سورة مريم تفسير الجلالين
كۤهیعۤصۤ ﴿١﴾
"كهيعص" اللَّه أَعْلَم بِمُرَادِهِ بِذَلِكَ
ذِكۡرُ رَحۡمَتِ رَبِّكَ عَبۡدَهُۥ زَكَرِیَّاۤ ﴿٢﴾
"ذِكْر رَحْمَة رَبّك عَبْده" مَفْعُول رَحْمَة "زَكَرِيَّا" بَيَان لَهُ
إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥ نِدَاۤءً خَفِیࣰّا ﴿٣﴾
"إذْ" مُتَعَلِّق بِرَحْمَةِ "نَادَى رَبّه نِدَاء" مُشْتَمِلًا عَلَى دُعَاء "خَفِيًّا" سِرًّا جَوْف اللَّيْل لِأَنَّهُ أَسْرَع لِلْإِجَابَةِ
قَالَ رَبِّ إِنِّی وَهَنَ ٱلۡعَظۡمُ مِنِّی وَٱشۡتَعَلَ ٱلرَّأۡسُ شَیۡبࣰا وَلَمۡ أَكُنۢ بِدُعَاۤىِٕكَ رَبِّ شَقِیࣰّا ﴿٤﴾
"قَالَ رَبِّي إنِّي وَهَنَ" ضَعُفَ "الْعَظْم" جَمِيعه "مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْس" مِنِّي "شَيْبًا" تَمْيِيز مُحَوَّل عَنْ الْفَاعِل أَيْ : انْتَشَرَ الشَّيْب فِي شَعَره كَمَا يَنْتَشِر شُعَاع النَّار فِي الْحَطَب وَإِنِّي أُرِيد أَنْ أَدْعُوَك "وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِك" أَيْ : بِدُعَائِي إيَّاكَ "رَبّ شَقِيًّا" أَيْ : خَابِئًا فِيمَا مَضَى فَلَا تُخَيِّبنِي فِيمَا يَأْتِي
وَإِنِّی خِفۡتُ ٱلۡمَوَ ٰلِیَ مِن وَرَاۤءِی وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِی عَاقِرࣰا فَهَبۡ لِی مِن لَّدُنكَ وَلِیࣰّا ﴿٥﴾
"وَإِنِّي خِفْت الْمَوَالِيَ" أَيْ الَّذِينَ يَلُونِي فِي النَّسَب كَبَنِي الْعَمّ "مِنْ وَرَائِي" أَيْ بَعْد مَوْتِي عَلَى الدِّين أَنْ يُضَيِّعُوهُ كَمَا شَاهَدْته فِي بَنِي إسْرَائِيل مِنْ تَبْدِيل الدِّين "وَكَانَتْ امْرَأَتِي عَاقِرًا" لَا تَلِد "فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْك" مِنْ عِنْدك "وَلِيًّا" ابْنًا
یَرِثُنِی وَیَرِثُ مِنۡ ءَالِ یَعۡقُوبَۖ وَٱجۡعَلۡهُ رَبِّ رَضِیࣰّا ﴿٦﴾
"يَرِثنِي" بِالْجَزْمِ جَوَاب الْأَمْر وَبِالرَّفْعِ صِفَة وَلِيًّا "وَيَرِث" بِالْوَجْهَيْنِ "مِنْ آل يَعْقُوب" جَدِّي الْعِلْم وَالنُّبُوَّة "وَاجْعَلْهُ رَبّ رَضِيًّا" أَيْ : مَرْضِيًّا عِنْدك قَالَ تَعَالَى فِي إجَابَة طَلَبه الِابْن الْحَاصِل بِهِ رَحْمَته
یَـٰزَكَرِیَّاۤ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَـٰمٍ ٱسۡمُهُۥ یَحۡیَىٰ لَمۡ نَجۡعَل لَّهُۥ مِن قَبۡلُ سَمِیࣰّا ﴿٧﴾
"يَا زَكَرِيَّا إنَّا نُبَشِّرك بِغُلَامٍ" يَرِث كَمَا سَأَلْت "اسْمه يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَهُ مِنْ قَبْل سَمِيًّا" أَيْ : مُسَمًّى بِيَحْيَى
قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ یَكُونُ لِی غُلَـٰمࣱ وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِی عَاقِرࣰا وَقَدۡ بَلَغۡتُ مِنَ ٱلۡكِبَرِ عِتِیࣰّا ﴿٨﴾
"قَالَ رَبِّي أَنَّى" كَيْفَ "يَكُون لِي غُلَام وَكَانَتْ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْت مِنْ الْكِبَر عِتِيًّا" مِنْ عَتَا : يَبِسَ أَيْ نِهَايَة السِّنّ مِائَة وَعِشْرِينَ سَنَة وَبَلَغَتْ امْرَأَته ثَمَانِيَة وَتِسْعِينَ سَنَة وَأَصْل عِتِيّ : عِتِوّ وَكُسِرَتْ التَّاء تَخْفِيفًا وَقُلِبَتْ الْوَاو الْأُولَى يَاء لِمُنَاسَبَةِ الْكَسْرَة وَالثَّانِيَة يَاء لِتُدْغَم فِيهَا الْيَاء
قَالَ كَذَ ٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَیَّ هَیِّنࣱ وَقَدۡ خَلَقۡتُكَ مِن قَبۡلُ وَلَمۡ تَكُ شَیۡـࣰٔا ﴿٩﴾
"قَالَ" الْأَمْر "كَذَلِكَ" مِنْ خَلْق غُلَامٍ مِنْكُمَا "قَالَ رَبّك هُوَ عَلَيَّ هَيِّن" أَيْ : بِأَنْ أَرَادَ عَلَيْك قُوَّة الْجِمَاع وَأَفْتَقَ رَحِم امْرَأَتك لِلْعُلُوقِ "وَقَدْ خَلَقْتُك مِنْ قَبْل وَلَمْ تَكُ شَيْئًا" قَبْل خَلْقك وَلِإِظْهَارِ اللَّه هَذِهِ الْقُدْرَة الْعَظِيمَة أَلْهَمَهُ السُّؤَال لِيُجَابَ بِمَا يَدُلّ عَلَيْهَا وَلَمَّا تَاقَتْ نَفْسه إلَى سُرْعَة الْمُبَشَّر بِهِ
قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّیۤ ءَایَةࣰۖ قَالَ ءَایَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَـٰثَ لَیَالࣲ سَوِیࣰّا ﴿١٠﴾
"قَالَ رَبّ اجْعَلْ لِي آيَة" أَيْ عَلَامَة عَلَى حَمْل امْرَأَتِي "قَالَ آيَتك" عَلَيْهِ "أَلَّا تُكَلِّم النَّاس" أَيْ تَمْتَنِع مِنْ كَلَامهمْ بِخِلَافِ ذِكْر اللَّه "ثَلَاث لَيَالٍ" أَيْ بِأَيَّامِهَا كَمَا فِي آل عِمْرَان ثَلَاثَة أَيَّام "سَوِيًّا" حَال مِنْ فَاعِل تُكَلِّم أَيْ بِلَا عِلَّة
فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ مِنَ ٱلۡمِحۡرَابِ فَأَوۡحَىٰۤ إِلَیۡهِمۡ أَن سَبِّحُواْ بُكۡرَةࣰ وَعَشِیࣰّا ﴿١١﴾
"فَخَرَجَ عَلَى قَوْمه مِنْ الْمِحْرَاب" أَيْ الْمَسْجِد وَكَانُوا يَنْتَظِرُونَ فَتْحه لِيُصَلُّوا فِيهِ بِأَمْرِهِ عَلَى الْعَادَة "فَأَوْحَى" أَشَارَ "إلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا" صَلُّوا "بُكْرَة وَعَشِيًّا" أَوَائِل النَّهَار وَأَوَاخِره عَلَى الْعَادَة فَعَلِمَ بِمَنْعِهِ مِنْ كَلَامهمْ حَمْلهَا بِيَحْيَى وَبَعْد وِلَادَته بِسَنَتَيْنِ قَالَ اللَّه تَعَالَى لَهُ :
یَـٰیَحۡیَىٰ خُذِ ٱلۡكِتَـٰبَ بِقُوَّةࣲۖ وَءَاتَیۡنَـٰهُ ٱلۡحُكۡمَ صَبِیࣰّا ﴿١٢﴾
"يَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَاب" أَيْ : التَّوْرَاة "بِقُوَّةٍ" بِجِدٍّ "وَآتَيْنَاهُ الْحُكْم" النُّبُوَّة "صَبِيًّا" ابْن ثَلَاث سِنِينَ
وَحَنَانࣰا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَوٰةࣰۖ وَكَانَ تَقِیࣰّا ﴿١٣﴾
"وَحَنَانًا" رَحْمَة لِلنَّاسِ "مِنْ لَدُنَّا" مِنْ عِنْدنَا "وَزَكَاة" صَدَقَة عَلَيْهِمْ "وَكَانَ تَقِيًّا" رُوِيَ أَنَّهُ لَمْ يَعْمَل خَطِيئَة وَلَمْ يَهُمّ بِهَا
وَبَرَّۢا بِوَ ٰلِدَیۡهِ وَلَمۡ یَكُن جَبَّارًا عَصِیࣰّا ﴿١٤﴾
"وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ" أَيْ : مُحْسِنًا إلَيْهِمَا "وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا" مُتَكَبِّرًا "عَصِيًّا" عَاصِيًا لِرَبِّهِ
وَسَلَـٰمٌ عَلَیۡهِ یَوۡمَ وُلِدَ وَیَوۡمَ یَمُوتُ وَیَوۡمَ یُبۡعَثُ حَیࣰّا ﴿١٥﴾
"وَسَلَام" مِنَّا "عَلَيْهِ يَوْم وُلِدَ وَيَوْم يَمُوت وَيَوْم يُبْعَث حَيًّا" أَيْ : فِي هَذِهِ الْأَيَّام الْمَخُوفَة الَّتِي يَرَى مَا لَمْ يَرَهُ قَبْلَهَا فَهُوَ آمِن فِيهَا
وَٱذۡكُرۡ فِی ٱلۡكِتَـٰبِ مَرۡیَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتۡ مِنۡ أَهۡلِهَا مَكَانࣰا شَرۡقِیࣰّا ﴿١٦﴾
"وَاذْكُرْ فِي الْكِتَاب" الْقُرْآن "مَرْيَم" أَيْ : خَبَرهَا "إذْ" حِين "انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا" أَيْ : اعْتَزَلَتْ فِي مَكَان نَحْو الشَّرْق مِنْ الدَّار
فَٱتَّخَذَتۡ مِن دُونِهِمۡ حِجَابࣰا فَأَرۡسَلۡنَاۤ إِلَیۡهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرࣰا سَوِیࣰّا ﴿١٧﴾
"فَاِتَّخَذَتْ مِنْ دُونهمْ حِجَابًا" أَرْسَلَتْ سِتْرًا تَسْتَتِر بِهِ لِتُفَلِّي رَأْسهَا أَوْ ثِيَابهَا أَوْ تَغْتَسِل مِنْ حَيْضهَا "فَأَرْسَلْنَا إلَيْهَا رُوحنَا" جِبْرِيل "فَتَمَثَّلَ لَهَا" بَعْد لُبْسهَا ثِيَابهَا "بَشَرًا سَوِيًّا" تَامّ الْخَلْق
قَالَتۡ إِنِّیۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحۡمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِیࣰّا ﴿١٨﴾
"قَالَتْ إنِّي أَعُوذ بِالرَّحْمَنِ مِنْك إنْ كُنْت تَقِيًّا" فَتَنْتَهِي عَنِّي بِتَعَوُّذِي
قَالَ إِنَّمَاۤ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَـٰمࣰا زَكِیࣰّا ﴿١٩﴾
"قَالَ إنَّمَا أَنَا رَسُول رَبّك لِأَهَب لَك غُلَامًا زَكِيًّا" بِالنُّبُوَّةِ
قَالَتۡ أَنَّىٰ یَكُونُ لِی غُلَـٰمࣱ وَلَمۡ یَمۡسَسۡنِی بَشَرࣱ وَلَمۡ أَكُ بَغِیࣰّا ﴿٢٠﴾
"قَالَتْ أَنَّى يَكُون لِي غُلَام وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَر" بِتَزَوُّجٍ "وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا" زَانِيَة
قَالَ كَذَ ٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَیَّ هَیِّنࣱۖ وَلِنَجۡعَلَهُۥۤ ءَایَةࣰ لِّلنَّاسِ وَرَحۡمَةࣰ مِّنَّاۚ وَكَانَ أَمۡرࣰا مَّقۡضِیࣰّا ﴿٢١﴾
"قَالَ" الْأَمْر "كَذَلِكَ" مِنْ خَلْق غُلَام مِنْك مِنْ غَيْر أَب "قَالَ رَبّك هُوَ عَلَيَّ هَيِّن" أَيْ : بِأَنْ يَنْفُخ بِأَمْرِي جِبْرِيل فِيك فَتَحْمِلِي بِهِ وَلِكَوْنِ مَا ذُكِرَ فِي مَعْنَى الْعِلَّة عَطَفَ عَلَيْهِ "وَلِنَجْعَلهُ آيَة لِلنَّاسِ" عَلَى قُدْرَتنَا "وَرَحْمَة مِنَّا" لِمَنْ آمَنَ بِهِ "وَكَانَ" خَلْقه "أَمْرًا مَقْضِيًّا" بِهِ فِي عِلْمِي فَنَفَخَ جِبْرِيل فِي جَيْب دِرْعهَا فَأَحَسَّتْ بِالْحَمْلِ فِي بَطْنهَا مُصَوَّرًا
۞ فَحَمَلَتۡهُ فَٱنتَبَذَتۡ بِهِۦ مَكَانࣰا قَصِیࣰّا ﴿٢٢﴾
"فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ" تَنَحَّتْ "بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا" بَعِيدًا مِنْ أَهْلهَا
فَأَجَاۤءَهَا ٱلۡمَخَاضُ إِلَىٰ جِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ قَالَتۡ یَـٰلَیۡتَنِی مِتُّ قَبۡلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسۡیࣰا مَّنسِیࣰّا ﴿٢٣﴾
"فَأَجَاءَهَا" جَاءَ بِهَا "الْمَخَاض" وَجَع الْوِلَادَة "إلَى جِذْع النَّخْلَة" لِتَعْتَمِد عَلَيْهِ فَوَلَدَتْ وَالْحَمْل وَالتَّصْوِير وَالْوِلَادَة فِي سَاعَة "قَالَتْ يَا" لِلتَّنْبِيهِ " لَيْتَنِي مِتُّ قَبْل هَذَا" الْأَمْر "وَكُنْت نَسْيًا مَنْسِيًّا" شَيْئًا مَتْرُوكًا لَا يُعْرَف وَلَا يُذْكَر
فَنَادَىٰهَا مِن تَحۡتِهَاۤ أَلَّا تَحۡزَنِی قَدۡ جَعَلَ رَبُّكِ تَحۡتَكِ سَرِیࣰّا ﴿٢٤﴾
"فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتهَا" أَيْ : جِبْرِيل وَكَانَ أَسْفَل مِنْهَا "أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبّك تَحْتك سَرِيًّا" نَهْر مَاء كَانَ قَدْ انْقَطَعَ
وَهُزِّیۤ إِلَیۡكِ بِجِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ تُسَـٰقِطۡ عَلَیۡكِ رُطَبࣰا جَنِیࣰّا ﴿٢٥﴾
"وَهُزِّي إلَيْك بِجِذْعِ النَّخْلَة" كَانَتْ يَابِسَة وَالْبَاء زَائِدَة "تُسَاقِط" أَصْله بِتَاءَيْنِ قُلِبَتْ الثَّانِيَة سِينًا وَأُدْغِمَتْ فِي السِّين وَفِي قِرَاءَة بِتَرْكِهَا "عَلَيْك رُطَبًا" تَمْيِيز "جَنِيًّا" صِفَته
فَكُلِی وَٱشۡرَبِی وَقَرِّی عَیۡنࣰاۖ فَإِمَّا تَرَیِنَّ مِنَ ٱلۡبَشَرِ أَحَدࣰا فَقُولِیۤ إِنِّی نَذَرۡتُ لِلرَّحۡمَـٰنِ صَوۡمࣰا فَلَنۡ أُكَلِّمَ ٱلۡیَوۡمَ إِنسِیࣰّا ﴿٢٦﴾
