيَاتي } 89 24 قَالَ : لمَعيشَتي ; قَالَ : وَالْغسْلين وَالزَّقُّوم : شَيْء لَا يَعْرفهُ أَهْل الدُّنْيَا . 18414 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّزَّاق , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { فَإنَّ لَهُ مَعيشَة ضَنْكًا } قَالَ : في النَّار . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بذَلكَ : فَإنَّ لَهُ مَعيشَة في الدُّنْيَا حَرَامًا . قَالَ : وَوَصَفَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ مَعيشَتهمْ بالضَّنْك , لأَنَّ الْحَرَام وَإنْ اتَّسَعَ فَهُوَ ضَنْك . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18415 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضح , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن بْن وَاقد , عَنْ يَزيد , عَنْ عكْرمَة في قَوْله : { مَعيشَة ضَنْكًا } قَالَ : هيَ الْمَعيشَة الَّتي أَوْسَعَ اللَّه عَلَيْه منْ الْحَرَام . 18416 - حَدَّثَني دَاوُدُ بْن سُلَيْمَان بْن يَزيد الْمُكْتب منْ أَهْل الْبَصْرَة , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن جَرير الْبَجَليّ , عَنْ إسْمَاعيل بْن أَبي خَالد , عَنْ قَيْس بْن أَبي حَازم في قَوْل اللَّه : { مَعيشَة ضَنْكًا } قَالَ : رزْقًا في مَعْصيَته . 18417 - حَدَّثَني عَبْد الْأَعْلَى بْن وَاصل , قَالَ : ثنا يَعْلَى بْن عُبَيْد , قَالَ : ثنا أَبُو بَسْطَام , عَنْ الضَّحَّاك { فَإنَّ لَهُ مَعيشَة ضَنْكًا } قَالَ : الْكَسْب الْخَبيث . * - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن إسْمَاعيل الضّرَاريّ , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن سَوَّار , قَالَ : ثنا أَبُو الْيَقْظَان عَمَّار بْن مُحَمَّد , عَنْ هَارُون بْن مُحَمَّد التَّيْميّ , عَنْ الضَّحَّاك , في قَوْله : { فَإنَّ لَهُ مَعيشَة ضَنْكًا } قَالَ : الْعَمَل الْخَبيث , وَالرّزْق السَّيّئ . وَقَالَ آخَرُونَ ممَّنْ قَالَ عَنَى أَنَّ لهَؤُلَاء الْقَوْم الْمَعيشَة الضَّنْك في الدُّنْيَا , إنَّمَا قيلَ لَهَا ضَنْك وَإنْ كَانَتْ وَاسعَة , لأَنَّهُمْ يُنْفقُونَ مَا يُنْفقُونَ منْ أَمْوَالهمْ عَلَى تَكْذيب منْهُمْ بالْخَلْف منْ اللَّه , وَإيَاس منْ فَضْل اللَّه , وَسُوء ظَنّ منْهُمْ برَبّهمْ , فَتَشْتَدّ لذَلكَ عَلَيْهمْ مَعيشَتهمْ وَتَضيق . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18418 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنْي أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , قَالَ : ثني أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذكْري فَإنَّ لَهُ مَعيشَة ضَنْكًا } يَقُول : كُلّ مَال أَعْطَيْته عَبْدًا منْ عبَادي قَلَّ أَوْ كَثُرَ , لَا يَتَّقيني فيه , لَا خَيْر فيه , وَهُوَ الضَّنْك في الْمَعيشَة . وَيُقَال : إنَّ قَوْمًا ضُلَّالًا أَعْرَضُوا عَنْ الْحَقّ وَكَانُوا أُولي سَعَة منْ الدُّنْيَا مُكْثرينَ , فَكَانَتْ مَعيشَتهمْ ضَنْكًا , وَذَلكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَيْسَ بمُخْلفٍ لَهُمْ مَعَايشهمْ منْ سُوء ظَنّهمْ باَللَّه , وَالتَّكْذيب به , فَإذَا كَانَ الْعَبْد يَكْذب باَللَّه , وَيُسيء الظَّنّ به , اشْتَدَّتْ عَلَيْه مَعيشَته , فَذَلكَ الضَّنْك . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بذَلكَ : أَنَّ ذَلكَ لَهُمْ في الْبَرْزَخ , وَهُوَ عَذَاب الْقَبْر . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18419 - حَدَّثَني يَزيد بْن مَخْلَد الْوَاسطيّ , قَالَ : ثنا خَالد بْن عَبْد اللَّه , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن إسْحَاق , عَنْ أَبي حَازم عَنْ النُّعْمَان بْن أَبي عَيَّاش , عَنْ أَبي سَعيد الْخُدْريّ , قَالَ في قَوْل اللَّه : { مَعيشَة ضَنْكًا } قَالَ : عَذَاب الْقَبْر . * - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن بَزيع , قَالَ : ثنا بشْر بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن إسْحَاق , عَنْ أَبي حَازم , عَنْ النُّعْمَان بْن أَبي عَيَّاش , عَنْ أَبي سَعيد الْخُدْريّ , قَالَ : إنَّ الْمَعيشَة الضَّنْك , الَّتي قَالَ اللَّه : عَذَاب الْقَبْر . * - حَدَّثَني حَوْثَرَة بْن مُحَمَّد الْمنْقَريّ , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ أَبي حَازم , عَنْ أَبي سَلَمَة , عَنْ أَبي سَعيد الْخُدْريّ { فَإنَّ لَهُ مَعيشَة ضَنْكًا } قَالَ : يُضَيَّق عَلَيْه قَبْره حَتَّى تَخْتَلف أَضْلَاعه . * - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْحَكَم , قَالَ : ثنا أَبي وَشُعَيْب بْن اللَّيْث , عَنْ اللَّيْث , قَالَ : ثنا خَالد بْن زَيْد , عَنْ ابْن أَبي هلَال , عَنْ أَبي حَازم , عَنْ أَبي سَعيد , أَنَّهُ كَانَ يَقُول : الْمَعيشَة الضَّنْك : عَذَاب الْقَبْر , إنَّهُ يُسَلَّط عَلَى الْكَافر في قَبْره تسْعَة وَتسْعُونَ تنّينًا تَنْهَشهُ وَتَخْدش لَحْمه حَتَّى يُبْعَث . وَكَانَ يُقَال : لَوْ أَنَّ تنّينًا منْهَا نَفَخَ الْأَرْض لَمْ تَنْبُت زَرْعًا . 18420 - حَدَّثَنَا مُجَاهد بْن مُوسَى , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن عَمْرو , عَنْ أَبي سَلَمَة , عَنْ أَبي هُرَيْرَة , قَالَ : يُطْبَق عَلَى الْكَافر قَبْره حَتَّى تَخْتَلف فيه أَضْلَاعه , وَهيَ الْمَعيشَة الضَّنْك الَّتي قَالَ اللَّه : { مَعيشَة ضَنْكًا وَنَحْشرهُ يَوْم الْقيَامَة أَعْمَى } . 