صفحات الموقع

سورة الفرقان تفسير الجلالين

تَبَارَكَ ٱلَّذِی نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِیَكُونَ لِلۡعَـٰلَمِینَ نَذِیرًا ﴿١﴾
"تَبَارَكَ" تَعَالَى "الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَان" الْقُرْآن لِأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل "عَلَى عَبْده" مُحَمَّد "لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ" الْإِنْس وَالْجِنّ دُون الْمَلَائِكَة "نَذِيرًا" مُخَوِّفًا مِنْ عَذَاب اللَّه
ٱلَّذِی لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَمۡ یَتَّخِذۡ وَلَدࣰا وَلَمۡ یَكُن لَّهُۥ شَرِیكࣱ فِی ٱلۡمُلۡكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَیۡءࣲ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِیرࣰا ﴿٢﴾
"الَّذِي لَهُ مُلْك السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَلَمْ يَتَّخِذ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيك فِي الْمُلْك وَخَلَقَ كُلّ شَيْء" مِنْ شَأْنه أَنْ يُخْلَق "فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا" سِوَاهُ تَسْوِيَة
وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦۤ ءَالِهَةࣰ لَّا یَخۡلُقُونَ شَیۡـࣰٔا وَهُمۡ یُخۡلَقُونَ وَلَا یَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ ضَرࣰّا وَلَا نَفۡعࣰا وَلَا یَمۡلِكُونَ مَوۡتࣰا وَلَا حَیَوٰةࣰ وَلَا نُشُورࣰا ﴿٣﴾
"وَاِتَّخَذُوا" أَيْ الْكُفَّار "مِنْ دُونه" أَيْ اللَّه : أَيْ غَيْره "آلِهَة" هِيَ الْأَصْنَام "لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا" أَيْ دَفْعه "وَلَا نَفْعًا" أَيْ جَرّه "وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاة" أَيْ إمَاتَة لِأَحَدٍ وَإِحْيَاء لِأَحَدٍ "وَلَا نُشُورًا" أَيْ بَعْثًا لِلْأَمْوَاتِ
وَقَالَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوۤاْ إِنۡ هَـٰذَاۤ إِلَّاۤ إِفۡكٌ ٱفۡتَرَىٰهُ وَأَعَانَهُۥ عَلَیۡهِ قَوۡمٌ ءَاخَرُونَۖ فَقَدۡ جَاۤءُو ظُلۡمࣰا وَزُورࣰا ﴿٤﴾
"وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذَا" أَيْ مَا الْقُرْآن "إلَّا إفْك" كَذِب "افْتَرَاهُ" مُحَمَّد "وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْم آخَرُونَ" وَهُمْ مِنْ أَهْل الْكِتَاب "فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا" كُفْرًا وَكَذِبًا : أَيْ بِهِمَا
وَقَالُوۤاْ أَسَـٰطِیرُ ٱلۡأَوَّلِینَ ٱكۡتَتَبَهَا فَهِیَ تُمۡلَىٰ عَلَیۡهِ بُكۡرَةࣰ وَأَصِیلࣰا ﴿٥﴾
"وَقَالُوا" أَيْضًا هُوَ "أَسَاطِير الْأَوَّلِينَ" أَكَاذِيبهمْ : جَمْع أُسْطُورَة بِالضَّمِّ "اكْتَتَبَهَا" انْتَسَخَهَا مِنْ ذَلِكَ الْقَوْم بِغَيْرِهِ "فَهِيَ تُمْلَى" تُقْرَأ "عَلَيْهِ" لِيَحْفَظَهَا "بُكْرَة وَأَصِيلًا" غُدْوَة وَعَشِيًّا قَالَ تَعَالَى رَدًّا عَلَيْهِمْ
قُلۡ أَنزَلَهُ ٱلَّذِی یَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ كَانَ غَفُورࣰا رَّحِیمࣰا ﴿٦﴾
"قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَم السِّرّ" الْغَيْب "فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض إنَّهُ كَانَ غَفُورًا" لِلْمُؤْمِنِينَ "رَحِيمًا" بِهِمْ
وَقَالُواْ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ یَأۡكُلُ ٱلطَّعَامَ وَیَمۡشِی فِی ٱلۡأَسۡوَاقِ لَوۡلَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡهِ مَلَكࣱ فَیَكُونَ مَعَهُۥ نَذِیرًا ﴿٧﴾
"وَقَالُوا مَال هَذَا الرَّسُول يَأْكُل الطَّعَام وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاق لَوْلَا" هَلَّا "أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَك فَيَكُون مَعَهُ نَذِيرًا" يُصَدِّقهُ
أَوۡ یُلۡقَىٰۤ إِلَیۡهِ كَنزٌ أَوۡ تَكُونُ لَهُۥ جَنَّةࣱ یَأۡكُلُ مِنۡهَاۚ وَقَالَ ٱلظَّـٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلࣰا مَّسۡحُورًا ﴿٨﴾
"أَوْ يُلْقَى إلَيْهِ كَنْز" مِنْ السَّمَاء يُنْفِقهُ وَلَا يَحْتَاج إلَى الْمَشْي فِي الْأَسْوَاق لِطَلَبِ الْمَعَاش "أَوْ تَكُون لَهُ جَنَّة" بُسْتَان "يَأْكُل مِنْهَا" أَيْ مِنْ ثِمَارهَا فَيَكْتَفِي بِهَا وَفِي قِرَاءَة نَأْكُل بِالنُّونِ : أَيْ نَحْنُ فَيَكُون لَهُ مَزِيَّة عَلَيْنَا بِهَا "وَقَالَ الظَّالِمُونَ" أَيْ الْكَافِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ "إنْ" مَا "تَتَّبِعُونَ إلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا" مَخْدُوعًا مَغْلُوبًا عَلَى عَقْله
ٱنظُرۡ كَیۡفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلۡأَمۡثَـٰلَ فَضَلُّواْ فَلَا یَسۡتَطِیعُونَ سَبِیلࣰا ﴿٩﴾
"اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَك الْأَمْثَال" بِالْمَسْحُورِ وَالْمُحْتَاج إلَى مَا يُنْفِقهُ وَإِلَى مَلَك يَقُوم مَعَهُ بِالْأَمْرِ "فَضَلُّوا" بِذَلِكَ عَنْ الْهُدَى "فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا" طَرِيقًا إلَيْهِ
تَبَارَكَ ٱلَّذِیۤ إِن شَاۤءَ جَعَلَ لَكَ خَیۡرࣰا مِّن ذَ ٰ⁠لِكَ جَنَّـٰتࣲ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَـٰرُ وَیَجۡعَل لَّكَ قُصُورَۢا ﴿١٠﴾