"فَكُلِي" مِنْ الرُّطَب "وَاشْرَبِي" مِنْ السَّرِيّ "وَقَرِّي عَيْنًا" بِالْوَلَدِ تَمْيِيز مُحَوَّل مِنْ الْفَاعِل أَيْ : لِتَقَرّ عَيْنك بِهِ أَيْ : تَسْكُن فَلَا تَطْمَح إلَى غَيْره "فَإِمَّا" فِيهِ إدْغَام نُون إنْ الشَّرْطِيَّة فِي مَا الزَّائِدَة " تَرَيِنَّ" حُذِفَتْ مِنْهُ لَام الْفِعْل وَعَيْنه وَأُلْقِيَتْ حَرَكَتهَا عَلَى الرَّاء وَكُسِرَتْ يَاء الضَّمِير لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ "مِنْ الْبَشَر أَحَدًا" فَيَسْأَلك عَنْ وَلَدك "فَقُولِي إنِّي نَذَرْت لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا" أَيْ إمْسَاكًا عَنْ الْكَلَام فِي شَأْنه وَغَيْره مِنْ الْأَنَاسِيّ بِدَلِيلِ "فَلَنْ أُكَلِّم الْيَوْم إنْسِيًّا" أَيْ : بَعْد ذَلِكَ
فَأَتَتۡ بِهِۦ قَوۡمَهَا تَحۡمِلُهُۥۖ قَالُواْ یَـٰمَرۡیَمُ لَقَدۡ جِئۡتِ شَیۡـࣰٔا فَرِیࣰّا ﴿٢٧﴾
"فَأَتَتْ بِهِ قَوْمهَا تَحْمِلهُ" حَال فَرَأَوْهُ "قَالُوا يَا مَرْيَم لَقَدْ جِئْت شَيْئًا فَرِيًّا" عَظِيمًا حَيْثُ أَتَيْت بِوَلَدٍ مِنْ غَيْر أَب
یَـٰۤأُخۡتَ هَـٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمۡرَأَ سَوۡءࣲ وَمَا كَانَتۡ أُمُّكِ بَغِیࣰّا ﴿٢٨﴾
"يَا أُخْت هَارُون" هُوَ رَجُل صَالِح أَيْ : يَا شَبِيهَته فِي الْعِفَّة "مَا كَانَ أَبُوك امْرَأَ سَوْء" أَيْ : زَانِيًا "وَمَا كَانَتْ أُمّك بَغِيًّا" أَيْ : زَانِيَة فَمِنْ أَيْنَ لَك هَذَا الْوَلَد
فَأَشَارَتۡ إِلَیۡهِۖ قَالُواْ كَیۡفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِی ٱلۡمَهۡدِ صَبِیࣰّا ﴿٢٩﴾
"فَأَشَارَتْ" لَهُمْ "إلَيْهِ" أَنْ كَلِّمُوهُ "قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّم مَنْ كَانَ" أَيْ وُجِدَ
قَالَ إِنِّی عَبۡدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِیَ ٱلۡكِتَـٰبَ وَجَعَلَنِی نَبِیࣰّا ﴿٣٠﴾
"قَالَ إنِّي عَبْد اللَّه آتَانِي الْكِتَاب" أَيْ : الْإِنْجِيل
وَجَعَلَنِی مُبَارَكًا أَیۡنَ مَا كُنتُ وَأَوۡصَـٰنِی بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمۡتُ حَیࣰّا ﴿٣١﴾
"وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْت" أَيْ : نَفَّاعًا لِلنَّاسِ إخْبَار بِمَا كُتِبَ لَهُ "وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة" أَمَرَنِي بِهِمَا
وَبَرَّۢا بِوَ ٰلِدَتِی وَلَمۡ یَجۡعَلۡنِی جَبَّارࣰا شَقِیࣰّا ﴿٣٢﴾
"وَبَرًّا بِوَالِدَتِي" مَنْصُوب بِجَعَلَنِي مُقَدَّر "وَلَمْ يَجْعَلنِي جَبَّارًا" مُتَعَاظِمًا "شَقِيًّا" عَاصِيًا لِرَبِّهِ
وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَیَّ یَوۡمَ وُلِدتُّ وَیَوۡمَ أَمُوتُ وَیَوۡمَ أُبۡعَثُ حَیࣰّا ﴿٣٣﴾
"وَالسَّلَام" مِنْ اللَّه "عَلَيَّ يَوْم وُلِدْت وَيَوْم أَمُوت وَيَوْم أُبْعَث حَيًّا" يُقَال فِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي السَّيِّد يَحْيَى
ذَ ٰلِكَ عِیسَى ٱبۡنُ مَرۡیَمَۖ قَوۡلَ ٱلۡحَقِّ ٱلَّذِی فِیهِ یَمۡتَرُونَ ﴿٣٤﴾
"ذَلِكَ عِيسَى ابْن مَرْيَم قَوْل الْحَقّ" بِالرَّفْعِ خَبَر مُبْتَدَأ مُقَدَّر أَيْ : قَوْل ابْن مَرْيَم وَبِالنَّصْبِ بِتَقْدِيرِ قُلْت وَالْمَعْنَى الْقَوْل الْحَقّ "الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ" مِنْ الْمِرْيَة أَيْ : يَشُكُّونَ وَهُمْ النَّصَارَى : قَالُوا إنَّ عِيسَى ابْن اللَّه كَذَبُوا
مَا كَانَ لِلَّهِ أَن یَتَّخِذَ مِن وَلَدࣲۖ سُبۡحَـٰنَهُۥۤۚ إِذَا قَضَىٰۤ أَمۡرࣰا فَإِنَّمَا یَقُولُ لَهُۥ كُن فَیَكُونُ ﴿٣٥﴾
"مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذ مِنْ وَلَد سُبْحَانه" تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ "إذَا قَضَى أَمْرًا" أَيْ : أَرَادَ أَنْ يُحْدِثهُ "فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كُنْ فَيَكُون" بِالرَّفْعِ بِتَقْدِيرِ هُوَ وَبِالنَّصْبِ بِتَقْدِيرِ أَنْ وَمِنْ ذَلِكَ خَلْق عِيسَى مِنْ غَيْر أَب
وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّی وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَـٰذَا صِرَ ٰطࣱ مُّسۡتَقِیمࣱ ﴿٣٦﴾
"وَإِنَّ اللَّه رَبِّي وَرَبّكُمْ فَاعْبُدُوهُ" بِفَتْحِ أَنَّ بِتَقْدِيرِ اُذْكُرْ وَبِكَسْرِهَا بِتَقْدِيرِ قُلْ بِدَلِيلِ "مَا قُلْت لَهُمْ إلَّا مَا أَمَرْتنِي بِهِ أَنْ اُعْبُدُوا اللَّه رَبِّي وَرَبّكُمْ" "هَذَا" الْمَذْكُور "صِرَاط" طَرِيق "مُسْتَقِيم" مُؤَدٍّ إلَى الْجَنَّة
فَٱخۡتَلَفَ ٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَیۡنِهِمۡۖ فَوَیۡلࣱ لِّلَّذِینَ كَفَرُواْ مِن مَّشۡهَدِ یَوۡمٍ عَظِیمٍ ﴿٣٧﴾
"فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَاب مِنْ بَيْنهمْ" أَيْ النَّصَارَى فِي عِيسَى أَهُوَ ابْن اللَّه أَوْ إلَه مَعَهُ أَوْ ثَالِث ثَلَاثَة "فَوَيْل" فَشِدَّة عَذَاب "لِلَّذِينَ كَفَرُوا" بِمَا ذُكِرَ وَغَيْره "مِنْ مَشْهَد يَوْم عَظِيم" أَيْ : حُضُور يَوْم الْقِيَامَة وَأَهْوَاله