18421 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا جَابر بْن نُوح , عَنْ إسْمَاعيل بْن أَبي خَالد , عَنْ أَبي صَالح وَالسُّدّيّ في قَوْله : { مَعيشَة ضَنْكًا } قَالَ : عَذَاب الْقَبْر . 18422 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إسْمَاعيل الْأَحْمَسيّ , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن عُبَيْد , قَالَ : ثنا سُفْيَان الثَّوْريّ , عَنْ إسْمَاعيل بْن أَبي خَالد , عَنْ أَبي صَالح , في قَوْله : { فَإنَّ لَهُ مَعيشَة ضَنْكًا } قَالَ : عَذَاب الْقَبْر . 18423 - حَدَّثَني عَبْد الرَّحْمَن بْن الْأَسْوَد , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن رَبيعَة , قَالَ : ثنا أَبُو عُمَيْس , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُخَارق عَنْ أَبيه , عَنْ عَبْد اللَّه , في قَوْله : { مَعيشَة ضَنْكًا } قَالَ : عَذَاب الْقَبْر . * - حَدَّثَني عَبْد الرَّحيم الْبَرْقيّ , قَالَ : ثنا ابْن أَبي مَرْيَم , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر وَابْن أَبي حَازم , قَالَا : ثنا أَبُو حَازم , عَنْ النُّعْمَان بْن أَبي عَيَّاش , عَنْ أَبي سَعيد الْخُدْريّ { مَعيشَة ضَنْكًا } قَالَ : عَذَاب الْقَبْر . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْأَقْوَال في ذَلكَ بالصَّوَاب قَوْل مَنْ قَالَ : هُوَ عَذَاب الْقَبْر الَّذي : 18424 - حَدَّثَنَا به أَحْمَد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن وَهْب , قَالَ : ثنا عَمّي عَبْد اللَّه بْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَني عَمْرو بْن الْحَارث , عَنْ دَرَّاج , عَنْ ابْن حُجَيْرَة عَنْ أَبي هُرَيْرَة , عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " أَتَدْرُونَ فيمَ أُنْزلَتْ هَذه الْآيَة : { فَإنَّ لَهُ مَعيشَة ضَنْكًا وَنَحْشُرهُ يَوْم الْقيَامَة أَعْمَى } أَتَدْرُونَ مَا الْمَعيشَة الضَّنْك ؟ " قَالُوا : اللَّه وَرَسُوله أَعْلَم , قَالَ : وَعَذَاب الْكَافر في قَبْره , وَاَلَّذي نَفْسي بيَده أَنَّهُ لَيُسَلَّط عَلَيْه تسْعَة وَتسْعُونَ تنّينًا , أَتَدْرُونَ مَا التّنّين : تسْعَة وَتسْعُونَ حَيَّة , لكُلّ حَيَّة سَبْعَة رُءُوس , يَنْفُخُونَ في جسْمه وَيَلْسَعُونَهُ وَيَخْدشُونَهُ إلَى يَوْم الْقيَامَة . وَإنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى اتَّبَعَ ذَلكَ بقَوْله : { وَلَعَذَاب الْآخرَة أَشَدّ وَأَبْقَى } فَكَانَ مَعْلُومًا بذَلكَ أَنَّ الْمَعيشَة الضَّنْك الَّتي جَعَلَهَا اللَّه لَهُمْ قَبْل عَذَاب الْآخرَة , لأَنَّ ذَلكَ لَوْ كَانَ في الْآخرَة لَمْ يَكُنْ لقَوْله { وَلَعَذَاب الْآخرَة أَشَدّ وَأَبْقَى } مَعْنَى مَفْهُوم , لأَنَّ ذَلكَ إنْ لَمْ يَكُنْ تَقَدَّمَهُ عَذَاب لَهُمْ قَبْل الْآخرَة , حَتَّى يَكُون الَّذي في الْآخرَة أَشَدّ منْهُ , بَطَلَ مَعْنَى قَوْله { وَلَعَذَاب الْآخرَة أَشَدّ وَأَبْقَى } . فَإذْ كَانَ ذَلكَ كَذَلكَ , فَلَا تَخْلُو تلْكَ الْمَعيشَة الضَّنْك الَّتي جَعَلَهَا اللَّه لَهُمْ منْ أَنْ تَكُون لَهُمْ في حَيَاتهمْ الدُّنْيَا , أَوْ في قُبُورهمْ قَبْل الْبَعْث , إذْ كَانَ لَا وَجْه لأَنْ تَكُون في الْآخرَة لمَا قَدْ بَيَّنَّا , فَإنْ كَانَتْ لَهُمْ في حَيَاتهمْ الدُّنْيَا , فَقَدْ يَجب أَنْ يَكُون كُلّ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذكْر اللَّه منْ الْكُفَّار , فَإنَّ مَعيشَته فيهَا ضَنْك , وَفي وُجُودنَا كَثيرًا منْهُمْ أَوْسَع مَعيشَة منْ كَثير منْ الْمُقْبلينَ عَلَى ذكْر اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى , الْقَائلينَ لَهُ الْمُؤْمنينَ في ذَلكَ , مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ ذَلكَ لَيْسَ كَذَلكَ , وَإذْ خَلَا الْقَوْل في ذَلكَ منْ هَذَيْن الْوَجْهَيْن صَحَّ الْوَجْه الثَّالث , وَهُوَ أَنَّ ذَلكَ في الْبَرْزَخ .



وَقَوْله : { وَنَحْشُرهُ يَوْم الْقيَامَة أَعْمَى } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْويل في صفَة الْعَمَى الَّذي ذَكَرَ اللَّه في هَذه الْآيَة , أَنَّهُ يَبْعَث هَؤُلَاء الْكُفَّار يَوْم الْقيَامَة به , فَقَالَ بَعْضهمْ : ذَلكَ عَمَى عَنْ الْحُجَّة , لَا عَمَى عَنْ الْبَصَر . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18425 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إسْمَاعيل الْأَحْمَسيّ , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن عُبَيْد , قَالَ : ثنا سُفْيَان الثَّوْريّ . عَنْ إسْمَاعيل بْن أَبي خَالد , عَنْ أَبي صَالح , في قَوْله : { وَنَحْشُرهُ يَوْم الْقيَامَة أَعْمَى } قَالَ : لَيْسَ لَهُ حُجَّة . 18426 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , في قَوْله : { وَنَحْشُرهُ يَوْم الْقيَامَة أَعْمَى } قَالَ : عَنْ الْحُجَّة . 18427 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد , مثْله , وَقيلَ : يُحْشَر أَعْمَى الْبَصَر . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالصَّوَاب منْ الْقَوْل في ذَلكَ مَا قَالَ اللَّه تَعَالَى ذكْره , وَهُوَ أَنَّهُ يُحْشَر أَعْمَى عَنْ الْحُجَّة وَرُؤْيَة الشَّيْء كَمَا أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ , فَعَمَّ وَلَمْ يُخَصّص .
قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرۡتَنِیۤ أَعۡمَىٰ وَقَدۡ كُنتُ بَصِیرࣰا ﴿١٢٥﴾
وَقَوْله : { قَالَ رَبّ لمَ حَشَرْتني أَعْمَى وَقَدْ كُنْت بَصيرًا } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْويل في تَأْويل ذَلكَ . فَقَالَ بَعْضهمْ في ذَلكَ , مَا : 18428 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّزَّاق , عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد { قَالَ رَبّ لمَ حَشَرْتني أَعْمَى } لَا حُجَّة لي . وَقَوْله : { وَقَدْ كُنْت بَصيرًا } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْويل ذَلكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : وَقَدْ كُنْت بَصيرًا بحُجَّتي . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18429 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنْي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد { وَقَدْ كُنْت بَصيرًا } قَالَ : عَالمًا بحُجَّتي . وَقَالَ آخَرُونَ . بَلْ مَعْنَاهُ : وَقَدْ كُنْت ذَا يُسْر أُيَسّر به الْأَشْيَاء . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18430 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد { وَقَدْ كُنْت بَصيرًا } في الدُّنْيَا . 18431 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { قَالَ رَبّ لمَ حَشَرْتني أَعْمَى وَقَدْ كُنْت بَصيرًا } قَالَ : كَانَ بَعيد الْبَصَر , قَصير النَّظَر , أَعْمَى عَنْ الْحَقّ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالصَّوَاب منْ الْقَوْل في ذَلكَ عنْدنَا , أَنَّ اللَّه عَزَّ شَأْنه وَجَلَّ ثَنَاؤُهُ , عَمَّ بالْخَبَر عَنْهُ بوَصْفه نَفْسه بالْبَصَر , وَلَمْ يُخَصّص منْهُ مَعْنًى دُون مَعْنًى , فَذَلكَ عَلَى مَا عَمَّهُ . فَإذَا كَانَ ذَلكَ كَذَلكَ , فَتَأْويل الْآيَة , قَالَ : رَبّ لمَ حَشَرْتني أَعْمَى عَنْ حُجَّتي وَرُؤْيَة الْأَشْيَاء , وَقَدْ كُنْت في الدُّنْيَا ذَا بَصَر بذَلكَ كُلّه . فَإنْ قَالَ قَائل : وَكَيْف قَالَ هَذَا لرَبّه : { لمَ حَشَرْتني أَعْمَى } مَعَ مُعَايَنَته عَظيم سُلْطَانه , أَجْهَل في ذَلكَ الْمَوْقف أَنْ يَكُون للَّه أَنْ يَفْعَل به مَا شَاءَ , أَمْ مَا وَجْه ذَلكَ ؟ قيلَ : إنَّ ذَلكَ منْهُ مَسْأَلَة لرَبّه يُعَرّفهُ الْجُرْم الَّذي اسْتَحَقَّ به ذَلكَ , إذْ كَانَ قَدْ جَهلَهُ , وَظَنَّ أَنْ لَا جُرْم لَهُ , اسْتَحَقَّ ذَلكَ به منْهُ , فَقَالَ : رَبّ لأَيّ ذَنْب وَلأَيّ جُرْم حَشَرْتني أَعْمَى , وَقَدْ كُنْت منْ قَبْل في الدُّنْيَا بَصيرًا وَأَنْتَ لَا تُعَاقب أَحَدًا إلَّا بدُون مَا يَسْتَحقّ منْك منْ الْعقَاب .
قَالَ كَذَ ٰ⁠لِكَ أَتَتۡكَ ءَایَـٰتُنَا فَنَسِیتَهَاۖ وَكَذَ ٰ⁠لِكَ ٱلۡیَوۡمَ تُنسَىٰ ﴿١٢٦﴾
وَقَوْله : { قَالَ كَذَلكَ أَتَتْك آيَاتنَا فَنَسيتهَا } يَقُول تَعَالَى ذكْره , قَالَ اللَّه حينَئذٍ للْقَائل لَهُ : { لمَ حَشَرْتني أَعْمَى وَقَدْ كُنْت بَصيرًا } فَعَلْت ذَلكَ بك , فَحَشَرْتُك أَعْمَى كَمَا أَتَتْك آيَاتي , وَهيَ حُجَجه وَأَدلَّته وَبَيَانه الَّذي بَيَّنَهُ في كتَابه , فَنَسيتهَا : يَقُول : فَتَرَكْتهَا وَأَعْرَضْت عَنْهَا , وَلَمْ تُؤْمن بهَا , وَلَمْ تَعْمَل . وَعُنيَ بقَوْله { كَذَلكَ أَتَتْك } هَكَذَا أَتَتْك . وَقَوْله : { وَكَذَلكَ الْيَوْم تُنْسَى } يَقُول : فَكَمَا نَسيت آيَاتنَا في الدُّنْيَا , فَتَرَكْتهَا وَأَعْرَضْت عَنْهَا , فَكَذَلكَ الْيَوْم نَنْسَاك , فَنَتْرُكك في النَّار . وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْويل في مَعْنَى قَوْله { وَكَذَلكَ الْيَوْم تُنْسَى } فَقَالَ بَعْضهمْ بمثْل الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18432 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إسْمَاعيل الْأَحْمَسيّ , قَالَ , ثنا مُحَمَّد بْن عُبَيْد , قَالَ : ثنا سُفْيَان الثَّوْريّ , عَنْ إسْمَاعيل بْن أَبي خَالد , عَنْ أَبي صَالح , في قَوْله : { وَكَذَلكَ الْيَوْم تُنْسَى } قَالَ : في النَّار . 18433 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , في قَوْله : { كَذَلكَ أَتَتْك آيَاتنَا فَنَسيتهَا } قَالَ : فَتَرَكَهَا { وَكَذَلكَ الْيَوْم تُنْسَى } وَكَذَلكَ الْيَوْم تُتْرَك في النَّار . وَرُويَ عَنْ قَتَادَة في ذَلكَ مَا . 18434 - حَدَّثَني بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة { قَالَ كَذَلكَ أَتَتْك آيَاتنَا فَنَسيتهَا وَكَذَلكَ الْيَوْم تُنْسَى } قَالَ : نَسيَ منْ الْخَيْر , وَلَمْ يَنْسَ منْ الشَّرّ . وَهَذَا الْقَوْل الَّذي قَالَهُ قَتَادَة قَريب الْمَعْنَى ممَّا قَالَهُ أَبُو صَالح وَمُجَاهد , لأَنَّ تَرْكه إيَّاهُمْ في النَّار أَعْظَم الشَّرّ لَهُمْ .
وَكَذَ ٰ⁠لِكَ نَجۡزِی مَنۡ أَسۡرَفَ وَلَمۡ یُؤۡمِنۢ بِـَٔایَـٰتِ رَبِّهِۦۚ وَلَعَذَابُ ٱلۡـَٔاخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبۡقَىٰۤ ﴿١٢٧﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { وَكَذَلكَ نَجْزي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمن بآيَات رَبّه وَلَعَذَاب الْآخرَة أَشَدّ وَأَبْقَى } . يَقُول تَعَالَى ذكْره : وَهَكَذَا نَجْزي : أَيْ نُثيب مَنْ أَسْرَفَ فَعَصَى رَبّه , وَلَمْ يُؤْمن برُسُله وَكُتُبه , فَنَجْعَل لَهُ مَعيشَة ضَنْكًا في الْبَرْزَخ كَمَا قَدْ بَيَّنَّا قَبْل .



يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلَعَذَاب في الْآخرَة أَشَدّ لَهُمْ ممَّا وَعَدْتهمْ في الْقَبْر منْ الْمَعيشَة الضَّنْك { وَأَبْقَى } يَقُول : وَأَدْوَم منْهَا , لأَنَّهُ إلَى غَيْر أَمَد وَلَا نهَايَة .
