صفحات الموقع

سورة يس تفسير الجلالين

یسۤ ﴿١﴾
"يس" اللَّه أَعْلَم بِمُرَادِهِ بِهِ
وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡحَكِیمِ ﴿٢﴾
"وَالْقُرْآن الْحَكِيم" الْمُحْكَم بِعَجِيبِ النَّظْم وَبَدِيع الْمَعَانِي
إِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِینَ ﴿٣﴾
"إنَّك" يَا مُحَمَّد
عَلَىٰ صِرَ ٰ⁠طࣲ مُّسۡتَقِیمࣲ ﴿٤﴾
"عَلَى" مُتَعَلِّق بِمَا قَبْله "صِرَاط مُسْتَقِيم" أَيْ طَرِيق الْأَنْبِيَاء قَبْلك التَّوْحِيد وَالْهُدَى وَالتَّأْكِيد بِالْقَسَمِ وَغَيْره رَدّ لِقَوْلِ الْكُفَّار لَهُ "لَسْت مُرْسَلًا"
تَنزِیلَ ٱلۡعَزِیزِ ٱلرَّحِیمِ ﴿٥﴾
"تَنْزِيل الْعَزِيز" فِي مُلْكه "الرَّحِيم" بِخَلْقِهِ خَبَر مُبْتَدَأ مُقَدَّر أَيْ الْقُرْآن
لِتُنذِرَ قَوۡمࣰا مَّاۤ أُنذِرَ ءَابَاۤؤُهُمۡ فَهُمۡ غَـٰفِلُونَ ﴿٦﴾
"لِتُنْذِر" بِهِ "قَوْمًا" مُتَعَلِّق بِتَنْزِيلِ "مَا أَنُذِرَ آبَاؤُهُمْ" أَيْ لَمْ يُنْذَرُوا فِي زَمَن الْفَتْرَة "فَهُمْ" أَيْ الْقَوْم "غَافِلُونَ" عَنْ الْإِيمَان وَالرُّشْد
لَقَدۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ عَلَىٰۤ أَكۡثَرِهِمۡ فَهُمۡ لَا یُؤۡمِنُونَ ﴿٧﴾
"لَقَدْ حَقَّ الْقَوْل" وَجَبَ "عَلَى أَكْثَرهمْ" بِالْعَذَابِ "فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ" أَيْ الْأَكْثَر
إِنَّا جَعَلۡنَا فِیۤ أَعۡنَـٰقِهِمۡ أَغۡلَـٰلࣰا فَهِیَ إِلَى ٱلۡأَذۡقَانِ فَهُم مُّقۡمَحُونَ ﴿٨﴾
"إنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقهمْ أَغْلَالًا" بِأَنْ تُضَمّ إلَيْهَا الْأَيْدِي لِأَنَّ الْغُلّ يَجْمَع الْيَد إلَى الْعُنُق "فَهِيَ" أَيْ الْأَيْدِي مَجْمُوعَة "إلَى الْأَذْقَان" جَمْع ذَقَن وَهِيَ مُجْتَمَع اللَّحْيَيْنِ "فَهُمْ مُقْمَحُونَ" رَافِعُونَ رُءُوسهمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ خَفْضهَا وَهَذَا تَمْثِيل وَالْمُرَاد أَنَّهُمْ لَا يُذْعِنُونَ لِلْإِيمَانِ وَلَا يُخْفِضُونَ رُءُوسهمْ لَهُ
وَجَعَلۡنَا مِنۢ بَیۡنِ أَیۡدِیهِمۡ سَدࣰّا وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ سَدࣰّا فَأَغۡشَیۡنَـٰهُمۡ فَهُمۡ لَا یُبۡصِرُونَ ﴿٩﴾
"وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفهمْ سَدًّا" بِفَتْحِ السِّين وَضَمّهَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ "فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ" تَمْثِيل أَيْضًا لِسَدِّ طُرُق الْإِيمَان عَلَيْهِمْ
وَسَوَاۤءٌ عَلَیۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا یُؤۡمِنُونَ ﴿١٠﴾
"وَسَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتهمْ" بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَتَيْنِ وَإِبْدَال الثَّانِيَة أَلِفًا وَتَسْهِيلهَا وَإِدْخَال أَلِف بَيْن الْمُسَهَّلَة وَالْأُخْرَى وَتَرْكه
إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكۡرَ وَخَشِیَ ٱلرَّحۡمَـٰنَ بِٱلۡغَیۡبِۖ فَبَشِّرۡهُ بِمَغۡفِرَةࣲ وَأَجۡرࣲ كَرِیمٍ ﴿١١﴾
"إنَّمَا تُنْذِر" يَنْفَع إنْذَارك "مَنْ اتَّبَعَ الذِّكْر" الْقُرْآن "وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ" خَافَهُ وَلَمْ يَرَهُ "فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْر كَرِيم" هُوَ الْجَنَّة
إِنَّا نَحۡنُ نُحۡیِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَنَكۡتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَـٰرَهُمۡۚ وَكُلَّ شَیۡءٍ أَحۡصَیۡنَـٰهُ فِیۤ إِمَامࣲ مُّبِینࣲ ﴿١٢﴾
"إنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى" لِلْبَعْثِ "وَنَكْتُب" فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ "مَا قَدَّمُوا" فِي حَيَاتهمْ مِنْ خَيْر وَشَرّ لِيُجَازُوا عَلَيْهِ "وَآثَارهمْ" مَا اسْتَنَّ بِهِ بَعْدهمْ "وَكُلّ شَيْء" نَصَبَهُ بِفِعْلٍ يُفَسِّرهُ "أَحْصَيْنَاهُ" ضَبَطْنَاهُ "فِي إمَام مُبِين" كِتَاب بَيِّن هُوَ اللَّوْح الْمَحْفُوظ
وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلًا أَصۡحَـٰبَ ٱلۡقَرۡیَةِ إِذۡ جَاۤءَهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ ﴿١٣﴾
"وَاضْرِبْ" اجْعَلْ "لَهُمْ مَثَلًا" مَفْعُول أَوَّل "أَصْحَاب" مَفْعُول ثَانٍ "الْقَرْيَة" أَنْطَاكِيَّة "إذْ جَاءَهَا" إلَى آخِره بَدَل اشْتِمَال مِنْ أَصْحَاب الْقَرْيَة "الْمُرْسَلُونَ" أَيْ رُسُل عِيسَى
إِذۡ أَرۡسَلۡنَاۤ إِلَیۡهِمُ ٱثۡنَیۡنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزۡنَا بِثَالِثࣲ فَقَالُوۤاْ إِنَّاۤ إِلَیۡكُم مُّرۡسَلُونَ ﴿١٤﴾
"إذْ أَرْسَلْنَا إلَيْهِمْ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا" إلَى آخِره بَدَل مِنْ إذْ الْأُولَى "فَعَزَّزْنَا" بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد : قَوَّيْنَا الِاثْنَيْنِ
قَالُواْ مَاۤ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرࣱ مِّثۡلُنَا وَمَاۤ أَنزَلَ ٱلرَّحۡمَـٰنُ مِن شَیۡءٍ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا تَكۡذِبُونَ ﴿١٥﴾
"قَالُوا مَا أَنْتُمْ إلَّا بَشَر مِثْلنَا وَمَا أَنَزَلَ الرَّحْمَن مِنْ شَيْء إنْ" مَا
قَالُواْ رَبُّنَا یَعۡلَمُ إِنَّاۤ إِلَیۡكُمۡ لَمُرۡسَلُونَ ﴿١٦﴾
"قَالُوا رَبّنَا يَعْلَم" جَارٍ مَجْرَى الْقَسَم وَزِيدَ التَّأْكِيد بِهِ وَبِاللَّامِ عَلَى مَا قَبْله لِزِيَادَةِ الْإِنْكَار فِي "إنَّا إلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ"
وَمَا عَلَیۡنَاۤ إِلَّا ٱلۡبَلَـٰغُ ٱلۡمُبِینُ ﴿١٧﴾
"وَمَا عَلَيْنَا إلَّا الْبَلَاغ الْمُبِين" التَّبْلِيغ الْمُبِين الظَّاهِر بِالْأَدِلَّةِ الْوَاضِحَة وَهِيَ إبْرَاء الْأَكْمَه وَالْأَبْرَص وَالْمَرِيض وَإِحْيَاء الْمَيِّت
قَالُوۤاْ إِنَّا تَطَیَّرۡنَا بِكُمۡۖ لَىِٕن لَّمۡ تَنتَهُواْ لَنَرۡجُمَنَّكُمۡ وَلَیَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِیمࣱ ﴿١٨﴾
"قَالُوا إنَّا تَطَيَّرْنَا" تَشَاءَمْنَا "بِكُمْ" لِانْقِطَاعِ الْمَطَر عَنَّا بِسَبَبِكُمْ "لَئِنْ" لَام قَسَم "لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ" بِالْحِجَارَةِ "وَلَيَمَسَّنكُمْ مِنَّا عَذَاب أَلِيم" مُؤْلِم
قَالُواْ طَـٰۤىِٕرُكُم مَّعَكُمۡ أَىِٕن ذُكِّرۡتُمۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمࣱ مُّسۡرِفُونَ ﴿١٩﴾
"قَالُوا طَائِركُمْ" شُؤْمكُمْ "مَعَكُمْ" بِكُفْرِكُمْ "أَإِنْ" هَمْزَة اسْتِفْهَام دَخَلَتْ عَلَى إنْ الشَّرْطِيَّة وَفِي هَمْزَتهَا التَّحْقِيق وَالتَّسْهِيل وَإِدْخَال أَلِف بَيْنهَا بِوَجْهَيْهَا وَبَيْن الْأُخْرَى "ذُكِّرْتُمْ" وُعِظْتُمْ وَخُوِّفْتُمْ وَجَوَاب الشَّرْط مَحْذُوف أَيْ تَطَيَّرْتُمْ وَكَفَرْتُمْ وَهُوَ مَحَلّ الِاسْتِفْهَام وَالْمُرَاد بِهِ التَّوْبِيخ "بَلْ أَنْتُمْ قَوْم مُسْرِفُونَ" مُتَجَاوِزُونَ الْحَدّ بِشِرْكِكُمْ
وَجَاۤءَ مِنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِینَةِ رَجُلࣱ یَسۡعَىٰ قَالَ یَـٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلۡمُرۡسَلِینَ ﴿٢٠﴾
"وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَة رَجُل" هُوَ حَبِيب النَّجَّار كَانَ قَدْ آمَنَ بِالرُّسُلِ وَمَنْزِله بِأَقْصَى الْبَلَد "يَسْعَى" يَشْتَدّ عَدْوًا لَمَّا سَمِعَ بِتَكْذِيبِ الْقَوْم الرُّسُل
ٱتَّبِعُواْ مَن لَّا یَسۡـَٔلُكُمۡ أَجۡرࣰا وَهُم مُّهۡتَدُونَ ﴿٢١﴾
"اتَّبِعُوا" تَأْكِيد لِلْأَوَّلِ "مَنْ لَا يَسْأَلكُمْ أَجْرًا" عَلَى رِسَالَته "وَهُمْ مُهْتَدُونَ" فَقِيلَ لَهُ : أَنْتَ عَلَى دِينهمْ
وَمَا لِیَ لَاۤ أَعۡبُدُ ٱلَّذِی فَطَرَنِی وَإِلَیۡهِ تُرۡجَعُونَ ﴿٢٢﴾
"وَمَا لِيَ لَا أَعْبُد الَّذِي فَطَرَنِي" خَلَقَنِي أَيْ لَا مَانِع لِي مِنْ عِبَادَته الْمَوْجُود مُقْتَضِيهَا وَأَنْتُمْ كَذَلِكَ "وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" بَعْد الْمَوْت فَيُجَازِيكُمْ بِكُفْرِكُمْ
ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِۦۤ ءَالِهَةً إِن یُرِدۡنِ ٱلرَّحۡمَـٰنُ بِضُرࣲّ لَّا تُغۡنِ عَنِّی شَفَـٰعَتُهُمۡ شَیۡـࣰٔا وَلَا یُنقِذُونِ ﴿٢٣﴾
"أَأَتَّخِذُ" فِي الْهَمْزَتَيْنِ مِنْهُ مَا تَقَدَّمَ فِي أَأَنْذَرْتهمْ وَهُوَ اسْتِفْهَام بِمَعْنَى النَّفْي "مِنْ دُونه" أَيْ غَيْره "آلِهَة" أَصْنَامًا "إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتهمْ" الَّتِي زَعَمْتُمُوهَا "شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونَ" صِفَة آلِهَة
إِنِّیۤ إِذࣰا لَّفِی ضَلَـٰلࣲ مُّبِینٍ ﴿٢٤﴾
"إنِّي إذًا" أَيْ إنْ عَبَدْت غَيْر اللَّه "لَفِي ضَلَال مُبِين" بَيِّن
إِنِّیۤ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمۡ فَٱسۡمَعُونِ ﴿٢٥﴾
"إنِّي آمَنْت بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ" أَيْ اسْمَعُوا قَوْلِي فَرَجَمُوهُ فَمَاتَ
قِیلَ ٱدۡخُلِ ٱلۡجَنَّةَۖ قَالَ یَـٰلَیۡتَ قَوۡمِی یَعۡلَمُونَ ﴿٢٦﴾
"قِيلَ" لَهُ عِنْد مَوْته "اُدْخُلْ الْجَنَّة" وَقِيلَ دَخَلَهَا حَيًّا "قَالَ يَا" حَرْف تَنْبِيه
بِمَا غَفَرَ لِی رَبِّی وَجَعَلَنِی مِنَ ٱلۡمُكۡرَمِینَ ﴿٢٧﴾
"بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي" بِغُفْرَانِهِ
۞ وَمَاۤ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ مِنۢ بَعۡدِهِۦ مِن جُندࣲ مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِینَ ﴿٢٨﴾
"وَمَا" نَافِيَة "أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمه" أَيْ حَبِيب "مِنْ بَعْده" بَعْد مَوْته "مِنْ جُنْد مِنْ السَّمَاء" أَيْ مَلَائِكَة لِإِهْلَاكِهِمْ "وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ" مَلَائِكَة لِإِهْلَاكِ أَحَد
إِن كَانَتۡ إِلَّا صَیۡحَةࣰ وَ ٰ⁠حِدَةࣰ فَإِذَا هُمۡ خَـٰمِدُونَ ﴿٢٩﴾
"إنْ" مَا "كَانَتْ" عُقُوبَتهمْ "إلَّا صَيْحَة وَاحِدَة" صَاحَ بِهِمْ جِبْرِيل "فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ" سَاكِنُونَ مَيِّتُونَ
یَـٰحَسۡرَةً عَلَى ٱلۡعِبَادِۚ مَا یَأۡتِیهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ یَسۡتَهۡزِءُونَ ﴿٣٠﴾
"يَا حَسْرَة عَلَى الْعِبَاد" هَؤُلَاءِ وَنَحْوهمْ مِمَّنْ كَذَّبُوا الرُّسُل فَأُهْلِكُوا وَهِيَ شِدَّة التَّأَلُّم وَنِدَاؤُهَا مَجَاز أَيْ هَذَا أَوَانك فَاحْضُرِي "مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُول إلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ" مُسَوَّق لِبَيَانِ سَبَبهَا لِاشْتِمَالِهِ عَلَى اسْتِهْزَائِهِمْ الْمُؤَدِّي إلَى إهْلَاكهمْ الْمُسَبِّب عَنْهُ الْحَسْرَة
أَلَمۡ یَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ أَنَّهُمۡ إِلَیۡهِمۡ لَا یَرۡجِعُونَ ﴿٣١﴾
"أَلَمْ يَرَوْا" أَيْ أَهْل مَكَّة الْقَائِلُونَ لِلنَّبِيِّ "لَسْت مُرْسَلًا" وَالِاسْتِفْهَام لِلتَّقْرِيرِ : أَيْ عَلِمُوا "كَمْ" خَبَرِيَّة بِمَعْنَى كَثِيرًا مَعْمُولَة لَهَا بَعْدهَا مُعَلَّقَة لِمَا قَبْلهَا عَنْ الْعَمَل وَالْمَعْنَى إنَّا "أَهَلَكْنَا قَبْلهمْ" كَثِيرًا "مِنْ الْقُرُون" الْأُمَم "أَنَّهُمْ" أَيْ الْمُهْلَكِينَ "إلَيْهِمْ" أَيْ الْمُكَذِّبِينَ "لَا يَرْجِعُونَ" أَفَلَا يَعْتَبِرُونَ بِهِمْ وَأَنَّهُ إلَخْ : بَدَل مِمَّا قَبْله بِرِعَايَةِ الْمَعْنَى الْمَذْكُور
وَإِن كُلࣱّ لَّمَّا جَمِیعࣱ لَّدَیۡنَا مُحۡضَرُونَ ﴿٣٢﴾
"وَإِنْ" نَافِيَة أَوْ مُخَفَّفَة "كُلّ" أَيْ كُلّ الْخَلَائِق مُبْتَدَأ "لَمَّا" بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنَى إلَّا أَوْ بِالتَّخْفِيفِ فَاللَّام فَارِقَة وَمَا مَزِيدَة "جَمِيع" خَبَر الْمُبْتَدَأ أَيْ مَجْمُوعُونَ "لَدَيْنَا" عِنْدنَا فِي الْمَوْقِف بَعْد بَعْثهمْ "مُحْضَرُونَ" لِلْحِسَابِ خَبَر ثَانٍ
وَءَایَةࣱ لَّهُمُ ٱلۡأَرۡضُ ٱلۡمَیۡتَةُ أَحۡیَیۡنَـٰهَا وَأَخۡرَجۡنَا مِنۡهَا حَبࣰّا فَمِنۡهُ یَأۡكُلُونَ ﴿٣٣﴾