أَسۡمِعۡ بِهِمۡ وَأَبۡصِرۡ یَوۡمَ یَأۡتُونَنَاۖ لَـٰكِنِ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٱلۡیَوۡمَ فِی ضَلَـٰلࣲ مُّبِینࣲ ﴿٣٨﴾
"أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ" بِهِمْ صِيغَتَا تَعَجُّب بِمَعْنَى مَا أَسْمَعهمْ وَمَا أَبْصَرهمْ "يَوْم يَأْتُونَنَا" فِي الْآخِرَة "لَكِنْ الظَّالِمُونَ" مِنْ إقَامَة الظَّاهِر مَقَام الْمُضْمَر "الْيَوْم" أَيْ : فِي الدُّنْيَا "فِي ضَلَال مُبِين" أَيْ بَيِّن بِهِ صُمُّوا عَنْ سَمَاع الْحَقّ وَعَمُوا عَنْ إبْصَاره أَيْ : اعْجَبْ مِنْهُمْ يَا مُخَاطَب فِي سَمْعهمْ وَإِبْصَارهمْ فِي الْآخِرَة بَعْد أَنْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا صُمًّا عُمْيًا
وَأَنذِرۡهُمۡ یَوۡمَ ٱلۡحَسۡرَةِ إِذۡ قُضِیَ ٱلۡأَمۡرُ وَهُمۡ فِی غَفۡلَةࣲ وَهُمۡ لَا یُؤۡمِنُونَ ﴿٣٩﴾
"وَأَنْذِرْهُمْ" خَوِّفْ يَا مُحَمَّد كُفَّار مَكَّة "يَوْم الْحَسْرَة" هُوَ يَوْم الْقِيَامَة يَتَحَسَّر فِيهِ الْمُسِيء عَلَى تَرْك الْإِحْسَان فِي الدُّنْيَا "إذْ قُضِيَ الْأَمْر" لَهُمْ فِيهِ بِالْعَذَابِ "وَهُمْ" فِي الدُّنْيَا "فِي غَفْلَة" عَنْهُ "وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ" بِهِ
إِنَّا نَحۡنُ نَرِثُ ٱلۡأَرۡضَ وَمَنۡ عَلَیۡهَا وَإِلَیۡنَا یُرۡجَعُونَ ﴿٤٠﴾
"إنَّا نَحْنُ" تَأْكِيد "نَرِث الْأَرْض وَمَنْ عَلَيْهَا" مِنْ الْعُقَلَاء وَغَيْرهمْ بِإِهْلَاكِهِمْ "وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ" فِيهِ لِلْجَزَاءِ
وَٱذۡكُرۡ فِی ٱلۡكِتَـٰبِ إِبۡرَ ٰهِیمَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّیقࣰا نَّبِیًّا ﴿٤١﴾
"وَاذْكُرْ" لَهُمْ "فِي الْكِتَاب إبْرَاهِيم" أَيْ : خَبَره "إنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا" مُبَالِغًا فِي الصِّدْق "نَبِيًّا" وَيُبْدَل مِنْ خَبَره
إِذۡ قَالَ لِأَبِیهِ یَـٰۤأَبَتِ لِمَ تَعۡبُدُ مَا لَا یَسۡمَعُ وَلَا یُبۡصِرُ وَلَا یُغۡنِی عَنكَ شَیۡـࣰٔا ﴿٤٢﴾
"إذْ قَالَ لِأَبِيهِ" آزَر "يَا أَبَتِ" التَّاء عِوَض عَنْ يَاء الْإِضَافَة وَلَا يُجْمَع بَيْنهمَا وَكَانَ يُعْبَد الْأَصْنَام "لِمَ تَعْبُد مَا لَا يَسْمَع وَلَا يُبْصِر وَلَا يُغْنِي عَنْك" لَا يَكْفِيك "شَيْئًا" مِنْ نَفْع أَوْ ضُرّ
یَـٰۤأَبَتِ إِنِّی قَدۡ جَاۤءَنِی مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَمۡ یَأۡتِكَ فَٱتَّبِعۡنِیۤ أَهۡدِكَ صِرَ ٰطࣰا سَوِیࣰّا ﴿٤٣﴾
"يَا أَبَتِ إنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْم مَا لَمْ يَأْتِك فَاتَّبِعْنِي أَهْدِك صِرَاطًا" طَرِيقًا "سَوِيًّا" مُسْتَقِيمًا
یَـٰۤأَبَتِ لَا تَعۡبُدِ ٱلشَّیۡطَـٰنَۖ إِنَّ ٱلشَّیۡطَـٰنَ كَانَ لِلرَّحۡمَـٰنِ عَصِیࣰّا ﴿٤٤﴾
"يَا أَبَتِ لَا تَعْبُد الشَّيْطَان" بِطَاعَتِك إيَّاهُ فِي عِبَادَة الْأَصْنَام "إنَّ الشَّيْطَان كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا" كَثِير الْعِصْيَان
یَـٰۤأَبَتِ إِنِّیۤ أَخَافُ أَن یَمَسَّكَ عَذَابࣱ مِّنَ ٱلرَّحۡمَـٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّیۡطَـٰنِ وَلِیࣰّا ﴿٤٥﴾
"يَا أَبَتِ إنِّي أَخَاف أَنْ يَمَسّك عَذَاب مِنْ الرَّحْمَن" إنْ لَمْ تَتُبْ "فَتَكُون لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا" نَاصِرًا وَقَرِينًا فِي النَّار
قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنۡ ءَالِهَتِی یَـٰۤإِبۡرَ ٰهِیمُۖ لَىِٕن لَّمۡ تَنتَهِ لَأَرۡجُمَنَّكَۖ وَٱهۡجُرۡنِی مَلِیࣰّا ﴿٤٦﴾
"قَالَ أَرَاغِب أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إبْرَاهِيم" فَتَعِيبهَا "لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ" عَنْ التَّعَرُّض لَهَا "لَأَرْجُمَنك" بِالْحِجَارَةِ أَوْ بِالْكَلَامِ الْقَبِيح فَاحْذَرْنِي "وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا" دَهْرًا طَوِيلًا
قَالَ سَلَـٰمٌ عَلَیۡكَۖ سَأَسۡتَغۡفِرُ لَكَ رَبِّیۤۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِی حَفِیࣰّا ﴿٤٧﴾
"قَالَ سَلَام عَلَيْك" مِنِّي أَيْ لَا أُصِيبك بِمَكْرُوهٍ "سَأَسْتَغْفِرُ لَك رَبِّي إنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا" مِنْ حَفِيَ أَيْ بَارًّا فَيُجِيب دُعَائِي وَقَدْ أَوْفَى بِوَعْدِهِ الْمَذْكُور فِي الشُّعَرَاء "وَاغْفِرْ لِأَبِي" وَهَذَا قَبْل أَنْ يَتَبَيَّن لَهُ أَنَّهُ عَدُوّ اللَّه كَمَا ذَكَرَهُ فِي بَرَاءَة
وَأَعۡتَزِلُكُمۡ وَمَا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدۡعُواْ رَبِّی عَسَىٰۤ أَلَّاۤ أَكُونَ بِدُعَاۤءِ رَبِّی شَقِیࣰّا ﴿٤٨﴾
"وَأَعْتَزِلكُمْ وَمَا تَدْعُونَ" تَعْبُدُونَ "مِنْ دُون اللَّه وَأَدْعُو" أَعْبُد "رَبِّي عَسَى أَلَّا" أَنْ لَا "أَكُون بِدُعَاءِ رَبِّي" بِعِبَادَتِهِ "شَقِيًّا" كَمَا شَقِيتُمْ بِعِبَادَةِ الْأَصْنَام
فَلَمَّا ٱعۡتَزَلَهُمۡ وَمَا یَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبۡنَا لَهُۥۤ إِسۡحَـٰقَ وَیَعۡقُوبَۖ وَكُلࣰّا جَعَلۡنَا نَبِیࣰّا ﴿٤٩﴾
"فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللَّه" بِأَنْ ذَهَبَ إلَى الْأَرْض الْمُقَدَّسَة "وَهَبْنَا لَهُ" ابْنَيْنِ يَأْنَس بِهِمَا "إسْحَاق وَيَعْقُوب وَكُلًّا" مِنْهُمَا