أَفَلَمۡ یَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ یَمۡشُونَ فِی مَسَـٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِی ذَ ٰ⁠لِكَ لَـَٔایَـٰتࣲ لِّأُوْلِی ٱلنُّهَىٰ ﴿١٢٨﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { أَفَلَمْ يَهْد لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلهمْ منْ الْقُرُون يَمْشُونَ في مَسَاكنهمْ } يَقُول تَعَالَى ذكْره لنَبيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ : أَفَلَمْ يَهْد لقَوْمك الْمُشْركينَ باَللَّه , وَمَعْنَى يَهْد : يُبَيّن . يَقُول : أَفَلَمْ يُبَيّن لَهُمْ كَثْرَة مَا أَهْلَكْنَا قَبْلهمْ منْ الْأُمَم الَّتي سَلَكَتْ قَبْلهَا الَّتي يَمْشُونَ في مَسَاكنهمْ وَدُورهمْ , وَيَرَوْنَ آثَار عُقُوبَاتنَا الَّتي أَحْلَلْنَاهَا بهمْ سُوء مَغَبَّة مَا هُمْ عَلَيْه مُقيمُونَ منْ الْكُفْر بآيَاتنَا , وَيَتَّعظُوا بهمْ , وَيَعْتَبرُوا , وَيُنيبُوا إلَى الْإذْعَان , وَيُؤْمنُوا باَللَّه وَرَسُوله , خَوْفًا أَنْ يُصيبهُمْ بكُفْرهمْ باَللَّه مثْل مَا أَصَابَهُمْ . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18435 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلهمْ منْ الْقُرُون يَمْشُونَ في مَسَاكنهمْ } لأَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَتَّجر إلَى الشَّأْم , فَتَمُرّ بمَسَاكن عَادٍ وَثَمُود وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ , فَتَرَى آثَار وَقَائع اللَّه تَعَالَى بهمْ , فَلذَلكَ قَالَ لَهُمْ : أَفَلَمْ يُحَذّرهُمْ مَا يَرَوْنَ منْ فعْلنَا بهمْ بكُفْرهمْ بنَا نُزُول مثْله بهمْ , وَهُمْ عَلَى مثْل فعْلهمْ مُقيمُونَ . وَكَانَ الْفَرَّاء يَقُول : لَا يَجُوز في كَمْ في هَذَا الْمَوْضع أَنْ يَكُون إلَّا نَصْبًا بأَهْلَكْنَا ; وَكَانَ يَقُول : وَهُوَ وَإنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا نَصْبًا , فَإنَّ جُمْلَة الْكَلَام رُفعَ بقَوْله : { يَتَعَدَّ لَهُمْ } وَيَقُول : ذَلكَ مثْل قَوْل الْقَائل : قَدْ تَبَيَّنَ لي أَقَامَ عَمْرو أَمْ زَيْد في الاسْتفْهَام , وَكَقَوْله { سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامتُونَ } 7 193 وَيَزْعُم أَنَّ فيه شَيْئًا يُرْفَع سَوَاء لَا يَظْهَر مَعَ الاسْتفْهَام , قَالَ : وَلَوْ قُلْت : سَوَاء عَلَيْكُمْ صَمْتكُمْ وَدُعَاؤُكُمْ تَبَيَّنَ ذَلكَ الرَّفْع الَّذي في الْجُمْلَة وَلَيْسَ الَّذي قَالَ الْفَرَّاء منْ ذَلكَ , كَمَا قَالَ : لأَنَّ كَمْ وَإنْ كَانَتْ منْ حُرُوف الاسْتفْهَام فَإنَّهَا لَمْ تُجْعَل في هَذَا الْمَوْضع للاسْتفْهَام , بَلْ هيَ وَاقعَة مَوْقع الْأَسْمَاء الْمَوْصُوفَة . وَمَعْنَى الْكَلَام مَا قَدْ ذَكَرْنَا قَبْل وَهُوَ : أَفَلَمْ يُبَيّن لَهُمْ كَثْرَة إهْلَاكنَا قَبْلهمْ الْقُرُون الَّتي يَمْشُونَ في مَسَاكنهمْ , أَوْ أَفَلَمْ تَهْدهمْ الْقُرُون الْهَالكَة . وَقَدْ ذُكرَ أَنَّ ذَلكَ في قُرَّاء عَبْد اللَّه : " أَفَلَمْ يَهْد لَهُمْ مَنْ أَهْلَكْنَا " فَكَمْ وَاقعَة مَوْقع مَنْ في قرَاءَة عَبْد اللَّه , هيَ في مَوْضع رَفْع بقَوْله : { يَهْد لَهُمْ } وَهُوَ أَظْهَر وُجُوهه , وَأَصَحّ مَعَانيه , وَإنْ كَانَ الَّذي قَالَهُ وَجْه وَمَذْهَب عَلَى بُعْد .



وَقَوْله : { إنَّ في ذَلكَ لَآيَات لأُولي النُّهَى } يَقُول تَعَالَى ذكْره : إنَّ فيمَا يُعَاين هَؤُلَاء وَيَرَوْنَ منْ آثَار وَقَائعنَا بالْأُمَم الْمُكَذّبَة رُسُلهَا قَبْلهمْ , وَحُلُول مَثُلَاتنَا بهمْ لكُفْرهمْ باَللَّه { لَآيَات } يَقُول : لَدَلَالَات وَعبَرًا وَعظَات { لأُولي النُّهَى } يَعْني : لأَهْل الْحجَى وَالْعُقُول , وَمَنْ يَنْهَاهُ عَقْله وَفَهْمه وَدينه عَنْ مُوَاقَعَة مَا يَضُرّهُ . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18436 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالح , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { لأُولي النُّهَى } يَقُول : الْتَقَى . 18437 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة { إنَّ في ذَلكَ لَآيَات لأُولي النُّهَى } أَهْل الْوَرَع .