"تَبَارَكَ" تَكَاثَرَ خَيْر "الَّذِي إنْ شَاءَ جَعَلَ لَك خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ" الَّذِي قَالُوهُ مِنْ الْكَنْز وَالْبُسْتَان "جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار" أَيْ فِي الدُّنْيَا لِأَنَّهُ شَاءَ أَنْ يُعْطِيَهُ إيَّاهَا فِي الْآخِرَة "وَيَجْعَل" بِالْجَزْمِ "لَك قُصُورًا" أَيْضًا وَفِي قِرَاءَة بِالرَّفْعِ اسْتِئْنَافًا
بَلۡ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِۖ وَأَعۡتَدۡنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِیرًا ﴿١١﴾
"بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ" الْقِيَامَة "وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا" نَارًا مُسَعَّرَة : أَيْ مُشْتَدَّة
إِذَا رَأَتۡهُم مِّن مَّكَانِۭ بَعِیدࣲ سَمِعُواْ لَهَا تَغَیُّظࣰا وَزَفِیرࣰا ﴿١٢﴾
"إذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَان بَعِيد سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا" غَلَيَانًا كَالْغَضْبَانِ إذَا غَلَى صَدْره مِنْ الْغَضَب "وَزَفِيرًا" صَوْتًا شَدِيدًا أَوْ سَمَاع التَّغَيُّظ رُؤْيَته وَعِلْمه
وَإِذَاۤ أُلۡقُواْ مِنۡهَا مَكَانࣰا ضَیِّقࣰا مُّقَرَّنِینَ دَعَوۡاْ هُنَالِكَ ثُبُورࣰا ﴿١٣﴾
"وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا" بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف بِأَنْ يُضَيَّق عَلَيْهِمْ وَمِنْهَا حَال مِنْ مَكَانًا لِأَنَّهُ فِي الْأَصْل صِفَة لَهُ "مُقَرَّنِينَ" مُصَفَّدِينَ قَدْ قُرِنَتْ : أَيْ جُمِعَتْ أَيْدِيهمْ إلَى أَعْنَاقهمْ فِي الْأَغْلَال وَالتَّشْدِيد لِلتَّكْثِيرِ "دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا" هَلَاكًا فَيُقَال لَهُمْ
لَّا تَدۡعُواْ ٱلۡیَوۡمَ ثُبُورࣰا وَ ٰ⁠حِدࣰا وَٱدۡعُواْ ثُبُورࣰا كَثِیرࣰا ﴿١٤﴾
"لَا تَدْعُوا الْيَوْم ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا" كَعَذَابِكُمْ
قُلۡ أَذَ ٰ⁠لِكَ خَیۡرٌ أَمۡ جَنَّةُ ٱلۡخُلۡدِ ٱلَّتِی وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۚ كَانَتۡ لَهُمۡ جَزَاۤءࣰ وَمَصِیرࣰا ﴿١٥﴾
"قُلْ أَذَلِكَ" الْمَذْكُور مِنْ الْوَعِيد وَصِفَة النَّار "خَيْر أَمْ جَنَّة الْخُلْد الَّتِي وُعِدَ" وُعِدَهَا "الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ" فِي عِلْمه تَعَالَى "جَزَاء" ثَوَابًا "وَمَصِيرًا" مَرْجِعًا
لَّهُمۡ فِیهَا مَا یَشَاۤءُونَ خَـٰلِدِینَۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعۡدࣰا مَّسۡـُٔولࣰا ﴿١٦﴾
"لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ" حَال لَازِمَة "كَانَ" وَعْدهمْ مَا ذُكِرَ "عَلَى رَبّك وَعْدًا مَسْئُولًا" يَسْأَلهُ مَنْ وُعِدَ بِهِ "رَبّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتنَا عَلَى رُسُلك" أَوْ تَسْأَلهُ لَهُمْ الْمَلَائِكَة "رَبّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّات عَدْن الَّتِي وَعَدْتهمْ"
وَیَوۡمَ یَحۡشُرُهُمۡ وَمَا یَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَیَقُولُ ءَأَنتُمۡ أَضۡلَلۡتُمۡ عِبَادِی هَـٰۤؤُلَاۤءِ أَمۡ هُمۡ ضَلُّواْ ٱلسَّبِیلَ ﴿١٧﴾
"وَيَوْم يَحْشُرهُمْ" بِالنُّونِ وَالتَّحْتَانِيَّة "وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللَّه" أَيْ غَيْره مِنْ الْمَلَائِكَة وَعِيسَى وَعُزَيْر وَالْجِنّ "فَيَقُول" تَعَالَى بِالتَّحْتَانِيَّة وَالنُّون لِلْمَعْبُودِينَ إثْبَاتًا لِلْحُجَّةِ عَلَى الْعَابِدِينَ "أَأَنْتُمْ" بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَتَيْنِ وَإِبْدَال الثَّانِيَة أَلِفًا وَتَسْهِيلهَا وَإِدْخَال أَلِف بَيْن الْمُسَهَّلَة وَالْأُخْرَى وَتَرْكه "أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ" أَوْقَعْتُمُوهُمْ فِي الضَّلَال بِأَمْرِكُمْ إيَّاهُمْ بِعِبَادَتِكُمْ "أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيل" طَرِيق الْحَقّ بِأَنْفُسِهِمْ
قَالُواْ سُبۡحَـٰنَكَ مَا كَانَ یَنۢبَغِی لَنَاۤ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنۡ أَوۡلِیَاۤءَ وَلَـٰكِن مَّتَّعۡتَهُمۡ وَءَابَاۤءَهُمۡ حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكۡرَ وَكَانُواْ قَوۡمَۢا بُورࣰا ﴿١٨﴾
"قَالُوا سُبْحَانك" تَنْزِيهًا لَك عَمَّا لَا يَلِيق بِك "مَا كَانَ يَنْبَغِي" يَسْتَقِيم "لَنَا أَنْ نَتَّخِذ مِنْ دُونك" أَيْ غَيْرك "مِنْ أَوْلِيَاء" مَفْعُول أَوَّل وَمِنْ زَائِدَة لِتَأْكِيدِ النَّفْي وَمَا قَبْله الثَّانِي فَكَيْفَ نَأْمُر بِعِبَادَتِنَا ؟ "وَلَكِنْ مَتَّعْتهمْ وَآبَاءَهُمْ" مِنْ قَبْلهمْ بِإِطَالَةِ الْعُمُر وَسَعَة الرِّزْق "حَتَّى نَسُوا الذِّكْر" تَرَكُوا الْمَوْعِظَة وَالْإِيمَان بِالْقُرْآنِ "وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا" هَلْكَى
فَقَدۡ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسۡتَطِیعُونَ صَرۡفࣰا وَلَا نَصۡرࣰاۚ وَمَن یَظۡلِم مِّنكُمۡ نُذِقۡهُ عَذَابࣰا كَبِیرࣰا ﴿١٩﴾
"فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ" أَيْ كَذَّبَ الْمَعْبُودُونَ الْعَابِدِينَ "بِمَا تَقُولُونَ" بِالْفَوْقَانِيَّةِ أَنَّهُمْ آلِهَة "فَمَا يَسْتَطِيعُونَ" بِالتَّحْتَانِيَّة وَالْفَوْقَانِيَّة : أَيْ لَا هُمْ وَلَا أَنْتُمْ "صَرْفًا" دَفْعًا لِلْعَذَابِ عَنْكُمْ "وَلَا نَصْرًا" مَنْعًا لَكُمْ مِنْهُ "وَمَنْ يَظْلِم" يُشْرِك "مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا" شَدِيدًا فِي الْآخِرَة
وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِینَ إِلَّاۤ إِنَّهُمۡ لَیَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَیَمۡشُونَ فِی ٱلۡأَسۡوَاقِۗ وَجَعَلۡنَا بَعۡضَكُمۡ لِبَعۡضࣲ فِتۡنَةً أَتَصۡبِرُونَۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِیرࣰا ﴿٢٠﴾
"وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلك مِنْ الْمُرْسَلِينَ إلَّا إنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَام وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاق" فَأَنْتَ مِثْلهمْ فِي ذَلِكَ وَقَدْ قِيلَ لَهُمْ مِثْل مَا قِيلَ لَك "وَجَعَلْنَا بَعْضكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَة" بَلِيَّة اُبْتُلِيَ الْغَنِيّ بِالْفَقِيرِ وَالصَّحِيح بِالْمَرِيضِ وَالشَّرِيف بِالْوَضِيعِ يَقُول الثَّانِي فِي كُلّ : مَا لِي لَا أَكُون كَالْأَوَّلِ فِي كُلّ "أَتَصْبِرُونَ" عَلَى مَا تَسْمَعُونَ مِمَّنْ اُبْتُلِيتُمْ بِهِمْ اسْتِفْهَام بِمَعْنَى الْأَمْر : أَيْ اصْبِرُوا "وَكَانَ رَبّك بَصِيرًا" بِمَنْ يَصْبِر وَبِمَنْ يَجْزَع
۞ وَقَالَ ٱلَّذِینَ لَا یَرۡجُونَ لِقَاۤءَنَا لَوۡلَاۤ أُنزِلَ عَلَیۡنَا ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةُ أَوۡ نَرَىٰ رَبَّنَاۗ لَقَدِ ٱسۡتَكۡبَرُواْ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ وَعَتَوۡ عُتُوࣰّا كَبِیرࣰا ﴿٢١﴾
"وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا" لَا يَخَافُونَ الْبَعْث "لَوْلَا" هَلَّا "أَنْزَلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَة" فَكَانُوا رُسُلًا إلَيْنَا "أَوْ نَرَى رَبّنَا" فَنُخْبَر بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُوله "لَقَدْ اسْتَكْبَرُوا" تَكَبَّرُوا "فِي" شَأْن "أَنْفُسهمْ وَعَتَوْا" طَغَوْا "عُتُوًّا كَبِيرًا" بِطَلَبِهِمْ رُؤْيَة اللَّه تَعَالَى فِي الدُّنْيَا وَعَتَوْا بِالْوَاوِ عَلَى أَصْلِهِ بِخِلَافِ عِتِيّ بِالْإِبْدَالِ فِي مَرْيَم
یَوۡمَ یَرَوۡنَ ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةَ لَا بُشۡرَىٰ یَوۡمَىِٕذࣲ لِّلۡمُجۡرِمِینَ وَیَقُولُونَ حِجۡرࣰا مَّحۡجُورࣰا ﴿٢٢﴾
"يَوْم يَرَوْنَ الْمَلَائِكَة" فِي جُمْلَة الْخَلَائِق هُوَ يَوْم الْقِيَامَة وَنَصْبه بِاذْكُرْ مُقَدَّرًا "لَا بُشْرَى يَوْمئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ" أَيْ الْكَافِرِينَ بِخِلَافِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَهُمْ الْبُشْرَى بِالْجَنَّةِ "وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا" عَلَى عَادَتهمْ فِي الدُّنْيَا إذَا نَزَلَتْ بِهِمْ شِدَّة : أَيْ عَوْذًا مَعَاذًا يَسْتَعِيذُونَ مِنْ الْمَلَائِكَة
وَقَدِمۡنَاۤ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنۡ عَمَلࣲ فَجَعَلۡنَـٰهُ هَبَاۤءࣰ مَّنثُورًا ﴿٢٣﴾
"وَقَدِمْنَا" عَمَدْنَا "إلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَل" مِنْ الْخَيْر كَصَدَقَةٍ وَصِلَة رَحِم وَقِرَى ضَيْف وَإِغَاثَة مَلْهُوف فِي الدُّنْيَا "فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَنْثُورًا" هُوَ مَا يُرَى فِي الْكُوَى الَّتِي عَلَيْهَا الشَّمْس كَالْغُبَارِ الْمُفَرَّق : أَيْ مِثْله فِي عَدَم النَّفْع بِهِ إذْ لَا ثَوَاب فِيهِ لِعَدَمِ شَرْطه وَيُجَازَوْنَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا
أَصۡحَـٰبُ ٱلۡجَنَّةِ یَوۡمَىِٕذٍ خَیۡرࣱ مُّسۡتَقَرࣰّا وَأَحۡسَنُ مَقِیلࣰا ﴿٢٤﴾
"أَصْحَاب الْجَنَّة يَوْمئِذٍ" يَوْم الْقِيَامَة "خَيْر مُسْتَقَرًّا" مِنْ الْكَافِرِينَ فِي الدُّنْيَا "وَأَحْسَن مَقِيلًا" مِنْهُمْ : أَيْ مَوْضِع قَائِلَة فِيهَا وَهِيَ الِاسْتِرَاحَة نِصْف النَّهَار فِي الْحَرّ وَأُخِذَ مِنْ ذَلِكَ انْقِضَاء الْحِسَاب فِي نِصْف نَهَار كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيث
وَیَوۡمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَاۤءُ بِٱلۡغَمَـٰمِ وَنُزِّلَ ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةُ تَنزِیلًا ﴿٢٥﴾
"وَيَوْم تَشَقَّق السَّمَاء" أَيْ كُلّ سَمَاء "بِالْغَمَامِ" أَيْ مَعَهُ وَهُوَ غَيْم أَبْيَض "وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَة" مِنْ كُلّ سَمَاء "تَنْزِيلًا" هُوَ يَوْم الْقِيَامَة وَنَصْبه بِاذْكُرْ مُقَدَّرًا وَفِي قِرَاءَة بِتَشْدِيدِ شِين تَشَقَّق بِإِدْغَامِ التَّاء الثَّانِيَة فِي الْأَصْل فِيهَا وَفِي أُخْرَى : نُنْزِل بِنُونَيْنِ الثَّانِيَة سَاكِنَة وَضَمّ اللَّام وَنَصْب الْمَلَائِكَة