وَوَهَبۡنَا لَهُم مِّن رَّحۡمَتِنَا وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ لِسَانَ صِدۡقٍ عَلِیࣰّا ﴿٥٠﴾
"وَوَهَبْنَا لَهُمْ" لِلثَّلَاثَةِ "مِنْ رَحْمَتنَا" الْمَال وَالْوَلَد "وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَان صِدْق عَلِيًّا" رَفِيعًا هُوَ الثَّنَاء الْحَسَن فِي جَمِيع أَهْل الْأَدْيَان
وَٱذۡكُرۡ فِی ٱلۡكِتَـٰبِ مُوسَىٰۤۚ إِنَّهُۥ كَانَ مُخۡلَصࣰا وَكَانَ رَسُولࣰا نَّبِیࣰّا ﴿٥١﴾
"وَاذْكُرْ فِي الْكِتَاب مُوسَى إنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا" بِكَسْرِ اللَّام وَفَتْحهَا مِنْ أَخْلَصَ فِي عِبَادَته وَخَلَّصَهُ اللَّه مِنْ الدَّنَس
وَنَـٰدَیۡنَـٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلۡأَیۡمَنِ وَقَرَّبۡنَـٰهُ نَجِیࣰّا ﴿٥٢﴾
"وَنَادَيْنَاهُ" بِقَوْلِ "يَا مُوسَى إنِّي أَنَا اللَّه" "مِنْ جَانِب الطُّور" اسْم جَبَل "الْأَيْمَن" أَيْ الَّذِي يَلِي يَمِين مُوسَى حِين أَقْبَلَ مِنْ مَدْيَنَ "وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا" مُنَاجِيًا بِأَنْ أَسْمَعَهُ اللَّه تَعَالَى كَلَامه
وَوَهَبۡنَا لَهُۥ مِن رَّحۡمَتِنَاۤ أَخَاهُ هَـٰرُونَ نَبِیࣰّا ﴿٥٣﴾
"وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتنَا" نِعْمَتنَا "أَخَاهُ هَارُون" بَدَل أَوْ عَطْف بَيَان "نَبِيًّا" حَال هِيَ الْمَقْصُودَة بِالْهِبَةِ إجَابَة لِسُؤَالِهِ أَنْ يُرْسِل أَخَاهُ مَعَهُ وَكَانَ أَسَنّ مِنْهُ
وَٱذۡكُرۡ فِی ٱلۡكِتَـٰبِ إِسۡمَـٰعِیلَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلۡوَعۡدِ وَكَانَ رَسُولࣰا نَّبِیࣰّا ﴿٥٤﴾
"وَاذْكُرْ فِي الْكِتَاب إسْمَاعِيل إنَّهُ كَانَ صَادِق الْوَعْد" لَمْ يَعِد شَيْئًا إلَّا وَفَّى بِهِ وَانْتَظَرَ مَنْ وَعَدَهُ ثَلَاثَة أَيَّام أَوْ حَوْلًا حَتَّى رَجَعَ إلَيْهِ فِي مَكَانه "وَكَانَ رَسُولًا" إلَى جُرْهُم
وَكَانَ یَأۡمُرُ أَهۡلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرۡضِیࣰّا ﴿٥٥﴾
"وَكَانَ يَأْمُر أَهْله" أَيْ قَوْمه "بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة وَكَانَ عِنْد رَبّه مَرْضِيًّا" أَصْله مَرْضُوّ وَقُلِبَتْ الْوَاوَانِ يَاءَيْنِ وَالضَّمَّة كَسْرَة .
وَٱذۡكُرۡ فِی ٱلۡكِتَـٰبِ إِدۡرِیسَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّیقࣰا نَّبِیࣰّا ﴿٥٦﴾
"وَاذْكُرْ فِي الْكِتَاب إدْرِيس" هُوَ جَدّ أَبِي نُوح
وَرَفَعۡنَـٰهُ مَكَانًا عَلِیًّا ﴿٥٧﴾
"وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا" هُوَ حَيّ فِي السَّمَاء الرَّابِعَة أَوْ السَّادِسَة أَوْ السَّابِعَة أَوْ فِي الْجَنَّة أُدْخِلَهَا بَعْد أَنْ أُذِيقَ الْمَوْت وَأُحْيِيَ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا
أُوْلَـٰۤىِٕكَ ٱلَّذِینَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَیۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِیِّـۧنَ مِن ذُرِّیَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحࣲ وَمِن ذُرِّیَّةِ إِبۡرَ ٰهِیمَ وَإِسۡرَ ٰۤءِیلَ وَمِمَّنۡ هَدَیۡنَا وَٱجۡتَبَیۡنَاۤۚ إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَیۡهِمۡ ءَایَـٰتُ ٱلرَّحۡمَـٰنِ خَرُّواْ سُجَّدࣰا وَبُكِیࣰّا ۩ ﴿٥٨﴾
"أُولَئِكَ" مُبْتَدَأ "الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِمْ" صِفَة لَهُ "مِنْ النَّبِيِّينَ" بَيَان لَهُ وَهُوَ فِي مَعْنَى الصِّفَة وَمَا بَعْده إلَى جُمْلَة الشَّرْط صِفَة لِلنَّبِيِّينَ فَقَوْله "مِنْ ذُرِّيَّة آدَم" أَيْ إدْرِيس "وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوح" فِي السَّفِينَة أَيْ إبْرَاهِيم ابْن ابْنه سَام "وَمِنْ ذُرِّيَّة إبْرَاهِيم" أَيْ إسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب "و" مِنْ ذُرِّيَّة "إسْرَائِيل" هُوَ يَعْقُوب أَيْ مُوسَى وَهَارُون وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى "وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا" أَيْ مِنْ جُمْلَتهمْ وَخَيْر أُولَئِكَ "إذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَات الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا" جَمْع سَاجِد وَبَاكٍ أَيْ فَكُونُوا مِثْلهمْ وَأَصْل بَكِيّ بُكُوي قُلِبَتْ الْوَاو يَاء وَالضَّمَّة كَسْرَة
۞ فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَ ٰتِۖ فَسَوۡفَ یَلۡقَوۡنَ غَیًّا ﴿٥٩﴾
"فَخَلَفَ مِنْ بَعْدهمْ خَلْف أَضَاعُوا الصَّلَاة" بِتَرْكِهَا كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى "وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَات" مِنْ الْمَعَاصِي "فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا" هُوَ وَادٍ فِي جَهَنَّم أَيْ يَقَعُونَ فِيهِ
إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحࣰا فَأُوْلَـٰۤىِٕكَ یَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا یُظۡلَمُونَ شَیۡـࣰٔا ﴿٦٠﴾