وَلَوۡلَا كَلِمَةࣱ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامࣰا وَأَجَلࣱ مُّسَمࣰّى ﴿١٢٩﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْلَا كَلمَة سَبَقَتْ منْ رَبّك لَكَانَ لزَامًا وَأَجَل مُسَمَّى } يَقُول تَعَالَى ذكْرُهُ : { وَلَوْلَا كَلمَة سَبَقَتْ منْ رَبّك } يَا مُحَمَّد أَنَّ كُلّ مَنْ قَضَى لَهُ أَجَلًا فَإنَّهُ لَا يَخْتَرمهُ قَبْل بُلُوغه أَجَله { وَأَجَل مُسَمَّى } يَقُول : وَوَقْت مُسَمَّى عنْد رَبّك سَمَّاهُ لَهُمْ في أُمّ الْكتَاب وَخَطّه فيه , هُمْ بَالغُوهُ وَمُسْتَوْفُوهُ { لَكَانَ لزَامًا } يَقُول : للَازمهمْ الْهَلَاك عَاجلًا , وَهُوَ مَصْدَر منْ قَوْل الْقَائل : لَازَمَ فُلَان فُلَانًا يُلَازمهُ مُلَازَمَة وَلزَامًا : إذَا لَمْ يُفَارقهُ , وَقَدَّمَ قَوْله : { لَكَانَ لزَامًا } قَبْل قَوْله { أَجَل مُسَمَّى } وَمَعْنَى الْكَلَام : وَلَوْلَا كَلمَة سَبَقَتْ منْ رَبّك وَأَجَل مُسَمَّى لَكَانَ لزَامًا , فَاصْبرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ , قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18438 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , قَوْله : { وَلَوْلَا كَلمَة سَبَقَتْ منْ رَبّك لَكَانَ لزَامًا وَأَجَل مُسَمَّى } الْأَجَل الْمُسَمَّى : الدُّنْيَا . 18439 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَوْلَا كَلمَة سَبَقَتْ منْ رَبّك لَكَانَ لزَامًا وَأَجَل مُسَمَّى } وَهَذه منْ مَقَاديم الْكَلَام , يَقُول : لَوْلَا كَلمَة سَبَقَتْ منْ رَبّك إلَى أَجَل مُسَمَّى كَانَ لزَامًا , وَالْأَجَل الْمُسَمَّى , السَّاعَة , لأَنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول { بَلْ السَّاعَة مَوْعدهمْ , وَالسَّاعَة أَدْهَى وَأَمَرّ } . 18440 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله : { وَلَوْلَا كَلمَة سَبَقَتْ منْ رَبّك لَكَانَ لزَامًا وَأَجَل مُسَمَّى } قَالَ : هَذَا مُقَدَّم وَمُؤَخَّر , وَلَوْلَا كَلمَة سَبَقَتْ منْ رَبّك وَأَجَل مُسَمَّى لَكَانَ لزَامًا . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْويل في مَعْنَى قَوْله : { لَكَانَ لزَامًا } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : لَكَانَ مَوْتًا . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18441 - حَدَّثَني عَليّ قَالَ : ثني أَبُو صَالح , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { لَكَانَ لزَامًا } يَقُول : مَوْتًا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ لَكَانَ قَتْلًا . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18442 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد { لَكَانَ لزَامًا } وَاللُّزُوم : الْقَتْل .
فَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا یَقُولُونَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ غُرُوبِهَاۖ وَمِنۡ ءَانَاۤىِٕ ٱلَّیۡلِ فَسَبِّحۡ وَأَطۡرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرۡضَىٰ ﴿١٣٠﴾
وَقَوْله : { فَاصْبرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ لنَبيّه : فَاصْبرْ يَا مُحَمَّد عَلَى مَا يَقُول هَؤُلَاء الْمُكَذّبُونَ بآيَات اللَّه منْ قَوْمك لَك إنَّك سَاحر , وَإنَّك مَجْنُون وَشَاعر وَنَحْو ذَلكَ منْ الْقَوْل { وَسَبّحْ بحَمْد رَبّك } يَقُول : وَصَلّ بثَنَائك عَلَى رَبّك , وَقَالَ : بحَمْد رَبّك . وَالْمَعْنَى : بحَمْدك رَبّك , كَمَا تَقُول : أَعْجَبَني ضَرْب زَيْد , وَالْمَعْنَى : ضَرْبي زَيْدًا . وَقَوْله : { قَبْل طُلُوع الشَّمْس } وَذَلكَ صَلَاة الصُّبْح { وَقَبْل غُرُوبهَا } وَهيَ الْعَصْر { وَمنْ آنَاء اللَّيْل } وَهيَ سَاعَات اللَّيْل , وَاحدهَا : إنْي , عَلَى تَقْدير حَمْل ; وَمنْهُ قَوْل الْمُنَخَّل السَّعْديّ : حُلْو وَمُرّ كَعطْف الْقدْح مُرَّته في كُلّ إنْي قَضَاهُ اللَّيْل يَنْتَعل وَيَعْني بقَوْله : { وَمنْ آنَاء اللَّيْل فَسَبّحْ } صَلَاة الْعشَاء الْآخرَة , لأَنَّهَا تُصَلَّى بَعْد مُضيّ آنَاء منْ اللَّيْل . وَقَوْله : { وَأَطْرَاف النَّهَار } : يَعْني صَلَاة الظُّهْر وَالْمَغْرب ; وَقيلَ : أَطْرَاف النَّهَار , وَالْمُرَاد بذَلكَ الصَّلَاتَان اللَّتَان ذَكَرْنَا , لأَنَّ صَلَاة الظُّهْر في آخر طَرَف النَّهَار الْأَوَّل , وَفي أَوَّل طَرَف النَّهَار الْآخَر , فَهيَ في طَرَفَيْن منْهُ , وَالطَّرَف الثَّالث : غُرُوب الشَّمْس , وَعنْد ذَلكَ تُصَلَّى الْمَغْرب , فَلذَلكَ قيلَ أَطْرَاف , وَقَدْ يُحْمَل أَنْ يُقَال : أُريدَ به طَرَفًا النَّهَار . وَقيلَ : أَطْرَاف , كَمَا قيلَ { صَغَتْ قُلُوبكُمَا } 66 4 فَجَمَعَ , وَالْمُرَاد : قَلْبَان , فَيَكُون ذَلكَ أَوَّل طَرَف النَّهَار الْآخَر , وَآخر طَرَفه الْأَوَّل . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ , قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18443 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ عَاصم , عَنْ ابْن أَبي زَيْد , عَنْ ابْن عَبَّاس { وَسَبّحْ بحَمْد رَبّك قَبْل طُلُوع الشَّمْس وَقَبْل غُرُوبهَا } قَالَ : الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة . 18444 - حَدَّثَنَا تَميم بْن الْمُنْتَصر , قَالَ : ثنا يَزيد بْن هَارُون , قَالَ : أَخْبَرَنَا إسْمَاعيل بْن أَبي خَالد , عَنْ قَيْس بْن أَبي حَازم , عَنْ جَرير بْن عَبْد اللَّه , قَالَ : كُنَّا جُلُوسًا عنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ , فَرَأَى الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر فَقَالَ : " إنَّكُمْ رَاءُونَ رَبّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا , لَا تُضَامُونَ في رُؤْيَته , فَإنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تَغْلبُوا عَلَى صَلَاة قَبْل طُلُوع الشَّمْس وَقَبْل غُرُوبهَا فَافْعَلُوا " ثُمَّ تَلَا : { وَسَبّحْ بحَمْد رَبّك قَبْل طُلُوع الشَّمْس وَقَبْل غُرُوبهَا } " . 18445 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج { وَسَبّحْ بحَمْد رَبّك قَبْل طُلُوع الشَّمْس وَقَبْل غُرُوبهَا } قَالَ ابْن جُرَيْج : الْعَصْر , وَأَطْرَاف النَّهَار قَالَ : الْمَكْتُوبَة . 18446 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة في قَوْله : { وَسَبّحْ بحَمْد رَبّك قَبْل طُلُوع الشَّمْس } قَالَ : هيَ صَلَاة الْفَجْر { وَقَبْل غُرُوبهَا } قَالَ : صَلَاة الْعَصْر . { وَمنْ آنَاء اللَّيْل } قَالَ : صَلَاة الْمَغْرب وَالْعشَاء . { وَأَطْرَاف النَّهَار } قَالَ : صَلَاة الظُّهْر . 18447 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله { وَمنْ آنَاء اللَّيْل فَسَبّحْ وَأَطْرَاف النَّهَار } : قَالَ : منْ آنَاء اللَّيْل : الْعَتَمَة . وَأَطْرَاف النَّهَار : الْمَغْرب وَالصُّبْح . وَنَصَبَ قَوْله { وَأَطْرَاف النَّهَار } عَطْفًا عَلَى قَوْله { قَبْل طُلُوع الشَّمْس } , لأَنَّ مَعْنَى ذَلكَ : فَسَبّحْ بحَمْد رَبّك آخر اللَّيْل , وَأَطْرَاف النَّهَار . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في مَعْنَى { آنَاء اللَّيْل } قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18448 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس { وَمنْ آنَاء اللَّيْل } قَالَ : الْمُصَلَّى منْ اللَّيْل كُلّه . 18449 - حَدَّثَني يَعْقُوب بْن إبْرَاهيم , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ أَبي رَجَاء , قَالَ : سَمعْت الْحَسَن قَرَأَ : { وَمنْ آنَاء اللَّيْل } قَالَ : منْ أَوَّله , وَأَوْسَطه , وَآخره . 18450 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , قَالَ : ثني أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس , في قَوْله : { وَمنْ آنَاء اللَّيْل فَسَبّحْ } قَالَ : آنَاء اللَّيْل : جَوْف اللَّيْل .