"وَآيَة لَهُمْ" عَلَى الْبَعْث خَبَر مُقَدَّم "الْأَرْض الْمَيْتَة" بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد "أَحْيَيْنَاهَا" بِالْمَاءِ مُبْتَدَأ "وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا" كَالْحِنْطَةِ
وَجَعَلۡنَا فِیهَا جَنَّـٰتࣲ مِّن نَّخِیلࣲ وَأَعۡنَـٰبࣲ وَفَجَّرۡنَا فِیهَا مِنَ ٱلۡعُیُونِ ﴿٣٤﴾
"وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّات" بَسَاتِين "مِنْ نَخِيل وَأَعْنَاب وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنْ الْعُيُون" أَيْ بَعْضهَا
لِیَأۡكُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦ وَمَا عَمِلَتۡهُ أَیۡدِیهِمۡۚ أَفَلَا یَشۡكُرُونَ ﴿٣٥﴾
"لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَره" بِفَتْحَتَيْنِ وَضَمَّتَيْنِ أَيْ ثَمَر الْمَذْكُور مِنْ النَّخِيل وَغَيْره "وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهمْ" أَيْ لَمْ تَعْمَل الثَّمَر "أَفَلَا يَشْكُرُونَ" أَنْعُمه تَعَالَى عَلَيْهِمْ
سُبۡحَـٰنَ ٱلَّذِی خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَ ٰ⁠جَ كُلَّهَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلۡأَرۡضُ وَمِنۡ أَنفُسِهِمۡ وَمِمَّا لَا یَعۡلَمُونَ ﴿٣٦﴾
"سُبْحَان الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاج" الْأَصْنَاف "كُلّهَا مِمَّا تَنْبُت الْأَرْض" مِنْ الْحُبُوب وَغَيْرهَا "وَمِنْ أَنْفُسهمْ" مِنْ الذُّكُور وَالْإِنَاث "وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ" مِنْ الْمَخْلُوقَات الْعَجِيبَة الْغَرِيبَة
وَءَایَةࣱ لَّهُمُ ٱلَّیۡلُ نَسۡلَخُ مِنۡهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظۡلِمُونَ ﴿٣٧﴾
"وَآيَة لَهُمْ" عَلَى الْقُدْرَة الْعَظِيمَة "اللَّيْل نَسْلَخ" نَفْصِل "مِنْهُ النَّهَار فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ" دَاخِلُونَ فِي الظَّلَام
وَٱلشَّمۡسُ تَجۡرِی لِمُسۡتَقَرࣲّ لَّهَاۚ ذَ ٰ⁠لِكَ تَقۡدِیرُ ٱلۡعَزِیزِ ٱلۡعَلِیمِ ﴿٣٨﴾
"وَالشَّمْس تَجْرِي" إلَى آخِره مِنْ جُمْلَة الْآيَة لَهُمْ : أَوْ آيَة أُخْرَى وَالْقَمَر كَذَلِكَ "لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا" أَيْ إلَيْهِ لَا تَتَجَاوَزهُ "ذَلِكَ" أَيْ جَرْيهَا "تَقْدِير الْعَزِيز" فِي مُلْكه "الْعَلِيم" بِخَلْقِهِ
وَٱلۡقَمَرَ قَدَّرۡنَـٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلۡعُرۡجُونِ ٱلۡقَدِیمِ ﴿٣٩﴾
"وَالْقَمَر" بِالرَّفْعِ وَالنَّصْب وَهُوَ مَنْصُوب بِفِعْلٍ يُفَسِّرهُ مَا بَعْده "قَدَّرْنَاهُ" مِنْ حَيْثُ سَيْره "مَنَازِل" ثَمَانِيَة وَعِشْرِينَ مَنْزِلًا فِي ثَمَان وَعِشْرِينَ لَيْلَة مِنْ كُلّ شَهْر وَيَسْتَتِر لَيْلَتَيْنِ إنْ كَانَ الشَّهْر ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلَيْلَة إنْ كَانَ تِسْعَة وَعِشْرِينَ يَوْمًا "حَتَّى عَادَ" فِي آخِر مَنَازِله فِي رَأْي الْعَيْن "كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيم" أَيْ كَعُودِ الشَّمَارِيخ إذَا عَتَقَ فَإِنَّهُ يَرِقّ وَيَتَقَوَّس وَيَصْفَرّ
لَا ٱلشَّمۡسُ یَنۢبَغِی لَهَاۤ أَن تُدۡرِكَ ٱلۡقَمَرَ وَلَا ٱلَّیۡلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِۚ وَكُلࣱّ فِی فَلَكࣲ یَسۡبَحُونَ ﴿٤٠﴾
"لَا الشَّمْس يَنْبَغِي" يَسْهُل وَيَصِحّ "لَهَا أَنْ تُدْرِك الْقَمَر" فَتَجْتَمِع مَعَهُ فِي اللَّيْل "وَلَا اللَّيْل سَابِق النَّهَار" فَلَا يَأْتِي قَبْل انْقِضَائِهِ "وَكُلّ" تَنْوِينه عِوَض عَنْ الْمُضَاف إلَيْهِ مِنْ الشَّمْس وَالْقَمَر وَالنُّجُوم "فِي فَلَك" مُسْتَدِير "يَسْبَحُونَ" يَسِيرُونَ نَزَلُوا مَنْزِلَة الْعُقَلَاء
وَءَایَةࣱ لَّهُمۡ أَنَّا حَمَلۡنَا ذُرِّیَّتَهُمۡ فِی ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ ﴿٤١﴾
"وَآيَة لَهُمْ" عَلَى قُدْرَتنَا "أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتهمْ" وَفِي قِرَاءَة : ذُرِّيَّاتهمْ أَيْ آبَاءَهُمْ الْأُصُول "فِي الْفُلْك" أَيْ سَفِينَة نُوح "الْمَشْحُون" الْمَمْلُوء
وَخَلَقۡنَا لَهُم مِّن مِّثۡلِهِۦ مَا یَرۡكَبُونَ ﴿٤٢﴾
"وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْله" أَيْ مِثْل فُلْك نُوح وَهُوَ مَا عَمِلُوهُ عَلَى شَكْله مِنْ السُّفُن الصِّغَار وَالْكِبَار بِتَعْلِيمِ اللَّه تَعَالَى "مَا يَرْكَبُونَ" فِيهِ
وَإِن نَّشَأۡ نُغۡرِقۡهُمۡ فَلَا صَرِیخَ لَهُمۡ وَلَا هُمۡ یُنقَذُونَ ﴿٤٣﴾
"وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقهُمْ" مَعَ إيجَاد السُّفُن "فَلَا صَرِيخ" مُغِيث "لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقِذُونَ" يَنْجُونَ
إِلَّا رَحۡمَةࣰ مِّنَّا وَمَتَـٰعًا إِلَىٰ حِینࣲ ﴿٤٤﴾
"إلَّا رَحْمَة مِنَّا وَمَتَاعًا إلَى حِين" أَيْ لَا يُنْجِيهِمْ إلَّا رَحْمَتنَا لَهُمْ وَتَمْتِيعنَا إيَّاهُمْ بِلَذَّاتِهِمْ إلَى انْقِضَاء آجَالهمْ
وَإِذَا قِیلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ مَا بَیۡنَ أَیۡدِیكُمۡ وَمَا خَلۡفَكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ﴿٤٥﴾
"وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّقُوا مَا بَيْن أَيْدِيكُمْ" مِنْ عَذَاب الدُّنْيَا كَغَيْرِهِمْ "وَمَا خَلْفكُمْ" مِنْ عَذَاب الْآخِرَة "لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ" أَعْرَضُوا
وَمَا تَأۡتِیهِم مِّنۡ ءَایَةࣲ مِّنۡ ءَایَـٰتِ رَبِّهِمۡ إِلَّا كَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِینَ ﴿٤٦﴾
وَإِذَا قِیلَ لَهُمۡ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالَ ٱلَّذِینَ كَفَرُواْ لِلَّذِینَ ءَامَنُوۤاْ أَنُطۡعِمُ مَن لَّوۡ یَشَاۤءُ ٱللَّهُ أَطۡعَمَهُۥۤ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا فِی ضَلَـٰلࣲ مُّبِینࣲ ﴿٤٧﴾
"وَإِذَا قِيلَ" أَيْ قَالَ فُقَرَاء الصَّحَابَة "لَهُمْ أَنْفِقُوا" عَلَيْنَا "مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّه" مِنْ الْأَمْوَال "قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا" اسْتِهْزَاء بِهِمْ "أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاء اللَّه أَطْعَمَهُ" فِي مُعْتَقِدكُمْ هَذَا "إنْ" مَا "أَنْتُمْ" فِي قَوْلكُمْ لَنَا ذَلِكَ مَعَ مُعْتَقِدكُمْ هَذَا "إلَّا فِي ضَلَال مُبِين" بَيِّن وَلِلتَّصْرِيحِ بِكُفْرِهِمْ مَوْقِع عَظِيم
وَیَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَـٰدِقِینَ ﴿٤٨﴾
"وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْد" بِالْبَعْثِ "إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" فِيهِ
مَا یَنظُرُونَ إِلَّا صَیۡحَةࣰ وَ ٰ⁠حِدَةࣰ تَأۡخُذُهُمۡ وَهُمۡ یَخِصِّمُونَ ﴿٤٩﴾
"مَا يَنْظُرُونَ" أَيْ يَنْتَظِرُونَ "إلَّا صَيْحَة وَاحِدَة" وَهِيَ نَفْخَة إسْرَافِيل الْأُولَى "تَأْخُذهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ" بِالتَّشْدِيدِ أَصْله يَخْتَصِمُونَ نُقِلَتْ حَرَكَة التَّاء إلَى الْخَاء وَأُدْغِمَتْ فِي الصَّاد أَيْ وَهُمْ فِي غَفْلَة عَنْهَا بِتَخَاصُمٍ وَتَبَايُع وَأَكْل وَشُرْب وَغَيْر ذَلِكَ وَفِي قِرَاءَة يَخْصِمُونَ كَيَضْرِبُونَ أَيْ يَخْصِم بَعْضهمْ بَعْضًا
فَلَا یَسۡتَطِیعُونَ تَوۡصِیَةࣰ وَلَاۤ إِلَىٰۤ أَهۡلِهِمۡ یَرۡجِعُونَ ﴿٥٠﴾
"فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَة" أَيْ أَنْ يُوصُوا "وَلَا إلَى أَهْلهمْ يَرْجِعُونَ" مِنْ أَسْوَاقهمْ وَأَشْغَالهمْ بَلْ يَمُوتُونَ فِيهَا
وَنُفِخَ فِی ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلۡأَجۡدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ یَنسِلُونَ ﴿٥١﴾
"وَنُفِخَ فِي الصُّور" هُوَ قَرْن النَّفْخَة الثَّانِيَة لِلْبَعْثِ وَبَيْن النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ سَنَة "فَإِذَا هُمْ" أَيْ الْمَقْبُورُونَ "مِنْ الْأَجْدَاث" الْقُبُور "إلَى رَبّهمْ يَنْسِلُونَ" يَخْرُجُونَ بِسُرْعَةٍ