ٱلۡمُلۡكُ یَوۡمَىِٕذٍ ٱلۡحَقُّ لِلرَّحۡمَـٰنِۚ وَكَانَ یَوۡمًا عَلَى ٱلۡكَـٰفِرِینَ عَسِیرࣰا ﴿٢٦﴾
"الْمُلْك يَوْمئِذٍ الْحَقّ لِلرَّحْمَنِ" لَا يَشْرَكهُ فِيهِ أَحَد "وَكَانَ" الْيَوْم "يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا" بِخِلَافِ الْمُؤْمِنِينَ
وَیَوۡمَ یَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ یَدَیۡهِ یَقُولُ یَـٰلَیۡتَنِی ٱتَّخَذۡتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِیلࣰا ﴿٢٧﴾
"وَيَوْم يَعَضّ الظَّالِم" الْمُشْرِك : عُقْبَة بْن أَبِي مُعَيْطٍ كَانَ نَطَقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ ثُمَّ رَجَعَ إرْضَاء لِأُبَيِّ بْن خَلَف "عَلَى يَدَيْهِ" نَدَمًا وَتَحَسُّرًا فِي يَوْم الْقِيَامَة "يَقُول يَا" لِلتَّنْبِيهِ "لَيْتَنِي اتَّخَذْت مَعَ الرَّسُول" مُحَمَّد "سَبِيلًا" طَرِيقًا إلَى الْهُدَى
یَـٰوَیۡلَتَىٰ لَیۡتَنِی لَمۡ أَتَّخِذۡ فُلَانًا خَلِیلࣰا ﴿٢٨﴾
"يَا وَيْلَتَى" أَلِفه عِوَض عَنْ يَاء الْإِضَافَة أَيْ وَيْلَتَى وَمَعْنَاهُ هَلَكَتِي "لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذ فُلَانًا" أَيْ أُبَيًّا
لَّقَدۡ أَضَلَّنِی عَنِ ٱلذِّكۡرِ بَعۡدَ إِذۡ جَاۤءَنِیۗ وَكَانَ ٱلشَّیۡطَـٰنُ لِلۡإِنسَـٰنِ خَذُولࣰا ﴿٢٩﴾
"لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْر" أَيْ الْقُرْآن "بَعْد إذْ جَاءَنِي" بِأَنْ رَدَّنِي عَنْ الْإِيمَان بِهِ "وَكَانَ الشَّيْطَان لِلْإِنْسَانِ" الْكَافِر "خَذُولًا" بِأَنْ يَتْرُكهُ وَيَتَبَرَّأ مِنْهُ عِنْد الْبَلَاء
وَقَالَ ٱلرَّسُولُ یَـٰرَبِّ إِنَّ قَوۡمِی ٱتَّخَذُواْ هَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورࣰا ﴿٣٠﴾
"وَقَالَ الرَّسُول" مُحَمَّد "يَا رَبّ إنَّ قَوْمِي" قُرَيْشًا "اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآن مَهْجُورًا" مَتْرُوكًا
وَكَذَ ٰ⁠لِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِیٍّ عَدُوࣰّا مِّنَ ٱلۡمُجۡرِمِینَۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِیࣰا وَنَصِیرࣰا ﴿٣١﴾
"وَكَذَلِكَ" كَمَا جَعَلْنَا لَك عَدُوًّا مِنْ مُشْرِكِي قَوْمك "جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيّ" قَبْلك "عَدُوًّا مِنْ الْمُجْرِمِينَ" الْمُشْرِكِينَ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرُوا "وَكَفَى بِرَبِّك هَادِيًا" لَك "وَنَصِيرًا" نَاصِر لَك عَلَى أَعْدَائِك
وَقَالَ ٱلَّذِینَ كَفَرُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَیۡهِ ٱلۡقُرۡءَانُ جُمۡلَةࣰ وَ ٰ⁠حِدَةࣰۚ كَذَ ٰ⁠لِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَۖ وَرَتَّلۡنَـٰهُ تَرۡتِیلࣰا ﴿٣٢﴾
"وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا" هَلَّا "نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآن جُمْلَة وَاحِدَة" كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيل وَالزَّبُور قَالَ تَعَالَى : نَزَّلْنَاهُ "كَذَلِكَ" مُتَفَرِّقًا "لِنُثَبِّت بِهِ فُؤَادك" نُقَوِّي قَلْبك "وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا" أَيْ أَتَيْنَا بِهِ شَيْئًا بَعْد شَيْء بِتَمَهُّلٍ وَتُؤَدَة لِتَيْسِيرِ فَهْمه وَحِفْظه
وَلَا یَأۡتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئۡنَـٰكَ بِٱلۡحَقِّ وَأَحۡسَنَ تَفۡسِیرًا ﴿٣٣﴾
"وَلَا يَأْتُونَك بِمِثْلٍ" فِي إبْطَال أَمْرك "إلَّا جِئْنَاك بِالْحَقِّ" الدَّافِع لَهُ "وَأَحْسَن تَفْسِيرًا" بَيَانًا
ٱلَّذِینَ یُحۡشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ إِلَىٰ جَهَنَّمَ أُوْلَـٰۤىِٕكَ شَرࣱّ مَّكَانࣰا وَأَضَلُّ سَبِیلࣰا ﴿٣٤﴾
هُمُ "الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوههمْ" أَيْ يُسَاقُونَ "إلَى جَهَنَّم أُولَئِكَ شَرّ مَكَانًا" هُوَ جَهَنَّم "وَأَضَلّ سَبِيلًا" أَخْطَأ طَرِيقًا مِنْ غَيْرهمْ وَهُوَ كُفْرهمْ
وَلَقَدۡ ءَاتَیۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَـٰبَ وَجَعَلۡنَا مَعَهُۥۤ أَخَاهُ هَـٰرُونَ وَزِیرࣰا ﴿٣٥﴾
"وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَاب" التَّوْرَاة "وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُون وَزِيرًا" مُعِينًا
فَقُلۡنَا ٱذۡهَبَاۤ إِلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِینَ كَذَّبُواْ بِـَٔایَـٰتِنَا فَدَمَّرۡنَـٰهُمۡ تَدۡمِیرࣰا ﴿٣٦﴾
"فَقُلْنَا اذْهَبَا إلَى الْقَوْم الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا" أَيْ الْقِبْط فِرْعَوْن وَقَوْمه فَذَهَبَا إلَيْهِمْ بِالرِّسَالَةِ فَكَذَّبُوهُمَا "فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا" أَهْلَكْنَاهُمْ إهْلَاكًا
وَقَوۡمَ نُوحࣲ لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ أَغۡرَقۡنَـٰهُمۡ وَجَعَلۡنَـٰهُمۡ لِلنَّاسِ ءَایَةࣰۖ وَأَعۡتَدۡنَا لِلظَّـٰلِمِینَ عَذَابًا أَلِیمࣰا ﴿٣٧﴾