"إلَّا" لَكِنْ "مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّة وَلَا يُظْلَمُونَ" يَنْقُصُونَ "شَيْئًا" مِنْ ثَوَابهمْ
جَنَّـٰتِ عَدۡنٍ ٱلَّتِی وَعَدَ ٱلرَّحۡمَـٰنُ عِبَادَهُۥ بِٱلۡغَیۡبِۚ إِنَّهُۥ كَانَ وَعۡدُهُۥ مَأۡتِیࣰّا ﴿٦١﴾
"جَنَّات عَدْن" إقَامَة بَدَل مِنْ الْجَنَّة "الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَن عِبَاده بِالْغَيْبِ" أَيْ غَائِبِينَ عَنْهَا "إنَّهُ كَانَ وَعْده" أَيْ مَوْعُوده "مَأْتِيًّا" بِمَعْنَى آتِيًا وَأَصْله مَأْتُوي أَوْ مَوْعُوده هُنَا الْجَنَّة يَأْتِيه أَهْله
لَّا یَسۡمَعُونَ فِیهَا لَغۡوًا إِلَّا سَلَـٰمࣰاۖ وَلَهُمۡ رِزۡقُهُمۡ فِیهَا بُكۡرَةࣰ وَعَشِیࣰّا ﴿٦٢﴾
"لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا" مِنْ الْكَلَام "إلَّا" لَكِنْ يَسْمَعُونَ "سَلَامًا" مِنْ الْمَلَائِكَة عَلَيْهِمْ أَوْ مِنْ بَعْضهمْ عَلَى بَعْض "وَلَهُمْ رِزْقهمْ فِيهَا بُكْرَة وَعَشِيًّا" أَيْ عَلَى قَدْرهمَا فِي الدُّنْيَا وَلَيْسَ فِي الْجَنَّة نَهَار وَلَا لَيْل بَلْ ضَوْء وَنُور أَبَدًا
تِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِی نُورِثُ مِنۡ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِیࣰّا ﴿٦٣﴾
"تِلْكَ الْجَنَّة الَّتِي نُورِث" نُعْطِي وَنُنْزِل "مِنْ عِبَادنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا" بِطَاعَتِهِ وَنَزَلَ لَمَّا تَأَخَّرَ الْوَحْي أَيَّامًا وَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجِبْرِيل : مَا يَمْنَعك أَنْ تَزُورنَا أَكْثَر مِمَّا تَزُورنَا؟
وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمۡرِ رَبِّكَۖ لَهُۥ مَا بَیۡنَ أَیۡدِینَا وَمَا خَلۡفَنَا وَمَا بَیۡنَ ذَ ٰلِكَۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِیࣰّا ﴿٦٤﴾
"وَمَا نَتَنَزَّل إلَّا بِأَمْرِ رَبّك لَهُ مَا بَيْن أَيْدِينَا" أَيْ أَمَامنَا مِنْ أُمُور الْآخِرَة "وَمَا خَلْفنَا" مِنْ أُمُور الدُّنْيَا "وَمَا بَيْن ذَلِكَ" أَيْ : مَا يَكُون فِي هَذَا الْوَقْت إلَى قِيَام السَّاعَة أَيْ لَهُ عِلْم ذَلِكَ جَمِيعه "وَمَا كَانَ رَبّك نَسِيًّا" بِمَعْنَى نَاسِيًا أَيْ : تَارِكًا لَك بِتَأْخِيرِ الْوَحْي عَنْك
رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَیۡنَهُمَا فَٱعۡبُدۡهُ وَٱصۡطَبِرۡ لِعِبَـٰدَتِهِۦۚ هَلۡ تَعۡلَمُ لَهُۥ سَمِیࣰّا ﴿٦٥﴾
هُوَ "رَبّ" مَالِك "السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَيْنهمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ" أَيْ : اصْبِرْ عَلَيْهَا "هَلْ تَعْلَم لَهُ سَمِيًّا" مُسَمًّى بِذَلِكَ ؟ لَا
وَیَقُولُ ٱلۡإِنسَـٰنُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوۡفَ أُخۡرَجُ حَیًّا ﴿٦٦﴾
"وَيَقُول الْإِنْسَان" الْمُنْكِر لِلْبَعْثِ أُبَيّ ابْن خَلَف أَوْ الْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة النَّازِل فِيهِ الْآيَة " أَئِذَا" بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَة الثَّانِيَة وَتَسْهِيلهَا وَإِدْخَال أَلِف بَيْنهَا بِوَجْهَيْهَا وَبَيْن الْأُخْرَى "مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَج حَيًّا" مِنْ الْقَبْر كَمَا يَقُول مُحَمَّد فَالِاسْتِفْهَام بِمَعْنَى النَّفْي أَيْ : لَا أَحْيَا بَعْد الْمَوْت وَمَا زَائِدَة لِلتَّأْكِيدِ وَكَذَا اللَّام وَرَدَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى :
أَوَلَا یَذۡكُرُ ٱلۡإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقۡنَـٰهُ مِن قَبۡلُ وَلَمۡ یَكُ شَیۡـࣰٔا ﴿٦٧﴾
"أَوَلَا يَذْكُر الْإِنْسَان" أَصْله يَتَذَكَّر أُبْدِلَتْ التَّاء ذَالًا وَأُدْغِمَتْ فِي الذَّال وَفِي قِرَاءَة تَرْكهَا وَسُكُون الذَّال وَضَمّ الْكَاف "أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْل وَلَمْ يَكُ شَيْئًا" فَيُسْتَدَلّ بِالِابْتِدَاءِ عَلَى الْإِعَادَة
فَوَرَبِّكَ لَنَحۡشُرَنَّهُمۡ وَٱلشَّیَـٰطِینَ ثُمَّ لَنُحۡضِرَنَّهُمۡ حَوۡلَ جَهَنَّمَ جِثِیࣰّا ﴿٦٨﴾
"فَوَرَبِّك لَنَحْشُرَنَّهُمْ" أَيْ الْمُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ "وَالشَّيَاطِين" أَيْ نَجْمَع كُلًّا مِنْهُمْ وَشَيْطَانه فِي سِلْسِلَة "ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْل جَهَنَّم" مِنْ خَارِجهَا "جِثِيًّا" عَلَى الرَّكْب جَمْع جَاثٍ وَأَصْله جُثُوو أَوْ جُثُوي مِنْ جَثَا يَجْثُو أَوْ يَجْثِي لُغَتَانِ
ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِیعَةٍ أَیُّهُمۡ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحۡمَـٰنِ عِتِیࣰّا ﴿٦٩﴾
"ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلّ شِيعَة" فِرْقَة مِنْهُمْ "أَيّهمْ أَشَدّ عَلَى الرَّحْمَن عِتِيًّا" جَرَاءَة
ثُمَّ لَنَحۡنُ أَعۡلَمُ بِٱلَّذِینَ هُمۡ أَوۡلَىٰ بِهَا صِلِیࣰّا ﴿٧٠﴾
"ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَم بِاَلَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا" أَحَقّ بِجَهَنَّم الْأَشَدّ وَغَيْره مِنْهُمْ "صِلِيًّا" دُخُولًا وَاحْتِرَاقًا فَنَبْدَأ بِهِمْ وَأَصْله صُلُوي مِنْ صَلِيَ بِكَسْرِ اللَّام وَفَتْحهَا