وَقَوْله : { لَعَلَّك تَرْضَى } يَقُول : كَيْ تَرْضَى . وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء في قرَاءَة ذَلكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدينَة وَالْعرَاق : { لَعَلَّك تَرْضَى } بفَتْح التَّاء . وَكَانَ عَاصم وَالْكسَائيّ يَقْرَآن ذَلكَ : " لَعَلَّك تُرْضَى " بضَمّ التَّاء , وَرُويَ ذَلكَ عَنْ أَبي عَبْد الرَّحْمَن السُّلَميّ , وَكَأَنَّ الَّذينَ قَرَءُوا ذَلكَ بالْفَتْح , ذَهَبُوا إلَى مَعْنَى : إنَّ اللَّه يُعْطيك , حَتَّى تَرْضَى عَطيَّته وَثَوَابه إيَّاكَ , وَكَذَلكَ تَأَوَّلَهُ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18451 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله : { لَعَلَّك تَرْضَى } قَالَ : الثَّوَاب , تَرْضَى بمَا يُثيبك اللَّه عَلَى ذَلكَ . 18452 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج { لَعَلَّك تَرْضَى } قَالَ : بمَا تُعْطَى . وَكَأَنَّ الَّذينَ قَرَءُوا ذَلكَ بالضَّمّ , وَجَّهُوا مَعْنَى الْكَلَام إلَى لَعَلَّ اللَّه يُرْضيك منْ عبَادَتك إيَّاهُ , وَطَاعَتك لَهُ . وَالصَّوَاب منْ الْقَوْل في ذَلكَ عنْدي : أَنَّهُمَا قرَاءَتَان , قَدْ قَرَأَ بكُلّ وَاحدَة منْهُمَا عُلَمَاء منْ الْقُرَّاء , وَهُمَا قرَاءَتَان مُسْتَفيضَتَان في قرَاءَة الْأَمْصَار , مُتَّفقَتَا الْمَعْنَى , غَيْر مُخْتَلفَتَيْه ; وَذَلكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذكْره إذَا أَرْضَاهُ , فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَرْضَى , وَأَنَّهُ إذَا رَضيَ فَقَدْ أَرْضَاهُ اللَّه , فَكُلّ وَاحدَة منْهُمَا تَدُلّ عَلَى مَعْنَى الْأُخْرَى , فَبأَيَّتهمَا قَرَأَ الْقَارئ فَمُصيب الصَّوَاب .
وَلَا تَمُدَّنَّ عَیۡنَیۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦۤ أَزۡوَ ٰ⁠جࣰا مِّنۡهُمۡ زَهۡرَةَ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا لِنَفۡتِنَهُمۡ فِیهِۚ وَرِزۡقُ رَبِّكَ خَیۡرࣱ وَأَبۡقَىٰ ﴿١٣١﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَمُدَّن عَيْنَيْك إلَى مَا مَتَّعْنَا به أَزْوَاجًا منْهُمْ زَهْرَة الْحَيَاة الدُّنْيَا لنَفْتنهُمْ فيه وَرزْق رَبّك خَيْر وَأَبْقَى } . يَقُول تَعَالَى ذكْره لنَبيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ : وَلَا تَنْظُر إلَى مَا جَعَلْنَا لضُرَبَاء هَؤُلَاء الْمُعْرضينَ عَنْ آيَات رَبّهمْ وَأَشْكَالهمْ , مُتْعَة في حَيَاتهمْ الدُّنْيَا , يَتَمَتَّعُونَ بهَا , منْ زَهْرَة عَاجل الدُّنْيَا وَنَضْرَتهَا { لنَفْتنهُمْ فيه } يَقُول : لنَخْتَبرهُمْ فيمَا مَتَّعْنَاهُمْ به منْ ذَلكَ , وَنَبْتَليهمْ , فَإنَّ ذَلكَ فَانٍ زَائل , وَغُرُور وَخُدَع تَضْمَحلّ { وَرزْق رَبّك } الَّذي وَعَدَك أَنْ يَرْزُقكَهُ في الْآخرَة حَتَّى تَرْضَى , وَهُوَ ثَوَابه إيَّاهُ { خَيْر } لَك ممَّا مَتَّعْنَاهُمْ به منْ زَهْرَة الْحَيَاة الدُّنْيَا { وَأَبْقَى } يَقُول : وَأَدْوَم , لأَنَّهُ لَا انْقطَاع لَهُ وَلَا نَفَاذ . وَذُكرَ أَنَّ هَذه الْآيَة نَزَلَتْ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ , منْ أَجْل أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ بَعَثَ إلَى يَهُوديّ يَسْتَسْلف منْهُ طَعَامًا , فَأَبَى أَنْ يُسَلّفهُ إلَّا برَهْنٍ . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18453 - حَدَّثَنَا ابْن وَكيع , قَالَ : ثنا أَبي , عَنْ مُوسَى بْن عُبَيْدَة , عَنْ يَزيد بْن عَبْد اللَّه بْن قُسَيْطٍ , عَنْ أَبي رَافع , قَالَ : أَرْسَلَني رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ إلَى يَهُوديّ يَسْتَسْلفهُ , فَأَبَى أَنْ يُعْطيه إلَّا برَهْنٍ , فَحَزَنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّه : { وَلَا تَمُدَّن عَيْنَيْك إلَى مَا مَتَّعْنَا به أَزْوَاجًا منْهُمْ زَهْرَة الْحَيَاة الدُّنْيَا } . 18454 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن كَثير , عَنْ عَبْد اللَّه بْن وَاقد , عَنْ يَعْقُوب بْن زَيْد , عَنْ أَبي رَافع , قَالَ : نَزَلَ برَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ ضَيْف : فَأَرْسَلَني إلَى يَهُوديّ بالْمَدينَة يَسْتَسْلفهُ , فَأَتَيْته , فَقَالَ : لَا أُسَلّفهُ إلَّا برَهْنٍ , فَأَخْبَرْته بذَلكَ , فَقَالَ : " إنّي لَأَمين في أَهْل السَّمَاء وَفي أَهْل الْأَرْض , فَاحْملْ درْعي إلَيْه " - فَنَزَلَتْ : { وَلَقَدْ آتَيْنَاك سَبْعًا منْ الْمَثَاني وَالْقُرْآن الْعَظيم } . 