"وَ" اذْكُرْ "قَوْم نُوح لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُل" بِتَكْذِيبِهِمْ نُوحًا لِطُولِ لُبْثه فِيهِمْ فَكَأَنَّهُ رُسُل أَوْ لِأَنَّ تَكْذِيبه تَكْذِيب لِبَاقِي الرُّسُل لَاشْتَرَاكِهِمْ فِي الْمَجِيء بِالتَّوْحِيدِ "أَغْرَقْنَاهُمْ" جَوَاب لَمَّا "وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ" بَعْدهمْ "آيَة" عِبْرَة "وَأَعْتَدْنَا" فِي الْآخِرَة "لِلظَّالِمِينَ" الْكَافِرِينَ "عَذَابًا أَلِيمًا" مُؤْلِمًا سِوَى مَا يَحِلّ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا
وَعَادࣰا وَثَمُودَاْ وَأَصۡحَـٰبَ ٱلرَّسِّ وَقُرُونَۢا بَیۡنَ ذَ ٰ⁠لِكَ كَثِیرࣰا ﴿٣٨﴾
"وَ" اذْكُرْ "عَادًا" قَوْم هُود "وَثَمُودا" قَوْم صَالِح "وَأَصْحَاب الرَّسّ" اسْم بِئْر وَنَبِيّهمْ قِيلَ شُعَيْب وَقِيلَ غَيْره كَانُوا قُعُودًا حَوْلهَا فَانْهَارَتْ بِهِمْ وَبِمَنَازِلِهِمْ "وَقُرُونًا" أَقْوَامًا "بَيْن ذَلِكَ كَثِيرًا" أَيْ بَيْن عَاد وَأَصْحَاب الرَّسّ
وَكُلࣰّا ضَرَبۡنَا لَهُ ٱلۡأَمۡثَـٰلَۖ وَكُلࣰّا تَبَّرۡنَا تَتۡبِیرࣰا ﴿٣٩﴾
"وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَال" فِي إقَامَة الْحُجَّة عَلَيْهِمْ فَلَمْ نُهْلِكهُمْ إلَّا بَعْد الْإِنْذَار "وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا" أَهْلَكْنَا إهْلَاكًا بِتَكْذِيبِهِمْ أَنْبِيَاءَهُمْ
وَلَقَدۡ أَتَوۡاْ عَلَى ٱلۡقَرۡیَةِ ٱلَّتِیۤ أُمۡطِرَتۡ مَطَرَ ٱلسَّوۡءِۚ أَفَلَمۡ یَكُونُواْ یَرَوۡنَهَاۚ بَلۡ كَانُواْ لَا یَرۡجُونَ نُشُورࣰا ﴿٤٠﴾
"وَلَقَدْ أَتَوْا" أَيْ مَرَّ كُفَّار مَكَّة "عَلَى الْقَرْيَة الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَر السَّوْء" مَصْدَر سَاءَ أَيْ بِالْحِجَارَةِ وَهِيَ عُظْمَى قُرَى قَوْم لُوط فَأَهْلَكَ اللَّه أَهْلهَا لِفِعْلِهِمْ الْفَاحِشَة "أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا" فِي سَفَرهمْ إلَى الشَّام فَيَعْتَبِرُونَ وَالِاسْتِفْهَام لِلتَّقْرِيرِ "بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ" يَخَافُونَ "نُشُورًا" بَعْثًا فَلَا يُؤْمِنُونَ
وَإِذَا رَأَوۡكَ إِن یَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَـٰذَا ٱلَّذِی بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولًا ﴿٤١﴾
"وَإِذَا رَأَوْك إنْ" مَا "يَتَّخِذُونَك إلَّا هُزُوًا" مَهْزُوءًا بِهِ يَقُولُونَ "أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّه رَسُولًا" فِي دَعْوَاهُ مُحْتَقِرِينَ لَهُ عَنْ الرِّسَالَة
إِن كَادَ لَیُضِلُّنَا عَنۡ ءَالِهَتِنَا لَوۡلَاۤ أَن صَبَرۡنَا عَلَیۡهَاۚ وَسَوۡفَ یَعۡلَمُونَ حِینَ یَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ مَنۡ أَضَلُّ سَبِیلًا ﴿٤٢﴾
"إنْ" مُخَفَّفَة مِنْ الثَّقِيلَة وَاسْمهَا مَحْذُوف : أَيْ إنَّهُ "كَادَ لَيُضِلّنَا" يَصْرِفنَا "عَنْ آلِهَتنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا" لَصَرَفَنَا عَنْهَا "وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِين يَرَوْنَ الْعَذَاب" عِيَانًا فِي الْآخِرَة "مَنْ أَضَلّ سَبِيلًا" أَخْطَأ طَرِيقًا أَهُمْ أَمْ الْمُؤْمِنُونَ
أَرَءَیۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ هَوَىٰهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَیۡهِ وَكِیلًا ﴿٤٣﴾
"أَرَأَيْت" أَخْبِرْنِي "مَنْ اتَّخَذَ إلَهه هَوَاهُ" أَيْ مَهْوِيّه قُدِّمَ الْمَفْعُول الثَّانِي لِأَنَّهُ أَهَمّ وَجُمْلَة مَنْ اتَّخَذَ مَفْعُول أَوَّل لِرَأَيْتَ وَالثَّانِي "أَفَأَنْتَ تَكُون عَلَيْهِ وَكِيلًا" حَافِظًا تَحْفَظهُ عَنْ اتِّبَاع هَوَاهُ ؟ لَا
أَمۡ تَحۡسَبُ أَنَّ أَكۡثَرَهُمۡ یَسۡمَعُونَ أَوۡ یَعۡقِلُونَۚ إِنۡ هُمۡ إِلَّا كَٱلۡأَنۡعَـٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّ سَبِیلًا ﴿٤٤﴾
"أَمْ تَحْسَب أَنَّ أَكْثَرهمْ يَسْمَعُونَ" سَمَاع تَفَهُّم "أَوْ يَعْقِلُونَ" مَا تَقُول لَهُمْ "إنْ" مَا "هُمْ إلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلّ سَبِيلًا" أَخْطَأ طَرِيقًا مِنْهَا لِأَنَّهَا تَنْقَاد لِمَنْ يَتَعَهَّدهَا وَهُمْ لَا يُطِيعُونَ مَوْلَاهُمْ الْمُنْعِم عَلَيْهِمْ
أَلَمۡ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَیۡفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوۡ شَاۤءَ لَجَعَلَهُۥ سَاكِنࣰا ثُمَّ جَعَلۡنَا ٱلشَّمۡسَ عَلَیۡهِ دَلِیلࣰا ﴿٤٥﴾
"أَلَمْ تَرَ" تَنْظُر "إلَى" فِعْل "رَبّك كَيْفَ مَدَّ الظِّلّ" مِنْ وَقْت الْإِسْفَار إلَى وَقْت طُلُوع الشَّمْس "وَلَوْ شَاءَ" رَبّك "لَجَعَلَهُ سَاكِنًا" مُقِيمًا لَا يَزُول بِطُلُوعِ الشَّمْس "ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْس عَلَيْهِ" أَيْ الظِّلّ "دَلِيلًا" فَلَوْلَا الشَّمْس مَا عُرِفَ الظِّلّ
ثُمَّ قَبَضۡنَـٰهُ إِلَیۡنَا قَبۡضࣰا یَسِیرࣰا ﴿٤٦﴾
"ثُمَّ قَبَضْنَاهُ" أَيْ الظِّلّ الْمَمْدُود "إلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا" خَفِيًّا بِطُلُوعِ الشَّمْس
وَهُوَ ٱلَّذِی جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّیۡلَ لِبَاسࣰا وَٱلنَّوۡمَ سُبَاتࣰا وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُورࣰا ﴿٤٧﴾
"وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْل لِبَاسًا" سَاتِرًا كَاللِّبَاسِ "وَالنَّوْم سُبَاتًا" رَاحَة لِلْأَبْدَانِ بِقَطْعِ الْأَعْمَال "وَجَعَلَ النَّهَار نُشُورًا" مَنْشُورًا فِيهِ لِابْتِغَاءِ الرِّزْق وَغَيْره
وَهُوَ ٱلَّذِیۤ أَرۡسَلَ ٱلرِّیَـٰحَ بُشۡرَۢا بَیۡنَ یَدَیۡ رَحۡمَتِهِۦۚ وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ مَاۤءࣰ طَهُورࣰا ﴿٤٨﴾
"وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاح" وَفِي قِرَاءَة الرِّيح "بُشْرًا بَيْن يَدَيْ رَحْمَته" مُتَفَرِّقَة قُدَّام الْمَطَر وَفِي قِرَاءَة بِسُكُونِ الشِّين تَخْفِيفًا وَفِي أُخْرَى بِسُكُونِهَا وَنُون مَفْتُوحَة مَصْدَر وَفِي أُخْرَى بِسُكُونِهَا وَضَمّ الْمُوَحَّدَة بَدَل النُّون : أَيْ مُبَشِّرَات وَمُفْرَد الْأُولَى نَشُور كَرَسُولٍ وَالْأَخِيرَة بَشِير "وَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاء مَاء طَهُورًا" مُطَهَّرًا
لِّنُحۡـِۧیَ بِهِۦ بَلۡدَةࣰ مَّیۡتࣰا وَنُسۡقِیَهُۥ مِمَّا خَلَقۡنَاۤ أَنۡعَـٰمࣰا وَأَنَاسِیَّ كَثِیرࣰا ﴿٤٩﴾
"لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَة مَيْتًا" بِالتَّخْفِيفِ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّر وَالْمُؤَنَّث ذَكَرَهُ بِاعْتِبَارِ الْمَكَان "وَنُسْقِيَهُ" أَيْ الْمَاء "مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا" إبِلًا وَبَقَرًا وَغَنَمًا "وَأَنَاسِيّ كَثِيرًا" جَمْع إنْسَان وَأَصْله أَنَاسِينَ فَأُبْدِلَتْ النُّون يَاء وَأُدْغِمَتْ فِيهَا الْيَاء أَوْ جَمْع إنْسِيّ
وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَـٰهُ بَیۡنَهُمۡ لِیَذَّكَّرُواْ فَأَبَىٰۤ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورࣰا ﴿٥٠﴾
"وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ" أَيْ الْمَاء "بَيْنهمْ لِيَذَّكَّرُوا" أَصْله يَتَذَكَّرُوا أُدْغِمَتْ التَّاء فِي الذَّال وَفِي قِرَاءَة لِيَذْكُرُوا بِسُكُونِ الذَّال وَضَمّ الْكَاف : أَيْ نِعْمَة اللَّه بِهِ "فَأَبَى أَكْثَر النَّاس إلَّا كُفُورًا" جُحُودًا لِلنِّعْمَةِ حَيْثُ قَالُوا : مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا
وَلَوۡ شِئۡنَا لَبَعَثۡنَا فِی كُلِّ قَرۡیَةࣲ نَّذِیرࣰا ﴿٥١﴾
"وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلّ قَرْيَة نَذِيرًا" يُخَوِّف أَهْلهَا وَلَكِنْ بَعَثْنَاك إلَى أَهْل الْقُرَى كُلّهَا نَذِيرًا لِيَعْظُم أَجْرك
فَلَا تُطِعِ ٱلۡكَـٰفِرِینَ وَجَـٰهِدۡهُم بِهِۦ جِهَادࣰا كَبِیرࣰا ﴿٥٢﴾
"فَلَا تُطِعْ الْكَافِرِينَ" فِي هَوَاهُمْ "وَجَاهِدْهُمْ بِهِ" أَيْ الْقُرْآن
۞ وَهُوَ ٱلَّذِی مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَیۡنِ هَـٰذَا عَذۡبࣱ فُرَاتࣱ وَهَـٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجࣱ وَجَعَلَ بَیۡنَهُمَا بَرۡزَخࣰا وَحِجۡرࣰا مَّحۡجُورࣰا ﴿٥٣﴾
"وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ" أَرْسَلَهُمَا مُتَجَاوِرَيْنِ "هَذَا عَذْب فُرَات" شَدِيد الْعُذُوبَة "وَهَذَا مِلْح أُجَاج" شَدِيد الْمُلُوحَة "وَجَعَلَ بَيْنهمَا بَرْزَخًا" حَاجِزًا لَا يَخْتَلِط أَحَدهمَا بِالْآخَرِ "وَحِجْرًا مَحْجُورًا" سِتْرًا مَمْنُوعًا بِهِ اخْتِلَاطهمَا
وَهُوَ ٱلَّذِی خَلَقَ مِنَ ٱلۡمَاۤءِ بَشَرࣰا فَجَعَلَهُۥ نَسَبࣰا وَصِهۡرࣰاۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِیرࣰا ﴿٥٤﴾
"وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنْ الْمَاء بَشَرًا" مِنْ الْمَنِيّ إنْسَانًا "فَجَعَلَهُ نَسَبًا" ذَا نَسَب "وَصِهْرًا" ذَا صِهْر بِأَنْ يَتَزَوَّج ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى طَلَبًا لِلتَّنَاسُلِ "وَكَانَ رَبّك قَدِيرًا" قَادِرًا عَلَى مَا يَشَاء
وَیَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا یَنفَعُهُمۡ وَلَا یَضُرُّهُمۡۗ وَكَانَ ٱلۡكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِۦ ظَهِیرࣰا ﴿٥٥﴾
"وَيَعْبُدُونَ" أَيْ الْكُفَّار "مِنْ دُون اللَّه مَا لَا يَنْفَعهُمْ" بِعِبَادَتِهِ "وَلَا يَضُرّهُمْ" بِتَرْكِهَا وَهُوَ الْأَصْنَام "وَكَانَ الْكَافِر عَلَى رَبّه ظَهِيرًا" مُعِينًا لِلشَّيْطَانِ بِطَاعَتِهِ
وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَـٰكَ إِلَّا مُبَشِّرࣰا وَنَذِیرࣰا ﴿٥٦﴾
"وَمَا أَرْسَلْنَاك إلَّا مُبَشِّرًا" بِالْجَنَّةِ "وَنَذِيرًا" مُخَوِّفًا مِنْ النَّار
قُلۡ مَاۤ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَیۡهِ مِنۡ أَجۡرٍ إِلَّا مَن شَاۤءَ أَن یَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِیلࣰا ﴿٥٧﴾
"قُلْ مَا أَسْأَلكُمْ عَلَيْهِ" أَيْ عَلَى تَبْلِيغ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ "مِنْ أَجْر إلَّا" لَكِنْ "مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذ إلَى رَبّه سَبِيلًا" طَرِيقًا بِإِنْفَاقِ مَاله فِي مَرْضَاته تَعَالَى فَلَا أَمْنَعهُ مِنْ ذَلِكَ
وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡحَیِّ ٱلَّذِی لَا یَمُوتُ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِهِۦۚ وَكَفَىٰ بِهِۦ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِیرًا ﴿٥٨﴾
"وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيّ الَّذِي لَا يَمُوت وَسَبِّحْ" مُتَلَبِّسًا "بِحَمْدِهِ" أَيْ قُلْ : سُبْحَان اللَّه وَالْحَمْد لِلَّهِ "وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَاده خَبِيرًا" عَالِمًا تَعَلَّقَ بِهِ بِذُنُوبٍ
ٱلَّذِی خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَیۡنَهُمَا فِی سِتَّةِ أَیَّامࣲ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ ٱلرَّحۡمَـٰنُ فَسۡـَٔلۡ بِهِۦ خَبِیرࣰا ﴿٥٩﴾
هُوَ "الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَيْنهمَا فِي سِتَّة أَيَّام" مِنْ أَيَّام الدُّنْيَا : أَيْ فِي قَدْرهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ شَمْس وَلَوْ شَاءَ لَخَلَقَهُنَّ فِي لَمْحَة وَالْعُدُول عَنْهُ لِتَعْلِيمِ خَلْقه التَّثَبُّت "ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش" هُوَ فِي اللُّغَة سَرِير الْمُلْك "الرَّحْمَن" بَدَل مِنْ ضَمِير اسْتَوَى : أَيْ اسْتِوَاء يَلِيق بِهِ "فَاسْأَلْ" أَيّهَا الْإِنْسَان "بِهِ" بِالرَّحْمَنِ "خَبِيرًا" يُخْبِرك بِصِفَاتِهِ
وَإِذَا قِیلَ لَهُمُ ٱسۡجُدُواْ لِلرَّحۡمَـٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحۡمَـٰنُ أَنَسۡجُدُ لِمَا تَأۡمُرُنَا وَزَادَهُمۡ نُفُورࣰا ۩ ﴿٦٠﴾
"وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ" لِكُفَّارِ مَكَّة "اُسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَن أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرنَا" بِالْفَوْقَانِيَّةِ وَالتَّحْتَانِيَّة وَالْآمِر مُحَمَّد وَلَا نَعْرِفهُ ؟ لَا "وَزَادَهُمْ" هَذَا الْقَوْل لَهُمْ "نُفُورًا" عَنْ الْإِيمَان
تَبَارَكَ ٱلَّذِی جَعَلَ فِی ٱلسَّمَاۤءِ بُرُوجࣰا وَجَعَلَ فِیهَا سِرَ ٰ⁠جࣰا وَقَمَرࣰا مُّنِیرࣰا ﴿٦١﴾
"تَبَارَكَ" تَعَاظَمَ "الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا" اثْنَيْ عَشَر : الْحَمَل وَالثَّوْر وَالْجَوْزَاء وَالسَّرَطَان وَالْأَسَد وَالسُّنْبُلَة وَالْمِيزَان وَالْعَقْرَب وَالْقَوْس وَالْجَدْي وَالدَّلْو وَالْحُوت وَهِيَ مَنَازِل الْكَوَاكِب السَّبْعَة السَّيَّارَة الْمِرِّيخ وَلَهُ الْحَمَل وَالْعَقْرَب وَالزُّهَرَة وَلَهَا الثَّوْر وَالْمِيزَان وَعُطَارِد وَلَهُ الْجَوْزَاء وَالسُّنْبُلَة وَالْقَمَر وَلَهُ السَّرَطَان وَالشَّمْس وَلَهَا الْأَسَد وَالْمُشْتَرِي وَلَهُ الْقَوْس وَالْحُوت وَزُحَل وَلَهُ الْجَدْي وَالدَّلْو "وَجَعَلَ فِيهَا" أَيْضًا "سِرَاجًا" هُوَ الشَّمْس "وَقَمَرًا مُنِيرًا" وَفِي قِرَاءَة سُرُجًا بِالْجَمْعِ : أَيْ نَيِّرَات وَخُصَّ الْقَمَر مِنْهَا بِالذِّكْرِ لِنَوْعِ فَضِيلَة
وَهُوَ ٱلَّذِی جَعَلَ ٱلَّیۡلَ وَٱلنَّهَارَ خِلۡفَةࣰ لِّمَنۡ أَرَادَ أَن یَذَّكَّرَ أَوۡ أَرَادَ شُكُورࣰا ﴿٦٢﴾
"وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْل وَالنَّهَار خِلْفَة" أَيْ يَخْلُف كُلّ مِنْهُمَا الْآخَر "لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّر" بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف كَمَا تَقَدَّمَ : مَا فَاتَهُ فِي أَحَدهمَا مِنْ خَيْر فَيَفْعَلهُ فِي الْآخَر "أَوْ أَرَادَ شُكُورًا" أَيْ شُكْرًا لِنِعْمَةِ رَبّه عَلَيْهِ فِيهِمَا
وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلَّذِینَ یَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنࣰا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَـٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَـٰمࣰا ﴿٦٣﴾
"وَعِبَاد الرَّحْمَن" مُبْتَدَأ وَمَا بَعْده صِفَات لَهُ إلَى أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ غَيْر الْمُعْتَرِض فِيهِ "الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْض هَوْنًا" أَيْ بِسَكِينَةٍ وَتَوَاضُع "وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ" بِمَا يَكْرَهُونَهُ "قَالُوا سَلَامًا" أَيْ قَوْلًا يَسْلَمُونَ فِيهِ مِنْ الْإِثْم
وَٱلَّذِینَ یَبِیتُونَ لِرَبِّهِمۡ سُجَّدࣰا وَقِیَـٰمࣰا ﴿٦٤﴾
"وَاَلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا" جَمْع سَاجِد "وَقِيَامًا" بِمَعْنَى قَائِمِينَ يُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ
وَٱلَّذِینَ یَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصۡرِفۡ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ﴿٦٥﴾
وَاَلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَاب جَهَنَّم إنَّ عَذَابهَا كَانَ غَرَامًا" أَيْ لَازِمًا
إِنَّهَا سَاۤءَتۡ مُسۡتَقَرࣰّا وَمُقَامࣰا ﴿٦٦﴾
"إنَّهَا سَاءَتْ" بِئْسَ "مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا" هِيَ : أَيْ مَوْضِع اسْتِقْرَار وَإِقَامَة
وَٱلَّذِینَ إِذَاۤ أَنفَقُواْ لَمۡ یُسۡرِفُواْ وَلَمۡ یَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَیۡنَ ذَ ٰ⁠لِكَ قَوَامࣰا ﴿٦٧﴾
"وَاَلَّذِينَ إذَا أَنْفَقُوا" عَلَى عِيَالهمْ "لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا" بِفَتْحِ أَوَّله وَضَمّه : أَيْ يُضَيِّقُوا "وَكَانَ" إنْفَاقهمْ "بَيْن ذَلِكَ" الْإِسْرَاف وَالْإِقْتَار "قَوَامًا" وَسَطًا
وَٱلَّذِینَ لَا یَدۡعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ وَلَا یَقۡتُلُونَ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِی حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَا یَزۡنُونَۚ وَمَن یَفۡعَلۡ ذَ ٰ⁠لِكَ یَلۡقَ أَثَامࣰا ﴿٦٨﴾
"وَاَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّه إلَهًا آخَر وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْس الَّتِي حَرَّمَ اللَّه" قَتْلهَا "إلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَل ذَلِكَ" أَيْ وَاحِدًا مِنْ الثَّلَاثَة "يَلْقَ أَثَامًا" أَيْ عُقُوبَة
یُضَـٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ وَیَخۡلُدۡ فِیهِۦ مُهَانًا ﴿٦٩﴾
"يُضَاعَف" وَفِي قِرَاءَة يُضَعَّف بِالتَّشْدِيدِ "لَهُ الْعَذَاب يَوْم الْقِيَامَة وَيُخَلَّد فِيهِ" بِجَزْمِ الْفِعْلَيْنِ بَدَلًا وَبِرَفْعِهِمَا اسْتِئْنَافًا "مُهَانًا" حَال
إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلࣰا صَـٰلِحࣰا فَأُوْلَـٰۤىِٕكَ یُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَیِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَـٰتࣲۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورࣰا رَّحِیمࣰا ﴿٧٠﴾
"إلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا" مِنْهُمْ "فَأُولَئِكَ يُبَدِّل اللَّه سَيِّئَاتهمْ" الْمَذْكُورَة "حَسَنَات" فِي الْآخِرَة "وَكَانَ اللَّه غَفُورًا رَحِيمًا" أَيْ لَمْ يَزَلْ مُتَّصِفًا بِذَلِكَ
وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَـٰلِحࣰا فَإِنَّهُۥ یَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابࣰا ﴿٧١﴾
"وَمَنْ تَابَ" مِنْ ذُنُوبه غَيْر مَنْ ذُكِرَ "وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوب إلَى اللَّه مَتَابًا" أَيْ يَرْجِع إلَيْهِ رُجُوعًا فَيُجَازِيه خَيْرًا
وَٱلَّذِینَ لَا یَشۡهَدُونَ ٱلزُّورَ وَإِذَا مَرُّواْ بِٱللَّغۡوِ مَرُّواْ كِرَامࣰا ﴿٧٢﴾
"وَاَلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّور" أَيْ الْكَذِب وَالْبَاطِل "وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ" مِنْ الْكَلَام الْقَبِيح وَغَيْره "مَرُّوا كِرَامًا" مُعْرِضِينَ عَنْهُ
وَٱلَّذِینَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِـَٔایَـٰتِ رَبِّهِمۡ لَمۡ یَخِرُّواْ عَلَیۡهَا صُمࣰّا وَعُمۡیَانࣰا ﴿٧٣﴾
"وَاَلَّذِينَ إذَا ذُكِّرُوا" وُعِظُوا "بِآيَاتِ رَبّهمْ" أَيْ الْقُرْآن "لَمْ يَخِرُّوا" يَسْقُطُوا "عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا" بَلْ خَرُّوا سَامِعِينَ نَاظِرِينَ مُنْتَفِعِينَ
وَٱلَّذِینَ یَقُولُونَ رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَ ٰ⁠جِنَا وَذُرِّیَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡیُنࣲ وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِینَ إِمَامًا ﴿٧٤﴾
"وَاَلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجنَا وَذُرِّيَّاتنَا" بِالْجَمْعِ وَالْإِفْرَاد "قُرَّة أَعْيُن" لَنَا بِأَنْ نَرَاهُمْ مُطِيعِينَ لَك "وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إمَامًا" فِي الْخَيْر
أُوْلَـٰۤىِٕكَ یُجۡزَوۡنَ ٱلۡغُرۡفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَیُلَقَّوۡنَ فِیهَا تَحِیَّةࣰ وَسَلَـٰمًا ﴿٧٥﴾
"أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَة" الدَّرَجَة الْعُلْيَا فِي الْجَنَّة "بِمَا صَبَرُوا" عَلَى طَاعَة اللَّه "وَيُلَقَّوْنَ" بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف مَعَ فَتْح الْيَاء "فِيهَا" فِي الْغُرْفَة "تَحِيَّة وَسَلَامًا" مِنْ الْمَلَائِكَة
خَـٰلِدِینَ فِیهَاۚ حَسُنَتۡ مُسۡتَقَرࣰّا وَمُقَامࣰا ﴿٧٦﴾
"خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا" مَوْضِع إقَامَة لَهُمْ وَأُولَئِكَ وَمَا بَعْده خَبَر عِبَاد الرَّحْمَن الْمُبْتَدَأ
قُلۡ مَا یَعۡبَؤُاْ بِكُمۡ رَبِّی لَوۡلَا دُعَاۤؤُكُمۡۖ فَقَدۡ كَذَّبۡتُمۡ فَسَوۡفَ یَكُونُ لِزَامَۢا ﴿٧٧﴾
"قُلْ" يَا مُحَمَّد لِأَهْلِ مَكَّة "مَا" نَافِيَة "يَعْبَأ" يَكْتَرِث "بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ" إيَّاهُ فِي الشَّدَائِد فَيَكْشِفهَا "فَقَدْ" أَيْ فَكَيْفَ يَعْبَأ بِكُمْ وَقَدْ "كَذَّبْتُمْ" الرَّسُول وَالْقُرْآن "فَسَوْفَ يَكُون" الْعَذَاب "لِزَامًا" مُلَازِمًا لَكُمْ فِي الْآخِرَة بَعْد مَا يَحِلّ بِكُمْ فِي الدُّنْيَا فَقُتِلَ مِنْهُمْ يَوْم بَدْر سَبْعُونَ وَجَوَاب لَوْلَا دَلَّ عَلَيْهِ مَا قَبْلهَا