وَإِن مِّنكُمۡ إِلَّا وَارِدُهَاۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتۡمࣰا مَّقۡضِیࣰّا ﴿٧١﴾
"وَإِنْ" أَيْ مَا "مِنْكُمْ" أَحَد "إلَّا وَارِدهَا" أَيْ دَاخِل جَهَنَّم "كَانَ عَلَى رَبّك حَتْمًا مَقْضِيًّا" حَتَمَهُ وَقَضَى بِهِ لَا يَتْرُكهُ
ثُمَّ نُنَجِّی ٱلَّذِینَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّـٰلِمِینَ فِیهَا جِثِیࣰّا ﴿٧٢﴾
"ثُمَّ نُنَجِّي" مُشَدَّدًا وَمُخَفَّفًا "الَّذِينَ اتَّقَوْا" الشِّرْك وَالْكُفْر مِنْهَا "وَنَذَر الظَّالِمِينَ" بِالشِّرْكِ وَالْكُفْر "فِيهَا جِثِيًّا" عَلَى الرُّكَب
وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَیۡهِمۡ ءَایَـٰتُنَا بَیِّنَـٰتࣲ قَالَ ٱلَّذِینَ كَفَرُواْ لِلَّذِینَ ءَامَنُوۤاْ أَیُّ ٱلۡفَرِیقَیۡنِ خَیۡرࣱ مَّقَامࣰا وَأَحۡسَنُ نَدِیࣰّا ﴿٧٣﴾
"وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ" أَيْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ "آيَاتنَا" مِنْ الْقُرْآن "بَيِّنَات" وَاضِحَات حَال "قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيّ الْفَرِيقَيْنِ" نَحْنُ وَأَنْتُمْ "خَيْر مَقَامًا" مَنْزِلًا وَمَسْكَنًا بِالْفَتْحِ مِنْ قَامَ وَبِالضَّمِّ مِنْ أَقَامَ "وَأَحْسَن نَدِيًّا" بِمَعْنَى النَّادِي وَهُوَ مُجْتَمَع الْقَوْم يَتَحَدَّثُونَ فِيهِ يَعْنُونَ نَحْنُ فَنَكُون خَيْرًا مِنْكُمْ
وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هُمۡ أَحۡسَنُ أَثَـٰثࣰا وَرِءۡیࣰا ﴿٧٤﴾
"وَكَمْ" أَيْ كَثِيرًا "أَهْلَكْنَا قَبْلهمْ مِنْ قَرْن" أَيْ أُمَّة مِنْ الْأُمَم الْمَاضِيَة "هُمْ أَحْسَن أَثَاثًا" مَالًا وَمَتَاعًا "وَرِئْيًا" مَنْظَرًا مِنْ الرُّؤْيَة فَكَمَا أَهْلَكْنَاهُمْ لِكُفْرِهِمْ نُهْلِك هَؤُلَاءِ
قُلۡ مَن كَانَ فِی ٱلضَّلَـٰلَةِ فَلۡیَمۡدُدۡ لَهُ ٱلرَّحۡمَـٰنُ مَدًّاۚ حَتَّىٰۤ إِذَا رَأَوۡاْ مَا یُوعَدُونَ إِمَّا ٱلۡعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ فَسَیَعۡلَمُونَ مَنۡ هُوَ شَرࣱّ مَّكَانࣰا وَأَضۡعَفُ جُندࣰا ﴿٧٥﴾
"قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَة" شَرْط جَوَابه "فَلْيَمْدُدْ" بِمَعْنَى الْخَبَر أَيْ يَمُدّ "لَهُ الرَّحْمَن مَدًّا" فِي الدُّنْيَا يَسْتَدْرِجهُ "حَتَّى إذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إمَّا الْعَذَاب" كَالْقَتْلِ وَالْأَسْر "وَإِمَّا السَّاعَة" الْمُشْتَمِلَة عَلَى جَهَنَّم فَيَدْخُلُونَهَا "فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرّ مَكَانًا وَأَضْعَف جُنْدًا" أَعْوَانًا أَهُمْ أَمْ الْمُؤْمِنُونَ وَجُنْدهمْ الشَّيَاطِين وَجُنْد الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَة
وَیَزِیدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ٱهۡتَدَوۡاْ هُدࣰىۗ وَٱلۡبَـٰقِیَـٰتُ ٱلصَّـٰلِحَـٰتُ خَیۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابࣰا وَخَیۡرࣱ مَّرَدًّا ﴿٧٦﴾
"وَيَزِيد اللَّه الَّذِينَ اهْتَدَوْا" بِالْإِيمَانِ "هُدًى" بِمَا يَنْزِل عَلَيْهِمْ مِنْ الْآيَات "وَالْبَاقِيَات الصَّالِحَات" هِيَ الطَّاعَة تَبْقَى لِصَاحِبِهَا "خَيْر عِنْد رَبّك ثَوَابًا وَخَيْر مَرَدًّا" أَيْ مَا يُرَدّ إلَيْهِ وَيَرْجِع بِخِلَافِ أَعْمَال الْكُفَّار وَالْخَيْرِيَّة هُنَا فِي مُقَابَلَة قَوْلهمْ أَيّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْر مَقَامًا
أَفَرَءَیۡتَ ٱلَّذِی كَفَرَ بِـَٔایَـٰتِنَا وَقَالَ لَأُوتَیَنَّ مَالࣰا وَوَلَدًا ﴿٧٧﴾
"أَفَرَأَيْت الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا" الْعَاصِي بْن وَائِل "وَقَالَ" لِخَبَّابِ بْنِ الْأَرَتّ الْقَائِل لَهُ تُبْعَث بَعْد الْمَوْت وَالْمُطَالِب لَهُ بِمَالٍ . "لَأُوتَيَنَّ" عَلَى تَقْدِير الْبَعْث "مَالًا وَوَلَدًا" فَأَقْضِيك
أَطَّلَعَ ٱلۡغَیۡبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحۡمَـٰنِ عَهۡدࣰا ﴿٧٨﴾
"أَطَّلَعَ الْغَيْب" أَيْ أَعَلِمَهُ وَأَنْ يُؤْتَى مَا قَالَهُ وَاسْتُغْنِيَ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَام عَنْ هَمْزَة الْوَصْل فَحُذِفَتْ "أَمْ اتَّخَذَ عِنْد الرَّحْمَن عَهْدًا" بِأَنْ يُؤْتَى مَا قَالَهُ
كَلَّاۚ سَنَكۡتُبُ مَا یَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُۥ مِنَ ٱلۡعَذَابِ مَدࣰّا ﴿٧٩﴾
"كَلَّا" أَيْ لَا يُؤْتَى ذَلِكَ "سَنَكْتُبُ" نَأْمُر بِكَتْبِ "مَا يَقُول وَنَمُدّ لَهُ مِنْ الْعَذَاب مَدًّا" نَزِيدهُ بِذَلِكَ عَذَابًا فَوْق عَذَاب كُفْره
وَنَرِثُهُۥ مَا یَقُولُ وَیَأۡتِینَا فَرۡدࣰا ﴿٨٠﴾
"وَنَرِثهُ مَا يَقُول" مِنْ الْمَال وَالْوَلَد "وَيَأْتِينَا" يَوْم الْقِيَامَة "فَرْدًا" لَا مَال لَهُ وَلَا وَلَد
وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةࣰ لِّیَكُونُواْ لَهُمۡ عِزࣰّا ﴿٨١﴾
"وَاِتَّخَذُوا" أَيْ كُفَّار مَكَّة "مِنْ دُون اللَّه" أَيْ : الْأَوْثَان "آلِهَة" يَعْبُدُونَهُمْ "لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا" شُفَعَاء عِنْد اللَّه بِأَنْ لَا يُعَذَّبُوا