15 87 وَقَوْله : { وَلَا تَمُدَّن عَيْنَيْك إلَى مَا مَتَّعْنَا به أَزْوَاجًا منْهُمْ زَهْرَة الْحَيَاة الدُّنْيَا } إلَى قَوْله : { وَالْعَاقبَة للتَّقْوَى } . وَيَعْني بقَوْله : { أَزْوَاجًا منْهُمْ } رجَالًا منْهُمْ أَشْكَالًا , وَبزَهْرَة الْحَيَاة الدُّنْيَا : زينَة الْحَيَاة الدُّنْيَا . كَمَا : 18455 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { زَهْرَة الْحَيَاة الدُّنْيَا } : أَيْ زينَة الْحَيَاة الدُّنْيَا . وَنَصَبَ زَهْرَة الْحَيَاة الدُّنْيَا عَلَى الْخُرُوج منْ الْهَاء الَّتي في قَوْله به منْ { مَتَّعْنَا به } , كَمَا يُقَال : مَرَرْت به الشَّريف الْكَريم , فَنَصَبَ الشَّريف الْكَريم عَلَى فعْل مَرَرْت , وَكَذَلكَ قَوْله : { إلَى مَا مَتَّعْنَا به أَزْوَاجًا منْهُمْ زَهْرَة الْحَيَاة الدُّنْيَا } تُنْصَب عَلَى الْفعْل بمَعْنَى : مَتَّعْنَاهُمْ به زَهْرَة في الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزينَة لَهُمْ فيهَا . وَذَكَرَ الْفَرَّاء أَنَّ بَعْض بَني فَقْعَس أَنْشَدَهُ : أَبَعْد الَّذي بالسَّفْح سَفْح كَوَاكب رَهينَة رَمْس منْ تُرَاب وَجَنْدَل فَنَصَبَ رَهينَة عَلَى الْفعْل منْ قَوْله : " أَبَعْد الَّذي بالسَّفْح " , وَهَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ أَضْعَف في الْعَمَل نَصَبًا منْ قَوْله : { مَتَّعْنَا به أَزْوَاجًا منْهُمْ } لأَنَّ الْعَامل في الاسْم وَهُوَ رَهينَة , حَرْف خَافض لَا نَاصب . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ , قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18456 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { لنَفْتنهُمْ فيه } قَالَ : لنَبْتَليَهُمْ فيه { وَرزْق رَبّك خَيْر وَأَبْقَى } ممَّا مَتَّعْنَا به هَؤُلَاء منْ هَذه الدُّنْيَا .
وَأۡمُرۡ أَهۡلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصۡطَبِرۡ عَلَیۡهَاۖ لَا نَسۡـَٔلُكَ رِزۡقࣰاۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكَۗ وَٱلۡعَـٰقِبَةُ لِلتَّقۡوَىٰ ﴿١٣٢﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { وَأْمُرْ أَهْلك بالصَّلَاة وَاصْطَبرْ عَلَيْهَا } . يَقُول تَعَالَى ذكْره لنَبيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ : { وَأْمُرْ } يَا مُحَمَّد { أَهْلك بالصَّلَاة وَاصْطَبرْ عَلَيْهَا } يَقُول : وَاصْطَبرْ عَلَى الْقيَام بهَا , وَأَدَائهَا بحُدُودهَا أَنْتَ . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في قَوْله { وَأْمُرْ أَهْلك بالصَّلَاة وَاصْطَبرْ عَلَيْهَا } قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18457 - حَدَّثَني أَبُو السَّائب , قَالَ : ثنا حَفْص بْن غيَاث , عَنْ هشَام بْن عُرْوَة , قَالَ : كَانَ عُرْوَة إذَا رَأَى مَا عنْد السَّلَاطين دَخَلَ دَاره , فَقَالَ : { لَا تَمُدَّن عَيْنك إلَى مَا مَتَّعْنَا به أَزْوَاجًا منْهُمْ زَهْرَة الْحَيَاة الدُّنْيَا لنَفْتنهُمْ فيه وَرزْق رَبّك خَيْر وَأَبْقَى وَأْمُرْ أَهْلك بالصَّلَاة وَاصْطَبرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلك رزْقًا نَحْنُ نَرْزُقك وَالْعَاقبَة للتَّقْوَى } ثُمَّ يُنَادي : الصَّلَاة الصَّلَاة , يَرْحَمكُمْ اللَّه . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب قَالَ , ثنا عَثَّام , عَنْ هشَام بْن عُرْوَة , عَنْ أَبيه , أَنَّهُ كَانَ إذَا رَأَى شَيْئًا منْ الدُّنْيَا جَاءَ إلَى أَهْله , فَقَالَ : الصَّلَاة { وَأْمُرْ أَهْلك بالصَّلَاة وَاصْطَبرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلك رزْقًا } . 18458 - حَدَّثَنَا الْعَبَّاس بْن عَبْد الْعَظيم , قَالَ : ثنا جَعْفَر بْن عَوْن , قَالَ : أَخْبَرَنَا هشَام بْن سَعْد , عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ , عَنْ أَبيه , قَالَ : كَانَ يَبيت عنْد عُمَر بْن الْخَطَّاب منْ غلْمَانه أَنَا وَيَرْفَأ , وَكَانَتْ لَهُ منْ اللَّيْل سَاعَة يُصَلّيهَا , فَإذَا قُلْنَا لَا يَقُوم منْ اللَّيْل كَانَ قيَامًا , وَكَانَ إذَا صَلَّى منْ اللَّيْل ثُمَّ فَرَغَ قَرَأَ هَذه الْآيَة : { وَأْمُرْ أَهْلك بالصَّلَاة وَاصْطَبرْ عَلَيْهَا } . ... الْآيَة . * - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَني هشَام بْن سَعْد , عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ , مثْله .



يَقُول : لَا نَسْأَلك مَالًا , بَلْ نُكَلّفك عَمَلًا ببَدَنك , نُؤْتيك عَلَيْه أَجْرًا عَظيمًا وَثَوَابًا جَزيلًا .



يَقُول : نَحْنُ نُعْطيك الْمَال وَنُكْسبكَهُ , وَلَا نَسْأَلكَهُ .



وَقَوْله : { وَالْعَاقبَة للتَّقْوَى } يَقُول : وَالْعَاقبَة الصَّالحَة منْ عَمَل كُلّ عَامل لأَهْل التَّقْوَى وَالْخَشْيَة منْ اللَّه دُون مَنْ لَا يَخَاف لَهُ عقَابًا , وَلَا يَرْجُو لَهُ ثَوَابًا .
وَقَالُواْ لَوۡلَا یَأۡتِینَا بِـَٔایَةࣲ مِّن رَّبِّهِۦۤۚ أَوَلَمۡ تَأۡتِهِم بَیِّنَةُ مَا فِی ٱلصُّحُفِ ٱلۡأُولَىٰ ﴿١٣٣﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتينَا بآيَةٍ منْ رَبّه } . يَقُول تَعَالَى ذكْره : قَالَ هَؤُلَاء الْمُشْركُونَ الَّذينَ وَصَفَ صفَتهمْ في الْآيَات قَبْل : هَلَّا يَأْتينَا مُحَمَّد بآيَةٍ منْ رَبّه , كَمَا أَتَى قَوْمه صَالح بالنَّاقَة وَعيسَى بإحْيَاء الْمَوْتَى , وَإبْرَاء الْأَكْمَه وَالْأَبْرَص ,



يَقُول اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أَوَلَمْ يَأْتهمْ بَيَان مَا في الْكُتُب الَّتي قَبْل هَذَا الْكتَاب منْ أَنْبَاء الْأُمَم منْ قَبْلهمْ الَّتي أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا سَأَلُوا الْآيَات فَكَفَرُوا بهَا لَمَّا أَتَتْهُمْ كَيْف عَجَّلْنَا لَهُمْ الْعَذَاب , وَأَنْزَلْنَا بَأْسنَا بكُفْرهمْ بهَا , يَقُول : فَمَاذَا يُؤْمنهُمْ إنْ أَتَتْهُمْ الْآيَة أَنْ يَكُون حَالهمْ حَال أُولَئكَ . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ , قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18459 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , قَوْله : { أَوَلَمْ تَأْتهمْ بَيّنَة مَا في الصُّحُف الْأُولَى } قَالَ : التَّوْرَاة وَالْإنْجيل . * - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن قَالَ : ثني حَجَّاج عَنْ ابْن جُرَيْج عَنْ مُجَاهد مثْله . 18460 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { أَوَلَمْ تَأْتهمْ بَيّنَة مَا في الصُّحُف الْأُولَى } الْكُتُب الَّتي خَلَتْ منْ الْأُمَم الَّتي يَمْشُونَ في مَسَاكنهمْ .
وَلَوۡ أَنَّاۤ أَهۡلَكۡنَـٰهُم بِعَذَابࣲ مِّن قَبۡلِهِۦ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوۡلَاۤ أَرۡسَلۡتَ إِلَیۡنَا رَسُولࣰا فَنَتَّبِعَ ءَایَـٰتِكَ مِن قَبۡلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخۡزَىٰ ﴿١٣٤﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ أَنْ أَهْلَكْنَاهُمْ بعَذَابٍ منْ قَبْله لَقَالُوا رَبّنَا لَوْلَا أَرْسَلْت إلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبع آيَاتك منْ قَبْل أَنْ نَذلّ وَنَخْزَى } . يَقُول تَعَالَى ذكْره : وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَا هَؤُلَاء الْمُشْركينَ الَّذينَ يُكَذّبُونَ بهَذَا الْقُرْآن منْ قَبْل أَنْ نُنْزلهُ عَلَيْهمْ , وَمنْ قَبْل أَنْ نَبْعَث دَاعيًا يَدْعُوهُمْ إلَى مَا فَرَضْنَا عَلَيْهمْ فيه بعَذَابٍ نُنْزلهُ بهمْ بكُفْرهمْ باَللَّه , لَقَالُوا يَوْم الْقيَامَة , إذْ وَرَدُوا عَلَيْنَا , فَأَرَدْنَا عقَابهمْ : رَبّنَا هَلَّا أَرْسَلْت إلَيْنَا رَسُولًا يَدْعُونَا إلَى طَاعَتك , { فَنَتَّبع آيَاتك } يَقُول : فَنَتَّبع حُجَّتك وَأَدلَّتك وَمَا تُنْزلهُ عَلَيْه منْ أَمْرك وَنَهْيك منْ قَبْل أَنْ نَذلّ بتَعْذيبك إيَّانَا وَنَخْزَى به , كَمَا : 18461 - حَدَّثَني الْفَضْل بْن إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو قُتَيْبَة سَلْم بْن قُتَيْبَة , عَنْ فُضَيْل بْن مَرْزُوق , عَنْ عَطيَّة الْعَوْفيّ , عَنْ أَبي سَعيد الْخُدْريّ , عَنْ النَّبيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ قَالَ : " يَحْتَجّ عَلَى اللَّه يَوْم الْقيَامَة ثَلَاثَة : الْهَالك في الْفَتْرَة , وَالْمَغْلُوب عَلَى عَقْله , وَالصَّبيّ الصَّغير , فَيَقُول الْمَغْلُوب عَلَى عَقْله : لَمْ تَجْعَل لي عَقْلًا أَنْتَفع به , وَيَقُول الْهَالك في الْفَتْرَة : لَمْ يَأْتني رَسُول وَلَا نَبيّ , وَلَوْ أَتَاني لَك رَسُول أَوْ نَبيّ لَكُنْت أَطْوَع خَلْقك لَك . وَقَرَأَ : { لَوْلَا أَرْسَلْت إلَيْنَا رَسُولًا } وَيَقُول الصَّبيّ الصَّغير : كُنْت صَغيرًا لَا أَعْقل " قَالَ : " فَتُرْفَع لَهُمْ نَار وَيُقَال لَهُمْ : ردُوهَا " قَالَ : " فَيَردهَا مَنْ كَانَ في علْم اللَّه أَنَّهُ سَعيد , وَيَتَلَكَّأ عَنْهَا مَنْ كَانَ في علْم اللَّه أَنَّهُ شَقيّ , فَيَقُول : إيَّايَ عَصَيْتُمْ , فَكَيْف برُسُلي لَوْ أَتَتْكُمْ ؟ " .
قُلۡ كُلࣱّ مُّتَرَبِّصࣱ فَتَرَبَّصُواْۖ فَسَتَعۡلَمُونَ مَنۡ أَصۡحَـٰبُ ٱلصِّرَ ٰ⁠طِ ٱلسَّوِیِّ وَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ ﴿١٣٥﴾
الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ كُلّ مُتَرَبّص فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَاب الصّرَاط السَّويّ وَمَنْ اهْتَدَى } . يَقُول تَعَالَى ذكْره لنَبيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد : كُلّكُمْ أَيّهَا الْمُشْركُونَ باَللَّه مُتَرَبّص يَقُول : مُنْتَظر لمَنْ يَكُون الْفَلَاح , وَإلَى مَا يَئُول أَمْري وَأَمْركُمْ مُتَوَقّف يَنْتَظر دَوَائر الزَّمَان , { فَتَرَبَّصُوا } يَقُول : فَتَرَقَّبُوا وَانْتَظَرُوا , فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَهْل الطَّريق الْمُسْتَقيم الْمُعْتَدل الَّذي لَا اعْوجَاج فيه إذَا جَاءَ أَمْر اللَّه وَقَامَتْ الْقيَامَة , أَنَحْنُ أَمْ أَنْتُمْ ؟ { وَمَنْ اهْتَدَى } يَقُول : وَسَتَعْلَمُونَ حينَئذٍ مَنْ الْمُهْتَدي الَّذي هُوَ عَلَى سُنَن الطَّريق الْقَاصد غَيْر الْجَائر عَنْ قَصْده منَّا وَمنْكُمْ . وَفي " مَنْ " منْ قَوْله : { فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَاب الصّرَاط السَّويّ } , وَالثَّانيَة منْ قَوْله : { وَمَنْ اهْتَدَى } وَجْهَان : الرَّفْع , وَتَرَكَ إعْمَال تَعْلَمُونَ فيهمَا , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { لنَعْلَم أَيّ الْحزْبَيْن أَحْصَى } 18 12 وَالنَّصْب عَلَى إعْمَال تَعْلَمُونَ فيهمَا , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَاَللَّه يَعْلَم الْمُفْسد منْ الْمُصْلح } . 2 220