قَالُواْ یَـٰوَیۡلَنَا مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرۡقَدِنَاۜۗ هَـٰذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحۡمَـٰنُ وَصَدَقَ ٱلۡمُرۡسَلُونَ ﴿٥٢﴾
"قَالُوا" أَيْ الْكُفَّار مِنْهُمْ "يَا" لِلتَّنْبِيهِ "وَيْلنَا" هَلَاكنَا وَهُوَ مَصْدَر لَا فِعْل لَهُ مِنْ لَفْظه "مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدنَا" لِأَنَّهُمْ كَانُوا بَيْن النَّفْخَتَيْنِ نَائِمِينَ لَمْ يُعَذَّبُوا "هَذَا" أَيْ الْبَعْث "مَا" أَيْ الَّذِي "وَعَدَ" بِهِ "الرَّحْمَن وَصَدَقَ" فِيهِ "الْمُرْسَلُونَ" أَقَرُّوا حِين لَا يَنْفَعهُمْ الْإِقْرَار وَقِيلَ : يُقَال لَهُمْ ذَلِكَ
إِن كَانَتۡ إِلَّا صَیۡحَةࣰ وَ ٰ⁠حِدَةࣰ فَإِذَا هُمۡ جَمِیعࣱ لَّدَیۡنَا مُحۡضَرُونَ ﴿٥٣﴾
"إنْ" مَا "كَانَتْ إلَّا صَيْحَة وَاحِدَة فَإِذَا هُمْ جَمِيع لَدَيْنَا" عِنْدنَا "مُحْضَرُونَ"
فَٱلۡیَوۡمَ لَا تُظۡلَمُ نَفۡسࣱ شَیۡـࣰٔا وَلَا تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ﴿٥٤﴾
"فَالْيَوْم لَا تُظْلَم نَفْس شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إلَّا" جَزَاء
إِنَّ أَصۡحَـٰبَ ٱلۡجَنَّةِ ٱلۡیَوۡمَ فِی شُغُلࣲ فَـٰكِهُونَ ﴿٥٥﴾
"إنَّ أَصْحَاب الْجَنَّة الْيَوْم فِي شُغْل" بِسُكُونِ الْغَيْن وَضَمّهَا عَمَّا فِيهِ أَهْل النَّار مِمَّا يَتَلَذَّذُونَ بِهِ كَافْتِضَاضِ الْأَبْكَار لَا شُغْل يَتْعَبُونَ فِيهِ لِأَنَّ الْجَنَّة لَا نَصَب فِيهَا "فَاكِهُونَ" نَاعِمُونَ خَبَر ثَانٍ لِإِنَّ وَالْأَوَّل فِي شُغْل
هُمۡ وَأَزۡوَ ٰ⁠جُهُمۡ فِی ظِلَـٰلٍ عَلَى ٱلۡأَرَاۤىِٕكِ مُتَّكِـُٔونَ ﴿٥٦﴾
"هُمْ" مُبْتَدَأ "وَأَزْوَاجهمْ فِي ظِلَال" جَمْع ظُلَّة أَوْ ظِلّ خَبَر : أَيْ لَا تُصِيبهُمْ الشَّمْس "عَلَى الْأَرَائِك" جَمْع أَرِيكَة وَهُوَ السَّرِير فِي الْحَجْلَة أَوْ الْفُرُش فِيهَا "مُتَّكِئُونَ" خَبَر ثَانٍ مُتَعَلِّق عَلَى
لَهُمۡ فِیهَا فَـٰكِهَةࣱ وَلَهُم مَّا یَدَّعُونَ ﴿٥٧﴾
"لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَة وَلَهُمْ" فِيهَا "مَا يَدَّعُونَ" يَتَمَنَّوْنَ
سَلَـٰمࣱ قَوۡلࣰا مِّن رَّبࣲّ رَّحِیمࣲ ﴿٥٨﴾
"سَلَام" مُبْتَدَأ "قَوْلًا" أَيْ بِالْقَوْلِ خَبَره "مِنْ رَبّ رَحِيم" بِهِمْ أَيْ يَقُول لَهُمْ : سَلَام عَلَيْكُمْ
وَٱمۡتَـٰزُواْ ٱلۡیَوۡمَ أَیُّهَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ﴿٥٩﴾
"وَ" "امْتَازُوا الْيَوْم أَيّهَا الْمُجْرِمُونَ" أَيْ انْفَرَدُوا عَنْ الْمُؤْمِنِينَ عِنْد اخْتِلَاطهمْ بِهِمْ
۞ أَلَمۡ أَعۡهَدۡ إِلَیۡكُمۡ یَـٰبَنِیۤ ءَادَمَ أَن لَّا تَعۡبُدُواْ ٱلشَّیۡطَـٰنَۖ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوࣱّ مُّبِینࣱ ﴿٦٠﴾
"أَلَمْ أَعْهَد إلَيْكُمْ" آمُركُمْ "يَا بَنِي آدَم" عَلَى لِسَان رُسُلِي "أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَان" لَا تُطِيعُوهُ "إنَّهُ لَكُمْ عَدُوّ مُبِين" بَيِّن الْعَدَاوَة
وَأَنِ ٱعۡبُدُونِیۚ هَـٰذَا صِرَ ٰ⁠طࣱ مُّسۡتَقِیمࣱ ﴿٦١﴾
"وَأَنْ اُعْبُدُونِي" وَحِّدُونِي وَأَطِيعُونِي "هَذَا صِرَاط" طَرِيق
وَلَقَدۡ أَضَلَّ مِنكُمۡ جِبِلࣰّا كَثِیرًاۖ أَفَلَمۡ تَكُونُواْ تَعۡقِلُونَ ﴿٦٢﴾
"وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا" خَلْقًا جَمْع جَبِيل كَقَدِيمٍ وَفِي قِرَاءَة بِضَمِّ الْبَاء "كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ" عَدَاوَته وَإِضْلَاله أَوْ مَا حَلَّ بِهِمْ مِنْ الْعَذَاب فَتُؤْمِنُونَ وَيُقَال لَهُمْ فِي الْآخِرَة
هَـٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِی كُنتُمۡ تُوعَدُونَ ﴿٦٣﴾
"هَذِهِ جَهَنَّم الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ" بِهَا
ٱصۡلَوۡهَا ٱلۡیَوۡمَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ﴿٦٤﴾
ٱلۡیَوۡمَ نَخۡتِمُ عَلَىٰۤ أَفۡوَ ٰ⁠هِهِمۡ وَتُكَلِّمُنَاۤ أَیۡدِیهِمۡ وَتَشۡهَدُ أَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُواْ یَكۡسِبُونَ ﴿٦٥﴾
"الْيَوْم نَخْتِم عَلَى أَفْوَاههمْ" أَيْ الْكُفَّار لِقَوْلِهِمْ "وَاَللَّه رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ" "وَتُكَلِّمنَا أَيْدِيهمْ وَتَشْهَد أَرْجُلهمْ" وَغَيْرهَا "بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ" فَكُلّ عُضْو يَنْطِق بِمَا صَدَرَ مِنْهُ
وَلَوۡ نَشَاۤءُ لَطَمَسۡنَا عَلَىٰۤ أَعۡیُنِهِمۡ فَٱسۡتَبَقُواْ ٱلصِّرَ ٰ⁠طَ فَأَنَّىٰ یُبۡصِرُونَ ﴿٦٦﴾
"وَلَوْ نَشَاء لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنهمْ" لَأَعْمَيْنَاهَا طَمْسًا "فَاسْتَبَقُوا" ابْتَدَرُوا "الصِّرَاط" الطَّرِيق ذَاهِبِينَ كَعَادَتِهِمْ "فَأَنَّى" فَكَيْفَ "يُبْصِرُونَ" حِينَئِذٍ ؟ أَيْ لَا يُبْصِرُونَ
وَلَوۡ نَشَاۤءُ لَمَسَخۡنَـٰهُمۡ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمۡ فَمَا ٱسۡتَطَـٰعُواْ مُضِیࣰّا وَلَا یَرۡجِعُونَ ﴿٦٧﴾
"وَلَوْ نَشَاء لَمَسَخْنَاهُمْ" قِرَدَة وَخَنَازِير أَوْ حِجَارَة "عَلَى مَكَانَتهمْ" وَفِي قِرَاءَة : مَكَانَاتهمْ جَمْع مَكَانَة بِمَعْنَى مَكَان : أَيْ فِي مَنَازِلهمْ "فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ" أَيْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى ذَهَاب وَلَا مَجِيء
وَمَن نُّعَمِّرۡهُ نُنَكِّسۡهُ فِی ٱلۡخَلۡقِۚ أَفَلَا یَعۡقِلُونَ ﴿٦٨﴾
"وَمَنْ نُعَمِّرهُ" بِإِطَالَةِ أَجَله "نَنْكُسهُ" وَفِي قِرَاءَة بِالتَّشْدِيدِ مِنْ التَّنْكِيس "فِي الْخَلْق" فَيَكُون بَعْد قُوَّته وَشَبَابه ضَعِيفًا وَهَرِمًا "أَفَلَا يَعْقِلُونَ" أَنَّ الْقَادِر عَلَى ذَلِكَ الْمَعْلُوم عِنْدهمْ قَادِر عَلَى الْبَعْث فَيُؤْمِنُونَ وَفِي قِرَاءَة بِالتَّاءِ
وَمَا عَلَّمۡنَـٰهُ ٱلشِّعۡرَ وَمَا یَنۢبَغِی لَهُۥۤۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرࣱ وَقُرۡءَانࣱ مُّبِینࣱ ﴿٦٩﴾
"وَمَا عَلَّمْنَاهُ" أَيْ النَّبِيّ "الشِّعْر" رَدّ لِقَوْلِهِمْ : إنَّ مَا أَتَى بِهِ مِنْ الْقُرْآن شِعْر "وَمَا يَنْبَغِي" يَسْهُل "لَهُ" الشِّعْر "إنْ هُوَ" لَيْسَ الَّذِي أَتَى بِهِ "إلَّا ذِكْر" عِظَة "وَقُرْآن مُبِين" مُظْهِر لِلْأَحْكَامِ وَغَيْرهَا
لِّیُنذِرَ مَن كَانَ حَیࣰّا وَیَحِقَّ ٱلۡقَوۡلُ عَلَى ٱلۡكَـٰفِرِینَ ﴿٧٠﴾
"لِيُنْذِر" بِالْيَاءِ وَالتَّاء بِهِ "مَنْ كَانَ حَيًّا" يَعْقِل مَا يُخَاطِب بِهِ وَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ "وَيَحِقّ الْقَوْل" بِالْعَذَابِ "عَلَى الْكَافِرِينَ" وَهُمْ كَالْمَيِّتِينَ لَا يَعْقِلُونَ مَا يُخَاطِبُونَ بِهِ
أَوَلَمۡ یَرَوۡاْ أَنَّا خَلَقۡنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتۡ أَیۡدِینَاۤ أَنۡعَـٰمࣰا فَهُمۡ لَهَا مَـٰلِكُونَ ﴿٧١﴾
"أَوَلَمْ يَرَوْا" يَعْلَمُوا وَالِاسْتِفْهَام لِلتَّقْرِيرِ وَالْوَاو الدَّاخِلَة عَلَيْهَا لِلْعَطْفِ "أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا" عَمِلْنَاهُ بِلَا شَرِيك وَلَا مُعِين "أَنْعَامًا" هِيَ الْإِبِل وَالْبَقَر وَالْغَنَم "فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ" ضَابِطُونَ
وَذَلَّلۡنَـٰهَا لَهُمۡ فَمِنۡهَا رَكُوبُهُمۡ وَمِنۡهَا یَأۡكُلُونَ ﴿٧٢﴾
"وَذَلَّلْنَاهَا" سَخَّرْنَاهَا "لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبهمْ" مَرْكُوبهمْ
وَلَهُمۡ فِیهَا مَنَـٰفِعُ وَمَشَارِبُۚ أَفَلَا یَشۡكُرُونَ ﴿٧٣﴾
"وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِع" كَأَصْوَافِهَا وَأَوْبَارهَا وَأَشْعَارهَا "وَمَشَارِب" مِنْ لَبَنهَا جَمْع مَشْرَب بِمَعْنَى شُرْب أَوْ مَوْضِعه "أَفَلَا يَشْكُرُونَ" الْمُنْعِم عَلَيْهِمْ بِهَا فَيُؤْمِنُونَ أَيْ مَا فَعَلُوا ذَلِكَ
وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةࣰ لَّعَلَّهُمۡ یُنصَرُونَ ﴿٧٤﴾
"وَاِتَّخَذُوا مِنْ دُون اللَّه" أَيْ غَيْره "آلِهَة" أَصْنَامًا يَعْبُدُونَهَا "لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ" يُمْنَعُونَ مِنْ عَذَاب اللَّه تَعَالَى بِشَفَاعَةِ آلِهَتهمْ بِزَعْمِهِمْ
لَا یَسۡتَطِیعُونَ نَصۡرَهُمۡ وَهُمۡ لَهُمۡ جُندࣱ مُّحۡضَرُونَ ﴿٧٥﴾
"لَا يَسْتَطِيعُونَ" أَيْ آلِهَتهمْ نَزَلُوا مَنْزِلَة الْعُقَلَاء "نَصْرهُمْ وَهُمْ" أَيْ آلِهَتهمْ مِنْ الْأَصْنَام "لَهُمْ جُنْد" بِزَعْمِهِمْ نَصْرهمْ "مُحْضَرُونَ" فِي النَّار مَعَهُمْ
فَلَا یَحۡزُنكَ قَوۡلُهُمۡۘ إِنَّا نَعۡلَمُ مَا یُسِرُّونَ وَمَا یُعۡلِنُونَ ﴿٧٦﴾
"فَلَا يَحْزُنك قَوْلهمْ" لَك : لَسْت مُرْسَلًا وَغَيْر ذَلِكَ "إنَّا نَعْلَم مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ" مِنْ ذَلِكَ وَغَيْره فَنُجَازِيهِمْ عَلَيْهِ
أَوَلَمۡ یَرَ ٱلۡإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقۡنَـٰهُ مِن نُّطۡفَةࣲ فَإِذَا هُوَ خَصِیمࣱ مُّبِینࣱ ﴿٧٧﴾
"أَوَ لَمْ يَرَ الْإِنْسَان" يَعْلَم وَهُوَ الْعَاصِي بْن وَائِل "أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَة" مَنِيّ إلَى أَنْ صَيَّرْنَاهُ شَدِيدًا قَوِيًّا "فَإِذَا هُوَ خَصِيم" شَدِيد الْخُصُومَة لَنَا "مُبِين" بَيَّنَهَا فِي نَفِي الْبَعْث
وَضَرَبَ لَنَا مَثَلࣰا وَنَسِیَ خَلۡقَهُۥۖ قَالَ مَن یُحۡیِ ٱلۡعِظَـٰمَ وَهِیَ رَمِیمࣱ ﴿٧٨﴾
"وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا" فِي ذَلِكَ "وَنَسِيَ خَلْقه" مِنْ الْمَنِيّ وَهُوَ أَغْرَب مِنْ مِثْله "قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَام وَهِيَ رَمِيم" أَيْ بَالِيَة وَلَمْ يَقُلْ رَمِيمَة بِالتَّاءِ لِأَنَّهُ اسْم لَا صِفَة وَرُوِيَ أَنَّهُ أَخَذَ عَظْمًا رَمِيمًا فَفَتَّتَهُ وَقَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَرَى يُحْيِي اللَّه هَذَا بَعْد مَا بَلِيَ وَرَمَّ ؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "نَعَمْ وَيُدْخِلك النَّار"
قُلۡ یُحۡیِیهَا ٱلَّذِیۤ أَنشَأَهَاۤ أَوَّلَ مَرَّةࣲۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلۡقٍ عَلِیمٌ ﴿٧٩﴾
"قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّل مَرَّة وَهُوَ بِكُلِّ خَلْق" مَخْلُوق "عَلِيم" مُجْمَلًا وَمُفَصَّلًا قَبْل خَلْقه وَبَعْد خَلْقه
ٱلَّذِی جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلۡأَخۡضَرِ نَارࣰا فَإِذَاۤ أَنتُم مِّنۡهُ تُوقِدُونَ ﴿٨٠﴾
"الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ" فِي جُمْلَة النَّاس "مِنْ الشَّجَر الْأَخْضَر" الْمَرْخ وَالْعَفَار أَوْ كُلّ شَجَر إلَّا الْعُنَّاب "نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ" تَقْدَحُونَ وَهَذَا دَالّ عَلَى الْقُدْرَة عَلَى الْبَعْث فَإِنَّهُ جَمَعَ فِيهِ بَيْن الْمَاء وَالنَّار وَالْخَشَب فَلَا الْمَاء يُطْفِئ النَّار وَلَا النَّار تُحْرِق الْخَشَب
أَوَلَیۡسَ ٱلَّذِی خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰۤ أَن یَخۡلُقَ مِثۡلَهُمۚ بَلَىٰ وَهُوَ ٱلۡخَلَّـٰقُ ٱلۡعَلِیمُ ﴿٨١﴾
"أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض" مَعَ عِظَمهمَا "بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُق مِثْلهمْ" أَيْ الْأَنَاسِيّ فِي الصِّغَر "بَلَى" أَيْ هُوَ قَادِر عَلَى ذَلِكَ أَجَابَ نَفْسه "وَهُوَ الْخَلَّاق" الْكَثِير الْخَلْق "الْعَلِيم" بِكُلِّ شَيْء
إِنَّمَاۤ أَمۡرُهُۥۤ إِذَاۤ أَرَادَ شَیۡـًٔا أَن یَقُولَ لَهُۥ كُن فَیَكُونُ ﴿٨٢﴾
"إنَّمَا أَمْره" شَأْنه "إذَا أَرَادَ شَيْئًا" أَيْ خَلْق شَيْء "أَنْ يَقُول لَهُ كُنْ فَيَكُون" أَيْ فَهُوَ يَكُون وَفِي قِرَاءَة بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى يَقُول
فَسُبۡحَـٰنَ ٱلَّذِی بِیَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَیۡءࣲ وَإِلَیۡهِ تُرۡجَعُونَ ﴿٨٣﴾
"فَسُبْحَان الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوت" مُلْك زِيدَتْ الْوَاو وَالتَّاء لِلْمُبَالَغَةِ أَيْ الْقُدْرَة عَلَى "كُلّ شَيْء وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" تُرَدُّونَ فِي الْآخِرَة