كَلَّاۚ سَیَكۡفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمۡ وَیَكُونُونَ عَلَیۡهِمۡ ضِدًّا ﴿٨٢﴾
"كَلَّا" أَيْ لَا مَانِع مِنْ عَذَابهمْ "سَيَكْفُرُونَ" أَيْ الْآلِهَة "بِعِبَادَتِهِمْ" أَيْ يَنْفُونَهَا كَمَا فِي آيَة أُخْرَى "مَا كَانُوا إيَّانَا يَعْبُدُونَ" "وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا" أَعْوَانًا وَأَعْدَاء
أَلَمۡ تَرَ أَنَّاۤ أَرۡسَلۡنَا ٱلشَّیَـٰطِینَ عَلَى ٱلۡكَـٰفِرِینَ تَؤُزُّهُمۡ أَزࣰّا ﴿٨٣﴾
"أَلَمْ تَرَى أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِين" أَيْ سَلَّطْنَاهُمْ "عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزّهُمْ" تُهِيجهُمْ إلَى الْمَعَاصِي
فَلَا تَعۡجَلۡ عَلَیۡهِمۡۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمۡ عَدࣰّا ﴿٨٤﴾
"فَلَا تَعْجَل عَلَيْهِمْ" بِطَلَبِ الْعَذَاب "إنَّمَا نَعُدّ لَهُمْ" الْأَيَّام وَاللَّيَالِي أَوْ الْأَنْفَاس "عَدًّا" إلَى وَقْت عَذَابهمْ
یَوۡمَ نَحۡشُرُ ٱلۡمُتَّقِینَ إِلَى ٱلرَّحۡمَـٰنِ وَفۡدࣰا ﴿٨٥﴾
اذْكُر "يَوْم نَحْشُر الْمُتَّقِينَ" اُذْكُرْ يَوْم نَحْشُر الْمُتَّقِينَ بِإِيمَانِهِمْ "إلَى الرَّحْمَن وَفْدًا" جَمْع وَافِد بِمَعْنَى : رَاكِب
وَنَسُوقُ ٱلۡمُجۡرِمِینَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرۡدࣰا ﴿٨٦﴾
"وَنَسُوق الْمُجْرِمِينَ" بِكُفْرِهِمْ "إلَى جَهَنَّم وِرْدًا" جَمْع وَارِد بِمَعْنَى مَاشٍ عَطْشَان
لَّا یَمۡلِكُونَ ٱلشَّفَـٰعَةَ إِلَّا مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحۡمَـٰنِ عَهۡدࣰا ﴿٨٧﴾
"لَا يَمْلِكُونَ" أَيْ النَّاس "الشَّفَاعَة إلَّا مَنْ اتَّخَذَ عِنْد الرَّحْمَن عَهْدًا" أَيْ شَهَادَة أَنْ لَا إلَه إلَّا اللَّه وَلَا حَوْل وَلَا قُوَّة إلَّا بِاَللَّهِ
وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحۡمَـٰنُ وَلَدࣰا ﴿٨٨﴾
"وَقَالُوا" أَيْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَلَائِكَة بَنَات اللَّه
لَّقَدۡ جِئۡتُمۡ شَیۡـًٔا إِدࣰّا ﴿٨٩﴾
"لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا" أَيْ مُنْكَرًا عَظِيمًا
تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتُ یَتَفَطَّرۡنَ مِنۡهُ وَتَنشَقُّ ٱلۡأَرۡضُ وَتَخِرُّ ٱلۡجِبَالُ هَدًّا ﴿٩٠﴾
"تَكَاد" بِالتَّاءِ وَالْيَاء "السَّمَوَات يَتَفَطَّرْنَ" بِالتَّاءِ وَتَشْدِيد الطَّاء بِالِانْشِقَاقِ وَفِي قِرَاءَة بِالنُّونِ "مِنْهُ وَتَنْشَقّ الْأَرْض وَتَخِرّ الْجِبَال هَدًّا" أَيْ تَنْطَبِق عَلَيْهِمْ مِنْ أَجْل "أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا"
أَن دَعَوۡاْ لِلرَّحۡمَـٰنِ وَلَدࣰا ﴿٩١﴾
لايوجد تفسير لهذه الآية
وَمَا یَنۢبَغِی لِلرَّحۡمَـٰنِ أَن یَتَّخِذَ وَلَدًا ﴿٩٢﴾
"وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذ وَلَدًا" أَيْ مَا يَلِيق بِهِ ذَلِكَ
إِن كُلُّ مَن فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ إِلَّاۤ ءَاتِی ٱلرَّحۡمَـٰنِ عَبۡدࣰا ﴿٩٣﴾
"إنْ" أَيْ مَا "كُلّ مَنْ فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض إلَّا آتِي الرَّحْمَن عَبْدًا" ذَلِيلًا خَاضِعًا يَوْم الْقِيَامَة مِنْهُمْ عُزَيْر وَعِيسَى
لَّقَدۡ أَحۡصَىٰهُمۡ وَعَدَّهُمۡ عَدࣰّا ﴿٩٤﴾
"لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا" فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَبْلَغُ جَمِيعِهِمْ وَلَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ
وَكُلُّهُمۡ ءَاتِیهِ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ فَرۡدًا ﴿٩٥﴾
"وَكُلّهمْ آتِيه يَوْم الْقِيَامَة فَرْدًا" بِلَا مَال وَلَا نَصِير لَهُ
إِنَّ ٱلَّذِینَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَیَجۡعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحۡمَـٰنُ وُدࣰّا ﴿٩٦﴾
"إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَن وُدًّا" فِيمَا بَيْنهمْ يَتَوَادُّونَ وَيَتَحَابُّونَ وَيُحِبّهُمْ اللَّه تَعَالَى
فَإِنَّمَا یَسَّرۡنَـٰهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلۡمُتَّقِینَ وَتُنذِرَ بِهِۦ قَوۡمࣰا لُّدࣰّا ﴿٩٧﴾
"فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ" أَيْ الْقُرْآن "بِلِسَانِك" الْعَرَبِيّ "لِتُبَشِّر بِهِ الْمُتَّقِينَ" الْفَائِزِينَ بِالْإِيمَانِ "وَتُنْذِر" تُخَوِّف "بِهِ قَوْمًا لُدًّا" جَمْع أَلَدّ أَيْ جَدِل بِالْبَاطِلِ وَهُمْ كُفَّار مَكَّة
وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هَلۡ تُحِسُّ مِنۡهُم مِّنۡ أَحَدٍ أَوۡ تَسۡمَعُ لَهُمۡ رِكۡزَۢا ﴿٩٨﴾
"وَكَمْ" أَيْ كَثِيرًا "أَهْلَكْنَا قَبْلهمْ مِنْ قَرْن" أَيْ أُمَّة مِنْ الْأُمَم الْمَاضِيَة بِتَكْذِيبِهِمْ الرُّسُل "هَلْ تُحِسّ" تَجِد "مِنْهُمْ مِنْ أَحَد أَوْ تَسْمَع لَهُمْ رِكْزًا" صَوْتًا خَفِيًّا ؟ لَا فَكَمَا أَهْلَكْنَا أُولَئِكَ نُهْلِك هَؤُلَاءِ
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian